|
الثاني من رمضان
بيعة الإمام الرضا ( عليه السلام ) بولاية العهد
وجَّه الخليفة المأمون العباسي دعوته إلى الإمام علي الرضا ( عليه السلام ) ، وطلب منه المسير من المدينة المنورة إلى خراسان ( مقر الخلافة ) ، فاستجاب الإمام ( عليه السلام ) لذلك مكرهاً .
وقد كان في تصوّر المأمون أنَّ المَخْرجَ من الأزمة السياسية التي أحاطت به هو مخاطبة الإمام ( عليه السلام )
، بقبول ولاية العهد والمشاركة في إدارة شؤون الدولة ، لكي يستطيع المأمون من ضَمِّ قوى المعارضة وجمع جِنَاحَي القوَّة العلوية والعباسية بيده .
دعا المأمون الإمام ( عليه السلام ) ، وعرض عليه قبول ولاية العهد ، فامتنع الإمام ( عليه السلام ) ، فقال له قولاً شبيهاً بالتهديد .
ثم قال له : إنّ عُمَر جعل الشورى في سِتة ، أحدهم جدّك ، وقال من خالف فاضربوا عنقه ، ولابُدَّ مِن قبول ذلك .
فأجابه الإمام ( عليه السلام ) إلى ذلك ، على أن لا يأمر ولا ينهى ، ولا يولي ولا يَعزِل ، ولا يتكلَّم بين اثنين في حُكم ، ولا يغيِّر شيئاً هو قائمٌ على أصوله .
والمتأمِّل للأوضاع السياسية المضطربة آنذاك يدرك أنَّ الإمام الرضا ( عليه السلام ) كان على علم بالخطة السياسية للمأمون ، وأنه لم يكن مطمئنّاً إليها ، لذلك ثبَّتَ ( عليه السلام ) شروطه التي أشرنا إليها .
وبالإضافة إلى ذلك فإن الإمام ( عليه السلام ) كان على علم بما تَؤُولُ إليه الأمور .
فقد روي أنَّه كان أحد خواص الإمام ( عليه السلام ) حاضراً مستبشراً في الاحتفال الذي أقامه المأمون بمناسبة قبول الإمام ( عليه السلام ) بولاية العهد .
فنظر إليه الإمام ( عليه السلام ) وأومأَ قائلاً : ( أدنُ مِنِّي ) .
فلما دنا منه همس ( عليه السلام ) في أذنه قائلاً : ( لا تشْغَل قلبَك بِهَذا الأمْرِ ، ولا تَسْتَبشِرْ لَهُ ، فَإنَّهُ شَيء لا يَتمُّ ) .
وحينما قبل الإمام ( عليه السلام ) تلك الولاية الرمزية ، التي حَدَّدها هو بنفسه ، راح المأمون يعلن هذا النبأ في أنحاء الدولة الإسلامية
، وأبدل لبس السواد الذي هو شعار للعباسيين بلبس الثياب الخضر الذي هو شعار للعلويين ، وأعلن عن عَزمه على صرف مرتَّب سنوي بهذه المناسبة السعيدة .
وعلى أثر ذلك توافَدَ الشعراء والخطباء والمتكلِّمون ، وبُذِلت الأموال والهدايا ، وكان إعلان البيعة في الثاني من شهر رمضان 201 هـ ، كما ورد في إحدى الروايات .
اليوم السابع من شهر رمضان المبارك
وفاة أبو طالب ( عليه السلام )
عم النبي ( صلى الله عليه وآله )
اسمه وكنيته وولادته :
اسمه عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم ، وكنيته أبو طالب ، ولد قبل مولد النبي ( صلى الله عليه وآله ) بخمس وثلاثين سنة ، وكان سيد البطحاء وشيخ قريش ورئيس مكة .
زواجه :
تزوج أبو طالب فاطمة بنت أسد ، وهو أول هاشمي يتزوج بهاشمية ، فولدت له أكبر أبناءه من الذكور : ( طالب ) وبه يكنى ، وعقيل ، وجعفر ، وعلي ، ومن الإناث : أم هاني واسمها ( فاخته ) ، وجمانة .
وكانت فاطمة بنت أسد بمنزلة الأم لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، رَبَى ( صلى الله عليه وآله ) في حجرها ، فكان يناديها أمي ، وكانت تفضـله على أولادها في البِرِّ ، وكان له زوجات أُخَرٌ غير فاطمة بنت أسد .
كفالته للنبي ( صلى الله عليه وآله ) :
مات عبد الله بن عبد المطلب والنبي ( صلى الله عليه وآله ) حمل في بطن أمه ، وحينما ولد ( صلى الله عليه وآله ) تكفله جده عبد المطلب .
ولما حضرت الوفاة عبد المطلب أوصى ولده أبا طالب بحفظ رسول الله (صلى الله عليه وآله ) وحياطته وكفالته ، وكان عمره ( صلى الله عليه وآله ) ثماني سنين ، فكفله أبو طالب وقام برعايته أحسن قيام .
وكان أبو طالب يحب النبي ( صلى الله عليه وآله ) حبا شديداً ، وفي بعض الأحيان إذا رأى النبي ( صلى الله عليه وآله ) يبكي ويقول : إذا رأيته ذكرت أخي عبد الله ، وكان عبد الله أخاه لأبويه .
إيمانه :
لما بعث النبي محمد ( صلى الله عليه وآله ) إلى البشرية مبشراً ومنذراً ، صَـدّقه أبو طالب وآمن بما جاء به من عند الله ، ولكنه لم يظهر إيمانه تمام الإظهار بل كتمه ليتمكن من القيام بنصرة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ومن أسلم معه .
فإنه لم يكن يعبد الأصنام ، بل كان يعبد الله ويوحده على الدين الذي جاء به إبراهيم ( عليه السلام ) ، وخير دليل على ذلك هو خطبته التي ألقاها في طلب يد خديجة لابن أخيه محمد ( صلى الله عليه وآله ) قبل أن يبعث بخمسة عشر عاماً .
وقد صرح أبو طالب عما في داخل نفسه وما يؤمن به في اشعاره الكثيرة المشحونة
بالإقرار على صدق النبي ( صلى الله عليه وآله ) وحقيقة دينه ، ناهيك عن الروايات الواردة عن النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) وأهل بيته المعصومين ( عليهم السلام ) في شأن إيمانه .
وفاته :
لم يمهل القدر سيد قريش ورئيس مكة الذي ساد بشرفه لا بماله ، فمات في السابع من رمضان سنة عشرة للبعثة النبوية الشريفة ، وكان عمره آنذاك ست وثمانون سنة ، وقيل تسعون سنة .
نعم مات المربّي والكافل والناصر ، فيا لها من خسارة جسيمة ونكبة عظيمة ، و يالها من أيام محزنة للنبي ( صلى الله عليه وآله ) فإنه يفقد فيها سنده القوي ، وملجأه الأمين من عتاد قريش .
وحينما علم النبي ( صلى الله عليه وآله ) بذلك ، قال لابن عمّه : ( إمضي يا علي فتول غسله وتكفينه وتحنيطه ، فإذا رفعته على سريره فأعلمني ) .
ففعل ذلك ، فلما رفعه على السرير اعترضه النبي (صلى الله عليه وآله ) وقال : ( وصلتك رحم ، وجزيت خيراً يا عم ، فلقد ربيتَ وكفلتَ صغيراً ، ووازرت ونصرت كبيراً ) .
ثمّ أقبل على الناس وقال : ( أنا والله لأشفعن لعمي شفاعة يعجب لها أهل الثقلين ) .
اليوم العاشر من شهر رمضان المبارك
وفاة خديجة بنت خويلد ( رضوان الله عليها
)
زوجة النبي ( صلى الله عليه وآله )
اسمها ونسبها :
اسمها خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العُزّى بن قصي القرشي الأسدية أم المؤمنين ، زوج النبي ( صلى الله عليه وآله ) .
زواجها من النبي ( صلى الله عليه وآله ) :
كانت خديجة ذات شرف ومال كثير ، وتجارة بينها وبين أهل الشام ، وكانت تستأجر الرجال وتدفع المال مضاربة ، فلما شاع في مكة لقب
الرسول ( صلى الله عليه وآله ) بـ ( الصادق الأمين ) أرسلت إليه خديجة ، فسألته الخروج إلى الشام في تجارتها ، فقبل النبي ( صلى الله عليه وآله ) .
فخرج إلى الشام فباع بضاعتها واشترى غيرها وعاد بها إلى مكة ، فربحت تلك البضاعة ربحاً وفيراً .
وقد شاء الله أن يتجه قلب خديجة نحو النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، فعرضت عليه الزواج ، فقبل وتم زواجهما ، وعندها كان سن النبي ( صلى الله عليه وآله ) خمس وعشرون سنة .
إسلامها :
لا شك أن أول امرأة آمنت بدين النبي محمد ( صلى الله عليه وآله ) هي خديجة ( رضوان الله عليها ) .
فقد ورد عن ابن عباس أنه قال : أول مَن آمن برسول الله ( صلى الله عليه وآله ) من الرجال علي ( عليه السلام ) ومن النساء خديجة ( رضوان الله عليها ) .
صفاتها :
جاء في كتاب كشف الغمة أنه : كانت خديجة ( رضوان الله عليها ) امرأة حازمة لبيبة شريفة
ومن أوسط قريش نسباً ، وأعظمهم شرفاً ، وأكثرهم مالاً ، وقد كانت آزرت زوجها رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أيام المحنة فخفّف الله تعالى عنه بها .
وكان ( صلى الله عليه وآله ) لا يسمع شيئاً يكرهه من مشركي مكة من الرد والتكذيب إلا خففته عنه وهونته ، وبقيت هكذا تسانده حتى آخر لحظة من حياتها .
منزلتها :
لخديجة ( رضوان الله عليها ) منزلة عالية يغبطها عليها الملائكة المقربون ، حتى أن جبرئيل ( عليه السلام ) أتى إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) فقال : أقرء خديجة من ربها السلام
، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ياخديجة ، هذا جبرئيل يُقرئك من ربك السلام ، فقالت خديجة : الله السلام ومنه السلام وعلى جبرئيل السلام .
أما عن فضائلها فإن القلم ليعجز عن ذلك ، وكفانا في هذا المجال الحديث النبوي الشريف : ( أفضل نساء أهل الجنة خديجة بن خويلد ، وفاطمة بنت محمد ، ومريم بنت عمران ، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون ) .
دورها الرسالي :
يمكن تقسيم دورها في دعم الرسالة الإسلامية إلى قسمين :
1ـ ويشمل موقفها من النبي ( صلى الله عليه وآله ) عندما نزل عليه الوحي وطلب منه أن يقرأ الأية الكريمة : ( إِقرَأ باِسمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَق ) ، وأخبرها بذلك وقال لها : لقد خشيت على نفسي ، فقالت له : كلا والله ، ما يخزيك الله أبداً
، إنك لتصل الرحم ، وتحمل الكل ، وتكسب المعدوم ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الحق .فقد آمنت به خديجة عندما كفر به الناس ، وصدقته عنما كذبه الناس .
2ـ ويشمل الدور الكبير الذي لعبته أموالها في دعم وإسناد الرسالة الإسلامية ، ولا يخفى ما للأموال من دور كبير في الوصول إلى أي هدف كان .
فقد أنفقت خديجة ( رضوان الله عليها ) أموالها في أيام تعرض المسلمون للاضطهاد والحصار الاقتصادي الذي فرضه مشركو مكة ، حتى أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) قال : ( ما نفعني مال قط مثل ما نفعني مال خديجة ) .
وفاتها :
توفيت خديجة ( رضوان الله عليها ) في العاشر من شهر رمضان قبل الهجرة بثلاث سنين ، ودفنت في مكة بمقبرة الحجون .
اليوم الخامس عشر
خروج مسلم بن عقيل (عليه السلام) إلى الكوفة عام 60 هـ
مسلم بن عقيل ( عليه السلام ) )
اسمه وكنيته ونسبه :
السيّد أبو عبد الله ، مسلم بن عقيل بن أبي طالب .
ولادته :
ولد مسلم عام 22 هـ بالمدينة المنوّرة .
أُمّه :
السيّدة علية ، وهي جارية .
زوجته :
السيّدة رقية بنت الإمام علي ( عليه السلام ) .
مكانته :
كان مسلم ( عليه السلام ) من أجِلَّة بني هاشم ، وكان عاقلاً عالماً شجاعاً ، وكان الإمام الحسين ( عليه السلام ) يلقّبه بثقتي ، وهو ما أشار إليه في رسالته إلى أهل الكوفة .
ولشجاعته اختاره عمُّه أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في حرب صفّين ، ووضعه على ميمنة العسكر مع الحسن والحسين ( عليهما السلام ) .
إخبار النبي ( صلى الله عليه وآله ) بقتله :
قال الإمام علي ( عليه السلام ) لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ( يا رسول الله إنّك لتحبّ عقيلاً ) ؟
قال : ( أي والله إنّي لأحبّه حُبَّين ، حبّاً له وحبّاً لحبّ أبي طالب له ، وإن ولده مقتول –
ويقصد بذلك مسلم – في محبّة ولدك ، فتدمع عليه عيون المؤمنين ، وتصلّي عليه الملائكة المقرّبون ) .
ثمّ بكى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) حتّى جرت دموعه على صدره ، ثمّ قال : ( إلى الله أشكو ما تلقى عترتي من بعدي ) (2) .
خروجه إلى الكوفة :
ارتأى الإمام الحسين ( عليه السلام ) أن يُرسل مندوباً عنه إلى الكوفة يهيّأ له الأجواء ، وينقل له واقع الأحداث ، ليستطيع أن يقرّر
الموقف المناسب ، ولابدّ لهذا السفير من صفات تؤهلّه لهذه السفارة ، فوقع الاختيار على مسلم بن عقيل ( عليه السلام ) ، لما كان يتّصف به من الحكمة والشجاعة والإخلاص .
خرج مسلم ( عليه السلام ) من المدينة المنوّرة متوّجهاً إلى الكوفة في الخامس عشر من شهر رمضان 60 هـ ، ويصحبه قيس بن مسهر مع دليلان يدلاّنه الطريق .
حمله لرسالة الإمام الحسين ( عليه السلام ) لأهل الكوفة :
خرج مسلم ( عليه السلام ) من المدينة حاملاً رسالة الإمام الحسين ( عليه السلام ) إلى أهل الكوفة ، جاء فيها : ( بسم الله الرحمن الرحيم ، من الحسين بن علي إلى الملأ من المؤمنين
، أمّا بعد : فإنّ فلاناً وفلاناً قدما عليّ بكتبكم ، وكانا آخر رسلكم ، وفهمت مقالة جلّكم : أنّه ليس علينا إمام فأقبل ، لعلّ الله يجمعنا بك على الحق ، وإنّي باعث إليكم أخي ، وابن عمّي ، وثقتي من
أهلي مسلم بن عقيل ، فإن كتب إليّ أنّه قد اجتمع رأي ملئكم وذوي الحجا والفضل منكم على مثل ما قدمت به رسلكم ، وقرأته في كتبكم ، أقدم عليكم وشيكاً إن شاء الله تعالى ) (3) .
وصوله إلى الكوفة :
وصل مسلم ( عليه السلام ) الكوفة ، في الخامس من شوال 60 هـ ، فنزل في دار المختار بن أبي عبيدة الثقفي ، وأقبلت الناس تختلف إليه
، فكلّما اجتمع إليه منهم جماعة ، قرأ عليهم كتاب الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، وهم يبكون ، وبايعه الناس ، حتّى بايعه منهم ثمانية عشر ألفاً .
كتابه إلى الإمام الحسين ( عليه السلام ) :
كتب مسلم ( عليه السلام ) كتاباً من الكوفة إلى الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، جاء فيه :
( أمّا بعد ، فإن الرائد لا يكذب أهله ، وأن جميع أهل الكوفة معك ، وقد بايعني منهم ثمانية عشر ألفاً ، فعجّل الإقبال حين تقرأ كتابي هذا ، والسلام ) (4) .
ما كتبه عملاء الحكم الأموي عن تحركه :
أرسل العملاء إلى يزيد رسائل تخبره عن مجيء مسلم ( عليه السلام ) منها : ( أمّا بعد ، فإنّ مسلم بن عقيل قد قدِم الكوفة ، وبايعته الشيعة للحسين بن علي
بن أبي طالب ، فإن يكن لك في الكوفة حاجة فابعث إليها رجلاً قوياً ، ينفّذ أمرك ، ويعمل مثل عملك في عدوّك ، فإنّ النعمان بن بشير رجل ضعيف أو هو يَتَضَعَّف ) (5) .
إرسال ابن زياد إلى الكوفة :
كتب يزيد بن معاوية رسالة إلى واليه في البصرة ، عبيد الله بن زياد ، يطلب منه أن يذهب إلى الكوفة ، ليسيطر على الوضع فيها ، ويقف أمام مسلم ( عليه السلام ) وتحرّكاته .
ومنذ وصول ابن زياد إلى قصر الإمارة في الكوفة ، أخذ يتهدّد ويتوعّد المعارضين والرافضين لحكومة يزيد .
خروجه من دار المختار :
لمّا سمع مسلم ( عليه السلام ) بوصول ابن زياد ، وما توعّد به ، خرج من دار المختار سرّاً إلى دار هاني بن عروة ليستقر بها ، ولكن جواسيس ابن زياد عرفوا بمكانه ، فأمر ابن زياد بإلقاء القبض على هاني بن عروة وسجنه .
إعلانه الثورة على ابن زياد :
لمّا بلغ خبر إلقاء القبض على هاني بن عروة إلى مسلم ، أمر ( عليه السلام ) أن ينادى في الناس : ( يا منصور أمت ) ، فاجتمع الناس في مسجد الكوفة .
فلمّا رأى ابن زياد ذلك ، دعا جماعة من رؤساء القبائل ، وأمرهم أن يسيروا في الكوفة ، ويخذلوا الناس عن مسلم ، ويعلموهم بوصول الجند من الشام .
فلمّا سمع الناس مقالتهم أخذوا يتفرّقون ، وكانت المرأة تأتي ابنها وأخاها وزوجها وتقول : انصرف الناس يكفونك ، ويجيء الرجل إلى ابنه وأخيه ويقول له : غداً يأتيك أهل الشام فما تصنع بالحرب والشر ؟! فيذهب به فينصرف ، فما زالوا يتفرّقون حتّى أمسى مسلم وحيداً ، ليس معه أحداً يدلّه على الطريق ، فمضى على وجهه في أزقة الكوفة ،
حتّى انتهى إلى باب امرأة يقال لها : طوعة ، وهي على باب دارها تنتظر ولداً لها ، فسلّم عليها وقال : يا أمة الله أسقيني ماء ، فسقته وجلس .
فقالت : يا عبد الله ، قم فاذهب إلى أهلك ؟ فقال : يا أمة الله ما لي في هذا المصر منزل ، فهل لك في أجر ومعروف ، ولعلّي أكافئك بعد اليوم ؟ فقالت : ومن أنت ؟ قال : أنا مسلم بن عقيل ، فأدخلته إلى دارها .
مقاتلته لجيش ابن زياد :
وفي الصباح عرف ابن زياد مكان مسلم ( عليه السلام ) ، فأرسل جماعة لإلقاء القبض عليه ، ولكن مسلم أخذ يقاتلهم قتال الأبطال ، وهو يقول :
أقسمت لا أقتل إلاّ حرّا ** إنّي رأيت الموت شيئاً نكرا
كلّ امرئ يوماً ملاق شرّا ** أخاف أن أكذب أو أغرا
حتّى أثخن بالجراحات ، فألقوا عليه القبض ، وأخذوه أسيراً إلى ابن زياد .
دخوله على ابن زياد :
أُدخل مسلم ( عليه السلام ) على ابن زياد ، فأخذ ابن زياد يشتمه ويشتم الحسين وعلياً وعقيلاً ، ومسلم ( عليه السلام ) لا يكلّمه .
ثمّ قال ابن زياد : اصعدوا به فوق القصر واضربوا عنقه ، ثمّ أتبعوه جسده ، فأخذه بكر بن
حمران الأحمري ليقتله ، ومسلم يكبّر الله ويستغفره ، ويصلّي على النبي وآله ويقول : ( اللهم احكم بيننا وبين قوم غرّونا وخذلونا ) .
ثمّ أمر ابن زياد بقتل هاني بن عروة فقتل ، وجرّت جثتا مسلم وهاني بحبلين في الأسواق .
شهادته :
استشهد مسلم ( عليه السلام ) في التاسع من ذي الحجّة 60 هـ ، ودفن في الكوفة ، وقبره معروف يزار .
ما نظمه الشعراء في مظلوميته :
1ـ قال عبد الله بن الزبير الأسدي :
إذا كنت لا تدرين ما الموت فانظري ** إلى هاني بالسوق وابن عقيل
إلى بطل قد هشم السيف وجهه ** وآخر يهوي من طمار قتيل
ترى جسداً قد غيّر الموت لونه ** ونضح دم قد سال كلّ مسيل
2ـ قال السيّد باقر الهندي :
سقتك دماً يابن عمّ الحسين ** مدامع شيعتك السافحه
ولا برحت هاطلات الدموع ** تحييك غادية رائحه
لأنّك لم ترو من شربة ** ثناياك فيها غدت طائحه
رموك من القصر إذ أوثقوك ** فهل سلمت فيك من جارحه
تجرّ بأسواقهم في الحبال ** ألست أميرهم البارحه
أتقضي ولم تبكك الباكيات ** أما لك في المصر من نائحه
لئن تقض نحباً فكم في زرود ** عليك العشية من صائحه
ولادة الإمام الحسن ( عليه السلام )
هو ثاني أئمَّة أهل البيت الطاهرين ( عليهم السلام ) ، وأول السبطين ، وأحد سيَّدي شباب أهل الجنَّة ، وأحد ريحانتي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وأحد الخمسة من أصحاب الكساء ( عليهم السلام ) .
أبوه الإمام علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، وأمُّه فاطمة الزهراء سيِّدة نساء العالمين ( عليها السلام ) ، وجدُّه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) .
فقال الشاعر :
نَسَبٌ كأنَّ عليهِ مِنْ شَمسِ الضُّحَى نُوراً ومِنْ فلق الصَّباحِ عَمُودا
وُلد الإمام الحسن ( عليه السلام ) في المدينة ، في ليلة النصف من شهر رمضان سنة ثلاث أو اثنتين من الهجرة ،
وهو ( عليه السلام ) بِكْر الإمام علي وفاطمة الزهراء ( عليهما السلام ) .
روَى أنس بن مالك : لم يكن أحدٌ أشبه برسول الله ( صلى الله عليه وآله ) من الحسن بن علي ( عليهما السلام ) .
فلمَّا وُلِد الحسن ، قالت فاطمة للإمام علي : ( سَمِّه ) .
فقال الإمام ( عليه السلام ) : ( مَا كُنتُ لأسبِقَ باسمِهِ رَسولَ الله ( صلى الله عليه وآله ) ) .
فجاء النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، فأُخرِجَ إليه ، فقال ( صلى الله عليه وآله ) : ( اللَّهُمَّ إنِّي أُعِيذُه بِكَ وَولْدِهِ من الشَّيطانِ الرَّجيم ) .
وأذَّن ( صلى الله عليه وآله ) في أُذنِه اليمنى ، وأقام في اليسرى ، فسمَّاه ( صلى الله عليه وآله ) حَسَناً ، ولم يكن يُعرف هذا الاسم في الجاهليَّة .
السادس عشر من شهر رمضان المبارك
الإسراء والمعراج
قال الله تعالى : ( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ) الإسراء : 1 .
معنى الإسراء :
الإسراء والسري : السير بالليل ، والمسجد الأقصى : بيت المَقْدِس ، والقصي : البعيد ، وسُمِّي أقصى : لكونه أبعد مسجد عن مكة .
من معجزات رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) التي سبق بها الأولين والآخرين من الأنبياء والمرسلين هي معجزة الإسراء والمعراج
، وذلك بعد وفاة زوجته أُم المؤمنين خديجة الكبرى ( عليها السلام ) ، وكذلك وفاة عمّه شيخ البطحاء أبو طالب ( عليه السلام )
، وتثبتاً لفؤاد الرسول وتخفيف عنه أحزانه ، أسري به ( صلى الله عليه وآله ) إلى البيت المقدس ، ثم عرج به إلى السماء .
إنّ الروايات المروية عن أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) تصرِّح بوقوع الإسراء مرَّتين ـ أحدهما من المسجد الحرام ،
والآخر من بيت أم هاني ـ وهو المستفاد من آيات سورة النجم ، حيث يقول سبحانه : ( وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ) النجم : 13 .
كيفية الإسراء :
واختلف المؤرخون في كيفية الإسراء ، فقيل كان إسراءه
( صلى الله عليه وآله ) بروحه وجسده من المسجد الحرام إلى بيت المقدس ، ثمَّ ومنه إلى السماوات العُلَى ، وعليه الأكثرية .
وقيل : كان بروحه وجسده من المسجد الحرام إلى بيت المقدس ، ثم بروحه من بيت المقدس إلى السماوات ، وعليه جماعة .
وقيل : كان بروحه ( صلى الله عليه وآله ) ، وهو رؤيا صادقة أراها الله نبيه ، ونُسب ذلك إلى بعضهم ، لكن المتأمِّلُ إلى آية الإسراء
الكريمة ينكشف له أنَّ الله سبحانه أسرى بشخص الرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) ، وليس بروحه مجرَّدة عن الجسد .
فالآية صريحة في دلالتها أن الله أسرى بعبده ، وليس بروحه ، كما أنه إسراء وليس رؤيا صادقة ، كما يدَّعي البعض .
وكان الغرض من الإسراء رؤية بعض الآيات
الإلهية الكبيرة العظيمة ، فقال تعالى : ( لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ) الإسراء : 1 ، وقال : ( لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ) النجم : 18 .
إضافة إلى ذلك فإن هذه المعجزة الكريمة تزيد من ثبات المؤمنين وإيمانهم بقدرة الله سبحانه ، وبنفس الوقت زعْزَعَتْ ضِعاف الإيمان ، ومَن في نفوسهم مرض ،
فارتدُّوا عن الإسلام ، ولم يثبت إلا من ثبت الإيمان في نفوسهم ، وبهذه الطريقة عُرف من ارتدَّ عن الإسلام ، ومن لم يثبت الإيمان في قلبه .
معجزة الإسراء :
عن الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ) قال : ( لَمَّا أُسريَ برسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إلى بيت المَقْدس ، حَمَله جبرائيل على البراق ، فأتَيَا بَيت المقدس ، وعَرضَ عليه مَحاريب الأنبياء ، وصلَّى بها ، وَرَدَّه إلى مكة .
فمرّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في رجوعه بعير لقريش ، وإذا لهم ماء في آنية ، وقد أضلّوا بعيراً لهم وكانوا يطلبونه ، فشرب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) من ذلك الماء وأهرق باقيه .
فلمّا أصبح رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال لقريش : ( إنّ الله جلّ جلاله قد أسرى بي إلى بيت المقدس ، وأراني آثار الأنبياء ومنازلهم ، وإنّي مررت بعير لقريش في موضع كذا وكذا ، وقد أضلّوا بعيراً لهم ، فشربت من مائهم وأهرقت باقي ذلك ) .
فقال أبو جهل : قد أمكنتكم الفرصة منه ، فاسألوه كم الأساطين فيها والقناديل .
فقالوا : يا محمّد إنّ هاهنا من قد دخل بيت المقدس ، فصف لنا كم أساطينه وقناديله ومحاريبه ؟ فجعل يخبرهم بما يسألون عنه ، فلمّا أخبرهم ، قالوا : حتّى تجيء العير ونسألهم عما قلت .
فقال لهم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ( تصديق ذلك أنّ العير يطلع عليكم مع طلوع الشمس يقدمها جمل أورق ) .
فلمّا كان من الغد أقبلوا ينظرون إلى العقبة ، ويقولون هذه الشمس تطلع الساعة ، فبينما هم كذلك إذ طلعت عليهم العير حين طلع القرص ، يقدمها جمل أورق ، فسألوهم عمّا قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) .
فقالوا : لقد كان هذا ، فأضلّ جمل لنا في موضع كذا وكذا ، ووضعنا ماءً فأصبحنا وقد أهريق الماء ، فلم يزدهم ذلك إلاّ عتوّاً ونفوراً ) .
معنى المعراج :
أمَّا المِعراج : فالمَعْرَج : المَصْعَد ، والطريق الذي تصعد فيه الملائكة .
وقد حدث المعراج في نفس الليلة التي حدث فيها الإسراء من المسجد الأقصى إلى السماوات العُلى ، وهي معجزة كبيرة للنبي محمد ( صلى الله عليه وآله ) ، فقد سخَّر الله سبحانه وتعالى لنبيِّه محمد ( صلى الله عليه وآله ) البراق .
فارتفع به ومعه جبرائيل ، ليُرِيَه مَلَكوت السماواتِ ، وما فيها من عجائِب صُنعِهِ ، وبدائِعِ خَلقه تعالى ، وقد تحدَّثت سورة النجم عن هذه المعجزة الكبرى ، فقال تعالى :
( بِسْمِ اللهِ الْرَّحْمَنِ الْرَّحِيْمِ * وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى
* وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ) النجم : 1 ـ 18 .
حدوث المعراج :
اختلفت الروايات في تاريخ المعراج ، وذكر العلامة المجلسي أنّه وقع في الليلة السابعة عشرة ، مساء يوم ( 16 ) من شهر رمضان ، قبل ستة أشهر من الهجرة .
أهداف الإسراء والمعراج :
أوّلاً : إنّ حادثة الإسراء والمعراج معجزة كبرى خالدة ، ولسوف يبقى البشر إلى الأبد عاجزين عن مجاراتها ، وإدراك أسرارها ، ولعل إعجازها هذا أصبح أكثر وضوحاً في هذا القرن ، بعد أن تعرّف هذا الإنسان على بعض أسرار الكون وعجائبه .
ثانياً : يلاحظ : من قصة الإسراء والمعراج هو أن يشاهد الرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله ) بعض آثار عظمة الله تعالى ،
في عمليةٍ تربوية رائعة ، وتعميق وترسيخ للطاقة الإيمانية فيه ، وليعدّه لمواجهة التحديات الكبرى التي تنتظره ، وتحمل المشاق والمصاعب والأذايا التي لم يواجهها أحد قبله ، ولا بعده •
ثالثاً : لقد كان الإنسان ولاسيما العربي آنئذٍ يعيش في نطاق ضيق ، وذهنية محدودة ، ولا يستطيع أن يتصور أكثر من الأمور الحسية ، أو القريبة من الحس ، التي كانت تحيط به ، أو يلتمس آثارها عن قرب •
فكان والحالة هذه لابد من فتح عيني هذا الإنسان على الكون الرحب ، الذي استخلفه الله فيه ، ليطرح على نفسه الكثير من التساؤلات عنه ، ويبعث الطموح فيه للتعرف عليه ، واستكشاف أسراره ،
وبعد ذلك إحياء الأمل وبث روح جديدة فيه ، ليبذل المحاولة للخروج من هذا الجو الضيق الذي يرى نفسه فيه ، ومن ذلك الواقع المزري ، الذي يعاني منه وهذا بالطبع ينسحب على كل أمة ، وكل جيل ، وإلى الأبد .
رابعاً : والأهم من ذلك : أن يلمس هذا الإنسان عظمة الله سبحانه ، ويدرك بديع صنعه ،
وعظيم قدرته ، من أجل أن يثق بنفسه ودينه ويطمئن إلى أنه بإيمانه بالله ، إنما يكون قد التجأ إلى ركن وثيق لا يختار له إلاّ الأصلح ، ولا يريد له إلاّ الخير ، قادر على كل شيء ، ومحيط بكل الموجودات •
خامساً : وأخيراً ، إنه يريد أن يتحدى الأجيال الآتية ، ويخبر عما سيؤول إليه البحث
العلمي من التغلب ، على المصاعب الكونية ، وغزو الفضاء ، فكان هذا الغزو بما له من طابع إعجازي خالدٍ هو الأسبق والأكثر غرابة وإبداعاً ، وليطمئن المؤمنون ، وليربط الله على قلوبهم ، ويزيدهم إيماناً •
السابع عشر من شهر رمضان
معركة بدر الكبرى
بعدَ أنِ استقرَّ الرسول ( صلى الله عليه وآله ) في المدينة ، بدأ يخطِّط عسكرياً لضَرْبِ رأس المال الذي كانت قريش تعتمد عليه اعتماداً مباشراً في تجارتها .
ولتحقيق هذا الهدف خرج رسول الله ( صلى الله عليه وآله )
ومعه ثلاثمِائة وثلاثة عشر رجلاً من أصحابه ، للسيطرة على القافلة التجارية التي كان يقودها أبو سفيان ، فعلم أبو سفيان بخُطَّة المسلمين ، فغيَّر طريقه ، وأرسلَ إلى مكة يطلب النجدة من قريش .
فأقبَلَتْ بأحقادها وكبريائها بألف مقاتل ، وقَرَّروا الهجوم على جيش النبي ( صلى الله عليه وآله ) وأصحابه ، بالقرب من بئرِ ماءٍ يُدعَى ( ماء بدر ) ، ويبعد ( 160 ) كيلو متراً عن المدينة المنورة .
وقد تجلَّت العناية الإلهية بالنبي ( صلى الله عليه وآله ) وأصحابه منذ ليلة المعركة ، إذ بعث الله المطر الغزير ، والمسلمون يغشاهم النعاس .
فأرسل النبي ( صلى الله عليه وآله ) عمار بن ياسر وعبد الله بن مسعود سِرّاً ، لاستطلاع أحوال جيش العدو ، فَطَافا في معسكرهم ، ثم رَجعا ، فأخبَرا بأنَّهم مذعورون فزعون .
وهو قوله تعالى :
( إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ
* إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ) الأنفال
: 11 - 12 .
فدفع الرسول ( صلى الله عليه وآله ) الراية إلى الإمام علي ( عليه السلام )
، ولواء المهاجرين إلى مصعب بن عمير ، ولواء الخزرج إلى الحباب بن المنذر ، ولواء الأوس إلى سعد بن معاذ ، وقال ( صلى الله عليه وآله ) : ( اللَّهُمَّ إنْ تُهلِكَ هَذه العصَابَة لا تُعبَد في الأرض ) .
فبرز الإمام علي ( عليه السلام ) إلى الوليد بن شيبة ، فضربه على يمينه فقطعها ، فأخذ الوليد يمينه بيساره فضرب بها هامة علي ،
ويقول الإمام ( عليه السلام ) : ( ظنَنتُ أنَّ السماءَ وقعت على الأرض ) ، ثمّ ضربه الإمام ( عليه السلام ) ضربة أخرى فقتله .
وبرز له حنظلة بن أبي سفيان فضربه الإمام ( عليه السلام ) ، فسالت عيناه ، ولزم الأرض .
وأقبل العاص بن سعيد ، فلقيَه علي الإمام ( عليه السلام ) فقتله ، وسأل رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ( مَن له عِلْم بِنَوفل بن خُوَيْلِد ) .
فأجاب الإمام علي ( عليه السلام ) : ( أنَا قَتلتُه ) .
فكبَّر النبي ( صلى الله عليه وآله ) وقال : ( الحَمدُ للهِ الذي أجَابَ دَعوَتي فِيه ) .
ورُوِي أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أخذ كفّاً من الرمل ، فرمى به الأعداء ، وقال ( صلى الله عليه وآله ) : ( شَاهَت الوُجوه ، اللَّهُمَّ أَرعِبْ قلوبهم ، وزَلْزِل أقدامهم ) .
فانهزم المشركون ، والمسلمون يتبعونهم يقتِّلون ويأسِّرون .
ووقعت أحداث هذه المعركة في السابع عشر من شهر رمضان ، من السنة الثانية للهجرة .
وهكذا حقَّقَ الله عزَّ وجلَّ النصر للمسلمين ، واندحرت قريش ، وتشتَّتَ جَيشُها ، وفقدت هيبتها وسُمعتها ، كما تحققت للمسلمين في هذه المعركة مكاسب مالية ،
وعسكرية ، وعقائدية ، وإعلامية ، ساهمت في خِدمة الإسلام ، وتثبيت أركانه ، وأوجدت منعطفاً كبيراً في مجمل الأحداث في الجزيرة العربية .
التاسع عشر من شهر رمضان المبارك
جرح الإمام علي ( عليه السلام
)
بعد التحكيم الذي جرى في حَرب صفين تمرَّدَت فئة على الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وسُمِّيَت هذه الفئة بـ( الخوارج ) .
وأعطاهم الإمام ( عليه السلام ) الفرص الكثيرة ليعودوا إلى رشدهم ، لكنَّهم استمرّوا في غَيِّهم ، وقاموا بتشكيل قُوَّة عسكرية ، وأعلنوا استباحتهم لِدَم الإمام علي ( عليه السلام )
، ودماء المنتمين إلى عَسكَرِه ، واستعدّوا لِمُنازلة جيش الإمام ( عليه السلام ) ، فقاتلهم الإمام علي ( عليه السلام ) وقضى عليهم في معركة النهروان .
وكان جماعة من الخُصُوم - الذين يؤيِّدون الأفكار المنحرفة للخوارج - قد عقدوا اجتماعاً في مكة المكرمة ، وتداولوا في أمرهم الذي انتهى إلى أوخم العواقب .
فخرجوا بقرارات كان أخطرها اغتيال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وقد أوكل أمر تنفيذه للمجرم الأثيم عبد الرحمن بن ملجم المرادي .
وفي صبيحة اليوم التاسع عشر من شهر رمضان المبارك عام ( 40 هـ ) امتدَّت يد اللئيم المرادي إلى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، إذ ضربه بسيفه في صلاة نافلة الفجر ، في مسجد الكوفة الشريف .
بينما كانت الأمَّة آنذاك تتطلع إلى النصر على قوى البَغي والضلال التي يقودها معاوية في الشام .
لقد بقي الإمام علي ( عليه السلام ) يعاني من تلك الضربة اللَّئيمة ثلاثة أيام ، عهد خلالها بالإمامة إلى ولده الحسن السبط ( عليه السلام ) .
وطوال تلك الأيام الثلاثة كان ( عليه السلام ) يلهَجُ بذكر الله ، والرضا بقضائه ، والتسليم لأمره .
كما كان يُصدِرُ الوصيَّة تُلوَ الوصيَّة ، داعياً لإقامة حدودِ الله عزَّ وجلَّ ، محذِّراً مِن الهَوى ، والتراجع عن حمل الرسالة الإسلامية .
وبهذه المناسبة نقتطف جزءاً من وصيَّته ( عليه السلام ) ، التي خاطب بها الحَسنَ والحُسَين ( عليهما السلام ) ، وأهل بيته ، وأجيال الأمّة الإسلامية في المستقبل
: ( كونَا للظَّالِمِ خَصْماً ، وللمَظْلومِ عَوناً ، أوصيكم وجَميع وِلدِي وأهلي ، ومَنْ بَلَغهُ كِتابي ، بتقوى الله ، ونَظْم أمرِكُم ، وصَلاحِ ذات بينكم .
الله الله في الأيتام ، الله الله في جيرانكم ، الله الله في القرآن ، الله الله في بيت رَبِّكم ، لا تخلوه ما بقيتم ، الله الله في الجهاد بأموالكم ، وأنفسكم ، وألسنتكم ، في سبيل الله .
وعليكم بالتواصُل والتبَاذُل ، وإيَّاكم والتدابر والتقاطع ، لا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فَيُوَلَّى عليكم شِراركم ، ثم تَدعُونَ فلا يُستَجَابُ لَكُم ) .
العشرين من شهر رمضان المبارك
فتح مكة المكرمة
استمرَّت نتائج صُلحِ الحُدَيْبِية الذي عُقِد بين النبي ( صلى الله عليه وآله ) وقريش في سنة ( 6 هـ ) تتفاعل لصالح النبيّ ،
فانضمَّت قبيلة خزاعة إلى معسكر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وانضمَّت قبيلة كنانة إلى معسكر قريش ، فأصبح هناك حِلفان خلال فترة الصُلْح والسلام .
وشاء الله سبحانه أن تتهيّأ أسباب النصر الكبير والفتح المبين ، فينشُب الصراع بين قبيلَتَي كنانة وخزاعة على أثر هجوم الأولى على الثانية ، فانضمَّت قريش إلى كنانة
، فشعر أبو سفيان بخطورة الموقف بعد نصره لكنانة ، فاضطرَّ إلى الذهاب للنبي ( صلى الله عليه وآله ) ليكلِّمه ، فلم يرد النبي ( صلى الله عليه وآله ) عليه شيئاً .
ثمّ حاول أن يستنجد ببعض الصحابة وبأهل بيت النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) فلم يشفعوا له ، وعاد إلى مكّة يجر أذيال الهزيمة ، وأخذ الرسول ( صلى الله عليه وآله ) وأصحابه يتجهَّزون لقتال
كُفَّار مكّة ، حتّى بلغ تعدادهم عشرة آلاف مقاتل ، وكان ( صلَّى الله عليه وآله ) يخطِّط لِئَلاَّ يقَع القِتال بينه وبين قريش في داخل مكّة ، لأنَّها حرم الله الآمن .
وفي الثاني من شهر رمضان سنة ( 8 هـ ) توجَّه النبي ( صلى الله عليه وآله )
وجيشه نحو مكّة ، وقاموا بتطويقها ، وإشعال النيران في الصحراء على مقربة منها ، ممّا أثار الرعب في نفوس الطغاة ، وعلى رأسهم أبو سفيان .
وأخيراً استسلم أبو سفيان للنبي ( صلى الله عليه وآله ) ، ونطق بالشهادتين خوفاً ورعباً ، وأمر النبي ( صلى الله عليه وآله ) العباس بن عبد المطلب أن يقف بأبي سفيان
حيث تمرُّ جنود الله ، ليرى بِعَينه عظمة الإسلام ، فيقول أبو سفيان للعباس : لقد أصبح مُلْك ابن أخيك عظيماً ، فيردُّ عليه العباس : وَيْحك ، إنّها النبوَّة .
وقبل أن يدخل مكّة اصدر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بياناً جاء فيه : ( من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ،
ومن دخل دار حكيم بن حزام فهو آمن ، ومن اغلق بابه وكفّ يده فهو آمن ) ، وكان ( صلى الله عليه وآله ) حريصاً على أن لا تراق قطرة دم واحدة في ذلك اليوم .
ودخل رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) مكّة المكرمة في العشرين من شهر رمضان ، فاتحاً منتصراً من غير قتال ، ولا سفك دماء ، ووقف على باب الكعبة وقال
: ( لا اله إلاّ الله ، وحده لا شريك له ، صدق وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده ، ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدعى فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة الكعبة وسقاية الحاج ) .
اذهبوا فانتم الطلقاء :
قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ( يا معشر قريش ماذا تقولون ؟ وماذا تظنّون أنّي فاعل بكم ) ؟ قالوا : خيراً ، أخ كريم وابن أخ كريم .
فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ( أقول لكم كما قال أخي يوسف لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين ، اذهبوا فانتم الطلقاء ) .
ثمّ بادر إلى تكسير الأصنام يساعده في ذلك الإمام علي ( عليه السلام ) ، وعندما لم يبق سوى صنم خزاعة فوق الكعبة
أمر الرسول ( صلى الله عليه وآله ) علياً بكسره ، وقد حمله ( صلى الله عليه وآله ) حتّى تمكّن من الصعود فوق الكعبة ، فرمى بالصنم إلى الأرض فكسره .
وبعد صلاة الظهر من ذلك اليوم جرت بيعة قريش لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) على الإسلام والطاعة رجالاً ونساءً ، وبذلك سقط أقوى
حصون المشركين وأكثرها غطرسة وتحجراً في وجه الأرض ، وتحقّق بذلك اعظم نصر للمسلمين ولرسالة الإسلام الكريمة ، حيث انضمت مكّة إلى دار الإسلام .
الواحد و العشرين من شهر رمضان المبارك
شهادة الإمام علي ( عليه السلام )
في فجر اليوم التاسع عشر من شهر رمضان المبارك ، عام ( 40 هـ ) ، اِمتدَّت يَد اللئيم ابن ملجم إلى الإمام علي ( عليه السلام ) ، إذْ ضَربَهُ بسَيفِه المسموم ، وهو يصلي في مسجد الكوفة .
وقال ابن الأثير : أُدخِل ابن ملجم على الإمام علي ( عليه السلام ) وهو مكتوف .
فقال الإمام ( عليه السلام ) : ( أيْ عَدوَّ الله ألَمْ أحسِن إليك ) .
قال : بلى .
فقال الإمام ( عليه السلام ) : ( فَمَا حَملَكَ عَلى هَذَا ؟ ) .
قال ابن ملجم : شحذتُه أربعين صباحاً [ يقصد بذلك سيفه ] ، وسألت الله أنْ يقتُلَ به شَرَّ خلقه .
فقال الإمام ( عليه السلام ) : ( لا أرَاكَ إلاَّ مَقتولاً به ، ولا أراكَ إلاَّ مِن شَرِّ خَلقِ الله ) .
ثم قال ( عليه السلام ) : ( النَّفسُ بالنَّفسِ ، إن هَلكْتُ فاقتلوه كما قتلني ، وإنْ بقيتُ رأيتُ فيه رأيي ، يا بني عبد المطلب ، لا ألفيَنَّكم تخوضون دماء المسلمين ، تقولون قتل أمير المؤمنين ، ألا لا يُقتَلَنَّ إلاَّ قاتلي .
أُنظُر يا حسن ، إذا أنَا مُتُّ من ضربَتي هذه ، فاضربه ضربة بضربة ، ولا تمثِّلَنَّ بالرجل ، فإنِّي سَمعتُ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : ( إيَّاكم والمُثْلَة ، ولو بالكَلبِ العَقُور ) .
فبقي الإمام علي ( عليه السلام ) يعاني من ضربة المُجرم الأثيم ابن ملجم ثلاثة أيام ، عَهد خلالها بالإمامة إلى ابنه الإمام الحسن المجتبى ( عليه السلام ) .
وطوال تلك الأيام الثلاثة كان الإمام ( عليه السلام ) يلهَجُ بذكر الله ، والرضا بقضائه ، والتسليم لأمره .
كما كان الإمام ( عليه السلام ) يُصدر الوصيَّة تُلوَ الوصيَّة ، داعياً إلى إقامة حُدودِ الله عزَّ وجلَّ ، محذِّراً من اتِّباع الهوى ، والتراجع عن حَمل الرسالة الإسلامية .
وأخيراً ، وفي الحادي والعشرين من شهر رمضان من عام ( 40 هـ ) ، كانت النهاية المؤلمة لهذا الإمام العظيم ( عليه السلام ) ، الذي ظُلِم خلال حياته ظُلامَتَين كبيرتين .
الأولى : إقصاؤُه عن الخلافة من قِبَل مُبغِضِيه .
الثانية : اغتياله في شهر الله ، الذي هو أفضل الشهور ، ليَمضي إلى رَبِّه مقتولاً شهيداً .
حيث كانت مصيبة فقده ( عليه السلام ) من أشَدِّ المصائب التي تعرَّضت لها الأمة الإسلامية من بعد مصيبة فقدان النبي ( صلى الله عليه وآله ) .
الثالث و العشرين من شهر رمضان المبارك
ليلة القدر
قال الله تعالى : ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَة الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْر * تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيَها بِإِذْنِ رَبّـِهم مِّن كُلِّ أَمْر * سَلاَمٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ) صدق الله العلي العظيم .
القدر في اللغة : كون الشيء مساوياً لغيره من غير زيادة ولا نقصان ، وقدّر الله هذا الأمر بقدره قدراً : إذ جعله على مقدار ما تدعو إليه الحكمة .
أنزل الله تعالى القرآن الكريم جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ـ أو إلى البيت المعمور في السماء الدنيا ـ في ليلة القدر ( إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ ) الدخان : 3 ، وهي ليلة القدر .
ثمّ كان جبرائيل ( عليه السلام ) ينزله على النبي محمّد ( صلى الله عليه وآله ) نجوماً بأمر الله تعالى ، وكان نزول القرآن الكريم من أوّله إلى آخره في ثلاث وعشرين سنة .
ويجب أن يتبادر إلى الذهن أنّه ليس ابتداء نزول القرآن في ليلة القدر ، ولا إنزال بعض الآيات القرآنية في ليلة القدر ، لأنّه لو كان كذلك ، فهو ينزل أيضاً في بقيّة الأيام والليالي ، فما فضل هذه الليلة على سواها ؟!
ولا نزول سورة القدر في ليلة القدر ، لقوله تعالى : ( إِنَّا أَنزَلْنَاهُ ) فضمير أنزلناه يعني القرآن ، وليس سورة منه ولا بعض منه .
إذن ، وجب أن يكون نزول القرآن جملة واحدة في ليلة مباركة ـ من اللوح المحفوظ إلى السماء ـ وهي ليلة القدر ، ومن ثَمّ نزل نجوماً على النبي محمّد ( صلى الله عليه وآله ) .
معنى ليلة القدر :
سمّيت ليلة القدر ، لأنّها الليلة التي يحكم الله فيها ويقضي ، بما يكون في السنة بأجمعها إلى مثلها من السنة القادمة ، من حياة وموت ، وخير وشر ، وسعادة وشقاء ، ورزق وولادة ، و ... .
ويدل على ذلك قوله تعالى : ( فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ) الدخان : 4 ـ 5 .
ففرق الأمر الحكيم يعني إحكام الأمر الواقع بخصوصياته التقديرية ، وإمضاءه في تلك الليلة رحمة من الله إلى عباده .
وقيل القدر : بمعنى المنزلة ، وسمّيت ليلة القدر لأهميتها ومنزلتها ، ولأهميّة ومنزلة المتعبّدين والذاكرين الله فيها ، فإحياؤها بالعبادة ، والعمل الصالح فيها ـ من صلاة وزكاة وأنواع الخير ـ خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر ، ولولا ما يضاعف الله تبارك وتعالى للمؤمنين ما بلغوا ، ولكن الله يضاعف لهم الحسنات رحمة منه تعالى .
وعن الإمام الصادق ( عليه السلام ) : ( العمل فيها خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر ) .
وسُئل الإمام الباقر ( عليه السلام ) عن قول الله تعالى : ( إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) قال : ( نعم ، ليلة القدر ، وهي في كل سنة في شهر رمضان في العشر الأواخر ، فلم ينزل القرآن إلاّ في ليلة القدر ، قال الله تعالى : ( فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ) ) .
تعيين ليلة القدر :
لم يعيّن القرآن الكريم أيّة ليلة هي ، سوى أنّها في شهر رمضان ، وقد اعتمد في تعينها من الأخبار والروايات ، فعن حسّان بن أبي علي ، قال : سألت الإمام الصادق ( عليه السلام ) عن ليلة القدر ، قال : ( أطلبها في تسع عشرة ، وإحدى وعشرين ، وثلاث وعشرين ) .
وقد اتفقت أخبار أهل البيت ( عليهم السلام ) أنّها باقية متكرّرة كل سنة ، وأنّها من شهر رمضان ، وإنّها إحدى الليالي الثلاث ، ولذلك دأب الشيعة على تسمية الليالي الثلاث بليالي القدر .
وعن زرارة ، قال : سألت الإمام الباقر ( عليه السلام ) عن ليلة القدر ، قال : ( في ليلتين ، ليلة ثلاث وعشرين وإحدى وعشرين ) ، فقلت : افرد لي أحدها ؟ فقال : ( وما عليك أن تعمل في ليلتين هي إحداهما ) .
والمستفاد من مجمل الروايات أنّها ليلة ثلاث وعشرين ـ على الأكثر ـ .
ولم يعيّن وقتها بالذات كي لا يستهان بها بارتكاب المعاصي ، وليجتهد الناس في العبادة ، ويحيوا جميع ليالي شهر رمضان ـ شهر الطاعة ـ طمعاً في إدراكها ، كما أخفى الله تعالى الصلاة الوسطى في الصلوات الخمس ، وساعة الإجابة في ساعات الجمعة ، وغيرها .
صفات ليلة القدر :
ومن صفاتها : أنّها ليلة يطيب ريحها ، وإن كانت في برد دفئت ، وإن كانت في حرّ بردت ، تطلع الشمس في صبيحتها ليس لها شعاع .
فضل قراءة سورة القدر :
وردت روايات كثيرة في فضل قرائتها ، منها :
1ـ عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال : ( من قرأ إنا أنزلناه في فريضة من الفرائض نادى منادٍ يا عبد الله قد غفر لك ما مضى ، فاستأنف العمل ) .
2 ـ عن الإمام الباقر ( عليه السلام ) قال : ( من قرأ إنا أنزلناه فجهر بها صوته ، كان كشاهر سيفه في سبيل الله ، ومن قرأها سراً كان كالمتشحط بدمه في سبيل الله ، ومن قرأها سرّاً مرّات ، محا الله عنه ألف ذنب من ذنوبه ) .
فضل ليلة القدر :
وردت روايات كثيرة في فضلها ، منها :
1ـ من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر الله ما تقدّم من ذنبه .
2ـ إنّ الشيطان يخنس في هذه الليلة ، ولا يخرج حتّى يضيء فجرها .
3ـ لا يستطيع فيها على أحد بخبل أو داء أو ضرب من ضروب الفساد ، ولا ينفذ فيها سحر ساحر ، بل تتنزّل فيها النعم والخير والبركة والإحسان للمؤمنين الذاكرين الله ، بشتّى أنواع الذكر حيث يضاعف الله سبحانه لهم الحسنات والخيرات رحمة منه على عباده ، فهي ليلة سلام حتّى مطلع الفجر .
4ـ تتنزّل الملائكة والروح ـ وهو جبرائيل ـ فيها إلى الأرض ليسمعوا الثناء على الله سبحانه ، وقراءة القرآن والدعاء وغيرها من الأذكار ، وليسلّموا على المؤمنين العابدين الزاهدين التالين لكتاب الله بإذن الله سبحانه ـ أي بأمره ـ فهي سلام على أولياء الله وأهل طاعته ، فكلّما لقيتهم الملائكة في هذه الليلة سلّموا عليهم .
أعمال ليلة القدر :
هناك أعمال كثيرة مستحبّة لهذه الليلة المباركة ، منها :
الغسل ، وقراءة القرآن ، وذكر الله تعالى ، وقراءة الأدعية المأثورة ـ كدعاء الجوشن الكبير ، ودعاء رفع المصاحف ـ ، بل مطلق العبادة ، وزيارة الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، والتخضّع والتذلّل لله حتّى يضيء فجرها .
نزول القرآن الكريم
في رأي عدد من العلماء أن القرآن الكريم نزل على النبي ( صلى الله عليه وآله ) مرتين :
الأولى : نزل عليه في ليلة القدر جملة واحدة ، على سبيل الإجمال .
الثانية : نزل عليه تدريجاً ، على سبيل التفصيل ، خلال المدة التي قضاها النبي ( صلى الله عليه وآله ) في أمَّته ، منذ بعثته ، وإلى وفاته .
ومعنى نزوله على سبيل الإجمال : هو نزول المعارف الإلهية ، التي يشتمل عليها القرآن ، وأسراره الكبرى على قلب النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، لكي تمتلئ روحه بنور المعرفة القرآنية ، فقال تعالى : ( إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) القدر : 1 .
ومعنى نزوله على سبيل التفصيل ، هو نزوله بألفاظه المحددة ، وآياته المتعاقبة ، والتي كانت في بعض الأحيان
ترتبط بالحوادث والوقائع في زمن الرسالة ، وكذلك مواكبة تطورها ، ( الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ) هود : 1 .
نوضح مزايا التدرج بالنقاط الآتية :
الأولى : مرَّت على النبي ( صلى الله عليه وآله ) والدعوة حالات مختلفة جداً خلال ثلاث وعشرين سنة ، تبعاً لما مرَّت به الدعوة من مِحَن ، وقاسته من شدائد ، وما أحرزَتْه من انتصار ، وسجَّلَتْه من تقدم .
وهي حالات يتفاعل معها الإنسان الاعتيادي ، وتنعكس على أقواله وأفعاله ، ويتأثر بأسبابها وظروفها ، ولكن القرآن واكب تلك السنين بمختلف حالاتها من الضعف والقوة ، والعسر واليسر ، والهزيمة والانتصار .
وكان يسيرُ دائماً على خطه الرفيع ، فلم ينعكس عليه لون من ألوان الانفعال البشري الذي تثيره مثل تلك الحالات .
الثانية : إنَّ القرآن بتنزيله تدريجياً كان إمداداً معنوياً مستمراً للنبي ( صلى الله عليه وآله
) .
كما قال الله تعالى : ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا ) الفرقان : 32 .
فإن الوحي إذا كان يتجدَّد في كل حادثة ، كان أقوى للقلب ، وأشد عناية بالمرسل إليه ، ويستلزم ذلك نزول الملك إليه ، وتجدد العهد به ، وتقوية أمله في النصر ، واستهانته بما يستجد ويتعاقب من مِحَن ومشاكل .
ولهذا نجد القرآن يأمر النبي ( صلى الله عليه وآله ) تارة بالصبر ، فيقول : ( وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا ) المزمل : 10 .
وينهاه تارة أخرى عن الحزن ، كما في قوله : ( وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) يونس : 65 .
الثالثة : إن القرآن الكريم ليس كتاباً كسائر الكتب التي تؤلف للتعليم والبحث العلمي ، وإنما هو عملية تغيير الإنسان تغييراً شاملاً كاملاً في عقله وروحه وإرادته .
وهدفه الأساس هو صنع أمة وبناء حضارة ، وهذا العمل لا يمكن أن يوجد مرة واحدة ، وإنما هو عمل تدريجي بطبيعته .
ولهذا كان من الضروري أن ينزل القرآن الكريم تدريجياً ، ليُحكم عملية البناء ، وينشئ أساساً بعد أساس ، ويجتثّ جذور الجاهلية ورواسبها بأناة وحكمة ، وقصة تحريم الخمر خير شاهد على ما نقول .
الرابعة : إن الرسالة الإسلامية كانت تواجه الشبهات ، والاتهامات ، والأسئلة المختلفة من قبل المشركين .
وكان النبي ( صلى الله عليه وآله ) بحاجة إلى أن يواجه كل ذلك بالموقف والتفسير المناسبَين ، وهذا لا يمكن أن يتم إلا بشكل تدريجي ، لأن طبيعة هذه المواقف والنشاطات المعادية هي طبيعة تدريجية ، وتحتاج إلى معالجة ميدانية مستمرة .
لعل هذا هو المراد من سياق قوله تعالى : ( وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا ) الفرقان : 33 .
|