![]() |
|
صلاة الإمام الرضا ( عليه السلام ) لعيد الفطر
دعوة المأمون للصلاة : دعا المأمون العباسي ـ الحاكم الإسلامي آنذاك ـ الإمام الرضا ( عليه السلام ) إلى إقامة صلاة عيد الفطر بالناس والخطبة بهم . فأجابه الإمام الرضا ( عليه السلام ) : ( قد علمت ما كان بيني وبينك من الشروط في دخول الأمر ـ وهي عدم تدخله في أي أمر من الأُمور ـ فاعفني عن الصلاة بالناس ) . أصر المأمون على الإمام ( عليه السلام ) بالصلاة ، فقال ( عليه السلام ) : ( إن أعفيتني فهو أحبّ إلي ، وإن لم تعفني خرجت كما خرج رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وأمير المؤمنين ( عليه السلام )) . فقال المأمون : أخرج كيف شئت . وأمر القوّاد والناس أن يبكّروا إلى باب الرضا ( عليه السلام ) . اجتماع الناس والقادة : في الصباح الباكر اجتمع الناس على باب دار الإمام ( عليه السلام ) ينتظرون خروجه للصلاة ، وجاء قادة الجيش ومعهم مجموعة من الجند ، ووقفوا على الباب ، وجلست النساء والأطفال على السطوح والطرقات ليتفرّجوا على موكب الإمام الرضا ( عليه السلام ) ، وهو خارج إلى الصلاة . خروج الإمام الرضا ( عليه السلام ) للصلاة : لمّا طلعت الشمس اغتسل الإمام ( عليه السلام ) غسل يوم العيد ، ولبس ثيابه ، وتعمّم بعمامة بيضاء من قطن ، ألقى طرفاً منها على صدره ، وطرفاً بين كتفيه ، وتطيّب ، وأمر مواليه أن يصنعوا مثل صنعه ، وأخذ بيده عكّازة ، وخرج بتلك الحالة وهو حاف ، فمشى قليلاً ورفع رأسه إلى السماء وكبّر ، وكبّر مواليه معه ، ومشى حتّى وقف على الباب ، فلما رآه القوّاد والجند في تلك الصورة ، نزلوا من على خيولهم إلى الأرض ، وكبّر ( عليه السلام ) على الباب ، وكبّر الناس معه ، وعلت أصواتهم بالتكبير ، وتذكّروا في صورة الإمام ( عليه السلام ) صورة جدّه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) . ويصف البحتري خروج الإمام ( عليه السلام ) إلى الصلاة بهذه الكيفية بقوله : ذكروا بطلعتك النبي فهلّلوا ** لمّا طلعت من الصفوف وكبّروا حتّى انتهيت إلى المصلّى لابسا ** نور الهدى يبدو عليك فيظهر ومشيت مشية خاضع متواضع ** لله لا يزهو ولا يتكبّر ولو أنّ مشتاقاً تكلّف غير ما ** في وسعه لمشى إليك المنبر وضجّة مدينة مرو بالبكاء والعويل لمّا رأوا الإمام ( عليه السلام ) بتلك الصورة ، وسمعوا تكبيره . ترك الإمام الرضا ( عليه السلام ) للصلاة : بلغ المأمون ذلك فارتاع ، وفزع ، فقال له الفضل بن سهل ذو الرئاستين : يا أمير المؤمنين ، إن بلغ الرضا المصلّى على هذا السبيل افتتن به الناس ، وخفنا كلّنا على دمائنا ، فانفذ إليه أن يرجع . فبعث إليه المأمون بعض جلاوزته : قد كلّفناك شططاً وأتعبناك ، ولست أحب أن تلحقك مشقّة ، فارجع وليصل بالناس من كان يصلّي بهم على رسمه ، فدعا ( عليه السلام ) بخفّه فلبسه ، ورجع من دون أن يصلّي بالناس ، واختلف أمر الناس في ذلك اليوم ولم تنتظم صلاتهم . عيد الفطر السعيد العيد لغة : اسم لما عاد من شيء في وقت معلوم ، وقيل : إنّه سمّي عيداً لأنّه يعود كلّ سنة بفرح مجدّد . أعياد المسلمين : للمسلمين عيدان : عيد الفطر ، وهو عيد الصائم ، ويكون في الأوّل من شوال في كل عام . وعيد الأضحى ، وهو عيد الحاج ، ويكون في العاشر من ذي الحجّة في كل عام . وللشيعة عيد ثالث تحتفل به وهو عيد الغدير ، ويكون في الثامن عشر من ذي الحجّة في كل عام . عيد الفطر : وهو اليوم الذي يعلن فيه الإنسان المؤمن انتصاره على شهواته وغرائزه ، فهو يوم الرحمة ، لأنّ الله يرحم به عباده ، قال الشيخ المفيد : ( وإنّما كان عيد المؤمنين بمسرتهم بقبول أعمالهم ، وتكفير سيئاتهم ، ومغفرة ذنوبهم ، وما جائتهم من البشارة من عند ربّهم ـ جل اسمه ـ من عظيم الثواب لهم على صيامهم ، وقربهم واجتهادهم ) . وسمّاه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بيوم الجوائز ، عندما قال لجابر الأنصاري ( رضي الله عنه ) : ( إذا كان أوّل يوم من شوّال ، نادى منادٍ : أيُّها المؤمنون أُغدوا إلى جوائزكم ) ، ثمّ قال : ( يا جابر ، جوائز الله ليست كجوائز هؤلاء الملوك ) ، ثمّ قال : ( هو يوم الجوائز ) . صلاة العيد : وهي مستحبّة في زمن الغيبة ، ووقت أدائها من طلوع الشمس إلى ظهر يوم العيد ، ويشترط في صحّتها كل الشروط اللازم توفّرها في الصلاة اليومية ، من الطهارة وإباحة المكان وغيرهما . كيفية صلاة العيد : ركعتان كصلاة الصبح ، يضاف إليها في الركعة الأُولى بعد قراءة سورة الفاتحة وسورة من القرآن التكبير خمس مرّات ، والقنوت عقيب كل تكبير ؛ أمّا في الركعة الثانية ، فيفعل المصلّي كما فعل في الركعة الأُولى ، إلاّ أنّ التكبير والقنوت أربع مرّات وليس خمساً ، والدعاء المأثور الذي يقرأ في قنوت صلاة العيد هو : ( اَللّـهُمَّ اَهْلَ الْكِبْرِياءِ وَالْعَظَمَةِ ، وَاَهْلَ الْجُودِ وَالْجَبَرُوتِ ، وَاَهْلَ الْعَفْوِ وَالرَّحْمَةِ ، وَاَهْلَ التَّقْوى وَالْمَغْفِرَةِ ، اَسْاَلُكَ بِحَقِّ هذَا الْيَومِ الَّذي جَعَلْتَهُ لِلْمُسْلِمينَ عيداً ، وَلُِمحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ ذُخْراً وَشَرَفاً وَمَزيْداً ، اَنْ تُصَلِّيَ عَلى مُحَمَّد وَآلِ مُحَمَّد ، وَاَنْ تُدْخِلَني في كُلِّ خَيْر اَدْخَلْتَ فيهِ مُحَمَّداً وَآلَ مُحَمَّد ، وَاَنْ تُخْرِجَني مِنْ كُلِّ سُوء اَخْرَجْتَ مِنْهُ مُحَمَّداً وَآلَ مُحَمَّد صَلَواتُكَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ ، اَللّـهُمَّ اِنّي اَسْاَلُكَ خَيْرَ ما سَأَلَكَ مِنْهُ عِبادُكَ الصّالِحُونَ ، وَاَعُوذُ بِكَ مِمَّا اسْتعاذَ مِنْهُ عِبادُكَ الْصّالِحُونَ ) . أعمال يوم العيد : من الأعمال المستحبّة في هذا اليوم : الغسل ، لبس أجمل الثياب ، الطيب ، تناول شيئاً من المأكول قبل التوجّه إلى الصلاة ، الخروج إلى الصحراء في غير مكّة لصلاة العيد تحت السماء ، زيارة الأئمّة المعصومين ( عليهم السلام ) ، لاسيما الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، قراءة دعاء الندبة . مقدمة : لمّا نقضت بنو قريظة صلحها مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وانضمَّت إلى صفوف المشركين ، تغيَّر ميزان القوى لصالح أعداء الإسلام . فتحزّبت قريش والقبائل الأُخرى ، ومعهم اليهود على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وعلى المسلمين ، وكان يقود الأحزاب أبو سفيان ، فقاموا بتطويق المدينة بعشرة آلاف مقاتل ، ممَّا أدَّى إلى انتشار الرُعب بين صفوف المسلمين ، وتزَلْزَلَت نفوسهم ، وظَنّوا بالله الظنونا ، كما قال الله تعالى : ( إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا ) الأحزاب : 10 . حفر الخندق : استشار رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أصحابه في معالجة الهجوم المتوقّع من قبل العدو على المدينة المنوّرة ، فأجمع رأيهم على البقاء في المدينة ومحاربة القوم أن جاءوا إليهم ، كما توصّلوا إلى حفر خندق يحصّن المسلمين من أعدائهم . فبدؤوا بحفر الخندق حول المدينة بالاتجاه العدو ، وخرج النبي ( صلى الله عليه وآله ) مع المسلمين ليشاركهم في حفر هذا الخندق ، وتقسيم العمل بينهم ، وكان يحثّهم ويقول : ( لا عيش إلاّ عيش الآخرة ، اللهم اغفر للأنصار والمهاجرة ) . ولم يدع المنافقون والمتقاعسون تثبيط العمل رغم الهمّة والحماس الذي أبداه المسلمون . مبارزة الإمام علي ( عليه السلام ) لعمرو بن عبد ود : لقد استطاعت مجموعة من العدو عبور الخندق ، وكان من بينهم عمرو بن عبد ودٍّ ، فراح يصول ويجول ، ويتوعَّد ويتفاخر ببطولته ، وينادي : هل من مبارز ؟ فلم يجبه أحد حتّى قال : ولَقَدْ بُحِحْتُ من النداء ** بجمعكم هَلْ مِنْ مُبارزْ وَوَقفْتُ إذ جَبنَ المُشَجَّعُ ** مَوقفَ البَطَل المناجِزْ إنّي كذلك لم أزلْ ** متسرّعاً نحو الهزاهز إنّ السماحة والشجاعة ** في الفتى خيْرُ الغرائز فقام الإمام علي ( عليه السلام ) وقال : ( أنَا لَهُ يا رَسولَ الله ) . فقال له رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ( اجلس ، إنّه عمرو ) . فقال الإمام علي ( عليه السلام ) : ( وإن كان عمرواً ) . فعند ذلك أذن ( صلى الله عليه وآله ) له ، وأعطاه سيفه ذا الفقار ، وألبسه دِرعه ، وعمَّمه بعمامَتِه . ثمّ قال ( صلى الله عليه وآله ) : ( إلهي أخذت عبيدة منّي يوم بدر ، وحمزة يوم أُحد ، وهذا أخي ، وابن عمّي ، فلا تَذَرني فرداً ، وأنت خير الوارثين ) . وقال ( صلى الله عليه وآله ) أيضاً : ( برز الإيمان كلّه إلى الشرك كلّه ) . ومضى الإمام علي ( عليه السلام ) إلى الميدان ، وكلّه ثقة بالله ونصره له ، وهو يقول : لا تعجلنَّ فقد أتاك ** مجيبُ صوتكَ غير عاجزْ ذُونية وَبصيرة ** والصدقُ مُنجي كلّ فائز إنّي لأرجو أن أُقيمَ ** عليكَ نائحة الجنائزْ مِنْ ضَرْبَة نَجلاء يَبقى ** ذكرُها عِندَ الهَزاهِزْ ثمّ خاطب ابن عبد ودٍّ بقوله : ( يا عمرو ، إنّك كنت تقول لا يدعوني أحد إلى واحدة من ثلاث إلاّ قبلتها ) . قال عمرو : أجل . فقال الإمام علي ( عليه السلام ) : ( فإنّي أدعوك أن تشهد أن لا إله إلاّ الله ، وأنّ محمّداً رسول الله ، وتسلم لربّ العالمين ) . فقال : يا ابن أخي أخّر عنّي هذه . فقال له : ( أما أنّها خير لك لو أخذتها ) . ثمّ قال ( عليه السلام ) : ( وأُخرى ترجع إلى بلادك ، فإن يك محمّد صادقاً كنت أسعد الناس به ، وإن يك كاذباً كان الذي تريد ) . قال : هذا ما لا تتحدّث به نساء قريش أبداً . ثمّ قال ( عليه السلام ) : ( فالثالثة ، أدعوكَ إلى البراز ) . فقال عمرو : إنّ هذه الخصلة ما كنت أظنّ أن أحداً من العرب يرومني عليها ، ولم يا ابن أخي ؟ إنّي لأكره أن أقتل الرجل الكريم مثلك ، وقد كان أبوك لي نديماً . فردَّ الإمام علي ( عليه السلام ) عليه قائلاً : ( لكنِّي والله أحِبّ أن أقتلَكَ ) . فغضب عمرو ، فقال ( عليه السلام ) له : ( كيف أقاتلك وأنت فارس ، ولكن انزل معي ) . فاقتحم عن فرسه فعقره ، وسلّ سيفه كأنّه شعلة نار ، وأقبل على الإمام علي ( عليه السلام ) ، فصدَّه برباطة جأش ، وأرداه قتيلاً ، فعلا التكبير والتهليل في صفوف المسلمين . ولمّا قتل الإمام علي ( عليه السلام ) عمرواً أقبل نحو رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ووجهه يتهلل ، فقال له عمر بن الخطّاب : هلاّ سلبته يا علي درعه ، فإنّه ليس في العرب درع مثلها ؟ فقال ( عليه السلام ) : ( إنّي استحييت أن أكشف سوءة ابن عمّي ) . وقال ( عليه السلام ) أبياتاً في قتل عمرو ، منها : نصر الحجارة من سفاهة رأيه ** ونصرت دين محمّد بضرابِ فصددتُ حين تركتُه متجدّلاً ** كالجذع بين دكادك وروابي وعففتُ عن أثوابه وَلَو أنَّني ** كنتُ المقطَّر بَزّني أثوابي لا تحسبنّ الله خاذل دينه ** ونبيّه يا معشر الأحزابِ ولمَّا عاد الإمام ( عليه السلام ) ظافراً ، استقبله رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وهو يقول : ( لَمُبَارَزَة عَلي بن أبي طالب لِعَمرو بن عبد ودٍّ أفضلُ من عَمل أُمَّتي إلى يوم القيامة ) . وفي رواية : ( ضربة علي يوم الخندق تعدل عبادة الثقلين ) . فلولا الموقف البطولي للإمام ( عليه السلام ) ، لاقتحم جيش المشركين المدينة على المسلمين بذلك العدد الهائل ، وهكذا كانت بطولة الإمام علي ( عليه السلام ) في غزوة الخندق ، فكانت أهمّ عناصر النصر لمعسكر الإيمان على معسكر الكفر والضلال . وقال أبو الحسن المدائني : لمّا قتل علي بن أبي طالب عمرو بن عبد ود نعي إلى أخته ـ واسمها عمرة وكنيتها أُمّ كلثوم ـ فقالت : من ذا الذي اجترأ عليه ؟ فقالوا : ابن أبي طالب ، فقالت : لم يعد موته إن كان على يد كفو كريم ، لا رقأت دمعتي إن هرقتها عليه ، قتل الأبطال وبارز الأقران ، وكانت منيته على يد كفو كريم من قومه ، ما سمعت بأفخر من هذا يا بني عامر ، ثمّ أنشأت تقول : لو كانَ قاتِلُ عمرو غير قاتِلِه ** لكنتُ أبكي عليه آخرَ الأَبدِ لكنَّ قاتلَ عمرو لا يُعابُ بِه ** مَن كانَ يُدعى قديماً بيضة البلد من هاشم ذراها وهي صاعدة ** إلى السماء تميت الناس بالحسد قوم أبى الله إلاّ أن يكون لهم ** كرامة الدين والدنيا بلا لدد يا أُمّ كلثوم ابكيه ولا تدعي ** بكاء معولة حرى على ولد وقت الانتصار : أقام المشركون بضعاً وعشرين ليلة لم يكن بينهم وبين المسلمين حرب إلاّ الرمي بالنبل والحصى ، ولكن بعد عبور أحد أبطال الشرك والكفر ، وهو عمرو بن عبد ودٍّ العامري الخندق ، ومبارزة الإمام علي ( عليه السلام ) له وقتله ، تحقّق النصر للإسلام والمسلمين في الثالث من شوال 5 هـ . انتهاء الغيبة الصغرى : كان الناس خلال الغيبة الصغرى للإمام المهدي ( عليه السلام ) يأخذون الأحكام الشرعية عن طريق سفرائه الأربع ، وهم : عثمان بن سعيد ، محمَّد بن عثمان ، الحسين بن روح ، علي بن محمَّد السمري ، وقد انتهت الغيبة الصغرى بوفاة السفير الرابع عام 329 هـ . ابتداء الغيبة الكبرى : بعد وفاة السفير الرابع للإمام المهدي ( عليه السلام ) ابتدأت الغيبة الكبرى للإمام ( عليه السلام ) في الرابع من شوال 329 هـ . نوّاب الإمام المهدي ( عليه السلام ) في الغيبة الكبرى : جاء في أحد التوقيعات التي وصلتنا عن الإمام المهدي ( عليه السلام ) : ( أمَّا الحَوَادِث الواقِعَة ، فَارجعُوا فِيهَا إلَى رُوَاةِ الحَديثِ ، فَإنَّهُم حُجَّتِي عَلَيْكُم ، وأنَا حُجَّةُ اللهِ عَلَيْهِم ) . وجاء في توقيعٍ آخر : ( مَنَ كَانَ مِنَ الفُقَهَاءِ صَائِناً لِنَفْسِهِ ، حَافِظاً لِدِيْنِه ، مُخَالِفاً لِهَوَاه ، مُطِيعاً لأمْرِ مَولاه ، فَلِلْعَوَامِ أنْ يُقَلِّدُوه ) . وبناءً على ذلك فكل فقيه يحمل تلك الصفات فهو نائب للإمام المهدي ( عليه السلام ) ، ترجع إليه الناس في جميع أحكامها الفقهية ، واشكالاتها الشرعية . أسباب الغيبة : نذكر منها ما يلي : إنّ غيبة الإمام المنتظر ( عليه السلام ) كانت ضرورية لابدّ للإمام منها ، نذكر لك بعض الأسباب التي حتمت غيابه ( عليه السلام ) : 1ـ الخوف عليه من العباسيين : لقد أمعن العباسيون منذ حكمهم ، وتولّيهم لزمام السلطة في ظلم العلويين وإرهاقهم ، فصبّوا عليهم وابلاً من العذاب الأليم ، وقتلوهم تحت كُلّ حجرٍ ومدرٍ ، ولم يرعوا أيّة حرمة لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في عترته وبنيه ، ففرض الإقامة الجبرية على الإمام علي الهادي ، ونجله الإمام الحسن العسكري ( عليهما السلام ) في سامراء ، وإحاطتهما بقوى مكثّفة من الأمن ـ رجالاً ونساءً ـ هي لأجل التعرّف على ولادة الإمام المنتظر ( عليه السلام ) لإلقاء القبض عليه ، وتصفيته جسدياً ، فقد أرعبتهم وملأت قلوبهم فزعاً ما تواترت به الأخبار عن النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) ، وعن أوصيائه الأئمّة الطاهرين : أنّ الإمام المنتظر هو آخر خلفاء رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وأنّه هو الذي يقيم العدل ، وينشر الحقّ ، ويشيع الأمن والرخاء بين الناس ، وهو الذي يقضي على جميع أنواع الظلم ، ويزيل حكم الظالمين ، فلذا فرضوا الرقابة على أبيه وجدّه ، وبعد وفاة أبيه الحسن العسكري أحاطوا بدار الإمام ( عليه السلام ) ، وألقوا القبض على بعض نساء الإمام الذين يظنّ أو يشتبه في حملهن . فهذا هو السبب الرئيسي في اختفاء الإمام ( عليه السلام ) ، وعدم ظهوره للناس ، فعن زرارة قال : سمعت أبا جعفر ( عليه السلام ) يقول : « إنّ للقائم غيبة قبل ظهوره » ، قلت : ولَمِ ؟ فقال ( عليه السلام ) : « يخاف » ، وأومئ بيده إلى بطنه ، قال رزارة : يعني القتل (1) . ويقول الشيخ الطوسي : « لا علّة تمنع من ظهوره ( عليه السلام ) إلاّ خوفه على نفسه من القتل ، لأنّه لو كان غير ذلك لما ساغ له الاستتار » (2) . 2ـ الامتحان والاختبار : وثمّة سبب آخر علّل به غيبة الإمام ( عليه السلام ) ، وهو امتحان العباد واختبارهم ، وتمحيصهم ، فقد ورد عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) أنّه قال : « أمّا والله ليغيبن إمامكم سنيناً من دهركم ، ولتمحصن حتّى يقال : مات أو هلك ، بأيّ وادٍ سلك ، ولتدمعن عليه عيون المؤمنين ، ولتكفأن كما تكفأ السفن في أمواج البحر ، فلا ينجو إلاّ من أخذ الله ميثاقه ، وكتب في قلبه الإيمان ، وأيّده بروح منه » (3) . ولقد جرت سنّة الله تعالى في عباده امتحانهم ، وابتلاءهم ليجزيهم بأحسن ما كانوا يعملون ، قال تعالى : ( الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ) (4) ، وقال تعالى : ( أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ ) (5) . وغيبة الإمام ( عليه السلام ) من موارد الامتحان ، فلا يؤمن بها إلاّ من خلص إيمانه ، وصفت نفسه ، وصدّق بما جاء عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) والأئمّة الهداة المهديين من حجبه عن الناس ، وغيبته مدّة غير محدّدة ، أو أنّ ظهوره بيد الله تعالى ، وليس لأحدٍ من الخلق رأي في ذلك ، وإن مثله كمثل الساعة فإنّها آتية لا ريب فيها . 3ـ الغيبة من أسرار الله تعالى : وعُلّلت غيبة الإمام المنتظر ( عليه السلام ) بأنّها من أسرار الله تعالى ، التي لم يطّلع عليها أحد من الخلق ، فقد ورد عن النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) أنّه قال : « إنّما مثله كمثل الساعة ، ثقلت في السماوات والأرض ، لا تأتيكم إلاّ بغتة » (6) . 4ـ عدم بيعته لظالم : ومن الأسباب التي ذكرت لاختفاء الإمام ( عليه السلام ) أن لا تكون في عنقه بيعة لظالم ، فعن علي بن الحسن بن علي بن فضّال عن أبيه ، عن الإمام الرضا ( عليه السلام ) أنّه قال : « كأنّي بالشيعة عند فقدهم الثالث من ولدي كالنعم يطلبون المرعى فلا يجدونه » ، قلت له : ولم ذلك يا ابن رسول الله ؟ قال ( عليه السلام ) : « لأنّ إمامهم يغيب عنهم » ، فقلت : ولِمَ ؟ قال : « لئلا يكون في عنقه لأحد بيعة إذا قام بالسيف » (7) . وأعلن الإمام المهدي ( عليه السلام ) ذلك بقوله : « إنّه لم يكن لأحد من آبائي ( عليهم السلام ) إلاّ وقعت في عنقه بيعة لطاغية زمانه ، وإنّي أخرج حين أخرج ، ولا بيعة لأحد من الطواغيت في عنقي » (8) . هذه بعض الأسباب التي علّلت بها غيبة الإمام المنتظر ( عليه السلام ) ، وأكبر الظنّ أنّ الله تعالى قد أخفى ظهور وليّه المصلح العظيم لأسباب أُخرى أيضاً لا نعلمها إلاّ بعد ظهوره ( عليه السلام ) . آداب الغيبة : نذكر منها ما يلي : 1ـ انتظار فرجه ( عليه السلام ) وظهوره ، فقد ورد عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أنّه قال : « أفضل أعمال أُمّتي انتظار الفرج » (9) . 2ـ الدعاء له ( عليه السلام ) بتعجيل فرجه ، فقد ورد من الناحية المقدّسة على يد محمّد بن عثمان في آخر توقيعاته ( عليه السلام ) : « وأكثروا الدعاء بتعجيل الفرج ، فإنّ ذلك فرجكم » (10) . 3ـ معرفة صفاته ( عليه السلام ) ، وآدابه ، والمحتومات من علائم ظهوره . 4ـ مراعاة الأدب عند ذكره ( عليه السلام ) ، بأن لا يذكره إلاّ بألقابه الشريفة : كالحجّة والقائم ، والمهدي ، وصاحب الزمان ، وصاحب الأمر ، وغيرها ، وترك التصريح باسمه الشريف ، وهو اسم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وتكملة ذكره ( عليه السلام ) بقول : ( عليه السلام ) ، أو ( عجّل الله تعالى فرجه ) ، والقيام عند ذكر لقبه « القائم » . 5ـ إظهار محبّته ( عليه السلام ) وتحبيبه إلى الناس . 6ـ إظهار الشوق إلى لقائه ( عليه السلام ) ورؤيته ، والبكاء والإبكاء والتباكي والحزن على فراقه . 7ـ الدعاء والطلب من الله تعالى أن نكون من جنوده وأنصاره واتباعه ، ومن المقاتلين بين يديه ، وأن يرزقنا الشهادة في دولته . 8ـ التصدّق عنه ( عليه السلام ) بقصد سلامته . 9ـ إقامة مجالس يذكر فيها فضائله ( عليه السلام ) ومناقبه ، أو بذل المال في إقامتها ، والحضور في هكذا مجالس ، والسعي في ذكر فضائله ونشرها . 10ـ إنشاء الشعر وإنشاده في مدحه ( عليه السلام ) ، أو بذل المال في ذلك . 11ـ إهداء ثواب الأعمال العبادية المستحبّة له ( عليه السلام ) ، كالحجّ والطواف عنه ( عليه السلام ) ، والصوم والصلاة ، وزيارة المشاهد المعصومين ( عليهم السلام ) ، أو بذل المال لنائب ينوب عنه في أداء تلك الأعمال . 12ـ زيارته ( عليه السلام ) وتجديد البيعة له ( عليه السلام ) بعد كلّ فريضة من الفرائض اليومية ، أو في كلّ يوم جمعة بما ورد عن الأئمّة ( عليهم السلام ) في ذلك . 13ـ تعظيم مواقفه ( عليه السلام ) ومشاهده ، كمسجد السهلة ، ومسجد الكوفة وغيرهما . 14ـ ترك توقيت ظهوره ( عليه السلام ) ، وتكذيب المؤقّتين ، وتكذيب من ادّعى النيابة الخاصّة ، والوكالة عنه ( عليه السلام ) في زمن الغيبة الكبرى . جعلنا الله تعالى وإيّاكم من الممهّدين لدولته ، والمرضين عنده . مسلم بن عقيل ( عليه السلام ) ) اسمه وكنيته ونسبه : السيّد أبو عبد الله ، مسلم بن عقيل بن أبي طالب . ولادته : ولد مسلم عام 22 هـ بالمدينة المنوّرة . أُمّه : السيّدة علية ، وهي جارية . زوجته : السيّدة رقية بنت الإمام علي ( عليه السلام ) . مكانته : كان مسلم ( عليه السلام ) من أجِلَّة بني هاشم ، وكان عاقلاً عالماً شجاعاً ، وكان الإمام الحسين ( عليه السلام ) يلقّبه بثقتي ، وهو ما أشار إليه في رسالته إلى أهل الكوفة . ولشجاعته اختاره عمُّه أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في حرب صفّين ، ووضعه على ميمنة العسكر مع الحسن والحسين ( عليهما السلام ) . إخبار النبي ( صلى الله عليه وآله ) بقتله : قال الإمام علي ( عليه السلام ) لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ( يا رسول الله إنّك لتحبّ عقيلاً ) ؟ قال : ( أي والله إنّي لأحبّه حُبَّين ، حبّاً له وحبّاً لحبّ أبي طالب له ، وإن ولده مقتول – ويقصد بذلك مسلم – في محبّة ولدك ، فتدمع عليه عيون المؤمنين ، وتصلّي عليه الملائكة المقرّبون ) . ثمّ بكى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) حتّى جرت دموعه على صدره ، ثمّ قال : ( إلى الله أشكو ما تلقى عترتي من بعدي ) (2) . خروجه إلى الكوفة : ارتأى الإمام الحسين ( عليه السلام ) أن يُرسل مندوباً عنه إلى الكوفة يهيّأ له الأجواء ، وينقل له واقع الأحداث ، ليستطيع أن يقرّر الموقف المناسب ، ولابدّ لهذا السفير من صفات تؤهلّه لهذه السفارة ، فوقع الاختيار على مسلم بن عقيل ( عليه السلام ) ، لما كان يتّصف به من الحكمة والشجاعة والإخلاص . خرج مسلم ( عليه السلام ) من المدينة المنوّرة متوّجهاً إلى الكوفة في الخامس عشر من شهر رمضان 60 هـ ، ويصحبه قيس بن مسهر مع دليلان يدلاّنه الطريق . حمله لرسالة الإمام الحسين ( عليه السلام ) لأهل الكوفة : خرج مسلم ( عليه السلام ) من المدينة حاملاً رسالة الإمام الحسين ( عليه السلام ) إلى أهل الكوفة ، جاء فيها : ( بسم الله الرحمن الرحيم ، من الحسين بن علي إلى الملأ من المؤمنين ، أمّا بعد : فإنّ فلاناً وفلاناً قدما عليّ بكتبكم ، وكانا آخر رسلكم ، وفهمت مقالة جلّكم : أنّه ليس علينا إمام فأقبل ، لعلّ الله يجمعنا بك على الحق ، وإنّي باعث إليكم أخي ، وابن عمّي ، وثقتي من أهلي مسلم بن عقيل ، فإن كتب إليّ أنّه قد اجتمع رأي ملئكم وذوي الحجا والفضل منكم على مثل ما قدمت به رسلكم ، وقرأته في كتبكم ، أقدم عليكم وشيكاً إن شاء الله تعالى ) (3) . وصوله إلى الكوفة : وصل مسلم ( عليه السلام ) الكوفة ، في الخامس من شوال 60 هـ ، فنزل في دار المختار بن أبي عبيدة الثقفي ، وأقبلت الناس تختلف إليه ، فكلّما اجتمع إليه منهم جماعة ، قرأ عليهم كتاب الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، وهم يبكون ، وبايعه الناس ، حتّى بايعه منهم ثمانية عشر ألفاً . كتابه إلى الإمام الحسين ( عليه السلام ) : كتب مسلم ( عليه السلام ) كتاباً من الكوفة إلى الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، جاء فيه : ( أمّا بعد ، فإن الرائد لا يكذب أهله ، وأن جميع أهل الكوفة معك ، وقد بايعني منهم ثمانية عشر ألفاً ، فعجّل الإقبال حين تقرأ كتابي هذا ، والسلام ) (4) . ما كتبه عملاء الحكم الأموي عن تحركه : أرسل العملاء إلى يزيد رسائل تخبره عن مجيء مسلم ( عليه السلام ) منها : ( أمّا بعد ، فإنّ مسلم بن عقيل قد قدِم الكوفة ، وبايعته الشيعة للحسين بن علي بن أبي طالب ، فإن يكن لك في الكوفة حاجة فابعث إليها رجلاً قوياً ، ينفّذ أمرك ، ويعمل مثل عملك في عدوّك ، فإنّ النعمان بن بشير رجل ضعيف أو هو يَتَضَعَّف ) (5) . إرسال ابن زياد إلى الكوفة : كتب يزيد بن معاوية رسالة إلى واليه في البصرة ، عبيد الله بن زياد ، يطلب منه أن يذهب إلى الكوفة ، ليسيطر على الوضع فيها ، ويقف أمام مسلم ( عليه السلام ) وتحرّكاته . ومنذ وصول ابن زياد إلى قصر الإمارة في الكوفة ، أخذ يتهدّد ويتوعّد المعارضين والرافضين لحكومة يزيد . خروجه من دار المختار : لمّا سمع مسلم ( عليه السلام ) بوصول ابن زياد ، وما توعّد به ، خرج من دار المختار سرّاً إلى دار هاني بن عروة ليستقر بها ، ولكن جواسيس ابن زياد عرفوا بمكانه ، فأمر ابن زياد بإلقاء القبض على هاني بن عروة وسجنه . إعلانه الثورة على ابن زياد : لمّا بلغ خبر إلقاء القبض على هاني بن عروة إلى مسلم ، أمر ( عليه السلام ) أن ينادى في الناس : ( يا منصور أمت ) ، فاجتمع الناس في مسجد الكوفة . فلمّا رأى ابن زياد ذلك ، دعا جماعة من رؤساء القبائل ، وأمرهم أن يسيروا في الكوفة ، ويخذلوا الناس عن مسلم ، ويعلموهم بوصول الجند من الشام . فلمّا سمع الناس مقالتهم أخذوا يتفرّقون ، وكانت المرأة تأتي ابنها وأخاها وزوجها وتقول : انصرف الناس يكفونك ، ويجيء الرجل إلى ابنه وأخيه ويقول له : غداً يأتيك أهل الشام فما تصنع بالحرب والشر ؟! فيذهب به فينصرف ، فما زالوا يتفرّقون حتّى أمسى مسلم وحيداً ، ليس معه أحداً يدلّه على الطريق ، فمضى على وجهه في أزقة الكوفة ، حتّى انتهى إلى باب امرأة يقال لها : طوعة ، وهي على باب دارها تنتظر ولداً لها ، فسلّم عليها وقال : يا أمة الله أسقيني ماء ، فسقته وجلس . فقالت : يا عبد الله ، قم فاذهب إلى أهلك ؟ فقال : يا أمة الله ما لي في هذا المصر منزل ، فهل لك في أجر ومعروف ، ولعلّي أكافئك بعد اليوم ؟ فقالت : ومن أنت ؟ قال : أنا مسلم بن عقيل ، فأدخلته إلى دارها . مقاتلته لجيش ابن زياد : وفي الصباح عرف ابن زياد مكان مسلم ( عليه السلام ) ، فأرسل جماعة لإلقاء القبض عليه ، ولكن مسلم أخذ يقاتلهم قتال الأبطال ، وهو يقول : أقسمت لا أقتل إلاّ حرّا ** إنّي رأيت الموت شيئاً نكرا كلّ امرئ يوماً ملاق شرّا ** أخاف أن أكذب أو أغرا حتّى أثخن بالجراحات ، فألقوا عليه القبض ، وأخذوه أسيراً إلى ابن زياد . دخوله على ابن زياد : أُدخل مسلم ( عليه السلام ) على ابن زياد ، فأخذ ابن زياد يشتمه ويشتم الحسين وعلياً وعقيلاً ، ومسلم ( عليه السلام ) لا يكلّمه . ثمّ قال ابن زياد : اصعدوا به فوق القصر واضربوا عنقه ، ثمّ أتبعوه جسده ، فأخذه بكر بن حمران الأحمري ليقتله ، ومسلم يكبّر الله ويستغفره ، ويصلّي على النبي وآله ويقول : ( اللهم احكم بيننا وبين قوم غرّونا وخذلونا ) . ثمّ أمر ابن زياد بقتل هاني بن عروة فقتل ، وجرّت جثتا مسلم وهاني بحبلين في الأسواق . شهادته : استشهد مسلم ( عليه السلام ) في التاسع من ذي الحجّة 60 هـ ، ودفن في الكوفة ، وقبره معروف يزار . ما نظمه الشعراء في مظلوميته : 1ـ قال عبد الله بن الزبير الأسدي : إذا كنت لا تدرين ما الموت فانظري ** إلى هاني بالسوق وابن عقيل إلى بطل قد هشم السيف وجهه ** وآخر يهوي من طمار قتيل ترى جسداً قد غيّر الموت لونه ** ونضح دم قد سال كلّ مسيل (6) . 2ـ قال السيّد باقر الهندي : سقتك دماً يابن عمّ الحسين ** مدامع شيعتك السافحه ولا برحت هاطلات الدموع ** تحييك غادية رائحه لأنّك لم ترو من شربة ** ثناياك فيها غدت طائحه تجرّ بأسواقهم في الحبال ** ألست أميرهم البارحه أتقضي ولم تبكك الباكيات ** أما لك في المصر من نائحه لئن تقض نحباً فكم في زرود ** عليك العشية من صائحه مكان المعركة : أُحُد : جبل يبعد عن المدينة المنوَّرة ميلين أو ثلاثة بجهة مكّة المكرّمة ، حصلت فيه المعركة . تاريخ المعركة : 15 شوال 3 هـ ، وقيل : 17 شوال . الهدف من المعركة : قال الإمام الصادق ( عليه السلام ) : ( كان سبب غزوة أُحد أن قريشاً لمّا رجعت من بدر إلى مكّة ، وقد أصابهم ما أصابهم من القتل والأسر ، لأنّه قتل منهم سبعون ، وأسر سبعون . قال أبو سفيان : يا معشر قريش لا تدعوا نساءكم يبكين على قتلاكم ، فإنّ الدمعة إذا خرجت أذهبت بالحزن والعداوة لمحمّد ، فلمّا غزوا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يوم أُحد ، أذنوا لنسائهم بالبكاء والنوح ، وخرجوا من مكّة في ثلاثة آلاف فارس ، وألفي راجل ، واخرجوا معهم النساء ، فلمّا بلغ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ذلك جمع أصحابه ، وحثّهم على الجهاد ... ) (2) . العدّة والعدد : خرجت قريش بثلاثة آلاف رجل ، يقودهم أبو سفيان بن حرب ، معهم مائتا فرس قد جنبوها ، وثلاثة آلاف بعير ، وفيهم سبعمائة دارع ، والظعن خمس عشرة امرأة ، وخرجوا بعدة وسلاح كثير . وخرج النبي ( صلى الله عليه وآله ) في ألف مقاتل من المسلمين ، وفي الطريق انعزل عبد الله بن أبي بن سلول ومن معه من أهل النفاق ، وهم ثلثمائة رجل ، فبقي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في سبعمائة مقاتل ، فيهم مائة دارع ، ومعهم فرسان ، فرس لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وفرس لأبي بردة بن نبار . الجيش الإسلامي : عبَّأ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أصحابه ، وسَوَّى الصفوف ، وعقد ثلاثة ألوية لواء المهاجرين بيد أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، ولواء الأوس بيد اسيد بن حضير ، ولواء الخزرج بيد الحباب بن المنذر ، وقيل بيد سعد بن عبادة . ثمّ وضع ( صلى الله عليه وآله ) خمسين رجلاً من الرماة ، بقيادة عبد الله بن جبير خلف الجيش على حافت الجبل ، وأوصاهم بالثبات وعدم ترك أماكنهم ، وأكَّد على ذلك ، حتّى روي أنّه ( صلى الله عليه وآله ) أوصاهم بأن يلزموا مراكزهم ولا يتركوها ، حتّى في حالة النصر أو الهزيمة . بدأ المعركة : نشبت الحرب بين الجانبين ، فصاح طلحة بن أبي طلحة العبدري ، وهو صاحب لواء المشركين : يا محمّد تزعمون أنّكم تجهزوننا باسيافكم إلى النار ، ونجهزكم باسيافنا إلى الجنة ، فمن شاء أن يلحق بجنّته فليبرز إليّ ؟ فبرز إليه الإمام علي ( عليه السلام ) ، فبدره بضربة على رأسه فقتله ، ثمّ تقدَّم بلواء المشركين أخوه والنساء خلفه ، يحرِّضن ويضربن بالدفوف ، فتقدَّم نحوه حمزة ـ عمّ النبي ( صلى الله عليه وآله ) ـ وضربه ضربة واحدة ، وصلت إلى رئته ، فمات . وفي إرشاد الشيخ المفيد : كان أصحاب اللواء يوم أُحد تسعة ، قتلهم الإمام علي ( عليه السلام ) عن آخرهم (3) . وفي تاريخ الطبري : لمّا قُتل أصحاب اللواء انكشف المشركون منهزمين ، وانتقضت صفوفهم ، ونساؤهم يَدعين بالوَيل بعد الفرح وضرب الدفوف . انهزام جيش العدو : قال الواقدي : لمّا انهزم المشركون تبعهم المسلمون يضعون السلاح فيهم حيث شاءوا ، حتّى أخرجوهم من المعسكر ، وانشغلوا بجمع الغنائم . فلما رآهم الرماة الذين أوصاهم الرسول بعدم ترك أماكنهم قال بعضهم لبعضٍ : لمَ تقيمون هنا في غير شيء ، لقد هزم الله العدو ، وهؤلاء إخوانكم مشغولون بجمع الغنائم ، فاذهبوا واغنموا معهم . فقال بعضهم : ألم تعلموا أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال لكم : ( احمُوا ظُهُورَنا ، وإنْ غَنِمْنا فلا تشرِكُونا ) ، فقال الآخرون : لم يرد رسول الله هذا . هجوم خالد بن الوليد على الجيش الإسلامي : ذهب الرماة الذين أوصاهم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بعدم ترك أماكنهم إلى معسكر المشركين يجمعون الغنائم ، وتركوا أماكنهم على الجبل ، ولمّا نظر خالد بن الوليد إلى خلاء أماكنهم كرَّ بالخيل إلى موضع الرماة ، وحمل عليهم ، فانهزم الناس وفروا . وسط المعركة : عندما وجد المشركون خيلهم تقاتل رجعوا من هزيمتهم ، وكرُّوا على المسلمين من أمامهم ، وهم مشغولون بجمع الغنائم ، فأصبح المسلمون وسط الحلقة ، وانتقضت سيوفهم ، وأخذ يضرب بعضهم بعضاً من العجلة والدهشة !! فتفرَّق أصحاب النبي ( صلى الله عليه وآله ) عنه ، وأخذ المشركون يحملون عليه يريدون قتله ، وعن زيد بن وهب قال : قلت لابن مسعود ، انهزم الناس عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) حتّى لم يبق معه إلاّ علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، وأبو دجانة ، وسهل بن حنيف ؟ فقال : انهزم الناس إلاّ علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) وحده ، وثاب إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) نفر ، وكان أوّلهم عاصم بن ثابت ، وأبو دجانة ، وسهل بن حنيف ، ولحقهم طلحة بن عبيد الله ، فقلت له : وأين كان أبو بكر وعمر ؟ قال : كانا ممّن تنحّى ، قال : قلت : وأين عثمان ؟ قال : جاء بعد ثلاثة من الوقعة ، فقال له رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ( لقد ذهبت فيها عريضة ) (4) ؟ . وقال ابن الأثير : قاتل رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يوم أحد قتالاً شديداً ، فرمى بالنبل حتّى انتهى ، وانكسر قوسه ، وانقطع وتره (5) . وفي رواية الشيخ المفيد : كُسِر أنفُه ورباعيته السُفلى ، وسال الدم على وجهه الكريم . وعن أبي سعيد الخدري قال : لمّا كان يوم أحد شجّ النبي ( صلى الله عليه وآله ) في وجهه ، وكسرت رباعيته ، فقام ( عليه السلام ) رافعاً يديه يقول : ( إنّ الله اشتدّ غضبه على اليهود أن قالوا : عُزير بن الله ، واشتدّ غضبه على النصارى أن قالوا : المسيح بن الله ، وإنّ الله اشتدّ غضبه على من أراق دمي وآذاني في عترتي ) (6) . منقبة للإمام علي ( عليه السلام ) : قال أبو رافع : لمّا كان يوم أحد نظر النبي ( صلى الله عليه وآله ) إلى نفر من قريش ، فقال لعلي : ( احمل عليهم ) ، فحمل عليهم ، فقتل هاشم بن أُمية المخزومي ، وفرّق جماعتهم ، ثمّ نظر النبي ( صلى الله عليه وآله ) إلى جماعة من قريش ، فقال لعلي : ( احمل عليهم ) ، فحمل عليهم ، ففرّق جماعتهم ، وقتل فلاناً الجمحي ، ثمّ نظر إلى نفر من قريش ، فقال لعلي : ( احمل عليهم ) ، فحمل عليهم ، ففرّق جماعتهم ، وقتل أحد بني عامر بن لؤي ، فقال له جبرائيل ( عليه السلام ) : ( إنّ هذه المؤاساة ) ، فقال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : ( إنّه منّي وأنا منه ) ، فقال له جبرائيل : ( وأنا منكم يا رسول الله ) (7) . شهادة حمزة ( رضوان الله عليه ) : كانت هند بنت عتبة ـ زوجة أبي سفيان ـ ، قد أعطت وحشياً عهداً لئن قتلت محمّداً ، أو علياً ، أو حمزة لأعطينك كذا وكذا . فقال وحشي : أمّا محمّد فلم أقدر عليه ، وأمّا علي فرأيته حذراً كثير الالتفات ، فلا مطمع فيه ، فكمنت لحمزة فرأيته يهد الناس بسيفه ، ما يلقي أحداً يمرُّ به إلاّ قتله ، فهززت حربتي فرميتُه ، فوقعت في أربيته ـ أصل الفخذ ـ ، حتّى خرجت من بين رجليه فوقع ، فأمهلته حتّى مات ، وأخذت حربتي وانهزمت من المعسكر . وروي أنّ هند وقعت على القتلى ، ولمّا وصلت إلى حمزة بقرت كبده فلاكته ، فلم تستطع أن تَسيغه فلفِظَتْه ، ثمّ قطعت أنفه وأذنيه ، وجعلت ذلك كالسوار في يديها ، وقلائِد في عنقها حتّى قدمت مكّة . وبعد انتهاء المعركة ، أبصر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عمّه حمزة وقد مثّل به ، فقال ( صلى الله عليه وآله ) : ( ما وقفت موقفاً قط أغيظ إليّ من هذا ) ، ثمّ وضعه إلى القبلة ، وصلّى عليه وبكى . وكان ( صلى الله عليه وآله ) يقول : ( يَا عَمّ رسول الله ، وأسد الله ، يا حمزة ، يا فاعِلَ الخيرات ، يا حمزة ، يا كاشف الكربات ، يا حمزة ، يا ذابّ يا مانع عن وجه رسول الله ) . قال الطبري : ومرّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بدار من دور الأنصار ... فسمع البكاء والنوائح على قتلاهم ، فذرفت عينا رسول الله فبكى ، ثم قال : ( لكن حمزة لا بواكي له ) ، فلمّا رجع سعد بن معاذ وأسيد بن حضير إلى دور بني عبد الأشهل أمرا نساءهم أن يتحزمن ، ثمّ يذهبن فيبكين على عم رسول الله (8) . بعد المعركة : بعد انصراف جيش المشركين بعث رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) الإمام علياً ( عليه السلام ) وقال له : ( أُخرُجْ في آثَار القَوم ، فإن كَانُوا قد اجتنبوا الخَيل ، وامتطوا الإبل فإنَّهم يريدون مكّة ، وإن ركبوا الخيل وسَاقوا الإبل ، فهم يُريدون المَدينة ، فوَ الله لَئِن أرادوها لأسِيرَنَّ إليهم فيها ، ثم لأُنَاجِزَنَّهم ) . فقال الإمام علي ( عليه السلام ) : ( فخرَجْتُ في آثارهم ، فرأيتهم امتطوا الإبل واجتنبوا الخيل ) . شهداء المسلمين : لقد سقط سبعون شهيداً في المعركة ، نذكر منهم ما يلي : 1ـ حمزة بن عبد المطلب ، 2ـ عبد الله بن جحش ، 3ـ مصعب بن عمير ، 4ـ شماس بن عثمان ، وهؤلاء الأربعة هم الشهداء من المهاجرين . 5ـ عمرو بن معاذ بن النعمان ، 6ـ الحارث بن أنس بن رافع ، 7ـ عمارة بن زياد بن السكن ، 8ـ سلمة بن ثابت بن وقش ، 9ـ عمرو بن ثابت بن وقش ، 10ـ ثابت بن وقش . 11ـ حنظلة بن أبي عامر ـ وهو غسيل الملائكة ـ 12ـ عبد الله بن جبير بن النعمان ـ وهو أمير الرماة ـ 13ـ أوس بن ثابت بن المنذر أخو حسّان بن ثابت 14ـ أنس بن النضر ـ عم أنس بن مالك خادم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ـ 15ـ سهل بن قيس بن أبي كعب . الرجوع إلى المدينة : بعد أن عاد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وأصحابه إلى المدينة ، استقبلته فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) ، ومعها إناء فيه ماء ، فغسل وجهه ، ولحقه الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وقد خضَّب الدم يده إلى كتفه ، ومعه سيفه ذو الفقار ، فناوله فاطمة وقال ( عليه السلام ) لها : ( خُذي هَذا السيف ، فقد صدَّقني ) . وقال لَهَا الرسول ( صلى الله عليه وآله ) : ( خُذيهِ يا فَاطِمة ، فقَدْ أدَّى بَعلُك ما عليه ، وقد قتل اللهُ بِسيفِه صَنادِيد قُريش ) . مقدمة : لاشكّ ولا شبهة في أنّ الولاية التكوينية ثابتة للرسول والأئمّة المعصومين ( عليهم السلام ) ، وعليه فلا استغراب في ردّ الشمس لأمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) مرّتين ، مرّة في زمن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وأُخرى بعد رجوعه من معركة النهروان . ما يدلّ على ردّ الشمس مرّتين : 1ـ قال الإمام علي ( عليه السلام ) : ( فإنّ الله تبارك وتعالى ردّ عليّ الشمس مرّتين ، ولم يردّها على أحد من أُمّة محمّد ( صلى الله عليه وآله ) غيري ) (1) . 2ـ قيل لابن عباس : ما تقول في علي بن أبي طالب ؟ فقال : ذكرت والله أحد الثقلين ، سبق بالشهادتين ، وصلّى القبلتين ، وبايع البيعتين ، وأُعطي السبطين ، وهو أبو السبطين الحسن والحسين ، وردّت عليه الشمس مرّتين بعدما غابت عن الثقلين ، وجرّد السيف تارتين ، وهو صاحب الكرّتين ، فمثله في الأُمّة مثل ذي القرنين ، ذاك مولاي علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) (2) . 3ـ قال الشيخ المفيد ( قدس سره ) : ( وممّا أظهره الله تعالى من الأعلام الباهرة على يد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ما استفاضت به الأخبار ، ورواه علماء السير والآثار ، ونظمت فيه الشعراء الأشعار : رجوع الشمس له ( عليه السلام ) مرّتين : في حياة النبي ( صلى الله عليه وآله ) مرّة ، وبعد وفاته أُخرى ) (3) . رد الشمس في زمن النبي ( صلى الله عليه وآله ) : قال الإمام الصادق ( عليه السلام ) : ( صلّى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) العصر ، فجاء علي ( عليه السلام ) ولم يكن صلاّها ، فأوحى الله إلى رسوله ( صلى الله عليه وآله ) عند ذلك ، فوضع رأسه في حجر علي ( عليه السلام ) ، فقام رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عن حجره حين قام ، وقد غربت الشمس ، فقال : ( يا علي ، أما صلّيت العصر ) ؟ فقال : ( لا ، يا رسول الله ) ، قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ( اللهم إنّ علياً كان في طاعتك ، فاردد عليه الشمس ، فردّت عليه الشمس عند ذلك )) (4) . وعن أسماء بنت عميس أنّها قالت : أقبل علي بن أبي طالب ذات يوم وهو يريد أن يصلّي العصر مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فوافق رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قد انصرف ، ونزل عليه الوحي ، فأسنده إلى صدره ، فلم يزل مسنده إلى صدره حتّى أفاق رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فقال : ( أصلّيت العصر يا علي ) ؟ قال : ( جئت والوحي ينزل عليك ، فلم أزل مسندك إلى صدري حتّى الساعة ) ، فاستقبل رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) القبلة ـ وقد غربت الشمس ـ وقال : ( اللهم إنّ علياً كان في طاعتك فارددها عليه ) . قالت أسماء : فأقبلت الشمس ، ولها صرير كصرير الرحى ، حتّى كانت في موضعها وقت العصر ، فقام علي متمكّناً فصلّى ، فلمّا فرغ رجعت الشمس ، ولها صرير كصرير الرحى ، فلمّا غابت اختلط الظلام وبدت النجوم (5) . وقال الإمام علي ( عليه السلام ) يوم الشورى : ( أنشدكم بالله ، هل فيكم من رفعت الشمس عندي ؟ حين نام رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وجعل رأسه في حجري حتّى غابت الشمس ، فانتبه فقال : يا علي صلّيت العصر ؟ قلت : اللهم لا ، فقال : اللهم ارددها عليه ، فإنّه كان في طاعتك وطاعة رسولك ) (6) ؟ رد الشمس في زمن خلافته ( عليه السلام ) : قال جويرية بن مسهر : أقبلنا مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) من قتل الخوارج حتّى إذا قطعنا في أرض بابل حضرت صلاة العصر ، فنزل أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ونزل الناس ، فقال علي ( عليه السلام ) : ( أيّها الناس ، إنّ هذه أرض ملعونة قد عذّبت في الدهر ثلاث مرّات ، وهي إحدى المؤتفكات ، وهي أوّل أرض عبد فيها وثن ، إنّه لا يحلّ لنبيّ ولا لوصيّ نبيّ أن يصلّي فيها ) . فأمر الناس فمالوا عن جنبي الطريق يصلّون ، وركب بغلة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فمضى عليها . قال جويرية : فقلت : والله لأتبعن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ولأقلدنه صلاتي اليوم ، فمضيت خلفه ، فو الله ما جزنا جسر سورا حتّى غابت الشمس فسببته ، أو هممت أن أسبّه ، قال : فقال : ( يا جويرية أذن ) ؟ فقلت : نعم يا أمير المؤمنين ، قال : فنزل ( عليه السلام ) ناحية فتوضّأ ثمّ قام ، فنطق بكلام لا أحسبه إلاّ بالعبرانية ، ثمّ نادى بالصلاة ، فنظرت والله إلى الشمس قد خرجت من بين جبلين لها صرير فصلّى العصر وصلّيت معه . قال : فلمّا فرغنا من صلاته عاد الليل كما كان ، فالتفت إليّ وقال : ( يا جويرية بن مسهر ، إنّ الله عزّ وجلّ يقول : ( فسبح باسم ربك العظيم ) ، فإنّي سألت الله عزّ وجلّ باسمه العظيم فردّ عليّ الشمس ) (7) . وروي أنّ جويرية لمّا رأى ذلك قال : أنت وصيّ نبيّ وربّ الكعبة . الصحابة وحديث ردّ الشمس : لقد روى عدد من الصحابة واقعة ردّ الشمس ، نذكر فيما يلي عشرة منهم : الإمام علي ( عليه السلام ) ، الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، أسماء بنت عميس ، عبد الله بن عباس ، أنس بن مالك ، أبو رافع ، أبو سعيد الخدري ، جابر بن عبد الله الأنصاري ، أبو هريرة ، وأُمّ المؤمنين أُمّ سلمة . الشعراء وحديث رد الشمس : لقد نظم عدد من الشعراء واقعة ردّ الشمس ، نذكر منهم : 1ـ قال حسّان بن ثابت : لا تقبل التوبة من تائب ** إلاّ بحبّ ابن أبي طالب أخو رسول الله بل صهره ** والصهر لا يعدل بالصاحب ومن يكن مثل علي وقد ** ردّت له الشمس من المغرب ردّت عليه الشمس في ضوئها ** بيضاً كأنّ الشمس لم تغرب . 2ـ قال السيّد الحميري : ردّت عليه الشمس لمّا فاته ** وقت الصلاة وقد دنت للمغرب حتّى تبلج نورها في وقتها ** للعصر ثمّ هوت هوي الكوكب وعليه قد ردّت ببابل مرّة ** أُخرى وما ردّت لخلق معرب إلاّ ليوشع أو له من بعده ** ولردّها تأويل أمر معجب 3ـ قال قدامة السعدي : ردّ الوصي لنا الشمس التي غربت ** حتّى قضينا صلاة العصر في مهل لا أنسه حين يدعوها فتتبعه ** طوعاً بتلبية هاها على عجل فتلك آيته فينا وحجّته ** فهل له في جميع الناس من مثل أقسمت لا أبتغي يوماً به بدلاً ** وهل يكون لنور الله من بدل حسبي أبو حسن مولى أدين به ** ومن به دان رسل الله في الأوّل (10) . 4ـ قال العوني : ولا تنس يوم الشمس إذ رجعت له ** بمنتشر وادي من النور ممتع فذلك بالصهبا وقد رجعت له ** ببابل أيضاً رجعة المتطوّع 5ـ قال ابن حمّاد : وردّت لك الشمس في بابل ** فساميت يوشع لمّا سمى ويعقوب ما كان أسباطه ** كنجليك سبطي نبيّ الهدى 6ـ قال السروجي : والشمس لم تعدل بيوم بابل ** ولا تعدت أمره حين أمر جاءت صلاة العصر والحرب على ** ساق فأومى نحوها ردّ النظر فلم تزل واقفة حتّى قضى ** صلاته ثمّ هوت نحو المقر 7ـ قال حبيب بن أوس : فردّت علينا الشمس والليل راغم ** بشمس لهم من جانب الخدر تطلع نضا ضوءها صبغ الدجنة وانطوى ** لبهجتها نور السماء المرجع فو الله ما أدري علي بدا لنا فردّت ** له أم كان في القوم يوشع 8ـ قال ابن أبي الحديد : يا من له ردّت ذكاء ولم يفز ** بنظيرها من قبل إلاّ يوشع المؤلفون وحديث ردّ الشمس : أفرد عدد كبير من الباحثين والمؤلّفين تصانيف مستقلّة عن الواقعة ، حتّى تكوّنت من بين الآثار المكتوبة مجموعة فخمة ، وإليك أسماء نزر منهم : 1ـ أبو بكر الوراق . 2ـ أبو الحسن شاذان الفضيلي . 3ـ الحافظ أبو الفتح محمّد بن الحسين الأزدي الموصلي . 4ـ أبو القاسم الحاكم ابن الحذاء الحسكاني النيسابوري الحنفي . 5ـ أبو عبد الله الحسين بن علي البصري . 6ـ أخطب خوارزم أبو المؤيّد موفّق بن أحمد . 7ـ أبو علي الشريف محمّد بن أسعد الحسني النقيب النسابة . 8ـ الحافظ جلال الدين السيوطي . 9ـ أبو عبد الله محمّد بن يوسف الدمشقي الصالحي . 10– الحافظ الشهير ابن مردويه . رواة حديث ردّ الشمس : لقد أخرج حديث ردّ الشمس عدد كبير من محدّثي أهل السنّة وعلمائهم ، وعلاوة على روايته فقد صحّح طرقه وأسانيده جمع من هؤلاء . وإليك أسماء بعض من ذكرهم العلاّمة الأميني ممّن أخرج الحديث من الحفّاظ والأعلام دون غمز فيه : الحافظ أبو بشر الدولابي ، الحافظ أبو جعفر الطحاوي ، الحافظ أبو جعفر العقيلي ، الحافظ أبو القاسم الطبراني ، الحاكم أبو عبد الله النيسابوري ، الحافظ ابن مردويه الإصفهاني ، أبو إسحاق الثعلبي ، الفقيه أبو الحسن الماوردي ، الحافظ أبو بكر البيهقي ، الحافظ الخطيب البغدادي ، الحافظ أبو زكريا بن مندة ، الحافظ ابن حجر الهيثمي ، نور الدين الحلبي ، الحافظ أبو الحسن عثمان بن أبي شيبة ، والحافظ القاضي عياض (11) . تصحيح الحديث وتأييده : أشرنا آنفا إلى أنّ جمعاً غفيراً من أعلام أهل السنّة ومحدّثيهم عمدوا ـ إضافة إلى نقل الواقعة ـ إلى تصحيح الحديث وتصويبه . وفي المقابل انتهى بعضهم إلى الطعن بها من خلال التشكيك بالحديث ، والآن نذكر آراء بعض المحدّثين في تصحيح حديث ردّ الشمس : 1ـ أبو جعفر أحمد بن صالح الطبري المصري : من محدّثي القرن الثالث الهجري ، ومن مشايخ البخاري . قال ـ بعد أن نقل حديث أسماء بطريقين صحيحين ـ ما نصّه : لا ينبغي لمن كان سبيله العلم التخلّف عن حفظ حديث أسماء الذي روي لنا عنه ( صلى الله عليه وآله ) ؛ لأنّه من أجل علامات النبوة . 2ـ أبو جعفر أحمد بن محمّد الطحاوي : أخرج حديث أسماء بطريقين ، ثمّ راح يدافع عن الحديث ، حيث أورد شبهة تعارضه مع رواية : ( لم تحبس الشمس على أحد إلاّ ليوشع ) وأجاب عنها ، لينتهي في آخر المطاف إلى القول : وكلّ هذه الأحاديث من علامات النبوة . 3ـ الحافظ ابن حجر العسقلاني : كتب في مصنّفه المشهور فتح الباري بشرح صحيح البخاري : وروى الطحاوي والطبراني في الكبير ، والحاكم ، والبيهقي في الدلائل ، عن أسماء بنت عميس : أنّه ( صلى الله عليه وآله ) دعا لمّا نام على ركبة علي ففاتته صلاة العصر ، فردّت الشمس حتّى صلّى علي ثمّ غربت . وهذا أبلغ في المعجزة ، وقد أخطأ ابن الجوزي بإيراده له في الموضوعات ، وهكذا ابن تيمية في كتاب الردّ على الروافض ، في زعم وضعه . 4ـ الحافظ السيوطي : وقد روى الحديث في عدد من كتبه المختلفة ، ثمّ بادر إلى تصحيحه ، كما ذكره أيضا في كتابه الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة ، الذي روى فيه الأحاديث المشهورة ، ثمّ انتهى للقول : أخرجه ابن مندة وابن شاهين من حديث أسماء بنت عميس ، وابن مردويه من حديث أبي هريرة ، وإسنادهما حسن ، وممّن صحّحه الطحاوي والقاضي عياض . وقد ادعى ابن الجوزي أنّه موضوع ، فأخطأ كما بيّنته في مختصر الموضوعات وفي التعقبات . 5ـ الحافظ ابن حجر الهيثمي : كتب ابن حجر في كتاب الصواعق المحرقة ضمن تعداده لكرامات المولى أمير المؤمنين ، ما نصّه : ومن كراماته الباهرة أنّ الشمس ردّت عليه لمّا كان رأس النبي في حجره ... وحديث ردّها صحّحه الطحاوي والقاضي في الشفاء ، وحسّنه شيخ الإسلام أبو زرعة وتبعه غيره ، وردّوا على جمع قالوا : إنّه موضوع . اشكالات وأجوبة : أثار أعداء أمير المؤمنين ( عليه السلام ) اشكالات لهذه الفضيلة ، نذكر بعض تلك الاشكالات : 1ـ ضعف السند : هذا إشكال لا يفضي إلى شيء ؛ فمن جهة صحّح جم كثير من علماء أهل السنّة ومحدّثيهم ـ كما مرّ ـ طرق الحديث ، ولم يعبأ هؤلاء بمن ذهب إلى تضعيف الحديث وتوهين طرقه ، بل زادوا أحياناً على ذلك بأن شدّدوا النكير على من ضعّف حديثاً صحيحاً مثل هذا . ومن جهة أُخرى ، وعلى فرض التسليم بضعف تمام طرق الحديث وأسانيده ، فإنّ نقوله بلغت من الاستفاضة ما يكفي لحصول الاطمئنان بوقوع أصل الحادثة ، حتّى مع فرض ضعف السند ، وهذا القدر يكفي لإثبات المطلوب وإن كان قاصراً عن إثبات التفاصيل . 2ـ تعارضه مع حديث ( لم تحبس الشمس على أحد إلاّ ليوشع ) ، والجواب : أنّ الحديث يفيد أنّ هذه الواقعة لم تحصل في الأُمم السابقة إلاّ ليوشع ، لكن ليس له دلالة قط على عدم وقوع ذلك في المستقبل . 3ـ فضيلة نبوية وليست علوية : يبدو أنّ أُولئك الذين يلوكون هذه الكلمات أو يسطرونها بأقلامهم لم يتأمّلوا لا بالواقعة ولا بنصوص النقول والروايات ! فالنبي ( صلى الله عليه وآله ) يذكر في دعائه علياً ( عليه السلام ) ، ويطلب أن تعود له الشمس كي يؤدّي صلاته ، فهي إذاً فضيلة نبوية ، لأنّها تمّت بطلبه ودعائه ، وهي علوية ؛ لأنّ ردّ الشمس تحقّق للإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) . 4ـ فقدان فائدة ردّ الشمس : قالوا : إنّ الصلاة صارت قضاء عند غروب الشمس وفوات وقتها ، فما الفائدة من ردّها والصلاة لن تصير أداء عندئذ ؟ ذكر ابن حجر الهيثمي هذا الإشكال ، ثمّ أوضح في جوابه : كما أنّ ردّ الشمس خصوصية لعلي ( عليه السلام ) ، كذلك إدراك العصر الآن ـ أي بعد ردّ الشمس – أداء خصوصية له وكرامة . والمحصّل أنّه لمّا كان أصل الواقعة ثابتاً بنقول صحيحة ، فلا يعد ثم مجال لمثل هذه الاشكالات ، ولا ريب أنّ الحادثة بأساسها غير عادية ولها خصوصية ؛ ومن ثمّ كذا تكون ملابساتها ومعطياتها . 5ـ التغير في نظام الوجود : طروء التغير على نظام الأفلاك هو لازمة الإيمان بهذه الواقعة ، وهذا ممّا لا يمكن القبول به . إنّ الحادثة قد تكون أحياناً فوق أن تنتظمها الأُطر التحليلية العقلانية العادية ، ومن ثمّ يكفي في إثبات هذه الحوادث عدم استحالتها وتعارضها مع النصوص الثابتة . وممّا لا ريب فيه أنّ وقوع مثل هذه الحادثة ـ التي كان لها مثال قطعي في التاريخ ـ هو ليس محالاً عقلاً حتّى تعدّ خارج دائرة القدرة الإلهية (12) .
|