يتجلى البعد الديني والإنساني للنهضة الحسينية في ما حققته الثورة في حفظ المبادئ الحقة للإسلام والتي حملت معها جميع ما بشر به الرسول الكريم(ص) في عصر الرسالة الإسلامية لتتقوم من خلال الإمامة المنصوص عليها، أما البعد السياسي والعالمي فيقع في مصاديق الثورة التي استوعبتها أهدافها السامية في الحرية والاستشهاد من أجل الكرامة..



عــــــــــــــــــــــــــــــــاشوراء صرخة الحق والحرية
د. جاسم محمد

منذ أربعة عشر قرناً من الزمن تقريباً، ونحن نحيا هذه الذكرى في حياتنا، حتى تحوّلت إلى عادةٍ متأصلة متجذّرة في وجداننا الديني؛ ينشأ عليها الصغير، ويهرم عليها الكبير. وما زالت تتنامى وتتّسع وتمتد في كلّ ساحة يتحرّك فيها الإسلام في خطّ أهل البيت صلى الله عليه وآله. وربما نجدها تتمثّل حتى في بعض الساحات التي لا تلتزم خطّ أهل البيت صلى الله عليه وآله مذهباً. على أن الطابع الذي أخذته هذه الذكرى في تقاليدنا وفي عاداتنا هو طابع الحزن الذي تسيل معه الدموع وربما تحترق فيه القلوب. الحزن القاتـل في الحيـاة:

وعندما يعيش الإنسان الحزن على قضية مرّت عليها القرون المتقادمة، يحتاج إلى تسويغ هذا الحزن، ليكون عنصراً فاعلاً في حياته. فما معنى أن تبكي على مأساة حصلت في التاريخ لأناس تحبّهم من خلال عقيدتك وإيمانك وولائك، وأنت تعيش في أكثر من موقع من مواقع حياتك آلاماً قد تكون أقسى من آلام كربلاء وفظائعها، وقد تكون وحشية ما يلقاه الناس الذين ترتبط بهم برابط العقيدة، والولاء والإنسانية في الوقت الحاضر أشد فظاعة فتشعر أنك تعيش اللامبالاة أمام حركة المأساة في الحاضر. إنّ ذلك يعني أنّ حزنك على الإمام الحسين عليه السلام ليس حزناً إنسانياً رسالياً، ولكنّه حزن انفعالي جامد لا يتحرك ليثير فيك حزناً مماثلاً في كل صورة شبيهة بصورة كربلاء. لذلك لا بدّ لنا أن نفسِّر هذا الحزن لأنفسنا، حتى نوحي لها بأن هذا الحزن ليس حزناً ذاتياً، بل هو حزن ينفتح على كل مواقع المأساة في الحياة عندما تتحرّك المأساة في ساحاتنا من خلال الذين يضطهدون الناس على أساس الإسلام، ويقتلون الناس على أساس التزامهم بالحريّة التي يُقدّمها الإسلام، أو من خلال التزامهم بالعدالة التي هي سر حركة الإسلام. نحن نحب الإمام الحسين عليه السلام؛ نحبه ونحبّ أخاه، ونحب أمّه، وأباه، وجدّه، والأئمة المعصومين من ذريته، وننتظر حفيده لنكون من جنوده، ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت ظلماً وجوراً.. نحبه لأنه أحبّ الله، ونحبّ آل بيته جميعاً لأنهم أحبّوا الله. نحبه ونحبهم لأنهم حملوا رسالة الله، ولأنهم جاهدوا في سبيل الله، وأعطوا كل شيء يملكونه لله؛ من هنا فحبنا لهم ليس ذاتياً، وليس حبّ قرابة، أو حبّ صداقة، ولكنّه حب يفرضه علينا انتماؤنا إلى القاعدة التي انطلق منها الإمام الحسين عليه السلام وتحرك في اتجاهها. لقد أراد الإمام الحسين عليه السلام الإصلاح في الأمّة، لا الإصلاح في العائلة أو القرية. الإصلاح على مستوى الأمة كلها لا على مستوى الوطن الذي يتأطّر فيه الإنسان. لقد انطلق عليه السلام ليقول لنا:

فكروا في قضايا أمتكم من خلال الإسلام الذي حمله جدّي رسول الله ، وأصلحوا ما فسد فيها. فكّروا في قضايا الأمة حتى يكون كل واحد منكم مسلماً يحمل همّ الإسلام كلّه، وهمّ المسلمين كلّهم. لا تعيشوا عصبية الذات أو العائلة أو الوطن أو عصبية القومية. عيشوا رسالية الإسلام في كل المساحات الإنسانية التي للإسلام فيها قضية، وللرسالة فيها خطّ، وللإنسان فيها انفتاح. عندما نفكِّر في حجم الأمة، سينطلق تفكيرنا في قضايانا الصغيرة على أساس مقارنتها بالقضايا الكبرى. فإذا ما أردنا أن نتحدّث عن قضية الحريّة ـ على سبيل المثال ـ فيجب أن نثيرها على أساس علاقتها بقضية الحرية في العالم الإسلامي والعالم بأسره، بحيث لا نجعل خطّ الحرية حركةً قد نربح فيها شيئاً ويخسر العالم الإسلامي من خلالها أشياء. بمعنى أن هناك ضرورة للتكامل مع العالم الإسلامي في هذا المجال، حتى نفهم دورنا تماماً كما قال رسول الله :

"مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى بعضه تداعى سائره بالسهر والحمى" تماماً كما هو كل عضو في جسدك لا يطلب الراحة والشفاء لنفسه إلا من خلال راحة بقية الأعضاء. فلا يمكن للإنسان أن يعالج يده إذا كان المرض يدب في كل أجزاء جسمه، كما لا يمكن أن يُعالج يده بدواءٍ ينقلب إلى داءٍ في جميع أجزاء جسمه. بل لا بدّ ـ حين أخذ الدواء ـ من التحقّق من أن هذا الدواء لن تنتج عنه مضاعفاتٍ سلبية على الأجزاء الأخرى في جسد الإنسان، ولهذا قد يذهب شخصٌ ما إلى بعض الأطباء، فيقولون له: إن هذا الدواء يفيد في معالجة المرض، ولكنه يضر المعدة، أو القلب، أو جهازاً عصبياً، أو ما إلى ذلك.. فلا بدّ من البحث عن دواءٍ يشفي المرض ولا يخلق أمراضاً أخرى لبقية الجسد. هكذا عندما نريد أن نفكّر في قضايا الأمة؛ فإن علينا أن نفكّر بحلّ المشكلة في بلدنا أو في إقليمنا أو في أي موقع يتسع ويضيق من مواقعنا، بحيث لا ينعكس سلباً على قضايا الأمة. وهذا ما نواجهه في المرحلة الحاضرة في أكثر من قضية من قضايانا العامة التي تتصل بواقعنا كله. لقد أصبحنا في كل بلدٍ نفكّر بحلّ لمشاكله، كما لو كان هذا البلد منفصلاً عن البلدان الأخرى. نفكِّر ـ مثلاً ـ بحل مشكلةٍ لبنانية بعيداً عن مشاكل العرب أو مشاكل المسلمين كلهم، أو نفكر بحل المشكلة العراقية مثلاً بعيداً عن المشكلة العربية أو الإسلامية المتصلة بمواقع الاستكبار العالمي تلك المشاكل.. وهذا وهْم كبير، إذ لا يمكن أن تُحلّ مشكلة في بلد ما وتُستأصل من جذورها، إلا إذا استطعنا ربطها بالمشكلة الأم التي توزَّع مشاكلها على المواقع كلها، وإلا فقد يكون ما يصوَّر لنا حلاً، قد يكون مجرّد تخدير. هناك فرق بين أن تحل المشكلة، وبين أن تخدّرها.

وهناك فرق بين أن تُشفي المرض، وبين أن نخدِّره. قد يستيقظ الألم عند الشروع بعلاجه، لكنّه سوف يبرأ بعد ذلك. لهذا فإنّ ما نودّ قوله في مرحلتنا الحاضرة، ضرورة استيحاء كلمة الإمام الحسين عليه السلام "خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي"، إن الإمام الحسين عليه السلام كان ينظر في ثورته إلى الساحة الإسلامية الواسعة، وإلى الخط الإسلامي الممتد في حياة المسلمين جميعاً. لهذا فإنّ معارضته ليزيد لم يعقها كون يزيد خليفة يعيش في الشام. الإمام الحسين عليه السلام كان يعيش في الحجاز وبالتالي هل يمكن القول أنّ هذا أمر لا يخصه، باعتبار أنه لا دخل لأهل الحجاز بأهل الشام وعلى كل فريق تدبير أمره ومشاكله، أليس هذا هو المنطق الذي نعيشه الآن في أكثر من بلد إسلامي، حيث يعتبر كل بلد أن له قضاياه ومشاكله التي يريد حلّها ولو على حساب قضايا الأمة؟ الإمام الحسين عليه السلام لم ينظر إلى القضية من هذا الجانب، ولم ينظر إلى يزيد باعتباره مجرد والٍ على الحجاز يمكن أن يُعزَل فتُحلّ المشكلة، ولا باعتباره والياً على الشام، إنما نظر إلى يزيد كونه (خليفة المسلمين) ، فسلوكه ينعكس سلبياً على السلوك الإسلامي كلّه، وطريقته في إدارة المسؤولية تنعكس سلباً على كل مواقع المسؤولية في العالم الإسلامي. وعلى أساس ذلك، فقد اعتبر الإمام الحسين عليه السلام مشكلة يزيد مشكلةً تمسّ الأمة كلها، لا فريقاً معيناً، لأنه في موقع حاكم واسع الصلاحيات، في الوقت الذي لا يملك فيه أية مؤهلاتٍ فكريةٍ وأخلاقيةٍ وروحيةٍ تسوّغ له أن يكون في هذا الموقع. وعلى هذا الأساس وجد الإمام الحسين عليه السلام أن عليه أن يطلق الصوت، ولو ليسمعه بعض الناس، فالأصوات كانت قد خفت، وأصبح هناك أمر واقع، كلٌ يقول للآخر:

ماذا نفعل وقوة الدولة أقوى من قوة الأفراد؟! وكأن عليهم الاستسلام للدولة. فهذا يخوِّف صاحبه بانقطاع راتبه ـ إذا ما قام بعمل ضد الحاكم ـ وذاك يخوّف صاحبه بتهديم بيته. وبذلك استطاع الحكم أن يستقطب الساحة كلّها من المؤيدين له، ومن المعارضين الساكتين، ومن الحياديين الذين "يجلسون على التل".. لهذا فالمسألة كانت بحاجة لصوتٍ ينطلق، يحرِّك ويدوّي، ليربك الساحة، وليخلق فيها ذهنيةً جديدة، ليشجّع الذين لا يملكون أية إمكانيات لحركة شجاعتهم، لأنهم لا يرون أحداً يتحدث أو يتكلم أو يثير المسألة.

حركة الحسين عليه السلام لتغيير الذهنية الاسلامية

إن حركة الإمام الحسين لم تكن حركةً نحو الفتح الكبير على مستوى الواقع، ولكنها كانت حركةً نحو الفتح الكبير على مستوى الذهنية الإسلامية التي يريد أن يطلقها باتجاه قضايا الحرية والعدالة، والمنهج الإسلامي القويم. لهذا نبههم إلى أنهم أمة محمد ، وأنّ هناك فساداً في الأمة، وأنه عليه السلام انطلق ليُصلح، وأن عليهم أن يتبعوه.. وهكذا طرح مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على أساس أنه يمثل الرقابة الاجتماعية التي يتحوّل فيها كل مسلم إلى "خفير"، فكلّ مواطن في الإسلام هو حارسٌ للقيم وللنهج الشرعي في حياة الناس. أجل، إن كل مسلم هو حارسٌ للقضايا الكبرى التي يمكن أن يتحرّك ضدّها هذا الفريق أو ذاك. وهذا ما يُسمّى بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي دعا الله سبحانه وتعالى الناس إليه، ليهيّئوا من أنفسهم جماعةً قويةً بحجم الحاجة، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر: {لتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} [آل عمران:10]، على أساس أن سلامة المجتمع هي في الدعوة إلى المعروف ومواجهة المنكر الذي يمكن أن يساهم في إسقاط حياة الناس فكرياً وسياسياً وأمنياً واجتماعياً واقتصادياً. وعندما طرح الإمام الحسين عليه السلام هذه المسألة، طرحها بفرض أن تفتح عقول الناس على هذه العناوين، وأن تفتح أرواحهم على تحسّس مثل هذه الأمور.

ولم يكن في أسلوبه يتحرّك من موقع العنف؛ فقد خاطب الناس قائلاً: "من قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق"، كأنه يريد أن يقول للناس: فكروا في كلماتي وفي طروحاتي ومواقفي؛ ولا تستغرقوا في ذاتي، ولكن استغرقوا في الخط الذي أطرحه عليكم، وفي الواقع الذي أنبهكم إلى كل ثغراته وسلبياته، ومن ردّ عليّ ولم يقبلني، فإنما يكون رافضاً الحق الذي جئتُ به، وانطلقت فيه صابراً حتى يأتي الوقت الذي ينفتح الناس فيه على الحق دون أن أتراجع أو أن أسقط أو أتعقّد، ولكنني أتابع قول كلمة الحق الآن وبعد الآن. ولذا فعندما جاءت الجيوش لتقتل الإمام الحسين ولتحاربه، كان يقف في كل يوم ليخطب فيهم ليُسمعهم كلمة الحق حتى يُخرجهم من عصبياتهم، فيجعلهم يعيشون التوافق والانسجام بين الفكر والممارسة؛ لأنه عليه السلام وجدهم كما وصفهم الفرزدق: "قلوبهم معه وسيوفهم عليه" فحاول أن يجعل سيوفهم في اتجاه ميل قلوبهم، وحاول أن يوفق بين حركتهم في الواقع، وبين حركتهم في العقل وفي الفكر، لأن هذه هي مشكلة أغلب الناس الذين يحبون الله، ولكنهم يحبون الشيطان معه. فعندما تنفتح مصالحهم على الخط الآخر، يحتفظون بمحبّتهم كعاطفة في قلوبهم، ويتحرّكون في خطواتهم لمحاربة الله ورسوله عملياً على أساس أن مصالحهم تتجه في ذاك الاتجاه.

الصبر على احتضان الحق

لقد كان الإمام الحسين عليه السلام يعمل على فتح القلوب، في ما كانت قيادات يزيد تعمل على إغلاقها، ولذلك رأينا شمر بن ذي الجوشن يقف أمام الحسين عليه السلام وقد فرغ الحسين عليه السلام من خطابه ليقول له: "ما ندري ما تقول، ولكن أنزل على حكم بني عمك"، بمعنى أننا لسنا مستعدين أن نسمع أو نفكر بما تقول، لأن مسألتنا محسومةٌ؛ فهي ليست مسألة قناعةٍ، ولكنها مسألة منفعةٍ، وليست القضية أن تكون مسيرتنا حقاً أو باطلاً، خيراً أو شراً.. بل القضية هي أن نقبض في مسيرتنا هذا المال أو ذاك، أو نحصل على هذا الموقع أو ذلك. ولذلك فلا بد من دراسة قضايانا كلها لا على مستوى الحاضر، بل على صعيد الحاضر والمستقبل. وهو ما نستوحيه من كلمة الإمام الحسين عليه السلام "من ردّ على هذا أصبر". فلنقل الكلمة وليرفضها العالم، فلا بد أن يأتي وقت يمكن للناس أن يواجهوا فيه قضاياهم من موقع متقدّم. لأن الحاضر إذا ضاق عن قضاياكم، فإن المستقبل يمكن أن يفتح لكم أكثر من ثغرة. فلا بد إذن من قول كلمة الحق دائماً مهما كانت الصعوبات، فالحق كالجنين تماماً؛ فكما أن الجنين لن يستطيع بلوغ تكامله ونموه إلا في الشهر التاسع، كذلك الحق قد يحتاج إلى سنوات لنموه وانتشاره،وقد يحتاج لأجيال. المسألة، كل المسألة، هي أن نعمل على أساس أن لا يفقد الحق نموّه في فكرنا وروحنا ووحدتنا وقوتنا وفي كل صرخات الدعوة إلى الله، والدعوة إلى الحق. وإذا ما أردنا عاشوراء إسلامية متحركة، فيجب الانطلاق على أساس أن تبقى عاشوراء لله ولرسول الله وللإسلام، وأن تبقى عاشوراء في كل الأجيال صرخة الحرية والعدالة، عندما ينطلق الذين يستعبدون الناس ليفرضوا عليهم العبودية، أو الذين يظلمون الناس ليفرضوا عليهم الظلم، فإن هذا هو طريق عاشوراء. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

طريق أهل البيت صلى الله عليه وآله فى ظل النبوة وفى مرحلة الدعوة كانت الامة الاسلامية تعيش الوحدة ‏الفكرية والسياسية، فكان الرسول الهادي محمد هو المبلغ والمبين‏ للشريعة، وهو القائد وولي الامر. وما ان التحق بالرفيق الاعلى، وفى الساعات الاولى من وفاته ظهرت‏ الاتجاهات الفكرية والسياسية المتعددة. فكان الخلاف في امر الخلافه ‏والامامه الذى انطلق من رؤى وافهام متفاوتة. ثم كان الخلاف فى فهم الاسلام وبيان احكامه وتطبيق مبادئه، فتعددت ‏المواقف والاراء والمدارس الفكرية. وفى خضم هذا الصراع الفكري والسياسي كان لاهل البيت النبوي صلى الله عليه وآله- علي وبنيه مدرستهم الفكريه وسيرتهم العملية ومنهجهم السياسي،وكان طبيعيا ان ينقسم المسلمون الى اتباع للمذاهب الفكرية والفقهيةوللمواقف السياسية هذه. ويحدثنا التاريخ ان اول تجمع نشأ حول الامام علي عليه السلام على شكل تكتل‏ متميز كان يوم وفاة رسول اللّه J من طلائع الصحابة الذين عارضوا بيعة ‏السقيفة ونادوا باحقية الامام علي عليه السلام بالخلافة. ثم تحول هذا الموقف‏الى قناعة صامتة، حتى‏تسلط الحزب الاموي في عهدالخليفة‏عثمان،فظهرت الطلائع من اتباع اهل البيت صلى الله عليه وآله امثال ابي ذر الغفاري وعمار بن‏ياسر ومحمد بن ابي بكر وغيرهم، ظهرت على مسرح الحياه السياسية ‏والدعوة الى الاصلاح. ثم تميز الولاء لآل ‏البيت صلى الله عليه وآله والاتباع الفكري والسياسي بالمناداة بالبيعة ‏لعلي بعد مقتل الخليفة عثمان. فانحاز لعلي البدريون واهل بيعة‏الرضوان وسائر المهاجرين والانصار للوقوف بوجه السلطة الاموية التى‏قادها معاوية ابن ابي سفيان في الشام. وبعد استشهاد الامام علي بن ابي طالب عليه السلام عام(40 هـ)، تحول الولاء الى اهل البيت واتباع‏ منهجهم الى جريمة في عرف الحكم الاموي، يعاقب عليها بالقتل‏ والسجن والاضطهاد. ورغم ذلك فقد استمر الولاء والاتباع لآل البيت، وتعميق منهجهم الفكري والفقهي وترسيخ مسارهم السياسي. واتسعت‏ دائرة الانتماء اليهم، لاسيما بعد ثورة الامام الحسين بن علي على سلطة‏ يزيد بن معاوية واستشهاده عام (61هـ)، ولقد اطلق على اتباع اهل البيت ‏اسم (الشيعة)، وسمي الانتماء والولاء لهم (تشيعا). ويذكر لنا كتاب السير ان اسم الشيعة كان يطلق فى عهد النبي على‏اربعة من الصحابة (ابي ذر وسلمان وعمار ابن ياسر والمقداد)، فقد كانوا يعرفون بشيعة علي عليه السلام فى ذلك العهد.

التشيّع.. النشأة الاولى

الشيعة في اللغة: هم الاتباع والانصار، ثم صار اسم الشيعة مصطلحا خاصا واسما علما لاتباع آل البيت النبوى. عرف ابن منظور الشيعة في قاموسه اللغوي الشهير (لسان العرب) نقلا عن الازهري: (والشيعة قوم يهوون‏ هوى عترة النبي ويوالونهم، وقد غلب هذا الاسم على من يتولى‏عليا واهل بيته حتى صار لهم اسما خاصا). ان دراسة وتحليل التشيع ككيان ومدرسة واتجاه اسلامي توصلنا الى ان‏ الامامة لآل البيت النبوي -علي وبنيه هي حجر الزاوية في بنائه، والاساس الذي شيد عليه، ذلك لإن الامامة تشكل الركن الاساس من ‏اركان المعتقد الاسلامي والامتداد المتواصل للمسيرة النبوية، لما لها من اهمية كبرى في بيان الفكر الاسلامي، وحفظ الشريعة وتطبيقها، ومواصلة مسؤولية الدعوة والتغيير بعد النبوة. لذا اجمع المسلمون على وجوبها إلا من شذ من الخوارج والمعتزلة. ويقرر القرآن الكريم أهمية الامامة وقيمتها الفكرية والسياسية والعقيدية عندما يجعلها عهدا إلهيا للخيرة والصفوة المختارة من عباده. قال تعالى مصورا الحوار حول الامامة مع نبيه وخليله ابراهيم عليه السلام: (واذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمات فاتمهن قال اني جاعلك ‏للناس‏ اماما قال ومن ذريتي قال‏ لاينال عهدي الظالمين). وفي آية اخرى نقرأ بيانا آخر لموقع الامامة وقيمتها واهميتها في الحياة ‏البشرية من خلال وصفه للنبيين الذين استحقوا الامامة. قال تعالى: (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون). ولأهمية الامامة في استمرار المسيرة الاسلامية من‏خلال اقامة الدولة، وبيان الشريعة، وحفظ النقاء والاصالة، نجد الرسول ‏الكريم محمدا يربط بينها وبين الايمان بحقيقته وجوهره ‏فيقول :

(من مات وهو لا يعرف امام زمانه مات ميتة جاهلية). وبقوله: (من مات وليس فى عنقه بيعة مات ميتة جاهلية). وبقوله: (من مات بغير امام مات ميتة جاهلية). وتأسيسا على هذا البيان‏ النبوي نجد الامام الصادق عليه السلام يتحدث عن‏ اهمية الامام القائد للامة في مسيرتها الفكرية والسياسية والحضارية‏ ووجوب الامامة، فيقول: (لو لم يكن في‏الارض الا اثنان لكان الامام احدهما). وانطلاقا من هذه الحقائق اعطى الفكر الشيعي مسألة الامامة الاهمية ‏الكبرى، وآمن بأن الامامة خلافة النبوة، وانها:(رئاسة عامة في امور الدين والدنيا لشخص من الاشخاص نيابة عن النبي). لذا كانت الامامة فى الفكر الشيعي مسألة عهد نبوي، ونيابة عن‏النبي . وتحديد اشخاصها والمضطلعين بها بعد النبوة هي من مهام ‏النبي. ولذلك آمن الاتجاه الشيعي: ان مسألة خطيرة تتعلق بمصير الامة ‏والرسالة كمسألة الامامة لا يمكن ان يهملها النبي لتواجه مشاكل الخلاف والتمزق والصراع، وهو الحريص على‏مستقبل الامة، والمكلف بحفظ المسيرة. واستدلوا لذلك بالبيان‏ القرآني، وبالمواقف والتصريحات النبوية التي دلت دلالة صريحة على ‏ان الرسول الهادي محمدا J كان منذ بدء الدعوة مواظبا على اعداد طليعة من اصحابه والمؤمنين برسالته، ليكونوا طلائع الفكر والمسير، وتلامذة يعون محتوى الرسالة، ويستوعبون مضمون الاسلام بعمقه ‏وشموله وحركته التغييرية الكبرى. وان العناية النبوية قد تركزت باعداد شخصية الامام علي عليه السلام وتربيته اكثر من أية شخصية اخرى من‏شخصيات الصحابة. فقد ضمه النبي الى اسرته منذ نشأته الاولى، ورباه فى بيته على‏خلقه وأدبه قبل ان يبعث نبيا، فكانت نشأته فى بيت النبوة قد صانته ‏من رجس الجاهلية، وعصمته من سلوك ذلك المجتمع الوثني، فلم‏يسجد لصنم قط. وحين اختار اللّه نبيه محمدا لحمل الرسالة وهداية البشرية كان الامام‏علي هو اول المصدقين به، والمتلقين لدعوته، فعايش الدعوة والرسالة‏من ساعاتها الاولى بفكره ووعيه وسلوكه، من خلال ما اولاه النبي J فى هذه المرحلة من عناية الاعداد الرسالي، وتلقينه العلوم والمعارف‏التى تلقاها من رب العزة، كما يعتني الاستاذ بأبرز تلامذته وطليعة ‏المؤهلين منهم. لقد كان الامام علي يصف علاقته برسول اللّه حين احتضنه ورباه فى ‏بيته، فيقول: (ولقد كنت اتبعه اتباع الفصيل اثر امه، يرفع لي في كل يوم من اخلاقه علما،ويأمرني بالاقتداء به...). وتتابع الاهتمام النبوي بعلي، والتصريح فى مواقف عديدة بمقامه ‏ومكانته، حتى اتضح لجيل الصحابة ان النبي كان يعده، ويؤهله ‏لمسؤولية الامامة والقيادة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تخليد واقعة الطف عبر الشعائر الحسينية من الطاقات التي وظّفها أئمة آل البيت صلى الله عليه وآله في تأبين وتخليد واقعة الطف، هي طاقة التجمع أو الحشد الجمعي، باعتبار ان واقعة الطف واقعة غير عادية، وليست مأساة مرت وذهبت، بل هي نزاع وصراع دائمين ودائبين بين مبدأين رحماني وشيطاني، ومعسكرين خير وشر، ومن هنا جرى قلم القضاء ان تبقى هذه الجذوة العاشورائية حية ومتحركة في قلوب المؤمنين. ومن عوامل بقائها وخلودها هو الاهتمام المستمر لأهل البيت صلى الله عليه وآله بالتكثير في زيارات الإمام الحسين عليه السلام، فأكثر الشهور القمرية تناولت زياراتٍ مكررة للإمام عليه السلام، علاوة على ليالي الجمعات. وهذا الحشد الجماهيري الذي أقامه الأئمة صلى الله عليه وآله، هو بلا شك يعطي للفرد الزائر طاقة إيمانية وتعبئة ثورية تستثمر في احياء النهج الذي اختطه الإمام الحسين عليه السلام، فالسلوك الجمعي كفيل باعطاء دفع أثقل للمسيرة الحسينية، وهذه المظاهرة الحاشدة في كل زيارة هي تحدي وشجب للظلم والظالمين. ولما كان للزيارات المتكررة للحسين عليه السلام في المناسبات المتعددة دور في تخليد واقعة الطف، أولى الأئمة اهتمامهم الكبير في تشجيع وتحشيد اتباعهم لزيارة الحسين، لأن فيها نشر لظلامتهم، وأول من استخدم هذا الأسلوب الإمام السجاد عليه السلام وعمته زينب عليها السلام وعيالات آل الرسول، حينما أقاموا العزاء في أول زيارة لهم للحسين بعد 40 يوما من المجزرة الكبرى والواقعة الدموية العظمى. يقول جابر بن عبد الله الأنصاري مستقبلاً الإمام زين العابدين في الأربعين:

سيدي! عظم الله لك الأجر، فقال الإمام: "يا جابر، هاهنا ذبحت أطفالنا، يا جابر، هاهنا قتلت رجالنا، يا جابر، هاهنا سبيت نساؤنا، يا جابر، هاهنا قتل أبي الحسين عليه السلام".. فهذه الكلمات تعميق وتعريف للمظلومية! ثم اقبلت النساء كل منها إلى قبر عزيزها، وزينب عند قبر أخيها الحسين عليه السلام صاحت بصوت حزين يقرح القلوب: "وا أخاه وا حسيناه، وا حبيب رسول الله". فاستثمار مراسم العزاء اعلامياً من جانب آل البيت، هدفه نشر ظلامة آل الرسول، التي هي الواسطة لاستدرار العطف والدموع، وتعريف الآخرين بأهداف الثورة الحسينية ومحتواها، ومن هنا قال الإمام الحسين عليه السلام: "أنا قتيل العبرة، ما ذُكرت عند مؤمن الا ودمعت عيناه". ولقد وظف أئمة أهل البيت صلى الله عليه وآله اتباعهم لزيارة الحسين بشكل عجيب ومثير، فمثلاً المتوكل العباسي ـ وهو عاشر أئمة الكفر العباسيين ـ كان يقطع الرؤوس ويقلع النفوس، ونرى الإمام الهادي يشجع على زيارة جده الحسين عليه السلام، واذا مرض عليه السلام كان يرسل أحداً ليدعو له عند قبر الحسين عليه السلام، فيسأل: يابن رسول الله، انك إمام معصوم وكلكم نور واحد، فكان يقول عليه السلام: "ان الدعاء تحت قبته أسرع بالإجابة"، وما هذا التركيز الا توظيف هائل من الأئمة لإبقاء واقعة الطف حية ووهج الطف مستمرا عبر زيارة الحسين عليه السلام وخاصة الأربعين. والأكثر من هذا يذكر التاريخ ان حوالي 800 يد قطعت في سبيل زيارة الحسين في عهد المتوكل العباسي، علاوة على الجزية التي كان يقدمها الزائرون لشرطة المتوكل لأجل الزيارة، وما كانوا يلاقون من أذى وعذاب. ولقد تحرك أئمة أهل البيت صلى الله عليه وآله في مناط آخر، فعبر الأسلوب الأدبي تمكنوا من حشد الناس لزيارة جدهم الحسين، وذلك ضمن الأحاديث المروية عنهم في خصوصيات زيارته عليه السلام، وهي من أعظم الوسائل ومالها من الفضائل والأجر، وجعلوا لها أحكامها الشرعية وشروطها وآدابها، وبينوا الآثار المترتبة على تركها، وركزوا في نصوصها على الخطابات المخصوصة والتي تجند الزائر ليمارس دوراً في المسيرة الحسينية.

وكم من الزائرين جاؤوا يحملون اللوعة والحرارة في زيارتهم للحسين، وهذه زيارة الأربعين أصبحت مظاهرة في صميم واقع الأمة، وأخذت أبعاداً سياسية غير الأبعاد الساذجة والجامدة، ولعبت دوراً كبيراً في تجنيد العواطف لشجب الباطل ونصرة الحق حتى عصرنا هذا، وهذا ما لمسناه عبر انتفاضات الزائرين في زيارة الأربعين ضد الطغاة الحاكمين على أرض العتبات في العراق في كل عام. وكم قدمت مواكب المشاة وهيآت الزوار بالأربعين قوافل الشهداء تأسيا واقتداءا بأئمتهم، وكم خطت مشياً على الأقدام مئات الكيلومترات متجهة إلى كربلاء وحاملة شعار (هيهات منا الذلة) ومفجرة شعارات الحسين بوجه يزيد. قال الإمام الحسن العسكري عليه السلام: "علاماتُ المؤمن خمس؛ صلاة احدى وخمسين، والتختم باليمين، وتعفير الجبين، والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وزيارة الأربعين". وروي عن الصادق عليه السلام: ان الله ليباهي بزائر الحسين عليه السلام حملة عرشه وملائكته المقربين، ويقول: الا ترون زوار قبر الحسين اتوه شوقا. ومن الصفات الخاصة والحاصلة لزائري قبر الحسين ما ذكرها الشيخ جعفر الشوشتري في كتابه (الخصائص الحسينية):

ومنها ان دليل المحبة للحسين عليه السلام هو كون الشخص زواراً له، أي كثير الزيارة، ومنها انه ممن نظر الله إليه بالرحمة، ومنها ان يكون ممن يحدثه الله فوق عرشه ، ومنها في عشر روايات من انه يكتب في عليين، ومنها ان يكون في الجنة في جوار النبي وأهل بيته صلى الله عليه وآله يأكل معهم على موائدهم، ومنها ان كان شقيا كتب سعيدا، ومنها انه يحسب من الكروبيين ومن سادة الملائكة، ومنها انه مساعد للزهراء عليها السلام، فإنها تزور الحسين كل يوم، ومنها انه زائر الله وزائر رسول الله، ومنها ان كل من له درجة يوم القيامة يتمنى أيضاً ان يكون من زوار الحسين عليه السلام مما يرى من كرامتهم الخاصة بهم، كما في الروايات. ومن هذا المنطلق فجّر الأئمةُ صلى الله عليه وآله صوتَ الرفض والجهاد على لسان زوار الحسين عليه السلام، وحولوا واقعة كربلاء عبرا وعبرات وعظة وعظات تلعب دورها في استمرار الثورة، والا ذهبت وماتت، فقضية الحسين ليست قصة عابرة لتموت في قرن أو قرنين، بل هي صراع دام ودائمي تخوضه الإنسانية.
  دراسات
  من هو المنتصر
 محرم وتاريخ العزاء الحسيني
عاشوراء لكل عصر
 عاشوراء صرخة الحق و الحرية
  طريق أهل البت-عليهم السلام
  تخليد واقعة الطف عبر الشعائر
  ..... تأثير الصلح الحسني في
  ..منع السلطات واقعة الطف في
  ...عطاء الاخوة الايمانية
  نوادر من حياة الامام الحسين
  .... وسائل الاستقطاب المعنوي
  معاجز الرأس الشريف
  ... لماذا أحرقوا مخيم الامام
  الامام الحسين حضور دائم
  أرقام وتواريخ في مسيرة الامام

صدى عاشوراء