يتجلى البعد الديني والإنساني للنهضة الحسينية في ما حققته الثورة في حفظ المبادئ الحقة للإسلام
والتي حملت معها جميع ما بشر به الرسول الكريم(ص) في عصر الرسالة الإسلامية لتتقوم من خلال
الإمامة المنصوص عليها، أما البعد السياسي والعالمي فيقع في مصاديق
الثورة التي استوعبتها أهدافها السامية في الحرية والاستشهاد من أجل الكرامة..
|
فضيلة الشيخ المقدسي
تأكيد الائمة(عليهم السلام) على إقامة الشعائر الحسينية؟
لو تأملنا لوجدنا ان أئمة اهل البيت عليهم السلام استعملوا عدة اساليب لشد الناس بالحسين عليه السلام وربطهم به، ومن وراء ذلك ستُنشر ثورة ونهضة ومظلومية الامام الحسين عليه السلام في العالم، ومن هذه
الأساليب اقامة المآتم الحسينية، فالملاحظ انه عندما يقام المجلس او المأتم الحسيني يتحدث الخطيب او الشاعر عما جرى على الحسين وعياله
واصحابه عليهم السلام والمستمع لابد ان يتفاعل معه ويسأل نفسه: لماذا جرى على الحسين ما جرى؟ ما فعل الامام الحسين؟ هل قتل احدا؟
هل سفك دما؟ هل تطاول على احد؟ وغيرها من الاسئلة،
فاذن الامام الحسين عليه السلام نهض من اجل الاسلام، من اجل كرامة المسلمين،
من اجل احقاق الحق وابطال الباطل، فبعد خمسين عاما على استشهاد النبي صلى الله عليه وآله واذا بعيون الناس تفتح على شخص فاسق
مجرم فاجر كـ (يزيد) يحكم المسلمين باسم رسول الله، فماذا يحدث، وماذا يكون مصير الاسلام بعد خمسة قرون أو اكثر، فلابد ان يوقف هذا عند حده.
ثم ان الامام الحسين عليه السلام يتمتع بامكانيات لم يتمتع بها غيره، من حيث مركزيته وموقعه العلمي والاجتماعي، وموقعه من البيت النبوي فهو سبط
رسول الله صلى الله عليه وآله وابن ابنته الزهراء، اضف الى ذلك انه صحابي، ووليد النبي(حسين مني وانا من حسين) فغير الحسين
عليه السلام لا يستطيع ان ينهض بهذه المهمة وبهذا الشكل، فحتى الائمة من ولده عليهم السلام لايستطيعون القيام بمثل هذه النهضة،
فلولم ينهض الامام الحسين ونهض غيره من الائمة، لقيل له لماذا لم ينهض الامام الحسين، مع انه اقدر منك واولى منك بالنهوض...
فهل من المعقول ان يأتي ابن تيمية وغيره ليقرر بعد حين ان الامام الحسين مخطئ، اي انه يقرر مسؤولية ووظيفة الحسين..
فالحسين هو الذي يقول:(انّا اهل بيت النبوة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة، بنا فتح الله وبنا يختم، ويزيد رجل فاسق فاجر شارب الخمور،
قاتل النفس المحرمة، ومثلي لا يبايع مثله..) اي ان الامر ليس عناداً وانما لا يحل لي ولا يجوز لي ان ابايعه.. يزيد الذي اعلن على رؤوس الاشهاد وبوقاحة.
لعبت هاشمُ بالمُلكِ فلا
خبرٌ جاء ولا وحيٌ نزل
ولذلك حكم الكثير من علماء السنة بكفره كالآلوسي والكياراسي وغيرهما، لأنه اعلن الكفر.. ثم ان المأتم الحسيني
لا يقتصر على ذكر مأساة الامام الحسين عليه السلام وتفاعل الناس معها عاطفيا -مع تأكيد الائمة عليهم السلام على البكاء في ذكر المأساة - فقد اكدوا
على قضية نظم الشعر في اهل البيت عموما وفي الامام الحسين خصوصا، باعتبارها وسيلة الاعلام انذاك، وكذلك انشاد هذا الشعر، واليوم لو جُمعَ الشعر
الرثائي الذي قيل في الامام الحسين لكان اكثر مما قيل شعرا في كل الانبياء والاولياء والعلماء والصالحين - اما المدح ففي الامام علي عليه السلام -،
الشيء الاخر الذي اهتم به الائمة عليهم السلام هو زيارة الامام الحسين، فالذي يقف على قبره الشريف لا يتأثر نفسيا فقط، لأن قضيته
قضية فكر وعاطفة، بطولة ومأساة، فقد يقتل الانسان مظلوماً بذلّة، لكن الامام الحسين عليه السلام لم يقتل بذلة؛ فبطولته وشجاعته، وموقفه ورفضه،
وعزة نفسه، ودفاعه عن دين جده صلى الله عليه وآله وعن المسلمين، كانت بموازاة ما جرى عليه من ظلم وسلب للحقوق، يقول السيد حيدر الحلي:
وسامتهُ يركبُ احدى اثنتين
وقد صرّت الحربُ اسنانها
فإما يرى مُذعنا او تمـــوت
نفسٌ ابى العــــز إذعانــــها
فقال لها اعتصمي بالإبــــاء
فنفسُ الأبيّ وما زانـــــــها
إذا لم تجد غير لبس الهوان
فبالموت تنزع جثمانــــــها
رأى القتلَ صبراً شِعارَ الكرام
وفخراً يزينُ لها شانـــــــــها
فأضرمها لعنان السمـــــــــــاء
حمراء تلفحُ أعنانـــــــــــها
ولما قضى للعُلى حقــــــها
وشيّد بالسيف بُنيانــــــــــها
ترجّل للموتِ عن سابقٍ
له أخلتِ الخيلُ ميدانها
واصبح مُشتجراً للرماح
تُحلُ الدِما منه مُرّانها
تزيد الطلاقةُ في وجهه
اذا غيّر الخوفُ الوانها
تريبَ المُحيّا تظن السماء
بأن على الارضِ كيوانها
فالزائر للامام الحسين عليه السلام يتذكر موقفه، ولذلك يشم رائحة الدماء الزكية، ويتأثر بهذا الجهاد وهذه التضحية وهذا العطاء، لهذا لم تكن قبل واقعة كربلاء اي ثورات في العالم الاسلامي
مع الظلم الذي جرى من معاوية وغيره، لكن بعد ثورة الحسين ونهضته، قامت عشرات الثورات ببركة هذه الثورة، مما اقلق الظالمين،
وحدا بهم الى منع زيارة الامام الحسين، خوفا ان تتأثر الناس بهذه الثورة وهذه الروحية، فينهضوا كما نهض، كما ان الزائر
لقبره الشريف يعطي بذلك تعهدا (انا سلمٌ لمن سالمكم وحربٌ لمن حاربكم.. اسأل الله تعالى ان يرزقني طلب ثاركم مع امام منصور..)،
وما هذه الجموع وهذه المسيرات المليونية التي تفد الى زيارة الحسين إلاّ دليل على عمق واصالة هذا المنهج، معتبرين كل ما يصيبهم
في سبيل الحسين نعمة، اضف الى ذلك هي رسالة للاعداء كي يتأدبوا ويعرفوا ان هذا الشعب لا يقهر، وان هذه الطائفة لا تقهر.
يقول بعض المغرضين ان توزيع الاطعمة وبهذه الكميات الكبيرة خلال الزيارات إسراف وتبذير، وهدر للاموال والطاقات؟
هذه حماقة من القائلين، لأن الاسراف إما ان يأكل الانسان اكثر من حاجته ((كلوا واشربوا ولا تُسرفوا))، او ان يسرف في تحضير الطعام، اي ان يعدّ طعاما فائضا عن حاجته فيما اذا
لم يستفد منه احد، ونحن خلال الزيارات وما يقدم فيها من اطعمة وغيرها لم نلحظ طعاما قد اُهمل او رُمي دون ان يستفيد منه الناس.
اما اذا قيل: لماذا يقدم الطعام بهذه الكميات دون مقابل مادي؟ نقول ان الروحية الكريمة لأهل البيت عليهم السلام انتقلت الى شيعتهم، ولذلك لا ترى في بقية
الطوائف الاسلامية وغيرها عطاء كعطاء الشيعة، والقرآن الكريم يروي عن النبي ابراهيم الخليل عليه السلام قصته مع الملائكة الثلاثة،
وكيف انه ذبح لهم عجلاً مع علمه ان كمية قليلة كانت تكفيهم، هذا هو الكرم، فما زاد يمكن ان يوزع على الاهل والفقراء والمحتاجين.
لذا يقال: ان البخيل يرى الكريم مجنونا، فالفرق هنا في اختلاف الروحيتين..
اما المجال الذي تصرف فيه الاموال، فالاحرى بهم ان يلتفتوا الى ما يصرفون فيه اموالهم من حفلات ومعاصي ومهرجانات للفسق والشيطان، تخلو
من الدين و الشرف والحشمة والاخلاق. ونحن إذ نُنفق هذه الاموال انما في طاعة من طاعات الله، وهؤلاء عباد الله، اتوا لزيارة ولي من اولياء الله،
وهو الامام الحسين ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله، اضف الى ذلك انه امر طوعي، تتفاعل فيه الجماهير من محبي اهل البيت مع القادمين
لزيارة الامام الحسين، فتقدم لهم كل ما يحتاجونه من طعام بمختلف الانواع، وخدمات صحية وعلاجية، حبّاً بآل البيت و قربة الى الله تعالى.
|
|
|
|