يتجلى البعد الديني والإنساني للنهضة الحسينية في ما حققته الثورة في حفظ المبادئ الحقة للإسلام والتي حملت معها جميع ما بشر به الرسول الكريم(ص) في عصر الرسالة الإسلامية لتتقوم من خلال الإمامة المنصوص عليها، أما البعد السياسي والعالمي فيقع في مصاديق الثورة التي استوعبتها أهدافها السامية في الحرية والاستشهاد من أجل الكرامة..



تخليد واقعة الطف عبر الشعائر الحسينية

من الطاقات التي وظّفها أئمة آل البيت صلى الله عليه وآله في تأبين وتخليد واقعة الطف، هي طاقة التجمع أو الحشد الجمعي، باعتبار ان واقعة الطف واقعة غير عادية، وليست مأساة مرت وذهبت، بل هي نزاع وصراع دائمين ودائبين بين مبدأين رحماني وشيطاني، ومعسكرين خير وشر، ومن هنا جرى قلم القضاء ان تبقى هذه الجذوة العاشورائية حية ومتحركة في قلوب المؤمنين. ومن عوامل بقائها وخلودها هو الاهتمام المستمر لأهل البيت صلى الله عليه وآله بالتكثير في زيارات الإمام الحسين عليه السلام، فأكثر الشهور القمرية تناولت زياراتٍ مكررة للإمام عليه السلام، علاوة على ليالي الجمعات. وهذا الحشد الجماهيري الذي أقامه الأئمة صلى الله عليه وآله، هو بلا شك يعطي للفرد الزائر طاقة إيمانية وتعبئة ثورية تستثمر في احياء النهج الذي اختطه الإمام الحسين عليه السلام، فالسلوك الجمعي كفيل باعطاء دفع أثقل للمسيرة الحسينية، وهذه المظاهرة الحاشدة في كل زيارة هي تحدي وشجب للظلم والظالمين. ولما كان للزيارات المتكررة للحسين عليه السلام في المناسبات المتعددة دور في تخليد واقعة الطف، أولى الأئمة اهتمامهم الكبير في تشجيع وتحشيد اتباعهم لزيارة الحسين، لأن فيها نشر لظلامتهم، وأول من استخدم هذا الأسلوب الإمام السجاد عليه السلام وعمته زينب عليها السلام وعيالات آل الرسول، حينما أقاموا العزاء في أول زيارة لهم للحسين بعد 40 يوما من المجزرة الكبرى والواقعة الدموية العظمى. يقول جابر بن عبد الله الأنصاري مستقبلاً الإمام زين العابدين في الأربعين:

سيدي! عظم الله لك الأجر، فقال الإمام: "يا جابر، هاهنا ذبحت أطفالنا، يا جابر، هاهنا قتلت رجالنا، يا جابر، هاهنا سبيت نساؤنا، يا جابر، هاهنا قتل أبي الحسين عليه السلام".. فهذه الكلمات تعميق وتعريف للمظلومية! ثم اقبلت النساء كل منها إلى قبر عزيزها، وزينب عند قبر أخيها الحسين عليه السلام صاحت بصوت حزين يقرح القلوب: "وا أخاه وا حسيناه، وا حبيب رسول الله". فاستثمار مراسم العزاء اعلامياً من جانب آل البيت، هدفه نشر ظلامة آل الرسول، التي هي الواسطة لاستدرار العطف والدموع، وتعريف الآخرين بأهداف الثورة الحسينية ومحتواها، ومن هنا قال الإمام الحسين عليه السلام: "أنا قتيل العبرة، ما ذُكرت عند مؤمن الا ودمعت عيناه". ولقد وظف أئمة أهل البيت صلى الله عليه وآله اتباعهم لزيارة الحسين بشكل عجيب ومثير، فمثلاً المتوكل العباسي ـ وهو عاشر أئمة الكفر العباسيين ـ كان يقطع الرؤوس ويقلع النفوس، ونرى الإمام الهادي يشجع على زيارة جده الحسين عليه السلام، واذا مرض عليه السلام كان يرسل أحداً ليدعو له عند قبر الحسين عليه السلام، فيسأل: يابن رسول الله، انك إمام معصوم وكلكم نور واحد، فكان يقول عليه السلام: "ان الدعاء تحت قبته أسرع بالإجابة"،

وما هذا التركيز الا توظيف هائل من الأئمة لإبقاء واقعة الطف حية ووهج الطف مستمرا عبر زيارة الحسين عليه السلام وخاصة الأربعين. والأكثر من هذا يذكر التاريخ ان حوالي 800 يد قطعت في سبيل زيارة الحسين في عهد المتوكل العباسي، علاوة على الجزية التي كان يقدمها الزائرون لشرطة المتوكل لأجل الزيارة، وما كانوا يلاقون من أذى وعذاب. ولقد تحرك أئمة أهل البيت صلى الله عليه وآله في مناط آخر، فعبر الأسلوب الأدبي تمكنوا من حشد الناس لزيارة جدهم الحسين، وذلك ضمن الأحاديث المروية عنهم في خصوصيات زيارته عليه السلام، وهي من أعظم الوسائل ومالها من الفضائل والأجر، وجعلوا لها أحكامها الشرعية وشروطها وآدابها، وبينوا الآثار المترتبة على تركها، وركزوا في نصوصها على الخطابات المخصوصة والتي تجند الزائر ليمارس دوراً في المسيرة الحسينية. وكم من الزائرين جاؤوا يحملون اللوعة والحرارة في زيارتهم للحسين، وهذه زيارة الأربعين أصبحت مظاهرة في صميم واقع الأمة، وأخذت أبعاداً سياسية غير الأبعاد الساذجة والجامدة، ولعبت دوراً كبيراً في تجنيد العواطف لشجب الباطل ونصرة الحق حتى عصرنا هذا، وهذا ما لمسناه عبر انتفاضات الزائرين في زيارة الأربعين ضد الطغاة الحاكمين على أرض العتبات في العراق في كل عام.

وكم قدمت مواكب المشاة وهيآت الزوار بالأربعين قوافل الشهداء تأسيا واقتداءا بأئمتهم، وكم خطت مشياً على الأقدام مئات الكيلومترات متجهة إلى كربلاء وحاملة شعار (هيهات منا الذلة) ومفجرة شعارات الحسين بوجه يزيد. قال الإمام الحسن العسكري عليه السلام: "علاماتُ المؤمن خمس؛ صلاة احدى وخمسين، والتختم باليمين، وتعفير الجبين، والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وزيارة الأربعين". وروي عن الصادق عليه السلام: ان الله ليباهي بزائر الحسين عليه السلام حملة عرشه وملائكته المقربين، ويقول: الا ترون زوار قبر الحسين اتوه شوقا. ومن الصفات الخاصة والحاصلة لزائري قبر الحسين ما ذكرها الشيخ جعفر الشوشتري في كتابه (الخصائص الحسينية): ومنها ان دليل المحبة للحسين عليه السلام هو كون الشخص زواراً له، أي كثير الزيارة، ومنها انه ممن نظر الله إليه بالرحمة، ومنها ان يكون ممن يحدثه الله فوق عرشه، ومنها في عشر روايات من انه يكتب في عليين، ومنها ان يكون في الجنة في جوار النبي وأهل بيته صلى الله عليه وآله يأكل معهم على موائدهم، ومنها ان كان شقيا كتب سعيدا، ومنها انه يحسب من الكروبيين ومن سادة الملائكة، ومنها انه مساعد للزهراء عليها السلام، فإنها تزور الحسين كل يوم، ومنها انه زائر الله وزائر رسول الله، ومنها ان كل من له درجة يوم القيامة يتمنى أيضاً ان يكون من زوار الحسين عليه السلام مما يرى من كرامتهم الخاصة بهم، كما في الروايات. ومن هذا المنطلق فجّر الأئمةُ صلى الله عليه وآله صوتَ الرفض والجهاد على لسان زوار الحسين عليه السلام، وحولوا واقعة كربلاء عبرا وعبرات وعظة وعظات تلعب دورها في استمرار الثورة، والا ذهبت وماتت، فقضية الحسين ليست قصة عابرة لتموت في قرن أو قرنين، بل هي صراع دام ودائمي تخوضه الإنسانية.
  دراسات
  من هو المنتصر
 محرم وتاريخ العزاء الحسيني
عاشوراء لكل عصر
 عاشوراء صرخة الحق و الحرية
 طريق أهل البت-عليهم السلام
  تخليد واقعة الطف عبر الشعائر
  ..... تأثير الصلح الحسني في
  ..منع السلطات واقعة الطف
  ...عطاء الاخوة الايمانية
  نوادر من حياة الامام الحسين
  .... وسائل الاستقطاب المعنوي
  معاجز الرأس الشريف
  ... لماذا أحرقوا مخيم الامام
  الامام الحسين حضور دائم
  أرقام وتواريخ في مسيرة الامام

صدى عاشوراء