الاول من ربيع الاول



هجرة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إلى المدينة ومبيت الإمام علي ( عليه السلام ) على فراشه


خطة قريش :


بعد أن فشلت جميع الطرق التي اتَّبعها مشركو قريش في صدِّ النبي ( صلى الله عليه وآله ) عن أداء رسالته الإلهية ، اتَّفقوا على أن يرسل كل فخذ من قريش رجلاً مسلّحاً بسيفه ، ثم يأتون إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) وهو نائم على فراشه ، فيضربونه جميعاً بسيوفهم ضربة رجل واحد فيقتلوه ، فإذا قتلوه منعت قريش رجالها ولم تسلّمهم ، وبذلك يذهب دمه هدراً .


إخبار النبي ( صلى الله عليه وآله ) بخطة قريش :


أخبر جبرائيل ( عليه السلام ) النبي ( صلى الله عليه وآله ) بخطّة قريش ، وأمره بالهجرة إلى المدينة المنوّرة ، ونزل قوله تعالى : ( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ) (1) .


دعوة الإمام علي للمبيت على فراش النبي ( صلى الله عليه وآله ) :


دعا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) الإمام علي ( عليه السلام ) ، وأخبره بخطّة قريش ، وبهجرته إلى المدينة المنوّرة ، ثم قال له : ( أمَرَني اللهُ عزَّ وَجلَّ أنْ آمُركَ بالمبيتِ في فراشي ، لكي تُخفِي بمبيتك عليهم أثري ، فما أنت صانع ) ؟ فقال ( عليه السلام ) : ( أوَ تسلمنَّ بِمَبيتي يا نبيَّ الله ) ؟ قال ( صلى الله عليه وآله ) : ( نَعَمْ ) ، فتبسَّم ضاحكاً ، وأهوى إلى الأرض ساجداً لمّا بشّره ( صلى الله عليه وآله ) بسلامته ، فنزل قوله عز وجل في علي ( عليه السلام ) : ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ ) (2) .


خروج النبي ( صلى الله عليه وآله ) من داره :


خرج رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في أوّل الليل ، والرصد من قريش قد أحاطوا بداره ، ينتظرون انتصاف الليل ونوم الأعين ، فخرج ( صلى الله عليه وآله ) وهو يقرأ قوله تعالى : ( وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُون ) (3) . وأخذ النبي ( صلى الله عليه وآله ) بيده قبضة من تراب ، فرمى بها على رؤوسهم ، فما شعر القوم به حتّى تجاوزهم ، ومضى إلى غار ثور ، وفي طريق التحق به أبو بكر .


فشل الخطة :


اقتحمت قريش دار النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وهم شاهرون سيوفهم ، وتهيج منهم رائحة الحقد والخبث والدناءة ، فنهض الإمام علي ( عليه السلام ) من مضجعه في شجاعته المعهودة بوجوههم الإجرامية ، فارتعد القوم وتراجعوا . فلمّا عرفت قريش فشل خطّتها خرجت في طلب النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، فعمى الله أثره ، وهو نصب أعينهم ، وصدَّهم عنه ، وأخذ بأبصارهم دونه ، وهُم دهاة العرب ، ثم بعث الله العنكبوت ، فنسجت في وجه الغار فسترته ، وبعث الله حمامتين فوقفتا بفم الغار ، فأيَّسهم ذلك من الطلب .


تاريخ الهجرة :


1 ربيع الأوّل 13 للبعثة .


تاريخ الوصول إلى المدينة :


وصل ( صلى الله عليه وآله ) إلى يثرب التي سُمِّيَت فيما بعد بالمدينة المنوَّرة في الثاني عشر من ربيع الأوّل .


دعوة الإمام علي ( عليه السلام ) إلى المدينة :


بعد أن استقرَّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في المدينة المنوَّرة ، كتب إلى الإمام علي ( عليه السلام ) كتاباً أمره فيه بالمسير إليه . فخرج الإمام علي ( عليه السلام ) من مكّة بركب الفواطم ، متَّجهاً نحو المدينة ، ومعه فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) ، وأُمّه فاطمة بنت أسد ( رضوان الله عليها ) ، وفاطمة بنت الزبير ، فلحقه جماعة متلثَّمين من قريش ، فعرفهم الإمام ( عليه السلام ) وقال لهم : ( إنِّي مُنطَلِق إلى ابن عَمِّي ، فمن سَرَّه أن أفري لحمه وأُهريقَ دمه فَلْيتَبَعني ، أو فَليَدْنُ مني ) . ثم سار الإمام ( عليه السلام ) وفي كل مكان ينزل كان يذكر الله مع الفواطم قياماً وقعوداً ، وعلى جنوبهم ، فلما وصلوا المدينة نزل قوله تعالى : ( فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ ) (4) . فقرأ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) الآية عليهم ، فالذكَر هو الإمام علي ( عليه السلام ) ، والأنثى هُنَّ الفَواطِم ، ثم قال ( صلى الله عليه وآله ) للإمام علي ( عليه السلام ) : ( يَا عَلي ، أنتَ أوَّل هَذه الأُمّة إيماناً بالله ورسُولِه ، وأوّلهم هِجْرة إلى الله ورسُولِه ، وآخرهم عَهْداً برسولِه ، لا يُحبّك - والَّذي نَفسي بِيَده - إلاَّ مُؤمِن قَد امتحنَ اللهُ قلبَه للإيمان ، ولا يبغضُكَ إلاَّ مُنافِق أو كَافِر ) .


شعر الإمام علي ( عليه السلام ) بالمناسبة :


وقد قال الإمام علي ( عليه السلام ) شعراً في المناسبة يذكر فيه مبيته على الفراش ، ومقام رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في الغار ثلاثاً :


وقيت بنفسي خير من وطئ الحصى ** ومن طاف بالبيت العتيق وبالحجر


محمّد لمّا خاف أن يمكروا به ** فوقّاه ربّي ذو الجلال من المكر


وبت أراعيهم متى ينشرونني ** وقد وطّنت نفسي على القتل والأسر


وبات رسول الله في الغار آمناً ** هناك وفي حفظ الإله وفي ستر


أقام ثلاثاً ثم زمت قلائص ** قلائص يفرين الحصى أينما يفري


الثاني من ربيع الاول
وصول سبايا الإمام الحسين ( عليه السلام ) إلى المدينة


دخول بشير إلى المدينة :


قال بشير بن حذلم : لمّا قربنا من المدينة نزل علي بن الحسين ( عليهما السلام ) فحط رحله ، وضرب فسطاطه ، وأنزل نساءه ، وقال : ( يا بشير ، رحم الله أباك ، لقد كان شاعراً ، فهل تقدر على شي‏ء منه ) ؟ فقلت : بلى يا ابن رسول الله ، إنّي لشاعر ، فقال ( عليه السلام ) : ( أُدخل المدينة ، وانع أبا عبد الله ( عليه السلام )) .


قال بشير : فركبت فرسي ، وركضت حتّى دخلت المدينة ، فلمّا بلغت مسجد النبي ( صلى الله عليه وآله ) رفعت صوتي بالبكاء وأنشأت أقول :


يا أهل يثرب لا مقام لكم بها ** قتل الحسين فادمعي مدرار


الجسم منه بكربلاء مضرّج ** والرأس منه على القناة يدار


ثم قال : هذا علي بن الحسين ( عليه السلام ) مع عمّاته وأخواته ، قد حلّوا بساحتكم ، ونزلوا بفنائكم ، وأنا رسوله إليكم أعرفكم مكانه . قال : فما بقيت في المدينة مخدّرة ولا محجّبة إلاّ برزن من خدورهن ، مكشوفة شعورهن ، مخمشة وجوههن ، ضاربات خدودهن ، يدعون بالويل والثبور ، فلم أر باكياً وباكية أكثر من ذلك اليوم ، ولا يوماً أمر على المسلمين منه .


جارية تنعى الحسين ( عليه السلام ) :


قال بشير : وسمعت جارية تنوح على الحسين ( عليه السلام ) فتقول :


نعى سيّدي ناع نعاه فأوجعا ** وأمرضني ناع نعاه فأفجعا


فعيني جودا بالدموع وأسكبا ** وجودا بدمع بعدد معكما معا


على من دهى عرش الجليل فزعزعا ** فأصبح هذا المجد والدين أجدعا


على ابن نبي الله وابن وصيه ** وإن كان عنا شاحط الدار أشعا


ثم قالت : أيّها الناعي ، جدّدت حزننا بأبي عبد الله ( عليه السلام ) ، وخدشت منا قروحاً لما تندمل ، فمن أنت رحمك الله ؟ فقلت : أنا بشير بن حذلم ، وجّهني مولاي علي بن الحسين ( عليهما السلام ) ، وهو نازل في موضع كذا وكذا ، مع عيال أبي عبد الله الحسين ( عليه السلام ) ونسائه . قال : فتركوني مكاني وبادروني ، فضربت فرسي حتّى رجعت إليهم ، فوجدت الناس قد أخذوا الطرق والمواضع ، فنزلت عن فرسي ، وتخطيت رقاب الناس ، حتّى قربت من باب الفسطاط ، وكان علي بن الحسين ( عليه السلام ) داخلاً فخرج ، ومعه خرقة يمسح بها دموعه ، وخلفه خادم معه كرسي فوضعه له ، وجلس عليه ، وهو لا يتمالك عن العَبرة ، وارتفعت أصوات الناس بالبكاء ، وحنين النسوان والجواري ، والناس يعزونه من كل ناحية ، فضجّت تلك البقعة ضجّة شديدة .


خطبة الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) :


ثم خطب الإمام ( عليه السلام ) بالناس فقال : ( الحمد لله ربّ العالمين ، الرحمن الرحيم ، مالك يوم الدين ، بارئ الخلائق أجمعين ، الذي بعد فارتفع في السماوات العلى ، وقرب فشهد النجوى ، نحمده على عظائم الأُمور ، وفجائع الدهور ، وجليل الرزء ، وعظيم المصائب . أيّها القوم ، إنّ الله له الحمد وله الشكر ، قد ابتلانا بمصائب جليلة ، ومصيبتنا ثلمة عظيمة في الإسلام ، ورزية في الأنام ، قتل أبي الحسين وعترته وأنصاره ، وسبيت نساؤه وذرّيته ، وطيف برأسه في البلدان على عالي السنان ، فهذه الرزية تعلو على كل رزية ، فلقد بكت السبع الشداد لقتله ، والسبع الطباق لفقده ، وبكت البحار بأمواجها ، والأرضون بأرجائها ، والأشجار بأغصانها ، والطيور بأوكارها ، والحيتان في لجج البحار ، والوحوش في البراري والقفار ، والملائكة المقرّبين ، والسماوات والأرضين . أيّها الناس ، أي قلب لا ينصدع لقتله ، ولا يحزن لأجله ، أيّها الناس ، أصبحنا مشرّدين مطرودين مذودين شاسعين عن الأوطان ، من غير جرم اجترمناه ، ولا مكروه ارتكبناه ، ولا ثلمة في الإسلام ثلمناها ، ولا فاحشة فعلناها ، فوالله لو أنّ النبي ( صلى الله عليه وآله ) أوصى إليهم في قتالنا لما زادوا على ما فعلوا بنا ، فانا لله وإنا إليه راجعون ، من مصيبة ما أعظمها وأوجعها ، وأفجعها وأكظها وأفظعها ، وأمرها وأفدحها ، فعند الله نحتسب فيما أصابنا ، وما بلغ بنا فإنّه عزيز ذو انتقام ) .


شعر السيّدة أُم كلثوم :


قالت السيّدة أُم كلثوم حين دخولها المدينة المنوّرة :


مدينة جدّنا لا تقبلينا ** فبالحسرات والأحزان جينا


خرجنا منك بالأهلين جمعاً ** رجعنا لا رجال ولا بنينا


ألا فأخبر رسول الله عنّا ** بأنّا قد فجعنا في أخينا


وإن رجالنا بالطف صرعى ** بلا روس وقد ذبحوا البنينا


ورهطك يا رسول الله أضحوا ** عرايا بالطفوف مسلبينا


وقد ذبحوا الحسين ولم يراعوا ** جنابك يا رسول الله فينا


فلو نظرت عيونك للأسارى ** على قتب الجمال محمّلينا


رسول الله بعد الصون صارت ** عيون الناس ناظرة إلينا


وكنت تحوطنا حتّى تولت ** عيونك ثارت الأعدا علينا


أفاطم لو نظرت إلى السبايا ** بناتك في البلاد مشتتينا


أفاطم لو نظرت إلى الحيارى ** ولو أبصرت زين العابدينا


أفاطم لو رأيتينا سهارى ** ومن سهر الليالي قد عمينا


أفاطم ما لقيت من عداك ** ولا قيراط ممّا قد لقينا


فلو دامت حياتك لم تزالي ** إلى يوم القيامة تندبينا


وعرّج بالبقيع وقف وناد ** أين حبيب ربّ العالمينا


محاورة بشير مع أُم البنين :


لمّا دخل بشير المدينة لينعى الحسين ( عليه السلام ) ، التقى بأُم البنين ـ وهي أُم العباس ـ فقال لها : عظّم الله لك الأجر بولدك عبد الله ، قالت له : أسألك عن سيّدي ومولاي الحسين ، قال لها : عظّم الله الأجر بولدك جعفر ، قالت له : أسألك عن سيّدي ومولاي الحسين ، قال لها : عظّم الله لك الأجر بولدك عثمان ، قالت له


: أسألك عن سيّدي ومولاي الحسين ، قال لها : عظّم الله لك الأجر بولدك العباس ، قالت له : أسألك عن سيّدي ومولاي الحسين ، فقال : عظّم الله لك الأجر بأبي عبد الله الحسين ، فصاحت ولطمت خدّها ، وشقّت جيبها ونادت : وا حسيناه وا سيّداه .


تاريخ الوصول :


2 ربيع الأوّل 61 هـ ، وصلت السبايا إلى المدينة ، ووجدوا ديار أهلها خالية تنعى أهلها ، وتندب سكّانها ، ولنعم ما قال الشاعر :


مررت على أبيات آل محمّد ** فلم أرها أمثالها يوم حلت


فلا يبعد الله الديار وأهلها ** وإن أصبحت منهم برغم تخلت


الثالث من ربيع الاول



وصول سبايا الإمام الحسين ( عليه السلام ) إلى المدينة


دخول بشير إلى المدينة :


قال بشير بن حذلم : لمّا قربنا من المدينة نزل علي بن الحسين ( عليهما السلام ) فحط رحله ، وضرب فسطاطه ، وأنزل نساءه ، وقال : ( يا بشير ، رحم الله أباك ، لقد كان شاعراً ، فهل تقدر على شي‏ء منه ) ؟ فقلت : بلى يا ابن رسول الله ، إنّي لشاعر ، فقال ( عليه السلام ) : ( أُدخل المدينة ، وانع أبا عبد الله ( عليه السلام )) .


قال بشير : فركبت فرسي ، وركضت حتّى دخلت المدينة ، فلمّا بلغت مسجد النبي ( صلى الله عليه وآله ) رفعت صوتي بالبكاء وأنشأت أقول :


يا أهل يثرب لا مقام لكم بها ** قتل الحسين فادمعي مدرار


الجسم منه بكربلاء مضرّج ** والرأس منه على القناة يدار


ثم قال : هذا علي بن الحسين ( عليه السلام ) مع عمّاته وأخواته ، قد حلّوا بساحتكم ، ونزلوا بفنائكم ، وأنا رسوله إليكم أعرفكم مكانه . قال : فما بقيت في المدينة مخدّرة ولا محجّبة إلاّ برزن من خدورهن ، مكشوفة شعورهن ، مخمشة وجوههن ، ضاربات خدودهن ، يدعون بالويل والثبور ، فلم أر باكياً وباكية أكثر من ذلك اليوم ، ولا يوماً أمر على المسلمين منه .


جارية تنعى الحسين ( عليه السلام ) :


قال بشير : وسمعت جارية تنوح على الحسين ( عليه السلام ) فتقول :


نعى سيّدي ناع نعاه فأوجعا ** وأمرضني ناع نعاه فأفجعا


فعيني جودا بالدموع وأسكبا ** وجودا بدمع بعدد معكما معا


على من دهى عرش الجليل فزعزعا ** فأصبح هذا المجد والدين أجدعا


على ابن نبي الله وابن وصيه ** وإن كان عنا شاحط الدار أشعا


ثم قالت : أيّها الناعي ، جدّدت حزننا بأبي عبد الله ( عليه السلام ) ، وخدشت منا قروحاً لما تندمل ، فمن أنت رحمك الله ؟ فقلت : أنا بشير بن حذلم ، وجّهني مولاي علي بن الحسين ( عليهما السلام ) ، وهو نازل في موضع كذا وكذا ، مع عيال أبي عبد الله الحسين ( عليه السلام ) ونسائه . قال : فتركوني مكاني وبادروني ، فضربت فرسي حتّى رجعت إليهم ، فوجدت الناس قد أخذوا الطرق والمواضع ، فنزلت عن فرسي ، وتخطيت رقاب الناس ، حتّى قربت من باب الفسطاط ، وكان علي بن الحسين ( عليه السلام ) داخلاً فخرج ، ومعه خرقة يمسح بها دموعه ، وخلفه خادم معه كرسي فوضعه له ، وجلس عليه ، وهو لا يتمالك عن العَبرة ، وارتفعت أصوات الناس بالبكاء ، وحنين النسوان والجواري ، والناس يعزونه من كل ناحية ، فضجّت تلك البقعة ضجّة شديدة .


خطبة الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) :


ثم خطب الإمام ( عليه السلام ) بالناس فقال : ( الحمد لله ربّ العالمين ، الرحمن الرحيم ، مالك يوم الدين ، بارئ الخلائق أجمعين ، الذي بعد فارتفع في السماوات العلى ، وقرب فشهد النجوى ، نحمده على عظائم الأُمور ، وفجائع الدهور ، وجليل الرزء ، وعظيم المصائب . أيّها القوم ، إنّ الله له الحمد وله الشكر ، قد ابتلانا بمصائب جليلة ، ومصيبتنا ثلمة عظيمة في الإسلام ، ورزية في الأنام ، قتل أبي الحسين وعترته وأنصاره ، وسبيت نساؤه وذرّيته ، وطيف برأسه في البلدان على عالي السنان ، فهذه الرزية تعلو على كل رزية ، فلقد بكت السبع الشداد لقتله ، والسبع الطباق لفقده ، وبكت البحار بأمواجها ، والأرضون بأرجائها ، والأشجار بأغصانها ، والطيور بأوكارها ، والحيتان في لجج البحار ، والوحوش في البراري والقفار ، والملائكة المقرّبين ، والسماوات والأرضين . أيّها الناس ، أي قلب لا ينصدع لقتله ، ولا يحزن لأجله ، أيّها الناس ، أصبحنا مشرّدين مطرودين مذودين شاسعين عن الأوطان ، من غير جرم اجترمناه ، ولا مكروه ارتكبناه ، ولا ثلمة في الإسلام ثلمناها ، ولا فاحشة فعلناها ، فوالله لو أنّ النبي ( صلى الله عليه وآله ) أوصى إليهم في قتالنا لما زادوا على ما فعلوا بنا ، فانا لله وإنا إليه راجعون ، من مصيبة ما أعظمها وأوجعها ، وأفجعها وأكظها وأفظعها ، وأمرها وأفدحها ، فعند الله نحتسب فيما أصابنا ، وما بلغ بنا فإنّه عزيز ذو انتقام ) .


شعر السيّدة أُم كلثوم :


قالت السيّدة أُم كلثوم حين دخولها المدينة المنوّرة :


مدينة جدّنا لا تقبلينا ** فبالحسرات والأحزان جينا


خرجنا منك بالأهلين جمعاً ** رجعنا لا رجال ولا بنينا


ألا فأخبر رسول الله عنّا ** بأنّا قد فجعنا في أخينا


وإن رجالنا بالطف صرعى ** بلا روس وقد ذبحوا البنينا


ورهطك يا رسول الله أضحوا ** عرايا بالطفوف مسلبينا


وقد ذبحوا الحسين ولم يراعوا ** جنابك يا رسول الله فينا


فلو نظرت عيونك للأسارى ** على قتب الجمال محمّلينا


رسول الله بعد الصون صارت ** عيون الناس ناظرة إلينا


وكنت تحوطنا حتّى تولت ** عيونك ثارت الأعدا علينا


أفاطم لو نظرت إلى السبايا ** بناتك في البلاد مشتتينا


أفاطم لو نظرت إلى الحيارى ** ولو أبصرت زين العابدينا


أفاطم لو رأيتينا سهارى ** ومن سهر الليالي قد عمينا


أفاطم ما لقيت من عداك ** ولا قيراط ممّا قد لقينا


فلو دامت حياتك لم تزالي ** إلى يوم القيامة تندبينا


وعرّج بالبقيع وقف وناد ** أين حبيب ربّ العالمينا


محاورة بشير مع أُم البنين :


لمّا دخل بشير المدينة لينعى الحسين ( عليه السلام ) ، التقى بأُم البنين ـ وهي أُم العباس ـ فقال لها : عظّم الله لك الأجر بولدك عبد الله ، قالت له : أسألك عن سيّدي ومولاي الحسين ، قال لها : عظّم الله الأجر بولدك جعفر ، قالت له : أسألك عن سيّدي ومولاي الحسين ، قال لها : عظّم الله لك الأجر بولدك عثمان ، قالت له : أسألك عن سيّدي ومولاي الحسين ، قال لها : عظّم الله لك الأجر بولدك العباس ، قالت له : أسألك عن سيّدي ومولاي الحسين ، فقال : عظّم الله لك الأجر بأبي عبد الله الحسين ، فصاحت ولطمت خدّها ، وشقّت جيبها ونادت : وا حسيناه وا سيّداه .


تاريخ الوصول :


2 ربيع الأوّل 61 هـ ، وصلت السبايا إلى المدينة ، ووجدوا ديار أهلها خالية تنعى أهلها ، وتندب سكّانها ، ولنعم ما قال الشاعر :


مررت على أبيات آل محمّد ** فلم أرها أمثالها يوم حلت


فلا يبعد الله الديار وأهلها ** وإن أصبحت منهم برغم تخلت


الثالث من ربيع الاول
ضرب الكعبة بالمنجنيق


ضرب الأمويون الكعبة الشريفة بالمنجنيق مرّتين واحرقوها خلال حكمهم الجائر ، وذلك في زمن يزيد بن معاوية بقيادة الحصين بن النمير ، وفي زمن عبد الملك بن مروان بقيادة الحجّاج بن يوسف الثقفي .


زمن يزيد بن معاوية :


حكم يزيد بن معاوية ثلاث سنوات بعد هلاك أبيه ، ففي السنة الأُولى قتل الإمام الحسين ( عليه السلام ) وأصحابه ، وفي السنة الثانية من حكمه هجم على مدينة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وسبى أهلها ، وفي السنة الثالثة وجّه جيشاً بقيادة الحصين بن النمير ، وذلك في الثالث من ربيع الأوّل 64 هـ ، لقتال عبد الله بن الزبير الذي تحصّن في الكعبة المشرّفة ، فقام جيش يزيد بقيادة الحصين بن النمير بمحاصرة الكعبة . وبعد أن استعصى على الجيش الأموي إخضاع ابن الزبير ، وضع المحاصرون المنجنيق ورمي الكعبة بالنار ، فاحترقت ، ثمّ بقوا محاصرين للبيت الحرام عدّة شهور حتّى وصلهم خبر هلاك يزيد . فانفكوا عنها راجعين إلى الشام مغلوبين ، وتفرّقوا أثناء رجوعهم لاضطراب أمرهم ، فلاحقهم أهل مكّة والمدينة ، حتّى أخذوا أربعمائة منهم إلى الحرّة بالمدينة ، وأمر مصعب بن الزبير بقتلهم ، ثمّ بايع أهل المدينة أخاه عبد الله بن الزبير بالخلافة .


زمن عبد الملك بن مروان :


في عام 73 هـ توجّه الحجّاج بن يوسف الثقفي إلى الحجاز في زمن عبد الملك بن مروان ، ونزل الطائف ، وأخذ يرسل بعض جنوده لقتال عبد الله بن الزبير ، فدارت بينهما عدّة اشتباكات كانت نتيجتها في صالح الحجّاج ، ثمّ تقدّم وضرب حصاراً على مكّة ، فأصاب أهل مكّة مجاعة كبيرة ، ونصب المنجنيق على جبل أبي قيس ، وبدأ بضرب الكعبة ، فلمّا أتى موسم الحجّ طلب عبد الله بن عمر من الحجّاج أن يكفّ عن ضرب الكعبة بالمنجنيق ، لأنّ الناس قد امتنعوا عن الطواف فامتثل الحجّاج ، وبعد الفراغ من طواف الفريضة عاود الحجّاج الضرب ، وتشدد في حصار ابن الزبير حتّى انصرف عنه رجاله ، ولكن ابن الزبير لم يتراجع ، فخرج لقتال جيش الحجّاج ، فقتل ، وسلمت الكعبة بموته من الضرب بالمنجنيق .


الخامس من ربيع الاول
السيدة سكينة بنت الإمام الحسين ( عليه السلام ) ) اسمها ونسبها :


السيّدة سكينة بنت الإمام الحسين بن الإمام علي بن أبي طالب ( عليهم السلام ) .


أُمّها : السيّدة الرباب بنت امرئ القيس القضاعية . سيرتها :


روي أنّ لها السيرة الجميلة والعقل التام ، وكانت على منزلة كبيرة من الجمال والأدب والكرم والسخاء الوافر ، وروى العلاّمة المجلسي في مساعدتها للفقراء : ( أراد علي بن الحسين ( عليهما السلام ) الحج فأنفذت إليه أخته سكينة بنت الحسين ( عليهما السلام ) ألف درهم فلحقوه بها بظهر الحرّة ، فلمّا نزل فرّقها على المساكين ) .


حضورها في كربلاء :


حضرت السيّدة سكينة واقعة الطف مع أبيها الإمام الحسين ( عليه السلام ) وشاهدت مصرعه ، واعتنقت جسد أبيها بعد قتله .


كانت مع السبايا :


أُخذت مع السبايا ، ورؤوس الشهداء إلى الكوفة ، ثمّ منها إلى الشام ، بعدها عادت مع أخيها الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) والسبايا إلى المدينة المنوّرة .


حب الإمام الحسين ( عليه السلام ) لها :


روي أنّ يزيد بن معاوية لمّا أدخل عليه نساء أهل البيت ( عليهم السلام ) قال للرباب ( أُم سكينة ) : أنت التي كان يقول فيك الحسين وفي ابنتك سكينة :


لعمرك إنّني لأحبّ داراً ** تكون بها سكينة والرباب


وأحبّهما وأبذل جلّ مالي ** وليس لعاتب عندي عتاب


فقالت : نعم ، والظاهر من الشعر أنّه ( عليه السلام ) كان يحبّها حبّاً شديداً .


وفاتها :


توفّيت السيّدة سكينة ( رضي الله عنها ) في الخامس من ربيع الأوّل 117 هـ ، ودفنت بالمدينة المنوّرة .


الثامن من ربيع الاول
شهادة الإمام العسكري ( عليه السلام )


أصبَحَت قيادَة الإمام الحسن العسكري ( عليه السلام ) وامتِدَادُها الجماهيري بين أوساط الأمَّة الإسلامية مصدر خَطَرٍ على السلطة العباسية . فأخذَ الخليفة المُعتَمِد يفكّر جدِّياً بتصفية شخص الإمام العسكري ( عليه السلام ) ، فدسَّ إليه السُم . ومضى الإمام العسكري ( عليه السلام ) إلى رَبِّهِ مسموماً شهيداً ، في الثامن من ربيع الأوّل 260 هـ ، وعمره الشريف ثمان وعشرون سنة .


التاسع من ربيع الاول
تتويج الإمام المهدي ( عليه السلام )


تتويج من ؟


بعد شهادة الإمام العسكري ( عليه السلام ) في الثامن من ربيع الأوّل عام 260 هـ ، توّج ابنه الإمام المهدي ( عليه السلام ) بتاج الخلافة والإمامة للمسلمين في التاسع من ربيع الأوّل عام 260 هـ .


فرحة التتويج :


تفرح الشيعة في مثل هذا اليوم ، وتقيم الاحتفالات لهذا التتويج ، وذلك لأنّه أوّل يوم من إمامة وخلافة منجي البشرية ، وآخر الحجج لله على أرضه . وتأمل أن يعجّل الله تعالى فرج إمام زمانها الإمام المهدي المنتظر ( عليه السلام ) في أقرب وقت ممكن ، ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً ، كما بشَّر بذلك جدُّه محمّد ( صلى الله عليه وآله ) في أحاديث متواترة ، نقلتها كتب المسلمين سنّة وشيعة .


عمره ( عليه السلام ) عند التتويج :


تسلّم الإمام المهدي ( عليه السلام ) مهام الإمامة وهو ابن خمس سنين ، فهو بذلك يكون أصغر الأئمّة ( عليهم السلام ) سنّاً عند توليه الإمامة ، وليس هذا بدعاً من الأُمور في تاريخ الأنبياء والرسل ، وأئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) . فقد سبق الإمام المهدي ( عليه السلام ) بعض أنبياء الله تعالى ، كعيسى ويحيى ( عليهما السلام ) وفق نص القرآن الكريم بعمر ثمان سنين ، وسبقه جدّه الإمام الهادي ( عليه السلام ) لتسلّم الإمامة وكان عمره ثماني سنين ، وسبقه الإمام الجواد ( عليه السلام ) وعمره الشريف سبع أو تسع سنين . فلا يؤثّر صغر السن في قابلية الإفاضة الربانية على الشخص ؛ ولذا نرى الذين ترجموا للإمام المهدي ( عليه السلام ) من علماء المذاهب الإسلامية قد اعتبروا تسلّمه للإمامة وهو في هذا السن ـ خمس سنين ـ أمراً عادياً في سيرة الأئمّة ( عليهم السلام ) . قال ابن حجر الهيثمي الشافعي في ذيل ترجمته للإمام الحسن العسكري ( عليه السلام ) : ( ولم يخلّف ـ الإمام العسكري ـ غير ولده أبي القاسم محمّد الحجّة ، وعمره عند وفاة أبيه خمس سنين ، لكن آتاه الله فيها الحكمة ) (1) . وقال الشيخ عبد الرحمن الجامي الحنفي في مرآة الأسرار ، في ترجمة الإمام المهدي ( عليه السلام ) : ( وكان عمره عند وفاة والده الإمام الحسن العسكري خمس سنين ، وجلس على مسند الإمامة ، وكما أعطى الحق تعالى يحيى بن زكريا الحكمة والكرامة في حال الطفولية ، وأوصل عيسى بن مريم إلى المرتبة العالية في زمن الصبا ، كذلك هو في صغر السن ، جعله الله إماماً ، وخوارق العادات الظاهرة له ليست قليلة بحيث يسعها هذا المختصر ) (2) . ومن يلاحظ هذا الشيخ الأخير الجامي الحنفي يستند إلى تجارب الأنبياء السابقين ( عليهم السلام ) التي تنفي أن يستبعد أحد الإمامة عن الصغير مادام الإمام مخصوصاً ومسدّداً من الله تعالى في صغره بالكرامات فضلاً عن كبره ، لا يمكن صدورها عن غير الإمام ، وقد كان جملة منها في زمان إمامة أبيه ( عليه السلام) ، وبعضها الآخر في زمان إمامته ( عليه السلام ) . وكان أوّل مهامه بعد تسلّمه الإمامة الصلاة على أبيه الإمام العسكري ( عليه السلام ) في داره ، وقبل إخراج جسده الطاهر إلى الصلاة الرسمية التي خطّطتها السلطة الجائرة آنذاك ، وكان ذلك أمراً مهماً في إثبات إمامته المباركة ، حيث لا يصلّي على الإمام المعصوم إلاّ الإمام المعصوم .


مستحبات هذا اليوم :


يستحب في هذا اليوم الإنفاق والإطعام ، والتوسعة في نفقة العيال ، فقد روي أنّه من أنفق في اليوم شيئاً غفر الله له ذنوبه ، ويستحب لبس الجديد ، والشكر والعبادة ، وهو يوم نفي الهموم والغموم والأحزان .


الغيبة الصغرى وفائدته ( عليه السلام ) في الغيبة :


وفي مثل هذا اليوم غائب الإمام المهدي ( عليه السلام ) عن أنظار الناس ، وبدأت بغيابه الغيبة الصغرى التي استمرت سبعين عاماً ، وهنا لا بأس أن نبيّن فائدة الإمام المهدي ( عليه السلام ) في زمن الغيبة . لاشكّ ولا ريب أنّ الإمام المهدي ( عليه السلام ) حجّة الله تعالى على الخلق ، بمعنى أنّ الله تعالى يحتجّ به على عباده يوم القيامة ، وعليه فالحجّية مهمّة من مهام الإمام ووظائفه . فغيابه ( عليه السلام ) عن أنظار الخلق ـ بمعنى أنّ الخلق لا يراه بينما هو يراهم ـ لا يضرّ على هذا المعنى من الحجّية ، فهو ناظر إلى أعمالنا ، ومطّلع عليها . وإن قلنا : إنّ معنى الحجّية هو الالتزام بأقوال الإمام ( عليه السلام ) ، وأوامره ونواهيه ، والعمل عليها ، فغيابه ( عليه السلام ) أيضاً لا يضرّ ، إذ يكفي في صحّة إطلاق الحجّية بهذا المعنى هو التزام المؤمن ، بأنّه إذا صدر أمر أو نهي من الإمام سوف يطبّقه ، ويسير على نهجه ، سواء صدر ذلك فعلاً أو لم يصدر ، كما في زمن الغيبة . علماً أنّ وجود الإمام ( عليه السلام ) لا يقتصر على الحجّية ، بل له مهام وفوائد ووظائف أُخرى كثيرة جدّاً ، بحيث يكون الانتفاع به كالشمس إذا غيّبتها السحاب ، كما ورد ذلك في روايات أهل البيت ( عليهم السلام ) . فقد سئل النبي ( صلى الله عليه وآله ) عن كيفية الانتفاع بالإمام المهدي ( عليه السلام ) في غيبته فقال : « إي والذي بعثني بالنبوّة ، إنّهم يستضيئون بنوره ، وينتفعون بولايته في غيبته ، كانتفاع الناس بالشمس ، وإن تجلّلها السحاب » (3) . وروي عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) أنّه قال ـ بعد أن سئل عن كيفية انتفاع الناس بالحجّة الغائب المستور ـ : « كما ينتفعون بالشمس إذا سترها السحاب » (4) . وروي أنّه خرج من الناحية المقدّسة إلى إسحاق بن يعقوب على يد محمّد بن عثمان : « وأمّا وجه الانتفاع بي في غيبتي ، فكالانتفاع بالشمس إذا غيّبها عن الأبصار السحاب » (5) .


فيمكن أن يقال : إنّ الشبه بين مهدي هذه الأُمّة ، وبين الشمس المجلّلة بالسحاب من عدّة وجوه :


1ـ المهدي ( عليه السلام ) كالشمس في عموم النفع ، فنور الوجود والعلم والهداية يصل إلى الخلق بتوسّطه . 2ـ إنّ منكر وجود المهدي ( عليه السلام ) كمنكر وجود الشمس إذا غيّبها السحاب عن الأبصار . 3ـ إنّ الشمس المحجوبة بالسحاب مع انتفاع الناس بها ينتظرون في كلّ آن انكشاف السحاب عنها ، وظهورها ليكون انتفاعهم بها أكثر ، فكذلك في أيّام غيبته ( عليه السلام ) ، ينتظر المخلصون من شيعته خروجه ، وظهوره في كلّ وقت وزمان ولا ييأسون منه . 4ـ إنّ الشمس قد تخرج من السحاب على البعض دون الآخر ، فكذلك يمكن أن يظهر في غيبته لبعض الخلق دون البعض . 5ـ إنّ شعاع الشمس يدخل البيوت بقدر ما فيها من النوافذ ، وبقدر ما يرتفع عنها من الموانع ، فكذلك الخلق إنّما ينتفعون بأنوار هدايته بقدر ما يرفعون الموانع عن حواسّهم ومشاعرهم ، من الشهوات النفسية والعلائق الجسمانية ، والالتزام بأوامر الله والتجنّب عن معاصيه ، إلى أن ينتهي الأمر حيث يكون بمنزلة مَن هو تحت السماء يحيط به شعاع الشمس من جميع جوانبه بغير حجاب .


العاشر من ربيع الاول
زواج رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) من خديجة


لا بُدَّ للنبي ( صلى الله عليه وآله ) من الاقتران بامرأة تتناسب مع عظمة شخصيته ، وتتجاوب مع أهدافه السامية . ولم يكن في دنيا النبي محمد ( صلى الله عليه وآله ) امرأة تصلح لذلك غير خديجة ( رضوان الله عليها ) ، لما ينتظرها من جهاد ، وبَذْل ، وصَبْر . وشاءت حكمة الله تعالى أن يَتَّجه قلب خديجة نحو النبي محمد ( صلى الله عليه وآله ) ، وأن تتعلَّق بشخصيته ، وتطلُب منه أن يقترن بها . فيقبل النبي محمد ( صلى الله عليه وآله ) بذلك ، وكان حينذاك عمره الشريف لم يتجاوز الخامسة والعشرين ، وتمّ الزواج منها في العاشر من ربيع الأوّل (15) عام قبل بعثته ( صلى الله عليه وآله ) .


وفاة إبراهيم بن رسول الله ( صلى الله عليه وآله )


اسمه ونسبه ( عليه السلام ) :


السيّد إبراهيم بن محمّد بن عبد الله الهاشمي القرشي .


أُمّه ( عليه السلام ) :


السيّدة مارية بنت شمعون القبطية .


ولادته ( عليه السلام ) :


ولد إبراهيم في ذي الحجّة 8 هـ بالمدينة المنوّرة .


مراسيم ولادته ( عليه السلام ) :


كانت قابلة السيّدة مارية مولاة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فخرجت إلى زوجها أبي رافع ، فأخبرته بأنّ السيّدة مارية قد ولدت غلاماً ، فجاء أبو رافع إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فبشّره ، فسمّاه إبراهيم ، وعق عنه يوم سابعه ، وحلق رأسه ، فتصدّق بزنة شعره فضة على المساكين ، وأمره بشعره فدفنت في الأرض .


مرضعته ( عليه السلام ) :


تنافست نساء الأنصار أيّهن ترضعه ، فدفعه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إلى أُم بردة بنت المنذر بن زيد ، وزوجها البراء بن أوس ، وكان ( صلى الله عليه وآله ) يأتي أم بردة فيقيل عندها ، ويؤتى بإبراهيم ، ولكن توفّي دون السنتين فأتم الله رضاعه في الجنّة .


قول النبي عند وفاته ( عليه السلام ) :


بكى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) على وفاة ولده إبراهيم ، فقال له بعض من عزّاه : أنت أحق من عظم الله حقّه ، فقال ( صلى الله عليه وآله ) : ( تدمع العين ويحزن القلب ، ولا نقول ما يسخط الرب ، ولولا أنّه وعد حقّ ، وموعود جامع ، وأنّ الآخر للأوّل تابع ، لوجدنا عليك يا إبراهيم أفضل ممّا وجدناه ، وإنّا بك لمحزنون ) .


وفاته ( عليه السلام ) :


توفّي إبراهيم في الثامن عشر من رجب 10 هـ ، وقيل : في العاشر من ربيع الأوّل ، بالمدينة المنوّرة ، وقام الإمام علي ( عليه السلام ) بتجهيزه ، ودفن في مقبرة البقيع .


مقطع من زيارته ( عليه السلام ) :


( اشهد أنّك قد اختار الله لك دار أنعامه قبل أن يكتب عليك أحكامه ، أو يكلّفك حلاله وحرامه ، فنقلك إليه طيّباً زاكياً مرضياً طاهراً من كلّ نجس ، مقدّساً من كلّ دنس ، وبوّأك جنّة المأوى ، ورفعك إلى درجات العلى ، وصلّى الله عليك صلاة يقرّ بها عين رسوله ، ويبلغه بها أكبر مأمولة ... . اللهم إنّي أسألك بحقّ محمّد صفيّك ، وإبراهيم نجل نبيّك ، أن تجعل سعيي بهم مشكوراً ، وذنبي بهم مغفوراً ، وحياتي بهم سعيدة ، وعافيتي بهم حميدة ، وحوائجي بهم مقضية ، وأفعالي بهم مرضية ، وأُموري بهم مسعودة ، وشؤوني بهم محمودة . اللهم وأحسن لي التوفيق ، ونفّس عنّي كلّ هم وضيق ، اللهم جنّبني عقابك ، وامنحني ثوابك ، واسكني جنانك ، وارزقني رضوانك وأمانك ، واشرك في صالح دعائي والدي وولدي وجميع المؤمنين والمؤمنات ، الأحياء منهم والأموات ، إنّك وليّ الباقيات الصالحات ، آمين ربّ العالمين ) .


وفاة عبد المطلب ( رضوان الله عليه ) جد النبي ( صلى الله عليه وآله )


ولادته :


اسمه شَيبة الحمد ، ولد في المدينة نحو 127 قبل الهجرة ، كان سيّد العرب وسيّد الوادي ، وسيّد قريش وحكيمها وعالمها ، وُلد وفي رأسه شيبة فقيل له : شيبة الحمد ـ رجاء أن يكبر ويشيخ ويكثر حمد الناس له ـ وقد حقّق الله ذلك ، فكثر حمدهم له ، لأنّه كان مَفزَع قريش في النوائب ، وملجأها في الأمور ، وكان شريفهم وسيّدهم كمالاً وفعلاً .


صفاته وأخلاقه :


1ـ كرمه : كان كثير الكرم حيث أنّه قد لُقّب بالفيّاض مُطعم الوحش والطير ، ولشدّة كرمه أطلقت عليه العرب إبراهيمَ الثاني ، وكذلك للخصال الحميدة التي تجمّعن فيه . 2ـ إيمانه : كان عبد المطلب ( رضوان الله عليه ) يؤمن بالله واليوم الآخر ، وكان يقول للناس : لن يخرج من الدنيا ظلوم حتّى ينتقم الله منه وتصيبه عقوبة ، إلى أن هلك رجل ظلوم من أرض الشام ولم تصبه عقوبة ، فقيل لعبد المطلب في ذلك ، ففكّر وقال : والله إنّ وراء هذه الدار داراً ، يجازى فيها المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته . ورفض عبادة الأصنام ، ونهى أن يستقسم بالأزلام ، وعن أكل ما يُذبح على النُّصُب ، ودعا إلى توحيد الباري عز وجل ، ولم تكن شريعة مشروعة في زمنه ، ولهذا كانت عبادته التفكّر في آلاء الله ومصنوعاته ، والدعوة إلى صلة الأرحام ، واصطناع المعروف والاتّصاف بمكارم الأخلاق . وكان يختلي كثيراً بغار حِراء ليجمع فكره وقلبه في الاستغراق في التفكير في صفات الله وأفعاله الدالّة عليه ، فإذا دخل شهر رمضان صعِد غار حراء بعد أن يأمر بإطعام المساكين ، وتخلّى عن الناس مفكّراً في جلال الله وعظمته . 3ـ كراماته : أكرمه الله بمعجزة حفر بئر زمزم ، ومعجزة نبع الماء من تحت راحلته عندما سافر للتقاضي بينه وبين خصومه ، فأدركهم العطش ورفض خصومه أن يسقوه وجماعته . وهبه الله عز وجل أكثر من عشرة أولاد ، وكان مستجاب الدعوة ، وكانت قريش إذا أصابها قحط شديد تأتيه فتستسقي به فيُسقَون . وفي حادثة أصحاب الفيل عندما جاء أبرهة الأشرم لهدم الكعبة شرّفها الله ، قابله عبد المطلب وطلب منه أن يردّ عليه إبلاً له أخذها الجيش ، فقال أبرهة : ألا تطلب منّي أن أعود عن هدم البيت ـ الكعبة ـ ؟! فأجابه عبد المطلب بكلمة الإيمان الراسخ : أمّا الإبل فأنا ربّها ، وأمّا البيت فإنّ للبيت ربّاً يحميه ، وأمسك عبد المطلب بحلقة باب الكعبة شرّفها الله ، وناجى ربّه :


يا ربِّ لا أرجو لهم سـواكا ** يا ربّ فامنَع منهمُ حِماكا


إنّ عدوَّ البيـتَ مَن عاداكا ** امنعهمُ أن يُخربـوا فِناكا


ثمّ عقّب بقوله : يا معشر قريش ، لا يصل إلى هدم هذا البيت ، فإنّ له ربّاً يحميه ويحفظه ، فأهلك الله أبرهة وجيشه ، وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في سورة الفيل بقوله تعالى: ( ألم تَرَ كيف فَعَلَ ربُّك بأصحاب الفيل * ألم يجعلْ كَيدَهم في تضليل * وأرسل عليهم طيراً أبابيل * ترميهم بحِجارةٍ من سِجّيل * فجعلَهم كعَصفٍ مأكول ) . وكانت الحادثة سنة ولادة الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ، لأجل ذلك يقولون : ولد النبي عام الفيل . 4ـ سننه : وقد سنّ ( رضوان الله عليه ) كثيراً من السنن التي أقرّها الإسلام : كقطع يد السارق ، وفرض الدية مائة من الإِبل ، والوفاء بالنَّذر ، ونهى أن يطوف في البيت ـ الكعبة ـ عريان ، وحدّد الطواف بسبعة أشواط ، وحرّم الخمر والزنا ونكاح المحارم ، ونهى عن وأد البنات ، وكان أوّل من أخرج الخمس ، وكان يأمر أولاده بترك الظلم والبغي ، ويحثّهم على مكارم الأخلاق ، وينهاهم عن دنيّات الأمور . 5ـ منزلته الاجتماعية : حكّمته قريش بأموالها ، وكانت له الرفادة والسقاية ، وكانت له إبل كثيرة يجمعها في المواسم ويسقي لبنها بالعسل في حوض من أدم عند زمزم ، ويشتري الزبيب فينقعه في ماء زمزم ويسقيه الحُجّاج . وأعطاه الله من الشرف ما لم يُعط أحداً ، وكان فصيح اللسان ، حاضر القلب ، وكان لطيب ريحه يفوح منه رائحة المسك ، وكان نور النبي ( صلى الله عليه وآله ) يضيء من غُرّته .


6ـ يقينه بالنبوّة : كان عبد المطّلب شديد اليقين بنبوّة محمّد ( صلى الله عليه وآله ) ، وأنّه كان نبي مرسل من قبل الله عز وجل ، وقد فرح كثيراً بولادته وأنشد :


الحمــد لله الذي أعـطانـي ** هذا الغلامَ الطيّبَ الأردانِ


قد ساد في المهد على الغلمان ** أُعيذه بالله ذي الأركـانِ


حتّـى أراه بالــغَ البُنيـانِ ** أُعيذه من شـرّ ذي شنآنِ


من حاسدٍ مضطربِ العنانِ وهو الذي قد قال : إنّي قد خلّفتُ لكم الشرف العظيم الذي تطأون به رقاب الناس .


وصاياه بالنبي ( صلى الله عليه وآله ) :


كان قبل وفاته كثيراً ما يوصي ولده أبا طالب بمحمّد ( صلى الله عليه وآله ) قائلاً : يا بُني ! تَسلّم ابن أخيك ، فأنت شيخ قومك وعاقلهم ، ومَن أجدُ فيه الحِجى دونهم ، وهذا الغلام تحدّثت به الكهّان ، وقد روينا في الأخبار أنّه : سيظهر من تهامة نبيٌّ كريم ، وقد رُوي فيه علامات قد وجدتها فيه ، فأكرِم مثواه واحفظه من اليهود فإنّهم أعداؤه . فأجابه أبو طالب : قد قبلت ، واللهُ على ذلك شاهد ، ثمّ مدّ يده إليه ، فضرب بها على يد ابنه أبي طالب قائلاً : الآن خُفّف علَيَّ الموت ، وودّعه عبد المطّلب وهو يقبّله قائلاً : أشهد أنّي لم أر أحداً في ولدي أطيب ريحاً منك ، ولا أحسن وجهاً .


وفاته :


توفّي ( رضوان الله عليه ) بمكّة في اليوم العاشر من ربيع الأوّل في السنة الثامنة من ولادة النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، ولعبد المطلب مائة وعشرون سنة ، وقيل مائة وأربعون . أعظمت قريش موته ، وغُسل بالماء والسدر ـ وكانت قريش أوّل مَن غسل الموتى بالسدر ـ ولُفّ في حُلّتين من حلل اليمن قيمتهما ألف مثقال ذهب ، وطُرح عليه المسك حتّى ستره ، وحُمل على أيدي الرجال عدّة أيّام إعظاماً وإكراماً وإكباراً لتغييبه في التراب .


الحادي عشر من ربيع الاول
ولادة السيدة نفيسة بنت الحسن حفيد الإمام المجتبى ( عليهم السلام ) (1) ( 145 هـ ـ 208 هـ )





اسمها ونسبها :


السيّدة نفيسة بنت الحسن بن زيد بن الإمام الحسن المجتبى ( عليهم السلام ) .


ولادتها :


ولدت السيّدة نفيسة في الحادي عشر من ربيع الأوّل 145 هـ بمكّة المكرّمة .


زواجها :


تزوّجت من السيّد إسحاق المؤتمن بن الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ) في رجب 161 هـ .


جوانب من حياتها :


نشأت في بداية حياتها في مكّة المكرّمة ، وعندما دخلت سنتها الخامسة ذهبت في صحبة والدها إلى المدينة المنوّرة ، وأخذ أبوها يلقّنها ما تحتاجه من أُمور دينها ودنياها ، وكانت تسمع من شيوخ المسجد النبوي ما يلقونه من علوم الفقه والحديث . وكانت وهي في المدينة لا تفارق حرم جدّها المصطفى ( صلى الله عليه وآله ) ، قارئة ذاكرة باكية ، راكعة ساجدة ضارعة داعية ، وقد حجّت بيت الله الحرام ثلاثين حجّة ، أكثرها مشياً على الأقدام . وقال الزركلي في الأعلام : ( صاحبة المشهد المعروف بمصر ، تقية صالحة ، عالمة بالتفسير والحديث ... ) . وقد سمع منها الحديث محمّد بن إدريس الشافعي ـ إمام الشافعية ـ ولمّا مات أُدخلت جنازته إلى دارها وصلّت عليه بوصية منه .


مرضها :


مرضت السيّدة نفيسة في أواخر حياتها ، فلمّا حلّت عليها أوّل جمعة من شهر رمضان ، اشتد بها المرض وزاد عليها الألم ـ وهي صائمة ـ فدخل عليها الأطباء


، فأشاروا عليها بالإفطار لحفظ قوّتها ، ولتتغلب على مرضها فرفضت ، وروي أنّها أنشدت :


اصرفوا عنّي طبيبي ** ودعوني وحبيبي


زاد بفي شوقي إليه ** وغرامي في لهيب


طاب هتكفي في هواه ** بين واش ورقيب


لا أبالي بفوات ** حيث قد صار نصيبي


ليس من لام بعذل ** عنه فيه بمصيب


جسدي راضٍ بسقمي ** وجفوني بنحيبي


فانصرف الأطباء ، وقد شدّهم الإعجاب بقوّة يقينها وثبات دينها ، فسألوها الدعاء ، فقالت لهم خيراً ودعت لهم . وشاءت السيّدة نفيسة أن تختم حياتها بتلاوة القرآن الحكيم ، وبينما كانت تتلو سورة الأنعام ، حتّى إذا بلغت قوله تعالى


: ( لَهُمْ دَارُ السَّلاَمِ عِندَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) توفّيت ، فدفنت في قبرها الذي حفرته بيدها ، والذي كانت تنزل فيه فتصلّي .


وفاتها :


توفّيت السيّدة نفيسة في شهر رمضان 208 هـ ، بمدينة القاهرة في مصر ، وقبرها معروف يزار .


بعد وفاتها :


لمّا توفّيت أراد زوجها أن ينقلها إلى المدينة المنوّرة ، فسألوه أهل مصر أن يدفنها عندهم ، فدفنت في البيت الذي كانت تسكنه . وقيل : طلب أهل مصر في تركها عندهم للتبرّك ، وبذلوا لزوجها مالاً كثيراً ، فلم يرض ، فرأى النبي ( صلى الله عليه وآله ) فقال له : ( يا إسحاق لا تعارض أهل مصر في نفسية ، فإنّ الرحمة تنزل عليهم ببركتها ) .


أقوال الشعراء فيها : نذكر منهم ما يلي :


1ـ قال الشاعر :


شكوت إلى ذوي التصريف حالي ** وما ألقاه من نفسي التعيسة


وقلت لهم : ألا ترثو الذلى و ** ضعفي من مهمات بئيسة


فقالوا اذهب لصاحبة المعالي ** وصاحبة المقاليد الأنيسة


فإنا كلنا نسعى إليها ** لتصرف كربة كبرى مجيسة


فسلها : لا تخفي من سوء الأمر ** أتسأل غيرها وهي الرئيسة ؟


! 2ـ قال الشاعر :


يا من كراماتها كالشمس ظاهرة ** ومن لها رتبة فاقت علا الرتب


قد حزت أعظم فخر جل مطلبه ** حيث انتسبت لخير العجم والعرب


نفيسة الجاه أنّى جئت مشتكياً ** ما لست أحمله من زائد العطب


قولي قبلتك يا مسكين كن فرحاً ** لك البشارة منّي صوت في الحسب


الثاني عشر من ربيع الاول
ولادة رسول الله ( صلى الله عليه وآله )


كانت الجزيرة العربية قبل الإسلام تعيش حالة من التخلّف والانحطاط في جميع المجالات ، فالجهل ، والأمِّيَّة ، والخرافة ، تسيطر على العقول ، إذ لم يكن في مكة من يَعرف القراءة والكتابة ، غير عدد قليل يُعدُّ بأصابع اليد ، كما ذكره المؤرخون . وأمَّا في مجال الحياة العقائدية والفكرية ، فقد كانت الجاهلية هي السائدة في هذا المجال ، فكان الشائع عندهم عبادة الأصنام ، والأوثان ، والجِنّ ، والنجوم والملائكة ، وقليل منهم كان على دين إبراهيم أو المسيح ( عليهما السلام ) . وقد شاء الله عزَّ وجلَّ أن يولد محمد ( صلى الله عليه وآله ) في رحاب مكة ، ويشعّ في سَمائها المقدس ، ويتعالى صوت التوحيد في الحرم الآمن ، حرم إبراهيم وإسماعيل ( عليهما السلام ) . وكان ذلك الحدث العظيم في السابع عشر من شهر ربيع الأول ، من عام ( 571 ) للميلاد ، وهو العام الذي يسمى بـ( عام الفيل ) ، الذي تعرَّضت فيه مكة لعدوان أبرهة الحبشي ، صاحب جيش الفيل ، فجعل الله كيدهم في تضليل ، كما ورد في سورة الفيل من القرآن الكريم .


السابع عشر من ربيع الاول
ولادة الإمام الصادق ( عليه السلام )


الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ) ، هو سادس أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) ، يُكنَّى بـ( أبي عبد الله ) ، وهي الكُنية المعروفة . وأشهر ألقابه ( عليه السلام ) : الصادق ، والصابر ، والفاضل ، والطاهر ، ولُقِّب بـ( الصادِق ) لِصِدقِ حَديثه . وُلد ( عليه السلام ) بالمدينة المنورة ، في السابع عشر من ربيع الأول 83 هـ . وكانَتْ ولادَتُه ( عليه السلام ) في زمن الخليفة الأموي عبد الملك بن مَرْوان ، وتربَّى في أحضان أبيه الإمام الباقر وجَدِّه الإمام السجَّاد ( عليهما السلام ) ، وعنهما أخذَ ( عليه السلام ) علوم الشريعةِ ومعارِفَ الإسلام .


ولادة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) كانت الجزيرة العربية قبل الإسلام تعيش حالة من التخلّف والانحطاط في جميع المجالات ، فالجهل ، والأمِّيَّة ، والخرافة ، تسيطر على العقول ، إذ لم يكن في مكة من يَعرف القراءة والكتابة ، غير عدد قليل يُعدُّ بأصابع اليد ، كما ذكره المؤرخون . وأمَّا في مجال الحياة العقائدية والفكرية ، فقد كانت الجاهلية هي السائدة في هذا المجال ، فكان الشائع عندهم عبادة الأصنام ، والأوثان ، والجِنّ ، والنجوم والملائكة ، وقليل منهم كان على دين إبراهيم أو المسيح ( عليهما السلام ) . وقد شاء الله عزَّ وجلَّ أن يولد محمد ( صلى الله عليه وآله ) في رحاب مكة ، ويشعّ في سَمائها المقدس ، ويتعالى صوت التوحيد في الحرم الآمن ، حرم إبراهيم وإسماعيل ( عليهما السلام ) . وكان ذلك الحدث العظيم في السابع عشر من شهر ربيع الأول ، من عام ( 571 ) للميلاد ، وهو العام الذي يسمى بـ( عام الفيل ) ، الذي تعرَّضت فيه مكة لعدوان أبرهة الحبشي ، صاحب جيش الفيل ، فجعل الله كيدهم في تضليل ، كما ورد في سورة الفيل من القرآن الكريم .


السادس و العشرين من ربيع الاول
صُلح الإمام الحسن ( عليه السلام )


ظروف ما قبل الصُلح :


بعد إستلام الإمام الحسن ( عليه السلام ) لمنصب الإمامة ، فُرضت عليه مسؤولية حَسْم الخلاف بين معسكري الكفار ومعاوية ، الذي كان في طريقه إلى هَدِّ ركن الإسلام هَدّاً . حيث إن الكفار في أطراف البلاد الإسلامية كانوا يتربَّصون بها الدوائر ، حتى إذا رأوا ضعفاً أو ثغرة سَدَّدُوا ضربةً مؤلمةً عليها . هذا من جانب ، ومن جانب آخر كانت أنباء جيش الشام تذاع في الكوفة والبصرة وسائر البلاد ، مع شيء من المبالغة ، وكان الجميع يعلم أن حرباً وشيكة تنتظرهم . وعندما حشّد معاوية جيشه الجرّار الذي انتهى عدده إلى ستين ألفاً ، وقاده هو بنفسه بعد ما استخلف مكانه الضحاك ، كان على الإمام ( عليه السلام ) أن يحشد قوة الحق أيضاً لتقابل جولة الباطل . بيد أنه ( عليه السلام ) رأى أن يراسله قبل ذلك ، إتماماً للحجة وقطعاً للعذر . فأرسل إليه كتاباً ، هذا بعضه : ( فَلمَّا تُوفي - رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) - تنازَعَتْ سلطانه العربُ ، فقالت قريش نحن قبيلته وأسرته وأولياؤه ولا يحل لكم أن تنازعونا سلطان محمد وحقه . فرأت أن القول ما قالت قريش ، وأن الحجة في ذلك لهم على مَن نازعهم أمر محمد ، فأنعمت لهم وسلَّمت إليهم ، ثم حاججنا نحن قريشاً بمثل ما حاججت به العرب ، فلم تنصفنا قريش إنصاف العرب لها . إنهم أخذوا هذا الأمر دون العرب بالإنصاف والإحتجاج ، فلما صرنا أهل بيت محمد وأولياءه إلى محاججتهم وطلب النصف منهم ، باعدونا واستولوا بالاجتماع على ظُلمنا ، ومراغمتنا ، والعنت منهم لنا ، فالموعد الله وهو الولي النصير ) . ثم قال ( عليه السلام ) : ( فاليومُ فليتعجب من تَوَثُّبِك يا معاوية على أمر لستَ من أهله ، لا بفضل في الدِّين معروف ، ولا أثر في الإسلام محمود . وأنت ابن حزب من الأحزاب ، وابن أعدى قريش لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ولكتابه ، والله خصيمك ، فَسَتَرِدُ وتَعلم لمن عقبى الدار ، وبالله لَتَلقينَّ عن قليل ربك ثم ليجزينَّك بما قدَّمت يداك وما الله بظلاَّم للعبيد ) . وقال ( عليه السلام ) أيضاً : ( وإنما حملني إلى الكتابة إليك ، الإعذار فيما بيني وبين الله عزَّ وجلَّ في أمرك ، ولك في ذلك إن فعلته الحظ الجسيم ، والصلاح للمسلمين ، فَدَعِ التمادي في الباطل ، وادخل فيما دخل فيه الناس من بيعتي . فإنك تعلم أنِّي أحَقُّ بهذا الأمر منك عند الله ، وعند كلّ أوَّابٍ حفيظ ، ومن له قلب منيب ، واتَّقِ الله ودَع البغي ، واحقن دماء المسلمين . فوالله مَا لَكَ خير في أن تلقى الله من دمائهم بأكثر مما أنت لاقيه به ، وادخل في السِّلمِ والطاعة ، ولا تُنازع الأمرَ أهلَه ومَن هو أحق به منك ، ليطفئ الله النائرة بذلك ، ويجمع الكلمة ويصلح ذات البين ، وإن أنت أبيت إلاَّ التمادي في غَيِّك ، سِرتُ إليك بالمسلمين ، فَحَاكمتُك حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين ) . وبعد ما تُبودلت الرسائل بين القيادتين ، ومنها رسائل الحسن ( عليه السلام ) تقوم بالحجة الدامغة التي ملاكها النقد والتجربة . ورسائل معاوية التي تقوم على المراوغة ، وإعطاء العهود والمواثيق على تقسيم بيت المال على حساب الوجاهات ، والمراتب القبلية الزائفة .


بعد ذلك وردت الأنباء بخبر احتشاد الجيش الأموي وابتدائه بالمسير إلى الكوفة . وكان على الإمام ( عليه السلام ) أن يتصدَّى لمقابلته ، ولكنَّ طريقة تعبئة الجند عند الإمام ( عليه السلام ) كانت تختلف كثيراً عن طريقة معاوية في ذلك . فمعاوية كان ينتقي ذوي الضمائر الميتة ، والقلوب السود ، فيشتريها بأموال المسلمين . وكان يستدعي بعض النصارى فيغريهم بالأموال الطائلة لمحاربة الإمام ( عليه السلام ) . وهم آنذاك لايرون فصيلاً من ذلك لأنهم كانوا يرون في شخص الإمام ( عليه السلام ) المثال الكامل للإسلام ، ذلك الدين الذي يبغضونه ويعادونه . أما الإمام ( عليه السلام ) ، فإنه كان يلاحظ في الجند أشياء كثيرة ، فلم يكن يطعم أصحاب الوجاهة ، ويترك السواد يتضورون جوعاً . ولم يكن يعد الناس بالوعود الفارغة ثم يخلفها بعد أن يستتب له الأمر ، ولم يكن يهب ولاية البلاد المختلفة بغير حساب لهذا أو ذاك . ولا كان يحمل الناس على الحرب حملاً قاسياً وهم لها منكرون ، ولم يكن يبيح للجند الفتك ، وهتك الحرمات ، وابتياع الأسرى . وهو ( عليه السلام ) يعتبر عدوه فئة باغية من المسلمين ، يجب أن تُردع بأحسن طريقة ممكنة ، ولكن معاوية وحزبه كانوا يرون مقابليهم عدواً سياسيّاً يجب أن يُمزق بأي أسلوب . ولذلك فقد كان جمع الجيش ميسراً عند معاوية ، وعلى عكس الأمر عند الإمام ( عليه السلام ) ، حيث كان ذلك من الصعوبة بمكان . ولطالما أشار عليه بعض أصحابه بأن يتَّبع منهج معاوية في ذلك ، فأبى ( عليه السلام ) وأنكر عليهم الميل إلى الباطل ، والإنحراف عن الحق .


وقد كتب إليه عبيد الله بن العباس واليه على البصرة يقول : أما بعد ، فإن المسلمين ولَّوك أمرهم بعد علي ( عليه السلام ) ، فَشَمِّر للحرب ، وجاهد عدوَّك ، وقارب أصحابك . واشترِ من الظنين دينَه بما لا يلثم لك دنياه ، وولِّ أهل البيوت والشرف تستصلح به عشائرهم ، حتى يكون الناس جماعة . فإن بعض ما يكره الناس مالم يتعد الحق ، وكانت عواقبه تؤدِّي إلى ظهور العدل وعزِّ الدين ، خير من كثير مما يحبه الناس إذا كانت عواقبه تدعو إلى ظهور الجور ، وذل المؤمنين وعزّ الفاجرين . واقتدِ بما جاء عن أئمة العدل ، فقد جاء عنهم أنه لا يصلح الكذب إلاَّ في حرب أو إصلاح بين الناس ، فإن الحرب خُدعة ، ولك في ذلك سعة إذا كنت محارباً مالم تبطل حقّاً . وإعلم أن عليّاً أباك ، إنما رغب الناس عنه إلى معاوية أنه آسى بينهم في الفيء ، وسوَّى بينهم في العطاء فثقل عليهم . واعلم أنك تحارب مَن حارب الله وَرسوله في ابتداء الإسلام ، حتى ظهر أمر الله . فلما وُحِّدَ الربُّ ، ومُحق الشِّرك ، وعَزَّ الدِّينُ ، أظهروا الإيمان ، وقرأوا القرآن ، مستهزئين بآياته ، وقاموا إلى الصلاة وهم كسالى ، وآتوا الفرائض وهم لها كارهون . ثم راح ابن العباس يستعرض الوضع الإجتماعي والمساوئ التي فيه ، وبيَّن طبيعة البيت الأموي وماضيه وحاضره هذا . ولكن الإمام ( عليه السلام ) أبى إلاَّ أن يلزم الحقَّ شرعةً ومنهاجاً ، ويتَّبع السبيل القويم ، أبداً ودائماً . ومع ذلك فقد حشَّد من أهل الكوفة عدداً كبيراً ، ولم يهمنا تحديده وضبطه ، ولكن الذي يهمنا تحليل نفوس المنتسبين إليه ، ومَن كانوا ؟ ، ولِمَ جاؤوا ؟ ، وماذا كانت النتيجة ؟ .


جيش الإمام ( عليه السلام ) :


لقد قسَّم المؤرخون جيش الإمام الحسن ( عليه السلام ) إلى الأقسام التالية :


الأول : الشيعة المخلصون الذين اتَّبعوه ( عليه السلام ) لأداء واجبهم الديني ، وإنجاز مهمتهم الإنسانية ، وهم قِلَّة .


الثاني : الخوارج الذين كانوا يريدون محاربة معاوية والحسن ( عليه السلام ) ، فالآن وقد سنَحَت الظروف فليحاربوا معاوية حتى يأتي دَور الحسن ( عليه السلام ) .


الثالث : أصحاب الفتن والمطامع ، الذين يبتغون من الحرب مَغنَماً لدنياهم .


الرابع : شكَّاكون لم يعرفوا حقيقة الأمر من هذه الحرب ، فجاؤوا يلتمسون الحُجَّة لأيٍّ تكون ، يكونون معه .


الخامس : أصحاب العصبية ، الذين اتبعوا رؤساء القبائل ، على استفزازهم لهم على حساب القبيلة ، والنوازع الشخصية . هذه هي العناصر الأساسية للجيش ، وهي طبعاً لا تفي لإنجاز المهمة التي تكون من أجلها ، حيث إن الحرب تريد الإيمان ، والوحدة ، والطاعة .


ثم بعث بأول سريَّة لتشكِّل مقدَّمة الجيش تحت إمرة عبيد الله بن العباس ، الذي فُضِّل لهذه المهمة من جهات شَتَّى :


أولها : لأنه كان الدَّاعية الأول للحرب .


ثانيها : لأنه كان ذا سُمْعة طيبة في الأوساط .


ثالثها : لأنه كان موتوراً بولديه العزيزين الذين قتلهما جنود معاوية .


رابعها : كانت له قرابة مع الإمام ( عليه السلام ) .


وزحف ابن العباس بالجيش إلى مسكنٍ على نَهر دِجْلة ، التقى بمعسكر معاوية ، ينتظر تلاحق السريَّات الأخرى من الكوفة . وفي الكوفة ، خليط من الناس مختلفون ، فهناك من أنصار معاوية الذين أفسدتهم هدايا الحزب الأموي ومواعيده . وهناك بعض الخوارج القشريين ، وهناك من يثبط الناس عن الجهاد ، وهناك أهل البصائر يُلهبون حماس الشعب ، ويحرضونهم لقتال أهل البغي بِشَتَّى أساليب الاستنهاض . والإمام الحسن ( عليه السلام ) لا يزال يبعث الخطباء المفوَّهين ، والوجهاء البارزين إلى الأطراف ، يدعوهم إلى نصرته ، ولا يزال أيضاً يُلهب أفئدة الكوفيين بالخطبة إثر الأخرى . ولكن أهل الكوفة كانوا باردين كالثلج أمام هذه الدعوة ، لأن الحروب الطاحنة التي سبقت عهد الإمام ( عليه السلام ) - من الجمل إلى صِفِّين والنهروان - قد أنهكتهم . وقد أعرب الإمام الحسن ( عليه السلام ) نفسه في مناسبة عن هذه العلة التي تثبط عزيمة أهل الكوفة عن الخروج معه ، فقال : ( وكُنتُم في مسيركم إلى صفِّين ودينُكم أَمام دنياكم ، وأصبحتم اليوم ودنياكم أَمام دينِكم ، وأنتم بين قتيلَين ، قتيلٍ بصِفِّين تبكون عليه ، وقتيلٍ بالنهروان تطلبون بثأره ، فأما الباقي فخاذل ، وأما الباكي فثائر ) . وبالرغم من معاكسة كل الظروف ، فإن أصحاب الحَقِّ قرَّروا اقتحام غمار الجهاد المقدس ، علَّهم يكونون الفاتحين .


الحرب النفسية :


فعلَتِ المكائد التي حاكَها معاوية فِعلَها ، حيث كان قد سخَّر طائفةً غير قليلة من ذوي الأطماع ، يدبرون له مؤامراته ، فيبثون الشائعات عن قوة جيش الشام ، وقلة جند الكوفة ، وضعفه ، وعدم القدرة على مقاومته . وعملت الدنانير والدراهم عملها الخبيث ، فإذا بالعدة المعتمد عليها من قُوَّاد جيش الإمام الحسن ( عليه السلام ) ينهارون أمام قوة إعلام معاوية ، أو قوة إغرائه . ورغم أن قيادة السريَّة من جيش الإمام ( عليه السلام ) كانت حكيمة تحت لواء عبيد الله بن العباس فقد ذهبت ضحية مكر معاوية ، وتغرير القائد .


وإليك القصة :


أرسل الإمام ( عليه السلام ) ابن عَمِّه لملاقاة جيش معاوية وكتب إليه هذه الوصية : ( يا ابن العم ، إني باعث إليك اثنَي عشر ألفاً ، من فرسان العرب ، وقَرَّاء مصر ، الرجل منهم يريد الكتيبة ، فِسِرْ بهم ، وأَلِنْ لهم جانبك ، وابسط لهم وجهك ، وافرش لهم جناحك ، وأَدْنِهم من مجالسك ، فإنهم بقية ثقاة أمير المؤمنين . وَسِرْ بهم على شَطِّ الفرات ، ثم امضِ حتى تستقبل معاوية ، فإن أنت لقيته فاحتبسه حتى آتيك ، فاني على أثرك وشيكاً ، وليكن خبرك عندي كلَّ يوم ، وشاور هذَين - يعني قيس بن سعد ، وسعيد بن قيس - ، فإذا لقيت معاوية فلا تقاتله ، حتى يقاتلك ، فإن فعل فقاتله ، وإن أُصبتَ فقيس بن سعد على الناس ، فإن أُصيب فسعيد بن قيس على الناس ) . ثم سار بنفسه - بعد أيام - في عدد هائل من الجيش ، لعلَّه كان ثلاثين ألفاً أو يزيدون ، حتى بلغ مظلم ساباط ، التي كانت قريبة من ( المدائن ) .


فعملت دَسَائس معاوية في مقدمة جيش الإمام ( عليه السلام ) ، فأذيع بين الناس نبأ كان له أثر عميق في صفوف الجيش ، وكان النبأ يقول :


إنَّ الحسن يكاتب معاوية على الصُلح ، فَلِمَ تقتلون أنفسكم ؟ ثم أخذ معاوية يستميل قادة الجيش بالمال والوعود ، فإذا هم يتسلَّلون إليه في خفاء ، ويكتب عبيد الله نبأ ذلك إلى الإمام ( عليه السلام ) . ولكنَّ مؤامرته تلك لم تكن بذات أهمية ، حتى اشترى ضمير القائد الأعلى ، فكتب إليه يقول : إن الحسن قد راسلني في الصلح ، وهو مسلِّم الأمر إليَّ ، فإن دخلت في طاعتي الآن كنت متبوعاً ، وإلاَّ دخلت وأنت تابع . ولك إن أجبتني الآن أعطيك ألف ألف درهم أعجِّل لك في هذا الوقت نصفها ، وإذا دخلت الكوفة النصف الآخر .


فمعاوية مَكر بعبيد الله بن العباس بثلاثة أساليب ، يمكن تلخيصها :


الأول : أنَّ الإمام الحسن ( عليه السلام ) يراسله في الصلح ، وهذه أول ما هَدَّت أركان عبيد الله .


فقال في نفسه : إذن فلم أُسيء سمعتي في التاريخ ، وأحمل خطيئة الدماء التي تُهرَاق تحت لوائي .


الثاني : قول معاوية له : ( كُنْ متبوعاً ) ، فَغَرَّه بالرئاسة .


الثالث : وعده بمليون درهم ، وهذا الأسلوب كان أهم الثلاثة ، في شخص ألزمه إمامه بالعدل ، والمساواة مع أقَلِّ الناس .


فانسلَّ عبيد الله القائد العام دون أن يخبر أحداً ، فأصبح الجيش يبحث عن القائد ليقيم بهم صلاة الصبح فلا يجده . فقام قيس الثاني للجيش يصلي بالناس الصبح ، ثم لما انتهى خطب فيهم يهدئ روع الناس ، ويُطمْئن قلوبهم ، ويقول : إن هذا وأباه لم يأتوا بيوم خيراً قط ، إن أباه عمُّ رسول الله ، خرج يقاتله ببدر ، فأسَّره كعب بن عمرو الأنصاري . فأُتي به رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فأخذ فداءه ، فقسَّمه بين المسلمين . وإنَّ أخاه وَلاَّه عليٌّ على البصرة ، فَسَرَق ماله ، ومال المسلمين ، فاشترى به الجواري ، وزعم أن ذلك له حلال . وإنَّ هذا ولاَّه عليٌ على اليمن ، فهرب من بسر بن أرطاة وترك ولده ، حتى قتلوا ، وصنع الآن هذا الذي صنع . فإذا بالجيش يصبح مؤيداً ( الحمد لله الذي أخرجه من بيننا ) ، إلاَّ أنَّ هذا الجيش الذي هرب قائده إلى معسكر العدو ، لم يكن في وضع يقاوم جيش معاوية ، لذلك تفرَّق أكثره ولم يبقَ منه إلاَّ ربع عدده ، أي : أربعة آلاف فقط .


وهذا العدد الهائل الذي انتقص من اثني عشر ألف ، بعث الخيبة في نفوس الجند في المقدمة . كما بعث الخيبة في نفوس سائر الجيش الثاوي في مظلم ساباط ، حيث كان الإمام ( عليه السلام ) ، وحيث كان الجيش الذي انتشرت فيه دعايات معاوية ، التي لا زالت تُبث فيه عَبر جواسيسه . وبدأ بعضهم يتسلَّلون إلى معاوية ، وكتب بعضهم إليه أنْ لو شئت جئنا بالحسن إليك أسيراً ، ولو شئت قتلناه . وجاءت عطايا معاوية التي زادت على مئة ألف غالباً ، ووعوده بتزويج بناته لهذا القائد أو ذاك . وهكذا نستطيع أن نعرف مدى ضغط الظروف التي أجبرت الإمام ( عليه السلام ) على الصلح من هذه الخطبة اللاَّهبة ، التي ألقاها على مسامع المساومين بالضمائر ، الذين كانوا يشكلون الأغلبية الساحقة من جيشه ( عليه السلام ) . ويظهر من هذه الخطبة أنهم كانوا متأثِّرين بدعايات معاوية إلى حَدٍّ بعيد ، حيث كانوا يلحُّون على الإمام ( عليه السلام ) بالتنازل عن حَقِّه ، ومبايعة معاوية ، والإمام ( عليه السلام ) يأبى عليهم ذلك . كما يظهر أنه كان من الوجهاء مَنْ فَكَّرَ في اغتيال الإمام ( عليه السلام ) ، كما اغتال صاحبُه أباه ( عليه السلام ) .


صُلح الإمام :


أكرهت الظروف الصعبة التي مَرَّ بها الإمام ( عليه السلام ) على الصُلح مع معاوية إلى أجل هم بالغوه . فكتب إلى معاوية أو كتب إليه معاوية ، على اختلاف بين المؤرخين في شأن الصلح ، ورضي الطرفان بذلك بعد أن اتفقا على بنوده ، التي لم تكن ترجع إلى الإمام ( عليه السلام ) إلاَّ بالخير ، وعلى الأمَّة إلاَّ بالصلاح . ومن راجع كلمات الإمام الحسن ( عليه السلام ) التي قالها بعد الصلح لأصحابه بعد أن أنكروا عليه ذلك ، يعرف مَدَى تأثر قضيته بالظروف المعاكسة التي لم تزل ترفع إليهم بالفتنة إثر الفتنة . فقد قال ( عليه السلام ) لأحدهم إذ ذاك : ( لستُ مُذِلاًّ للمؤمنين ، ولكني مُعِزُّهم ، ما أردتُ بِمُصَالَحَتي إلاَّ أن أدفع عنكم القتل ، عندما رأيت تَباطُؤَ أصحابي ونُكولَهم عن القتال ) . وقال ( عليه السلام ) للآخر في هذا الشأن - وقد كان من الخوارج الذين لم يكن بغضهم للحسن ( عليه السلام ) وشيعته بأقلِّ عن بغضهم لمعاوية وأصحابه -: ( وَيحَك أيها الخارجي !! ، لا تقضِ ، فإن الذي أحوَجَني إلى ما فعلتُ قَتلُكُم أبي ، وطعنكم إيَّاي ، وانتهابكم متاعي ، وإنكم لما سِرْتم إلى صِفِّين ، كان دينُكُم أمامَ دنياكم ، وقد أصبحتم اليوم ودنياكم أمام دينكم . ويحك أيها الخارجي !! ، إني رأيت أهل الكوفة قوماً لا يوثق بهم ، وما اغْتُرَّ بهم إلاَّ من ذُلَّ ، وليس أحدٌ منهم يوافق رأيَ الآخر ، ولقد لقي أبي منهم أموراً صعبة ، وشدائد مُرَّة ، وهي أسرع البلاد خراباً ، وأهلها هم الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً ) .


بنود الصُلح :


لذلك ولغيره من الأسباب صالح الإمام ( عليه السلام ) معاوية ، وكتب إليه هذه الوثيقة التالية :


( بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا ما صَالَح عليه الحسن بن علي بن أبي طالب ، معاوية بن أبي سفيان ، صَالَحَه على أن يسلِّم إليه ولاية الأمر على :


1 - أن يعمل فيهم بكتاب الله وسُنَّة رسوله ، وسيرة الخلفاء الصالحين .


2 - ليس لمعاوية بن أبي سفيان أن يعهدَ إلى أحدٍ من بعده عهداً ، بل يكون الأمر بعده للحسن ثم لأخيه الحسين .


3 - الناس آمنون حيث كانوا في شَامِهم ، وعِرَاقهم ، وحِجَازهم ، ويَمَنِهم .


4 - إن أصحاب علي وشيعته آمنون على أنفسهم ، ونسائهم ، وأولادهم .


وعلى معاوية بن أبي سفيان بذلك عهد الله وميثاقه ، وما أخذ الله على أحدٍ من خلقه بالوفاء وبما أعطى الله من نفسه .


5 - على معاوية أن لا يبغي للحسن بن علي ، ولا لأخيه الحسين ، ولا لأحد من أهل بيت رسول الله ، غائلةً ، سراً ولا جهراً ، ولا يخيف أحداً منهم في أُفُق من الآفاق . تَعَهَّد عليه فُلان بن فلان ، بذلك وكفى بالله تعهيداً ) . والموثوق أن مَحَلَّ الصُلح كان مَسكَن ساباط ، قريباً من موقع مدينة ( بغداد ) اليوم ، حيث كان معسكر الإمام الحسن ( عليه السلام ) . فلما أن تمَّ ذلك رجع الإمام ( عليه السلام ) بمن معه إلى ( الكوفة ) .