طريق أهل البيت صلى الله عليه وآله
فى ظل النبوة وفى مرحلة الدعوة كانت الامة الاسلامية تعيش الوحدة الفكرية والسياسية، فكان الرسول الهادي محمد هو المبلغ والمبين للشريعة، وهو القائد وولي الامر.
وما ان التحق بالرفيق الاعلى، وفى الساعات الاولى من وفاته ظهرت الاتجاهات الفكرية والسياسية المتعددة. فكان الخلاف في امر الخلافه
والامامه الذى انطلق من رؤى وافهام متفاوتة. ثم كان الخلاف فى فهم الاسلام وبيان احكامه وتطبيق مبادئه، فتعددت المواقف والاراء والمدارس الفكرية.
وفى خضم هذا الصراع الفكري والسياسي كان لاهل البيت النبوي صلى الله عليه وآله- علي وبنيه مدرستهم
الفكريه وسيرتهم العملية ومنهجهم السياسي،وكان طبيعيا ان ينقسم المسلمون الى اتباع للمذاهب الفكرية
والفقهيةوللمواقف السياسية هذه. ويحدثنا التاريخ ان اول تجمع نشأ حول الامام علي عليه السلام على شكل تكتل متميز كان يوم وفاة رسول اللّه
من طلائع الصحابة الذين عارضوا بيعة السقيفة ونادوا باحقية الامام علي عليه السلام بالخلافة.
ثم تحول هذا الموقفالى قناعة صامتة، حتىتسلط الحزب الاموي في عهدالخليفةعثمان،فظهرت الطلائع من اتباع اهل البيت صلى
الله عليه وآله امثال ابي ذر الغفاري وعمار بنياسر ومحمد بن ابي بكر وغيرهم، ظهرت على مسرح الحياه السياسية والدعوة الى الاصلاح.
ثم تميز الولاء لآل البيت صلى الله عليه وآله والاتباع الفكري والسياسي بالمناداة بالبيعة لعلي بعد مقتل الخليفة عثمان.
فانحاز لعلي البدريون واهل بيعةالرضوان وسائر المهاجرين والانصار للوقوف بوجه السلطة الاموية التىقادها معاوية ابن ابي سفيان في الشام.
وبعد استشهاد الامام علي بن ابي طالب عليه السلام عام(40 هـ)، تحول الولاء الى اهل البيت واتباع
منهجهم الى جريمة في عرف الحكم الاموي، يعاقب عليها بالقتل والسجن والاضطهاد. ورغم ذلك فقد استمر الولاء
والاتباع لآل البيت، وتعميق منهجهم الفكري والفقهي وترسيخ مسارهم السياسي. واتسعت دائرة الانتماء اليهم، لاسيما بعد ثورة الامام الحسين
بن علي على سلطة يزيد بن معاوية واستشهاده عام (61هـ)، ولقد اطلق على اتباع اهل البيت اسم (الشيعة)، وسمي الانتماء والولاء لهم (تشيعا).
ويذكر لنا كتاب السير ان اسم الشيعة كان يطلق فى عهد النبي علىاربعة من الصحابة (ابي ذر وسلمان وعمار ابن ياسر والمقداد)، فقد كانوا يعرفون بشيعة علي عليه السلام فى ذلك العهد.
التشيّع.. النشأة الاولى
الشيعة في اللغة: هم الاتباع والانصار، ثم صار اسم الشيعة مصطلحا خاصا
واسما علما لاتباع آل البيت النبوى. عرف ابن منظور الشيعة في قاموسه اللغوي الشهير (لسان العرب) نقلا عن الازهري: (والشيعة قوم يهوون هوى عترة النبي
ويوالونهم، وقد غلب هذا الاسم على من يتولىعليا واهل بيته حتى صار لهم اسما خاصا).
ان دراسة وتحليل التشيع ككيان ومدرسة واتجاه اسلامي توصلنا الى ان الامامة لآل البيت النبوي -علي وبنيه هي حجر الزاوية في بنائه، والاساس الذي شيد عليه، ذلك لإن
الامامة تشكل الركن الاساس من اركان المعتقد الاسلامي والامتداد المتواصل للمسيرة النبوية، لما لها من اهمية كبرى في بيان الفكر الاسلامي،
وحفظ الشريعة وتطبيقها، ومواصلة مسؤولية الدعوة والتغيير بعد النبوة. لذا اجمع المسلمون على وجوبها إلا من شذ من الخوارج والمعتزلة.
ويقرر القرآن الكريم أهمية الامامة وقيمتها الفكرية والسياسية والعقيدية عندما يجعلها عهدا إلهيا للخيرة والصفوة المختارة من عباده.
قال تعالى مصورا الحوار حول الامامة مع نبيه وخليله ابراهيم عليه السلام: (واذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمات فاتمهن قال اني جاعلك للناس اماما قال ومن ذريتي قال لاينال عهدي الظالمين).
وفي آية اخرى نقرأ بيانا آخر لموقع الامامة وقيمتها واهميتها في الحياة البشرية من خلال وصفه للنبيين الذين استحقوا الامامة.
قال تعالى: (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون).
ولأهمية الامامة في استمرار المسيرة الاسلامية منخلال اقامة الدولة، وبيان الشريعة، وحفظ النقاء والاصالة، نجد الرسول الكريم محمدا يربط بينها وبين الايمان بحقيقته وجوهره فيقول :
(من مات وهو لا يعرف امام زمانه مات ميتة جاهلية).
وبقوله: (من مات وليس فى عنقه بيعة مات ميتة جاهلية). وبقوله: (من مات بغير امام مات ميتة جاهلية).
وتأسيسا على هذا البيان النبوي نجد الامام الصادق عليه السلام يتحدث عن اهمية الامام القائد للامة في مسيرتها الفكرية والسياسية والحضارية ووجوب الامامة، فيقول: (لو لم يكن فيالارض الا اثنان لكان الامام احدهما).
وانطلاقا من هذه الحقائق اعطى الفكر الشيعي مسألة الامامة الاهمية الكبرى، وآمن بأن الامامة خلافة النبوة، وانها:(رئاسة عامة في امور الدين والدنيا لشخص من الاشخاص نيابة عن النبي).
لذا كانت الامامة فى الفكر الشيعي مسألة عهد نبوي، ونيابة عنالنبي . وتحديد اشخاصها والمضطلعين بها بعد النبوة هي من مهام النبي .
ولذلك آمن الاتجاه الشيعي: ان مسألة خطيرة تتعلق بمصير الامة والرسالة كمسألة الامامة لا يمكن ان يهملها النبي
لتواجه مشاكل الخلاف والتمزق والصراع، وهو الحريص علىمستقبل الامة،
والمكلف بحفظ المسيرة. واستدلوا لذلك بالبيان القرآني، وبالمواقف والتصريحات النبوية التي دلت دلالة صريحة على
ان الرسول الهادي محمدا كان منذ بدء الدعوة مواظبا على اعداد طليعة من اصحابه والمؤمنين برسالته، ليكونوا طلائع الفكر والمسير، وتلامذة
يعون محتوى الرسالة، ويستوعبون مضمون الاسلام بعمقه وشموله وحركته التغييرية الكبرى. وان العناية النبوية
قد تركزت باعداد شخصية الامام علي عليه السلام وتربيته اكثر من أية شخصية اخرى منشخصيات الصحابة.
فقد ضمه النبي الى اسرته منذ نشأته الاولى، ورباه فى بيته علىخلقه وأدبه قبل ان يبعث نبيا، فكانت نشأته فى بيت النبوة قد صانته من رجس الجاهلية، وعصمته من سلوك ذلك المجتمع الوثني، فلميسجد لصنم قط.
وحين اختار اللّه نبيه محمدا لحمل الرسالة وهداية البشرية كان الامامعلي هو اول المصدقين به، والمتلقين لدعوته، فعايش الدعوة والرسالةمن ساعاتها الاولى بفكره ووعيه وسلوكه، من خلال ما اولاه النبي
فى هذه المرحلة من عناية الاعداد الرسالي، وتلقينه العلوم والمعارفالتى تلقاها من رب العزة، كما يعتني الاستاذ بأبرز تلامذته وطليعة المؤهلين منهم.
لقد كان الامام علي يصف علاقته برسول اللّه حين احتضنه ورباه فى بيته، فيقول: (ولقد كنت اتبعه اتباع الفصيل اثر امه، يرفع لي في كل يوم من اخلاقه علما،ويأمرني بالاقتداء به...).
وتتابع الاهتمام النبوي بعلي، والتصريح فى مواقف عديدة بمقامه ومكانته، حتى اتضح لجيل الصحابة ان النبي كان يعده، ويؤهله لمسؤولية الامامة والقيادة.