يتجلى البعد الديني والإنساني للنهضة الحسينية في ما حققته الثورة في حفظ المبادئ الحقة للإسلام
والتي حملت معها جميع ما بشر به الرسول الكريم(ص) في عصر الرسالة الإسلامية لتتقوم من خلال
الإمامة المنصوص عليها، أما البعد السياسي والعالمي فيقع في مصاديق
الثورة التي استوعبتها أهدافها السامية في الحرية والاستشهاد من أجل الكرامة..
|
الإمام علي بن الحسين
أحمد الهادي
ان القلم ليخشع امام هذا الطود العظيم من اطواد اهل البيت عليهم السلام، وان الوصف ليتقاصر عن هذه السيرة الكريمة لهذا الامام الطاهر الذي غمرت الدنيا حياته بالاحزان والمآسي والمصائب فغمرها بالصبر والعطاء
والبذل والخير وجابهته بظلمها وظلامها فشع عليها بعلمه ونوره النبوي وواجهته بزعازعها فوجدته جبلا شامخا راسخا لاتزعزعه الأعاصير
ولاتثنه الاهوال. ولد الامام علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب بن عبد المطلب بن هاشم الملقب بـ(زين العابدين) في المدينة المنورة سنة 38،
ونشأ في ذلك البيت الذي شع منه نور الاسلام، وهو الامام الرابع في سلسلة الانوار الإلهية الاثني عشرعليهم السلام من بني هاشم الذين اكد النبي
الاصطفاء السماوي لهم في احاديث كثيرة، فهم اوتاد الارض وامناء الاسلام وحفظة الوحي ومعدن الرسالة وامان الامة وباب حطة ونجوم الهداية وسفينة نوح، وهم الذين اذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.
ولو اردنا الاسترسال في فضلهم عليهم السلام لأعيانا ذلك ويكفي امامنا علي بن الحسين
ان يكون حفيدا لأمير المؤمنين عليه السلام الذي ارسى دعائم الاسلام وكان اعظم شخصية عرفها التاريخ بعد رسول الله
وإبناً لأبي الاحرار ورمز الثوار وسيد الشهداء وعلم الاباء ومنار الفخر. أما أم سيدنا الامام علي بن الحسين فهي السيدة الطاهرة بنت يزدجرد بن شاهنشاه آخر
ملوك الفرس وقد وردت الى المدينة مع سبي الفرس، نصت على ذلك الكثير من كتب التاريخ المعتبرة وقد اختلف المؤرخون في اسمها فقد وردت لهذه السيدة الجليلة
عدة اسماء في كتب المؤرخين منها شاه زنان _ سلافة _ غزالة _ جهانشاه _ برة _ سلامة _ خولة _ مريم، وقد ورد اسمها ونسبها في ارجوزة الحر العاملي:
وامه ذات العلى والمجد
شاه زنان بنت يزدجرد
وقد اختلف المؤرخون في تاريخ وصولها الى المدينة المنورة على ثلاثة اقوال، القول الاول في خلافة عمر بن الخطاب
والثاني في خلافة عثمان بن عفان والثالث في خلافة امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام وقد ورد ان لهذه السيدة الجليلة اختاً
تزوجها محمد بن ابي بكر فولدت له القاسم _ جد الامام الصادق عليه السلام لأمه، وعلى هذا فإن القاسم والامام علي بن الحسين
ابنا خالة. وروى القطب الراوندي في الخرائج والجرائح ج 1 ص 196 انه لما زوج الامام امير المؤمنين عليه السلام ولده
الامام الحسين عليه السلام من هذه السيدة قال له ( يابني احتفظ بها واحسن اليها فانها ستلد لك خير اهل الارض في زمانه بعدك وهي ام الاوصياء الذرية الطيبة )
ولما اشرق نور الامام علي بن الحسين على هذه الدنيا وزفت هذه البشرى الى الامام امير المؤمنين عليه السلام سجد لله شكرا وأسماه عليا، يقول الفرزدق فيه:
ينشق نور الدجى عن نور غرته
كالشمس تنجاب عن اشراقها الظلم
الله فضله قدما وشرفه
جرى بذاك له في لوحه القلم
ويقول فيه مهيار الديلمي:
قد قبست المجد من خير اب
وقبست الدين من خير نبي
وضممت الفخر من اطرافه
سؤدد الفرس ودين العرب
وذكر المجلسي ان هذه السيدة الطاهرة توفيت في نفاسها بالامام زين العابدين عليه
السلام بعد ان ولدته وروي ايضا انه لما توفيت تزوج الامام الحسين عليه السلام من اختها بعد ان قتل زوجها محمد بن ابي بكر في مصر فقامت بتربيته
عليه السلام ويكفي ام الامام السجاد شرفا ان النور انحصر بها عن طريق وليدها السجاد ذلك النور الذي جرى في الاصلاب الشامخة والارحام المطهرة.
تسلم الامام علي بن الحسين مواريث الإمامة من ابيه الامام الحسين عليه السلام بعد
احداث كربلاء الدامية حيث دخل عليه ابوه عليه السلام قبل استشهاده وأوصاه، وكانت آخر وصية اوصاه بها (يابني اوصيك بما اوصى به جدك رسول الله
عليا عليه السلام حين وفاته وبما اوصى به جدك علي عمك الحسن عليه السلام وبما اوصاني به
عمك.. اياك وظلم من لايجد عليك ناصرا الا الله). ثم ودعه ومضى الى المعركة التي استشهد فيها فشاهد عليه السلام مصرع ابيه وعمومته واخوته
وبني عمومته وسبي عماته واخواته من كربلاء الى الكوفة ومنها الى الشام وهو مقيد بالحديد ورؤوس الاهل والاصحاب على الرماح يتقدمهم رأس
ابيه عليه السلام. كما شاهد عبيد الله بن زياد ويزيد بن معاوية وهما ينكثان بالقضيب ثنايا ابيه تشفيا وانتقاما.. وقد تعرض عليه السلام للقتل اكثر
من مرة على يديهما ولكن ارادة الله حالت دون ما يريدان، ولم يمنعه اسره وهو مثقل بالحديد من ان يقف في الكوفة ومجلس ابن زياد ومجلس يزيد
ويصدع بالحق ويفضح الظالمين بتلك الخطب المدوية التي زلزلت عروش الطغاة وقد بقيت اصداء هذه الحوادث في ذاكرته حتى وفاته عليه السلام.
واضافة الى هذه المآسي التي شاهدها الامام عليه السلام في كربلاء والكوفة والشام فقد شاهد الكثير من الاحداث المأساوية التي جرت بعدها على يد
السلطة الاموية الطاغية فعاش عليه السلام ظروفا صعبة للغاية وهو يرى امام عينيه الجور والظلم والانحراف
والفساد وهو يستشري ويطغى فحمل هموم الامة والرسالة باكملها وراح يصدع بتعاليم الدين الحنيف مدافعا عنه بكل ما اوتي من قوة ويبث بين الناس
من روحه الكبيرة ما حملته من اخلاق وعلم وصفات نبوية. ومن الحوادث المأساوية التي شاهدها عليه السلام هي واقعة الحرة وماجرى على مدينة جده
من قتل ونهب وسلب وانتهاك للحرمات من قبل الجيش الاموي فعندما رأى اهل المدينة استهتار
يزيد بالدين والاخلاق وجميع القيم والمقدسات اضافة الى ظلمه وجوره وفجوره وعبثه وشربه الخمر جهرا، والأدهى من ذلك قتله ريحانة رسول الله
وسيد شباب اهل الجنة اعلنوا نقضهم لبيعته وولوا عليهم عبد الله بن حنظلة وعبد الله بن مطيع العدوي وطردوا عامل يزيد على المدينة عثمان بن
محمد بن ابي سفيان وحصروا بني امية في دار مروان فارسل اليهم يزيد المجرم مسلم بن عقبة المري فجرت معركة ضارية كانت الغلبة فيها لجيش
الشام وقتل عبد الله بن حنظلة ومعه اولاده الثمانية ثم دخل مسلم بن عقبة بجيشه الى المدينة المنورة فارتكبوا فيها من الجرائم مايندى له جبين الانسانية.
وقد قضت هذه الواقعة على البقية القليلة من آل ابي طالب وبني هاشم في المدينة فنكأت جراح امامنا عليه السلام من جديد وهي لم تندمل وتجددت احزانه
والجدير بالذكر ان هذه الواقعة جرت سنة 62 أي بعد سنة واحدة من واقعة الطف يقول المسعودي في مروج الذهب (قتل في تلك المعركة خلق كثير
من الناس من بني هاشم وقريش والانصار وغيرهم من سائر الناس فممن قتل من آل ابي طالب عبد الله بن جعفر بن ابي طالب وجعفر بن محمد بن علي بن
ابي طالب ومن بني هاشم من غير آل ابي طالب نوفل بن الحرث بن عبد المطلب والعباس بن عتبة بن ابي لهب واكثر من تسعين رجلا من قريش ومثلهم من الانصار
واربعة الآف من سائر الناس ممن ادركهم الاحصاء دون من لم يعرف). وقال ابن قتيبة ( ان عدد من قتل من ابناء المهاجرين والانصار والوجوه بلغ الفا وسبعمائة
ومن سائر الناس عشرة الآف سوى النساء والاطفال) ثم ينقل ابن قتيبة احدى الصور عن تلك الجرائم الوحشية التي قام بها الجيش الاموي في مدينة رسول الله
فيقول (دخل رجل من جند مسلم بن عقبة على امرأة نفساء من الانصار ومعها صبي لها فقال هل من
مال ؟ فقالت لا والله ماتركوا لنا شيئا فقال والله لتخرجن الي شيئا او لاقتلنك وصبيك هذا فقالت له ويحك انه ولد ابن ابي كبشة الانصاري صاحب رسول الله
فاخذ برجل الصبي والثدي في فمه فجذبه من حجرها وضرب به الحائط فانتثر دماغه على الارض) وقد اباح (مجرم ) بن عقبة المدينة ثلاثة ايام ولم يبق بعد هذه الواقعة بدري، ثم امروا بالبيعة ليزيد على انهم عبيد له ان
شاء استرق وان شاء اعتق فبايعوه على ذلك واموالهم مسلوبة ورحالهم منهوبة ودماؤهم مسفوكة ونساؤهم مهتوكة وبعث (مجرم بن عقبة)
برؤوس اهل المدينة الى يزيد وقد ذكر جميع المؤرخين هذه الواقعة. عاش الامام علي بن الحسين في عصر طغى فيه الظلم والفساد من قبل السلطة الاموية
الطاغية وقد انعكست هذه السيرة على الكثير من الناس فأبتعدوا عن مفاهيم الاسلام وآدابه واخلاقه وتشريعاته فقام الامام بدوره الاصلاحي وهذا هو دأب
الائمة الطاهرين في كل زمان ومكان وراح ينشر رسالة الاسلام ويدعو الناس الى الرجوع الى دينهم وكتابهم وسيرة نبيهم واحقاق الحق واقامة العدل وانصاف
المحرومين والمعذبين ويلفت الانظار الى ما يجب ان يتوفر في الحكام ومالهم وما عليهم من حقوق وواجبات وبما يضمن للدولة حقها وللناس كرامتهم وحقهم في
الحياة وذلك بأسلوب الحوار مع الله ومناجاته وتمجيده في ستين دعاء جمعت في كتاب يسمى الصحيفة السجادية وهي قمة في التضرع الى الله واستعطافه،
وهي من افضل ما يناجي بها الانسان ربه ويدعوه، وقد احتوت على علوم كثيرة في شتى المجالات فوضعت لها شروح كثيرة.
واضافة الى هذا الاثر الخالد لمولانا الامام زين العابدين فقد وضع رسالة لاصحابه وشيعته تتضمن ما يجب عليهم وما يجب لهم وهي التي تسمى رسالة الحقوق وهي اسس وقوانين تضمن للانسان حقوقه وحريته وكرامته.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
|
|
|
|