يتجلى البعد الديني والإنساني للنهضة الحسينية في ما حققته الثورة في حفظ المبادئ الحقة للإسلام والتي حملت معها جميع ما بشر به الرسول الكريم(ص) في عصر الرسالة الإسلامية لتتقوم من خلال الإمامة المنصوص عليها، أما البعد السياسي والعالمي فيقع في مصاديق الثورة التي استوعبتها أهدافها السامية في الحرية والاستشهاد من أجل الكرامة..



محرم وتاريخ العزاء الحسيني
السيد هبة الدين الحسيني

في التاريخ مصارع كثيرة.. وفجائع مثيرة يذهل الفكر أمامها حائراً.. ولكن فاجعة كربلاء قد أجمع المؤرخون بأنها من أشد الفجائع أثراً في النفوس... وأقسى المصارع وقعاً على القلوب.. ذلك لما وقع على ساحة الطف في كربلاء بالعراق من مجزرة بآل النبي وأصحابهم يوم العاشر من محرم سنة إحدى وستين للهجرة الموافق لسنة 85 ميلادية . حيث حوصر فيها الإمام أبوعبد الله الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام هووآله وفتية من بني هاشم وجملة من أصحابه من أهل العراق والحجاز.. واستُشهدوا جميعاً من قبل الجيش الأموي بقيادة عمر بن سعد بن أبي وقاص وبأمر من عبيد الله بن زياد عامل يزيد على الكوفة.. لا لذنب سوى تمسكهم القوي بمبادئهم القويمة.. وإحساسهم القوي بالمسؤولية الملقاة على عواتقهم إزاء السياسة الأموية القائمة... لذلك كلما بدت طلعة العام الهجري تذكّر المسلمون ببالغ الأسى وعظيم التأثر مصارع آل الرسول وأهل بيته وما أمعنه الجيش الأموي فيهم من القتل والتنكيل والتمثيل.. وتذكروا كيف دكّت حوافر خيول هذا الجيش جناجن صدورهم وظهورهم بشكل لم يشهد التاريخ نظيرها فظاعة وبشاعة.. وكيف ساروا برؤوس القتلى على الرماح مع نساء الرسول سبايا إلى الكوفة فالشام باسم سبايا الروم ثم إلى مدينة جدّهم يثرب عاريات في أحزن منظر.. كل هذا والدين الحنيف في أول عهده.. والإسلام في ربيع حياته..

لذلك حين يحل هذا التاريخ من كل عام.. ويهل هلال محرم الحرام يستعد المسلمون في معظم أنحاء المعمورة للتعبير عن شعورهم إزاء هذه الذكرى الدامية وخاصة في يوم العاشر من محرم.. المعروف بيوم عاشوراء حيث يحتفل المسلمون فيه بهذه المناسبة الأليمة متذكرين مصارع آل النبي في كربلاء في حزن عميق وشجن عظيم.. يستعرضون مواقف الإمام الحسين ومن استشهد معه بما يناسبها من الإشادة والتكريم... ومنهم من يبالغ في إظهار شعائر الحزن والأسى حسبما يتصوره ويرتاح إليه حسب تأثره ومعتقده اتجاه هذه الفاجعة الدامية.. التي أثرت في العالم الإسلامي تأثيراً بالغاً ما ظل ملازماً له منذ ذلك الحين أي قبل ألف وقرون الى يومنا هذا... إلى ما شاء الله من أيام الدهر . وقد يتصور البعض أنّ هذه الشعائر والمظاهر التي تقام في العشرة الأولى من محرم الحرام من كل عام من قبل المسلمين في مختلف أنحاء الأرض وبمختلف أشكالها إنّما هي من محدثات العصور الأخيرة في حين أنّ هذا التعبير عن شعور التأثر والتألم تجاه مصرع الإمام الحسين.. إنّما يرقى تاريخه إلى عهد قديم في الإسلام أوهوقريب العهد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان.. غير أنّه كان في أول أمره محدوداً جداً وصغير الحجم يقام بمحضر أخص الناس بالحسين كالأعلام من ذريته.. للمؤاساة.. وللتخفيف عن لوعة المصيبة.

مظاهر العزاء لآل البيت

في العصر الأموي

وكما كانت الآفاق العربية يومها تردد صدى هذه الفاجعة المؤلمة.. وقسوة ما اقترفه الأمويون بآل الرسول في كربلاء.. كانت العائلة النبوية تجدد ذكراها صباحاً ومساء في حزن عميق وشجن عظيم... وتبكي عليه رجالاً ونساءً.. وكلما رأوا الماء تذكروا عطش قتلاهم.. فلم يهنأوا بطعام ولا بمنام.. وكان وجوه المسلمين والموالون لآل البيت يفدون على بيوت آل النبي بالمدينة معزين ومواسين وكان الواحد منهم يعبّر عن مشاعره وأحزانه بأبلغ ما أُوتي من روعة القول وقوة البيان وحسن المؤاساة لهذه المصيبة.. حتى تركوا ثروة أدبية رائعة في أدب التسلية والمؤاساة.. وبقيت بيوت آل البيت مجللة بالحزن والسواد ولا توقد فيها النيران.. حتى نهضت في العراق ثلة من فتيانه الأشاوس ومن زعماء العرب الأقحاح أمثال المختار الثقفي وإبراهيم بن مالك الأشتر النخعي وسليمان الخزاعي والمسيّب الفزاري وغيرهم حيث أخذوا ثأر الحسين وقتلوا جميع قتلة الحسين أمثال ابن زياد وابن سعد وسنان وشمر وحرملة وغيرهم... فخفت من ذلك لوعة الأشجان في بني هاشم.. وهدأ منهم نشيج الزفرات ونزيف العبرات.. فصارت المآتم منهم وفيهم تقام في السنة مرة بعدما كانت مستمرة..

ففي ذلك العهد ـ عهد السلف الصالح ـ يحدثنا التاريخ الإسلامي عن أعلام أهل البيت النبوي، أنهم كانوا يستشعرون الحزن كلما هلّ هلال محرم... وتفد عليهم وفود من شعراء العرب لتجديد ذكرى الحسين عليه السلام لدى أبنائه الأماجد.. وقد ألقوا روائع في فن الرثاء والتسلية والتذكير بأُسلوب ساحر أخاذ ما ظل شعرهم خالداً رغم كرّ العصور. فقد كان الشاعر العربي الكُميت بن زيد الأسدي من شعراء العصر الأموي والمتوفى سنة 126 للهجرة قد جعل معظم قصائده في مدح بني هاشم وذكر مصائب آل الرسول صلى الله عليه وآله.. حتى سميت قصائده بالهاشميات وكان ينشد معظمها في مجالس الإمام الصادق وأبيه الباقر محمّد وجدّه علي بن الحسين صلى الله عليه وآله. ومن تلك القصائد التي ألقاها بين يدي الإمام علي بن الحسين السجّاد عليه السلام قصيدته المشهورة التي مطلعها:

من لقلب متيم مستهام

غير ما صبوة ولا أحلام

وقتيل الطف غودر عنه

بين غوغاء أمة وطغام

قتلوا يوم ذاك إذ قتلوه

حاكماً لا كسائر الحكام

قتل الأدعياء إذ قتلوه

أكرم الشاربين صوب الغمام

ولهت نفسي الطروب إليهم

ولهاً حال دون طعم الطعام

فلما بلغ آخرها حتى قال السجاد عليه السلام له ثوابك نعجز عنه.. ولكن الله لا يعجز عن مكافأتك... فقال الكميت: سيدي إن أردت أن تحسن إليّ فادفع لي بعض ثيابك التي تلي جسدك أتبرّك بها.. فنزع الإمام ثيابه ودفعها إليه. ودعا له.. ومن تلك القصائد قصيدته التي ألقاها في مجلس الإمام الصادق عليه السلام والتي مطلعها:

طربت وما شوقاً الى البيض أطرب

ولا لعباً منّي وذوالشيب يلعب

ولكن الى أهل الفضائل والنهى

وخير بني حواء والخير يطـلب

الى أن يقول:

ومن أكبر الأحداث كانت مصيبة

علينا قتيل الأدعياء الملحّب

قتيل بجنب الطف من آل هاشم

فيالك لحماً ليس عنه مذبّب

ومنعفر الخدين من آل هاشم

ألا حبذا ذاك الجبين المترّب

وقد نال هذا الشاعر الجوائز الكثيرة من أئمة آل البيت عليه السلام حتى أن الإمام الصادق عليه السلام أكرمه مرّة على قصيدة ألف دينار وكسوة فقال الكميت: والله ما أحببتكم للدنيا.. ولوأردت الدنيا لأتيت من هي في يديه.. ولكني أحببتكم للآخرة.. أمّا الكسوة فأقبلها لبركتها وأمّا المال فلا أقبله. ومثله الشاعر السيد إسماعيل الحميري أحد الشعراء المشهورين في العصر الأموي فقد جعل معظم قصائده في آل البيت وفي هذا المصاب.. وقد دخل على الإمام الصادق عليه السلام مرّة يستأذنه أن ينشد له من شعره فأذن الإمام فأنشد:

أُمرر على جدث الحسين

وقل لأعظمه الزكية

يا أعظماً ما زلت من

وطفاء، ساكبة روية

وإذا مررت بقبره

فأطل به وقف المطية

وابكِ المطهر للمطهر

والمطهرة النقية

كبكاء معولة أتت

يوماً لواحدها المنية

فما بلغ هذا الحد حتى أخذت الدموع من الإمام تنحدر على خديه وارتفع الصراخ من داره... فأمره الإمام بالإمساك فأمسك.. ثم أوصله بهدية ثمينة.. وهكذا كان الشعراء يقصدون مجالس آل البيت النبوي وسائر مجالس الهاشميين في هذا الموسم لإلقاء خيرة ما نظموه حول هذا الموضوع على سبيل العزاء.. من مديح وثناء.. وينالون عليه خير العطاء...

مظاهر عزاء الحسين

في العصر العباسي

لقد كانت لمجالس الهاشميين دورها الفعّال في جمع صفوفهم من الطالبيين والعلويين والعباسيين وأنصارهم الموتورين من الحكم الأموي القائم.. وتنظيم الحملة ضدّهم وانطلقت الألسنة بإعادة الحكم لآل هاشم وتقاضي الحكم الجائر... وقد حدّثنا التاريخ الإسلامي.. أنّ تأسيس الدولة لعباسية كان قائماً على دعوة الهاشميين على أساس الثأر النهائي لقتلى الطف والانتقام للعلويين بالقضاء على الأمويين.. وكان الشعراء لم يعدوفرصة تفلت أومناسبة تمرّ إلاّ ذكّروا بهذا الثأر، الى أن هيّأ الله لهم ذلك ومكّنهم من الأمر وقضوا على الحكم الأموي وتربّع أبوالعباس السفاح على الحكم كأوّل خليفة هاشمي.. يذكّرنا التاريخ بوليمته المشهورة التي حضرها ثمانون رجلاً من عيون الأمويين وهم على سمط الطعام فدخل شبل مولى بني هاشم على السفاح فأنشد في الحال قصيدته المشهورة والغيظ قد أخذه:

أصبح الملك ثابت الأساس

بالبهاليل من بني العباس

أنت مهدي هاشم وهداها

كم أُناس رجوك بعد أُناس

طلبوا وتر هاشم فشفوها

بعد ميل من الزمان وياس

لا تقبلن عبد شمس عثاراً

وارمها بالمنون والاتعاس

واذكرن مصرع الحسين وزيداً

وقتيلاً بجانب المهراس

فقام السفاح في الحال مغتاظاً وقتلهم جميعاً ثم أباد الأمويين عن آخرهم... وهكذا اتسع المجال أمام الشعراء في رثاء آل البيت النبوي وذكر مصابهم في قتلى الطفوف. ومن هؤلاء الشاعران المشهوران دعبل بن علي الخزاعي وإبراهيم بن العباس اللذان قصدا من بخراسان.. فقدم الأوّل على الإمام الرضا علي بن موسى بن جعفر أيام ولاية عهده في خلافة المأمون العباسي 203 للهجرة فأنشد قصيدته المشهورة التي يقول في مطلعها: تجاوبن بالأنّاة والزفرات.. الى أن يقول :

مدارس آيات خلت من تلاوة

ومنزل وحي مقفر العرصات

أفاطم لوخلت الحسين مجدّلاً

وقد مات عطشاناً بشط فرات

إذن للطمت الخدّ فاطم عنده

وأجريت دمع العين بالوجنات

أفاطم قومي يا ابنة الخير واندبي

نجوم سماوات بأرض فلات

ديار رسول الله أصبحن بلقعاً

وآل زياد تسكن الحجرات

وقد أجازه الإمام الرضا ـ بعد أن بكى هووأهله ـ بعشرة آلاف درهم من المسكوك باسمه الكريم، وخلع عليه جبته.. فكان هذا خير رمز للتقدير والإعجاب. وقد اشترى القميون الجبة من دعبل أثناء عودته الى العراق بألف دينار. وهكذا زميله الشاعر إبراهيم بن العباس فقد أنشد الإمام الرضا عليه السلام قصيدته الدالية المشهورة التي يقول في مطلعها:

أزال عزاء القلب بعد التجلد

مصارع أولاد النبي محمّد

فأكرمه الإمام بمثل ما أكرم به زميله الخزاعي . وكانت جوائز أئمة البيت النبوي في هذا المجال مشهورة بالسخاء والبركة حتى ذهبت مثلاً: ما بلغت صرة من موسى بن جعفر لأحد إلاّ استغنى لذلك كان الشعراء يتفننون في هذا الباب الى جانب تأثرهم بروعة فاجعة الطف وفظاعة وقعها.. وكذلك تأثروا بأقوال أئمة أهل بيت النبي في شأن من يرثي الحسين.. وماله من فضيلة عند الله سبحانه.. فقد قال الإمام جعفر الصادق لجعفر بن عفان: ما من أحد قال في الحسين عليه السلام شعراً فبكى وأبكى به إلاّ أوجب الله له الجنة وغفر له.... وهكذا كان الشعراء يتبارون في الرثاء والمواساة والإبداع فيها بهذه المناسبة، في مجالس آل البيت النبوي ومجالس الطالبيين. وما من شكّ أن هذا العزاء كان فيه العزاء لكل مظلوم وكل ذي حق مهضوم بأعظم السلوان تأسياً بالحسين عليه السلام. وكيفما كان في هذا العزاء عرض لتلك المأساة فإنّه لم يخل من فرض لجور الحاكمين وتعريض لضروب الظلم الذي أصاب آل البيت النبوي منهم وتهديد الظالمين بالعاقبة الوخيمة لفتكها بأعلام بيت النبوة.. وما ناله الظالمون من سوء المنقلب كل ذلك على لسان الشعراء والخطباء وفي أروع أسلوب مما كان له أثره في جذب النفوس وتقوية القلوب.. حتى قال أحد الشعراء:

تالله ما صنعت أميّة فيكم

معشار ما صنعت بنوالعباس

وكانت السلطات الحاكمة يومها وفي فترة من الزمن وراء هذه المجالس تطارد الملقين وتفتك بالحاضرين ولقي الموالون لآل البيت من الشدة ضروب العذاب.. وأُتلفت معظم تلك القصائد والأشعار وغيرها من الآثار ذات العلاقة بالإمام الحسين عليه السلام. ولوكانت باقية لكانت ثروة أدبية رائعة عن تلك الفترة. وقد وصف ابن الأثير حوادث دموية مسببة عن ذكرى عزاء الحسين عليه السلام جرت بصورة فظيعة بين الحزب المتشيع لآل البيت وبين الحزب المخالف له ببغداد عاصمة الهاشميين يوم ذاك.. كانت تتسع وتتقلص حسب لون السياسة الحاكمة واجتهاد الحكام ذهبت بسببها ضحاياً كثيرة لا لشيء سوى التعصب الممقوت. وبسبب الجهل بمكانة آل البيت من الرسول... وعدم تقديرهم لشعائر الود والمحبة لصاحب الرسالة وأهل بيته. وكان عزاء الحسينعليه السلام رغم جميع هذه الأحوال قائماً كل عام في موسمه من محرم الحرام وانّما يختلف تقلصاً واتساعاً حسب الظروف ولكنه في جميع الأحوال كان يزداد تمكناً في النفوس واستقراراً في القلوب وكان للشعراء الفضل الأكبر في تقوية هذا العزاء وجذب القلوب إليه.. بقصائدهم الغر في تصوير مصاب الحسين وأهل بيته... حتى أنّ غالبية الموالين لآل البيت كانوا لا يحفلون بقسوة الحكام قدر اهتمامهم للحضور الى مجالس العزاء كائناً ما يكون المصير...

مجالس النياحة لعزاء الحسين

ولما توسّع التشيع وخفت وطأة السلطات المعادية التي أتلفت معظم تلك القصائد والآثار.. صار الموالي لآل الرسول يقيم ذلك العزاء باسم النياحة أوالرثاء بمشاهد الأئمة من عترته أوبمحضر من يوثق بتشيّعه وموالاته.. وما يجدر ذكره أنّه لم يكن في القرن الأول أي القرن الذي قتل فيه الحسين أثر ولا عين من جماعة أهل العزاء سوى الراثين والنائحين في بيوت أهل البيت النبوي فقط وكذا الحال في القرن الثاني.. إلى أن ظهر في القرن الثالث اسم النائح علماً لمن يرثي الحسين ويقرأ الشعر على حسابه.. ويقيم النياحة عليه من أمثال دعبل الخزاعي إلى علي الناشيء الأصغر. فأصبحت المجتمعات تنعقد باسم النياحة على الحسين على ما هم فيه من التستر فيبكون على مصاب الحسين وينوحون عليه بقريض ينشئه أوينشده الناشد ويسمى النائح ويذكر المؤرخان الشهيران ياقوت الحموي في معجمه وابن خلكان في وفياته قضية الناشيء الأصغر على الشاعر المشهور ومجالس النياحة على الحسين.. وفيها ما يدل على أنّ هذه المجتمعات كانت تنعقد في ذلك الزمن باسم النياحة على الحسين. وليس هذا في العراق فحسب، بل في الحجاز وبلاد فارس ومصر... ثم تطورت مجالس العزاء عقب النياحة بقراءة المقاتل لابن نما وابن طاووس ونحوهما فسموا بالقراء أوقارئ الحسين لا يزالون يعرفون حتى اليوم بهذا الاسم في بلاد العرب.

بدء المواكب والحسينيات

وقد سجل التاريخ اهتمام معز الدولة البويهي وسائر الملوك البويهيين في الدولة العباسية ببغداد عام 352 هجرية بشأن إقامة مآتم الحسين وإبرازها في هيئة مواكب خارج البيوت... فكانت النساء يخرجن ليلاً ويخرج الرجال نهاراً.. حاسري الرؤوس حفاة الأقدام... تحيتهم التعزية والمواساة بمأساة الحسين عليه السلام ولا تزال هذه العادة الى الآن في مدن العتبات المقدسة في العراق وإيران . وبعد ما دالت الأيام بالدولة إلى آل محمّد واتباعهم سواءً في حكومة الفاطميين في مصر أيام المعز لدين الله الفاطمي أوفي حكومة الحمدانيين في حلب أيام سيف الدولة الحمداني أوفي حكومة الصفويين في إيران أوملوك في ممالك أُخرى من بلاد الترك والهند.. أنشىء للنياحة بيوت أحزان في كل مكان لتعازي الحسين سمّيت عند العرب بالحسينيات كما سمّيت عند الهنود بـ إمام بان وعند الفرس والترك بمأتم سراي كما كانت تسمى هاتيك المجالس بالمآتم أو تعازي الحسين وخصصت لها أوقات وصدقات جارية لا يستهان بها وبأرباحها الوفيرة.. فأخذ العزاء الحسيني دوراً متسع النطاق في ظل عناية الهيئات الحاكمة.. ونال الموالون لآل البيت كل حريتهم في إظهار رغباتهم وشعائرهم. فالناظر إليها لأول وهلة يخالها تشكيلات تولدت من عهد الملوك الصفوية أوهي من مستحدثات الأعاجم.. لكنما المتصفح لكتب التاريخ والآثار يجد لهذا الأمر أدواراً أوأطواراً في عصور سابقة على العصر الصفوي.. وفي أمم لا مساس لها بالعجم... بل هي من غروس العراق القديمة وأشجارها الصلبة التي نبعت في ضفاف الرافدين قبل أية أمة أخرى.. ثم تسربت وامتدت الى الأمم الأخرى... وكل من جاب عواصم الأمم الإسلامية وغير الإسلامية يرى في الكثير منها إن لم يكن فيها كلّها سيما المجتمعات الموالية لآل بيت الرسول.. المباني الضخمة التي خصصت لإقامة هذه المجالس في هذا الموسم لإحياء ذكرى شهيد الحق الإمام الحسين عليه السلام.

اهتمام الأقطار الإسلامية بعزاء الحسين عليه السلام

وهكذا أصبح المسلمون في اليوم العاشر من محرم كل عام يحتفلون بذكرى عاشوراء إحياءً لذكرى شهيد الطفوف الإمام الحسين عليه السلام في جميع الأقطار الإسلامية.. ويُعتبر هذا اليوم عطلة رسمية لدى معظم هذه الدول ويشترك كثير من رؤساء الدول الإسلامية في مراسيمه. وحين تمر هذه الذكرى بالمسلمين سواء في العشرة الأولى من محرم أوفي اليوم العاشر منه فإنّها تغمر غالبية العالم الإسلامي بموجة من الأسى ويخيم عليه سحاب من الحزن، كأنّ الإمام الحسين عليه السلام قد قتل حديثاً وكأنّ أشلاء آله وأنصاره.. لا تزال على منظرها المؤلم فوق تلك الترب وكأنّ دم اولئك الضحايا من الشهداء لم يزل يفور على تلك الأرض.. فيثير في نفوس المسلمين كل تلك المشاعر والأحزان... مما جعلت معظم الحكومات العربية والإسلامية أن تحافظ على حرمة هذه المناسبة.. وتلاحظ شعور المسلمين نحوها.. ومن أجل ذلك تصدر أوامرها بغلق دور اللهوواللعب وحانات الخمور والشراب والمسارح وأمثالها مما تحمل طابع اللهووالطرب.. كما تقلص على غرارها ما في برامج الإذاعة والتلفزيون خلال العشرة الأُولى من محرم ببرامج تتسم بالطابع الديني والروحي والعلمي مجرداً من كل أسباب اللهووالطرب.. كل ذلك رعاية لشعور المسلمين واحتراماً لمكانة هذه الذكرى. كما هوالحال في العراق وإيران وفي الهند والباكستان وعديد من الدول الإسلامية الأخرى.

والمسلمون إذ يحتفلون بهذه الذكرى الدامية ببالغ الأسى وعظيم الألم.. إنّما يشيدون فيها على موقف الإمام الحسين عليه السلام في ساحة الطف ويمجدون مواقف آله وأصحابه وما قدموه في ذلك الموقف من جسيم التضحية وعظيم البسالة التي أدهشت الأجيال وأذهلت التاريخ. ثم إذ يعبرون في إحيائهم لهذه الذكرى الدامية عن شعورهم نحوالإمام الشهيد فإنّهم يختلفون في هذا التعبير حسب معتقداتهم فيه وفي حركته واستشهاده وباختلاف مداركهم وعاداتهم. فمنهم من يعتبره عيداً مجيداً لأنّ الفضيلة فيه قد انتصرت على الرذيلة وأنّ الإمام الحسين بموقفه ذاك من يزيد قد أسند تعاليم جدّه سيّد الرسل.. وجدد مجد شريعته السمحاء... كما هوالحال لدى المسلمين في الشمال الإفريقي والمغرب العربي الذين يعتزون بهذه الذكرى. ومنهم من يندفع مع العاطفة الى إيلام نفسه وإيذائها بمختلف الوسائل والأساليب كضرب نفسه بالسلاسل أوبالتطبير ظناً منه أنّ هذا النحومن الإيذاء لمن دلائل المواساة أوالاقتداء بأولئك الشهداء.. كما هوالحال في بعض أنحاءالعراق وإيران والهند والباكستان.

عزاء الحسين في أمريكا الوسطى

ومنهم من يحصرها في هودج كبير ضخم كما هوالحال في أمريكا الوسطى وفي مدينة بورت أواسباين عاصمة جزيرة في ترينيداد الواقعة في البحر الكاريبي من شمال أمريكا الجنوبية حيث يزين المسلمون هذا الهودج بالذهب والفضة وبأزهى الألوان الوهاجة وأحلاها ويشترك المسيحيون والهنود مع المسلمين في احتفالاتهم العظيمة بيوم عاشوراء في مسيرة عظيمة في طليعتها هذا الهودج الفخم... وتسير الجماهير وراءه تحف بها الطبول وآلات الموسيقى بأنغامها الحزينة تطوف شوارع العاصمة وبين تعالي العويل والهتاف بحياة الحسين عليه السلام سيّد الشهداء في ذكرى مصرعه يلقى بالهودج الى البحر الصاخب فتحمله الأمواج الى الأعماق الزرقاء المجهولة . . ويعود الجميع الى مجالس العزاء بذكرى الحسين عليه السلام... وأغلب الظن أن هذه الظاهرة انتقلت الى هذه الجزيرة مع الهنود المسلمين... حيث يمارسون على غرارها في الهند تعبيراً عن عواطفهم نحوهذه الذكرى.. على هذا النحوفي معظم الأقطار الإفريقية والآسيوية يعبّر المسلمون عن مشاعرهم حسب تصورهم ومعتقداتهم في هذه المناسبة.. ومنهم من ينحوبها كعرض لذلك المسرح الحزين يوم الطف بالمنطق الرزين.. وبأرق الأساليب الأخّاذة بالمشاعر مستوحين من قدسية ذلك اليوم التاريخي ضروب العبر وأنواع البطولة والإيمان بالحق.. فينتزعون من ذكراه أروع الصور وأبلغ الدروس، وأسمى العظات، وإن كانت منهم مجرد سرد وترديد.

عزاء الحسين في مدن العتبات المقدسة

والى جانب ما تقدم تلبس مدن العتبات المقدسة في العراق وإيران والمساجد المهمة والأماكن المتبركة في الهند والباكستان وغيرها من الأقطار والمناطق التي يتعصب أهلها في الحب والولاء لآل البيت النبوي حلّة من السواد كشعار للحزن والحداد . . وتبتعد عن مظاهر الزينة والبهرجة ومباعث الأُنس والانشراح... هذه هي الحالة في العشرة الأولى من شهر محرم الحرام عند المسلمين بالنسبة لهذه الذكرى إن لم يكن الشهر كلّه من كلّ عام ومن الأقطار الإسلامية كالعراق وإيران والهند والباكستان إلى ما بعد العشرين من صفر حيث تستكمل هذه الذكرى يومها الأربعين. ولها زيارتها الخاصة ومراسيمها المختصة في كربلاء بالعراق... حيث يؤمها الملايين لزيارة قبر الحسين والطواف حول ضريحه في ذكرى أربعينه.. وتطوف المواكب الزاخرة حول مشهده لليُمن والبركة. هذا وتواصل مجالس العزاء الحسيني خلال شهري محرم وصفر في مدن العتبات المقدسة وغيرها حيث تجذب هذه المجالس إلى ساحتها كالمغناطيس شتات المسلمين إخواناً على سرر متقابلين تصفّ أجنحتها حول منبر يرتقي عليه الخطيب فيفتتح الكلام بآي من الذكر الحكيم وتفسير علومها من أحاديث الرسول الكريم.. ثم يتلوذلك بفصول من التاريخ الإسلامي أو تواريخ الرسل السالفين.. ويختم كلامه بتاريخ الحسين وما جرى عليه وعلى آل بيت المصطفى صلى الله عليه وآله.. ولا بد أن يتخلل هذه الخطابة وعظ وإنذار وتلطيف القرائح بلطيف الأشعار مما يجعل مجلسهم هذا أشبه بمدرسة علم أومجمع تهذيب.. ودروسها ما يهم المسلمين من أُمور الدنيا والدين... اللهمّ إلاّ بعض الجاهلين ممن يتولّون الخطابة بغير علم ولا هدى وممن لا يجتنبون قول الزور فيذهبون

بذلك إلى سرد أحاديث ما أنزل الله بها من سلطان بغية إثارة الأشجان في نفوس المستمعين لمصاب الحسين عليه السلام استدراراً للأكف واستجلاباً للمنافع... وهكذا ألحق بهذا العز وضمن تطوراته طوال السنين كثير من الغرائب شأن كل قضية فازت بقوة النموفي منبت خصيب وتربة صالحة.. مما يحتم على أهل العلم أن ينظروا الى تعديله أوإجراء إصلاح فيه.. خاصة ونحن أقرب الأمم الى حادثة الطف مكاناً وشأناً.. وأوفر حرية من غيرنا وأقدر.. لذلك يلزم على أعلامنا أئمة الهدى وشيبنا وشبابنا رسم الخطة الصالحة لإقامة هذه الذكرى الكريمة خالية من الشوائب ومما يسيء أويشين.. وأن نسير بها على أحسن وجه ونهج.. خدمة للاُمة وتوجيهاً للجيل.. وعسى أن تحذوا حذونا شعوب مسلمة أُخرى فتنال أجزل النفع.. ولعلنا بهذا نحقق بعض آمال الحسين من نهضته وتضحيته.
  دراسات
  من هو المنتصر
 محرم وتاريخ العزاء الحسيني
عاشوراء لكل عصر
 عاشوراء صرخة الحق و الحرية
  طريق أهل البت-عليهم السلام
  تخليد واقعة الطف عبر الشعائر
  ..... تأثير الصلح الحسني في
  ..منع السلطات واقعة الطف في
  ...عطاء الاخوة الايمانية
  نوادر من حياة الامام الحسين
  .... وسائل الاستقطاب المعنوي
  معاجز الرأس الشريف
  ... لماذا أحرقوا مخيم الامام
  الامام الحسين حضور دائم
  أرقام وتواريخ في مسيرة الامام

صدى عاشوراء