![]() |
|
ولادة الإمام الباقر ( عليه السلام )
وُلد الإمام الباقر ( عليه السلام ) في الأول من شهر رجب المبارك ، في سنة ( 57 هـ ) ، وتَلَقَّفَهُ أهل البيت ( عليهم السلام ) بالتقبيل والسرور ، إذ لطالما كانوا ينتظرون ولادته التي بَشَّر بها رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) منذ عشرات السنين . وابتهج الإمام السجاد ( عليه السلام ) بهذا الوليد المبارك ، الذي بَشَّر به جدّه الأعظم ( صلى الله عليه وآله ) ، وأعلن غير مَرَّة أنه وارث علوم آل محمد ( عليهم السلام ) . والذي من مزاياه أنه ملتقى ورابط بين أسرة الإمام الحسين ( عليه السلام ) وأسرة الإمام الحسن ( عليه السلام ) . فهو أول هاشمي علوي ، يولد من جهة الحسن والحسين ( عليهما السلام ) ، لأن أباه علي بن الحسين ( عليه السلام ) ، وأمُّه فاطمة بنت الحسن . فكان الإمام الباقر ( عليه السلام ) ملتقى الكرامات ، وآصرة علوية ، أثلج بولادته قلوب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فما أكرمه وما أعظمه ( عليه السلام ) . وتلقَّاه الإمام السجاد ( عليه السلام ) بالآداب ، والسنن الإسلامية ، كما فعل النبي ( صلى الله عليه وآله ) مع الحسن والحسين ( عليهما السلام ) . وقد صُنع الإمام الباقر ( عليه السلام ) على عين الرسالة الإلهيَّة ، من خلال الجو الذي وفَّره له والده الإمام السجاد ( عليه السلام ) ، لينهض بأعباء الإمامة الشرعية ، طِبقاً لما رسم الله تعالى لعباده في الأرض . ومن هنا فإن الإمام الباقر ( عليه السلام ) قد بلغ الذروة في السمو ، نسباً ، وفكراً ، وخُلُقاً ، مما مَنَحهُ أهليَّة النهوض بأعباء المرجعيَّة الفكريَّة والاجتماعية للأمّة بعد أبيه ( عليه السلام ) . ويبدوا أن الإمام الباقر ( عليه السلام ) قد استأثر جدُّه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بأمر تحديد اسمه ولقبه ، كما في رواية الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري ( رضوان الله عليه ) ، حيث يقول : قال لي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ( يوشك أن تبقى حتى تلقى وَلداً لي من الحسين يقال له محمد ، يبقر علم الدين بَقْراً ، فاذا لقيتَه ، فأقرِئْه مِنِّي السلام ) . وبناءً على ذلك لُقِّب محمد بن علي ( عليه السلام ) بـ( الباقر ) ، أي المتبحر بالعلم ، والمستخرج لغوامضه ولبابه وأسراره ، والمحيط بفنونه ، وهذا المعنى تشير إليه معاجم اللغة العربية المعتبرة ، ومن شاء فليراجع . ولادة الإمام الهادي ( عليه السلام ) وُلد الإمام العاشر من أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) - وهو الإمام الهادي ( عليه السلام ) - في الخامس عشر من ذي الحجة 212 هـ ، وفي رواية في الثاني من رجب ، في قرية صريا بالمدينة المنوّرة . لقد كرَّس الإمام الهادي ( عليه السلام ) حياتَه لِخِدمة الدين ، ومواجهة الحُكَّام المتسِلِّطين ، ولاقَى مِن حُكَّامِ عصره من خلفاء بني العباس الملاحقة ، والإرهاب ، والتضييق . وأُخرِج ( عليه السلام ) من مدينة جَدِّه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، حيثُ كان يُمارس مَهَامَّه العلميَّة والسياسية والاجتماعية ، إلى مدينة سامرَّاء - عاصمة الخلافة العباسيَّة - ليكونَ تحت الرقابة المباشرة من جهة ، وليُعزَل عن قيادة الأمة المتجهة نحو أهل البيت ( عليهم السلام ) من جهة أخرى . وفي سامرَّاء قضى الإمام الهادي ( عليه السلام ) شطراً من حياته ، وفي الثالث من رجب 254 هـ ، مضى الإمام علي الهادي ( عليه السلام ) شهيداً مسموماً في زمن الخليفة العباسي المتوكِّل . كان قد مرَّ على عمر الإمام الرضا ( عليه السلام ) - أبو الإمام الجواد ( عليه السلام ) – أكثر من أربعين سنة ، لكنه ( عليه السلام ) لم يُرزق بولد . فكان هذا الأمر مُدعاة لقلق الشيعة ، لأنها تعتقد بأن الإمام التاسع سيكون ابن الإمام الثامن . ولهذا كانوا ينتظرون بفارغ الصبر أن يَمُنَّ الله عزَّ وجلَّ على الإمام الرضا ( عليه السلام ) بولد ، حتى أنَّهم في بعض الأحيان كانوا يذهبون إلى الإمام ( عليه السلام ) ويطلبون منه أن يدعو الله سبحانه بأن يرزقه ولداً ، وهو ( عليه السلام ) يُسلِّيهم ، ويقول لهم : ( إنَّ اللهَ سوف يَرزُقني ولداً يكون الوارث والإمام من بعدي ) . جاء في ( مناقب آل أبي طالب ) لابن شهر آشوب : تروي السيدة حكيمة بنت أبي الحسن موسى بن جعفر كيفية المولد العظيم ، وما لازَمَتْه من الكرامات ، فتقول : لما حضرت ولادة أم أبي جعفر ( عليه السلام ) دعاني الإمام الرضا ( عليه السلام ) فقال : ( يا حَكيمة ، اِحضَري ولادتَها ) . وأدْخَلَني ( عليه السلام ) وإيّاها والقابلة بيتاً ، ووضعَ لنا مصباحاً ، وأغلق الباب علينا . فلما أخذها الطلق طَفئَ المصباحُ ، وكان بين يديها طست ، فاغتممتُ لانطفاءِ المصباحِ ، فبينما نحن كذلك إذْ بَدْر أبو جعفر ( عليه السلام ) في الطست ، وإذا عليه شيءٌ رقيق كهيئة الثوب ، يسطع نوره حتى أضاء البيت فأبصرناه . فأخذتُه فوضعتُه في حِجري ، ونزعتُ عنه ذلك الغشاء ، فجاء الإمام الرضا ( عليه السلام ) وفتح الباب ، وقد فرغنا من أمره ، فأخذه ( عليه السلام ) ووضعه في المهد وقال لي : ( يَا حَكيمة ، الزمي مَهدَه ) . فلما كان في اليوم الثالث رفع ( عليه السلام ) بصره إلى السماء ، ثم نظر يمينه ويساره ، ثم قال ( عليه السلام ) : ( أشهدُ أنْ لا إِلَه إلاَّ الله ، وأشهدُ أنَّ مُحمَّداً رسولُ الله ) . فقمتُ ذعرة فزِعةً ، فأتيتُ أبا الحسن ( عليه السلام ) فقلت : سَمِعْتُ مِنْ هذا الصبي عَجَباً . فقال ( عليه السلام ) : ( ومَا ذَاكَ ) ؟ فأخبرتُهُ الخبر . فقال ( عليه السلام ) : ( يَا حَكيمة ، مَا تَرَوْنَ مِنْ عجائبهِ أكثر ) . وأخيراً ولد الإمام محمد الجواد ( عليه السلام ) في العاشر من رجب 195 هـ ، وقد سُمِّي بِـ( مُحَمَّد ) ، وكُنيتُه ( أبو جَعفَر ) . وأشاعت ولادته ( عليه السلام ) الفرح والسرور بين أوساط الشيعة ، ورسَّخت الإيمان في قلوبهم ، وأزالَتِ الشَّكَّ الذي دخل قلوب البَعضِ مِنهُم . وُلد الإمام علي ( عليه السلام ) في يوم الجمعة الثالث عشر من شهر رجب المبارك ، قَبل البعثة النبوية باثْنَتَي عشرة سنة ، في بيت الله الحرام ( الكعبة ) بمكّة المكرّمة . عن يزيد بن قعنب قال : كنتُ جالساً مع العباس بن عبد المطّلب ( رضوان الله عليه ) ، وفريق من بني عبد العزى بازاء بيت الله الحرام ، إذْ أقبلَتْ فاطمة بنت أسد أُمّ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وكانت حاملاً به لتسعة أشهر ، وقد أخذها الطلق فقالت : يا رَبِّ ، إنِّي مؤمنة بك ، وبما جاء من عندك من رسل وكتب ، وإنِّي مصدِّقة بكلام جدِّي إبراهيم الخليل ، وأنَّه بنى البيت العتيق ، فبحقِّ الذي بَنَى هذا البيت ، والمولود الذي في بَطْني ، إلاّ ما يسَّرتَ عليَّ ولادتي . قال يزيد بن قعنب : فرأيت البيت قد انشقَّ عن ظهره ، ودخلت فاطمة فيه وغابت عن أبصارنا ، وعاد إلى حاله ، فرمنا أن ينفتح لنا الباب فلم ينفتح ، فعلمنا أنَّ ذلك من أمر الله تعالى . ثمَّ خرجت في اليوم الرابع وعلى يدها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) . وهذه الحادثة ذكرها علماء المسلمين ومؤرِّخِيهم في كتبهم ، ومِمَّا ينبغي ذكره هنا أنَّ الفضل والكرامة التي نالها الإمام علي ( عليه السلام ) بولادته في جوف الكعبة لم يَنَلْه أحد في تاريخ الإنسانية على الإطلاق . وهكذا كان الإمام علي ( عليه السلام ) أوّل مولود ولد في الكعبة المشرِّفة ، ولم يولد فيها بعده سواه ، تعظيماً لَه من اللهِ سبحانه وإجلالاً . اسمها ونسبها : زينب بنت الإمام علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، أمّها سيّدة نساء العالمين فاطمة ( عليها السلام ) بنت النبي ( صلى الله عليه وآله ) . ولادتها : ولدت بالمدينة المنوّرة في الخامس من جمادى الأوّل عام 5 هـ . ولمّا ولدت ( عليها السلام ) جاءت بها أمّها الزهراء ( عليها السلام ) إلى أبيها أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وقالت : ( سمّ هذه المولودة ) . فقال : ( ما كنت لأسبق رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ) ، وكان في سفر له ، ولمّا جاء وسأله علي ( عليه السلام ) عن اسمها . فقال : ( ما كنت لأسبق ربّي تعالى ) ، فهبط جبرائيل ( عليه السلام ) يقرأ السلام من الله الجليل ، وقال له : ( سمّ هذه المولودة : زينب ، فقد اختار الله لها هذا الاسم ) . ثمّ أخبره بما يجري عليها من المصائب ، فبكى ( صلى الله عليه وآله ) ، وقال : ( من بكى على مصائب هذه البنت ، كان كمن بكى على أخويها : الحسن والحسين ) . سيرتها وفضائلها : كانت ( عليها السلام ) عالمة غير معَلّمة ، وفهِمة غير مفهمة ، عاقلة لبيبة ، جزلة ، وكانت في فصاحتها وزهدها وعبادتها كأبيها أمير المؤمنين وأمّها الزهراء ( عليهما السلام ) . اتّصفت ( عليها السلام ) بمحاسن كثيرة ، وأوصاف جليلة ، وخصال حميدة ، وشيم سعيدة ، ومفاخر بارزة ، وفضائل طاهرة . حدّثت عن أمّها الزهراء ( عليها السلام ) ، وكذلك عن أسماء بنت عميس ، كما روى عنها محمّد بن عمرو ، وعطاء بن السائب ، وفاطمة بنت الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، وجابر بن عبد الله الأنصاري ، وعَبَّاد العامري . عُرفت زينب ( عليها السلام ) بكثرة التهجّد ، شأنها في ذلك شأن جدّها الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ، وأهل البيت ( عليهم السلام ) . وروي عن الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) قوله : ( ما رأيت عمّتي تصلّي الليل عن جلوس إلاّ ليلة الحادي عشر ) ، أي أنّها ما تركت تهجّدها وعبادتها المستحبّة حتّى تلك الليلة الحزينة ، بحيث أنّ الإمام الحسين ( عليه السلام ) عندما ودّع عياله وداعه الأخير يوم عاشوراء قال لها : ( يا أختاه لا تنسيني في نافلة الليل ) . وذكر بعض أهل السِيَر : أنّ زينب ( عليها السلام ) كان لها مجلس خاص لتفسير القرآن الكريم تحضره النساء ، وأنّ دعاءها كان مستجاباً . أم المصائب : سُمّيت أم المصائب ، وحق لها أن تسمّى بذلك ، فقد شاهدت مصيبة وفاة جدّها النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وشهادة أمّها الزهراء ( عليها السلام ) ، وشهادة أبيها أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وشهادة أخيها الحسن ( عليه السلام ) ، وأخيراً المصيبة العظمى ، وهي شهادة أخيها الحسين ( عليه السلام ) ، في واقعة الطف مع باقي الشهداء ( رضوان الله عليهم ) . أخبارها في كربلاء : كان لها ( عليها السلام ) في واقعة كربلاء المكان البارز في جميع المواطن ، فهي التي كانت تشفي العليل وتراقب أحوال أخيها الحسين ( عليه السلام ) ساعةً فساعة ، وتخاطبه وتسأله عند كل حادث ، وهي التي كانت تدبّر أمر العيال والأطفال ، وتقوم في ذلك مقام الرجال . والذي يلفت النظر أنّها في ذلك الوقت كانت متزوّجة بعبد الله بن جعفر ، فاختارت صحبة أخيها على البقاء عند زوجها ، وزوجها راضٍ بذلك ، وقد أمر ولديه بلزوم خالهما والجهاد بين يديه ، فمن كان لها أخ مثل الحسين ( عليه السلام ) ، وهي بهذا الكمال الفائق ، فلا يستغرب منها تقديم أخيها على بعلها . وروي أنّه لمّا كان اليوم الحادي عشر من المحرّم ، بعد مقتل الإمام الحسين ( عليه السلام ) حمل عمر بن سعد النساء ، فمرّوا بهنّ على مصرع الحسين ( عليه السلام ) فندبت زينب ( عليها السلام ) أخاها وهي تقول : ( بأبي مَن فسطاطه مقطع العُرى ، بأبي مَن لا غائب فيُرتجى ، ولا جريح فيُداوى ، بأبي مَن نفسي له الفدا ، بأبي المهموم حتّى قضى ، بأبي العطشان حتّى مضى ، بأبي مَن شيبته تقطر بالدما ، بأبي مَن جدّه رسول إله السما ، بأبي مَن هو سبط نبي الهدى ) . أخبارها في الكوفة : لمّا جيء بسبايا أهل البيت ( عليهم السلام ) إلى الكوفة بعد واقعة الطف ، أخذ أهل الكوفة ينوحون ويبكون ، فقال بشر بن خزيم الأسدي : ونظرتُ إلى زينب بنت علي ( عليهما السلام ) يومئذ ، فلم أرَ خَفِرة ( عفيفة ) أنطق منها ، كأنّها تفرغ عن لسان أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وقد أومأتْ إلى الناس أن اسكتوا فارتدتْ الأنفاس ، وسكنتْ الأجراس ، ثمّ قالت : ( الحمد الله والصلاة على محمّد وآله الطاهرين ، يا أهل الكوفة يا أهل الختل والغدر ، أتبكون ؟ فلا رقأت الدمعة ، ولا قطعت الرنة ، إنّما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوّة ، أنكاثاً تتّخذون أيمانكم دخلاً بينكم ، ألا وهل فيكم إلاّ الصلف النطف ... ) إلى آخر الخطبة الشريفة ، وهي معروفة . أخبارها في الشام : أرسل عبيد الله بن زياد والي الكوفة السيّدة زينب ( عليها السلام ) مع سبايا آل البيت ( عليهم السلام ) ـ بناءً على طلب يزيد ـ ومعهم رأس الحسين ( عليه السلام ) وباقي الرؤوس إلى الشام ، فعندما دخلوا على يزيد دعا برأس الحسين ( عليه السلام ) فوضع بين يديه ، فلمّا رأت زينب ( عليها السلام ) الرأس الشريف بين يديه صاحت بصوت حزين يقرح القلوب : ( يا حسيناه ، يا حبيب رسول الله ، يا ابن فاطمة الزهراء ) ، فأبكت جميع الحاضرين في المجلس ويزيد ساكت . وروي أنّ يزيد عندما أخذ ينكث ثنايا الإمام الحسين ( عليه السلام ) بقضيب خيزران ، قامت ( عليها السلام ) له في ذلك المجلس ، وخطبت قائلة : ( الحمد لله رب العالمين ، وصلّى الله على رسوله وآله أجمعين : أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار الأرض ، وآفاق السماء ، فأصبحنا نُساق كما تُساق الإماء ، إن بنا هواناً على الله ، وبك عليه كرامة ، وإنّ ذلك لعظم خطرك عنده ، فشمخت بأنفك ونظرت في عطفك جذلان مسروراً ، أمِنَ العدل يا ابن الطلقاء تخديرك حرائرك وإمائك ، وسوقك بنات رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) سبايا ، قد هَتكتَ ستورهنّ ، وأبدَيتَ وجُوههُن ، تحدو بهن الأعداء من بلد إلى بلد ) . وفاتها : توفّيت أم المصائب زينب ( عليها السلام ) في الخامس عشر من شهر رجب عام 62 هـ ، واختُلِفَ في محل دفنها ، فمنهم من قال : في مصر ، ومنهم من قال : في الشام ، ومنهم من قال : في المدينة . مقدمة : صلّى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ومن معه من المسلمين إلى بيت المقدس فترة من الزمن ، فلمّا زاد إيذاء اليهود لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بعد تنامي قوّة المسلمين وانتشار الإسلام ، وقول اليهود : أنت تابع لنا تصلّي إلى قبلتنا ، كانوا يرون في اتباع المسلمين لقبلتهم سند وافتخار لهم . فاغتمَّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لذلك وشقّ عليه ، حتّى نزلت الآية : ( قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ في السَّماء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ، فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجدِ الحرامِ وحيثُ ما كُنْتُم فَولُّوا وجوهَكُم شَطْرَه ، وإِنَّ الذين أُوتُوا الكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أنه الحقُّ من ربهم ، وما اللهُ بغافلٍ عَمًّا يعملون ) البقرة : 144 ، فكان تغيير القبلة واحداً من مظاهر الابتعاد عن اليهود واجتنابهم . إنّ النصارى كانوا يتّجهون في عباداتهم نحو الشرق ، واليهود نحو الغرب ، وقرّر الله تعالى أن تكون الكعبة قبلة للمسلمين ، وكانت في اتجاه الجنوب وسطاً بين الاتجاهين . فوائد تغيير القبلة : كانت نتيجة ذلك القطيعة التامّة بين المسلمين واليهود ، حيث كان اليهود يقلّلون من شأن المسلمين بسبب عدم استقلالهم في القبلة وتوجههم نحو القدس ، والتي يعتبرونها قبلتهم . والإعلان عن استقلالية هذا الدين ، وفضل مكّة التي ينتمي إليها المهاجرون ، وموطن هذا الدين ورسوله ( صلى الله عليه وآله ) ، وكذلك تعبيراً عن انتساب الإسلام للحنفية التي جاء بها النبي إبراهيم ( عليه السلام ) المشيّد لأركان الكعبة . إنّ اتّخاذ الكعبة قبلة ، كان من شأنه كسب رضا العرب واستمالة قلوبهم ، وترغيبهم في الإسلام ، ونبذ الأصنام ، وخاصة أنّ الكعبة كانت موضع احترام العرب وتقديسهم منذ أن رفع النبي إبراهيم ( عليه السلام ) قواعدها . متى تم تحويل القبلة : تمّ تحويل القبلة في السابع عشر من شهر رجب في السنة الثانية من الهجرة النبوية المباركة ـ وقيل : في الثامن من شهر محرم 2 هـ ـ أثناء الركعة الثانية من صلاة الظهر ، فقد أخذ جبرائيل ( عليه السلام ) يد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وأداره نحو المسجد الحرام ، فتبعه الرجال والنساء في المسجد ، وقد صلّى الرسول ( صلى الله عليه وآله ) مع أصحابه ركعتين ، واستدار معه المسلمين تجاه الكعبة وصلّى الركعتين الباقيتين ، فكان أوّل صلواتهم إلى بيت المقدس وآخرها إلى الكعبة ، فسمّي ذلك المسجد مسجد القبلتين ، وكانت صلاة العصر من هذا اليوم أوّل صلاة كاملة صلاّها ( صلى الله عليه وآله ) تجاه الكعبة المشرّفة . وقد طعن السفهاء من المشركين وأهل الكتاب وقالوا : ما وَلاَّهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ، فنزل قوله تعالى : ( َيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا قُل لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) البقرة : 142 . وفي مجمع البيان عن القمي في قوله تعالى : ( َيَقُولُ السُّفَهَاء ) الآية ، عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال : ( تحوّلت القبلة إلى الكعبة ، بعدما صلّى النبي ( صلى الله عليه وآله ) بمكّة ثلاث عشرة سنة إلى بيت المقدس ، وبعد مهاجرته إلى المدينة صلّى إلى بيت المقدس سبعة أشهر ) ، قال : ( ثمّ وجهه الله إلى مكّة ، وذلك أنّ اليهود كانوا يعيرون على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، ويقولون أنت تابع لنا ، تصلّي إلى قبلتنا ، فاغتم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) من ذلك غمّاً شديداً ، وخرج في جوف الليل ينظر إلى آفاق السماء ، ينتظر من الله في ذلك أمراً ، فلمّا أصبح وحضر وقت صلاة الظهر كان في مسجد بنى سلمة ، وقد صلّى من الظهر ركعتين ، فنزل جبرائيل فأخذ بعضديه وحوّله إلى الكعبة وأنزل عليه : ( قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ) فكان قد صلّى ركعتين إلى بيت المقدس وركعتين إلى الكعبة ، فقالت اليهود والسفهاء : ما وليهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ) . عاصر الإمام الكاظم ( عليه السلام ) خلال فترة إمامته أربعة من الخلفاء العباسيين وهم : المنصور ، المهدي ، الهادي ، الرشيد . وقد زخرت هذه الفترة بالأحداث والوقائع التاريخية الخطيرة ، وكان من أبرز تلك الوقائع هي الثورات والسجن والملاحقات والقتل الفردي والجماعي لآل علي بن أبي طالب ( عليهم السلام ) ، وبني عمومتهم من الطالبِيّين . فالولاة يحكمون ويعبثون ويتصرفون كيف شاءوا ما زالوا محافظين على طاعة الخليفة . لأن المطلوب هو الولاء للخليفة العباسي لا بَسط العدل وإقامة أحكام الإسلام ، وفي مثل هذه الأوضاع كان طبيعياً أن ينال الإمام ( عليه السلام ) الظلم والسجن والاضطهاد . فأمر الرشيد بنقل الإمام من سجن الفضل إلى سجن السندي بن شاهك ، والأخير كان شريراً لم تدخل الرحمة إلى قلبه ، وقد تَنكّر لجميع القِيَم . فكان لا يؤمن بالآخرة ولا يرجو لله وقاراً ، فقابل الإمام ( عليه السلام ) بكل قسوة وجفاء ، فَضَيّق عليه في مأكله ومشربه ، وكَبّله بالقيود ويقول الرواة : إنه قَيّده ( عليه السلام ) بثلاثين رطلاً من الحديد . وأقبل الإمام ( عليه السلام ) على عادته على العبادة ، فكان في أغلب أوقاته يصلي لربه ، ويقرأ كتاب الله ، ويُمجّده ويَحمُده على أنْ فَرّغه لعبادته . كتابه إلى هارون : وأرسل الإمام ( عليه السلام ) رسالة إلى هارون الرشيد أعرب فيها عن نقمته عليه ، وهذا هو نَصّها : ( إِنّه لن يَنقضي عَنّي يوم من البلاء حَتى ينقضي عَنك يوم من الرّخَاء حتى نَفنَى جميعاً إلى يومٍ ليس فيه انقضاء ، وهُناك يَخسرُ المُبطلون ) . وحكت هذه الرسالة ما أَلمّ بالإمام ( عليه السلام ) من الأسى في السجن ، وأنه سيحاكم الطاغية هارون الرشيد أمام الله تعالى في يوم يخسر فيه المبطلون . شهادته ( عليه السلام ) : عهد هارون إلى السندي باغتيال الإمام ( عليه السلام ) ، فَدُسّ له سُمّاً فاتكاً في رطب ، وأجبره السندي على تناوله . فأكل ( عليه السلام ) مِنهُ رطبات يسيرة ، فقال له السندي : زِد على ذلك . فَرَمَقَهُ الإمام ( عليه السلام ) بَطَرْفِه وقال له : ( حَسبُكَ ، قد بَلغتُ ما تحتاجُ إليه ) . وتفاعل السم في بدنه ( عليه السلام ) ، وأخذ يعاني الآلام القاسية ، وقد حفت به الشرطة القُساة . ولازَمه السندي ، وكان يُسمِعُه مُرَّ الكلام وأقساه ، ومَنعَ عنه جميع الإسعافات لِيُعَجّل له النهاية المَحتومة . ولما ثقل حاله ( عليه السلام ) وأشرف على النهاية ، استدعى المُسيّب بن زهرة ، وقال له : ( إني على ما عَرّفتُك من الرحيل إلى الله عزَّ وجلَّ ، فإذا دَعوتُ بِشُربة من ماءٍ فَشربتُها ورأيتني قد انتَفَختُ واصفَرَّ لوني واحمَرَّ واخضَرَّ ، وَأتَلَوَّنُ ألواناً ، فأخبر الطاغية بوفاتي ) . فقال المُسيَّب : فلم أزلْ أراقب وَعده ، حتى دعا ( عليه السلام ) بشربة فَشربَها ، ثم استدعاني فقال : ( يا مُسيَّب ، إن هذا الرِّجس السِّندي بن شَاهك سَيزعم أنه يتولَّى غسلي ودفني ، وهيهات هيهات أن يكون ذلك أبداً ، فإذا حُمِلت إلى المقبرة المعروفة بمقابر قريش فَألحِدُوني بها ) . قال المُسيَّب : ثم رأيتُ شخصاً أشبه الأشخاص به جالساً إلى جانبه ، وكان عهدي بسيِّدي الرضا ( عليه السلام ) وهو غلام ، فأردت أن أسأله ، فصاح بي سيدي الكاظم ( عليه السلام ) وقال : ( أَليسَ قَد نَهَيتُك ؟! ) . ثم إنه غاب ذلك الشخص ، وجئتُ إلى الإمام ( عليه السلام ) فإذا به جثة هامدة قد فارق الحياة ، فانتهيت بالخبر إلى الرشيد . وكانت شهادته ( عليه السلام ) في ( 25 ) رجب من سنة ( 183 هـ ) . فخرج الناس على اختلاف طبقاتهم لتشييع جثمان إمام المسلمين وسيد المتقين والعابدين ، وخرجَت الشيعة وهي تلطم الصدور ، وتذرف الدموع ، وخرجت السيدات من نسائهم وَهُنَّ يَندبْنَ الإمام ( عليه السلام ) ويرفَعْنَ أصواتَهُنَّ بالنياحَة عليه ( عليه السلام ) . وسارت مواكب التشييع في شوارع بغداد ، وهي تردد أهازيج اللوعة والحزن . وسارت المواكب متجهة إلى محلة باب التبن وقد ساد عليها الحزن ، حتى انتهت إلى مقابر قريش في بغداد . فَحُفِر للجثمان العظيم قبر ، فواروه فيه وانصرف المشيعون وهم يعددون فضائله ( عليه السلام ) ، ويَذكُرون بمزيد من اللَّوعة الخسارةَ التي مُني بها المسلمون . فَتَحيَّات من الله على تلك الروح العظيمة ، التي ملأت الدنيا بفضائلها وآثارها ومآثرها . فتح خيبر لم يكن بين رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وبين يهود خيبرٍ عهدٌ ، بخلاف بني قنيقاع والنضير وقريضة ، فقد كان بينه الرسول ( صلى الله عليه وآله ) وبينهم عهد ، ومعنى ذلك أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) توجَّه إليهم ليدعوهم إلى الإسلام ، أو قبول الجزية ، أو الحرب ، فلمَّا لم يسلموا ولم يقبلوا الجزية حاربهم . وكان يهود خَيْبَر مضاهرين ، ليهود غطفان على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وكان هذا سبب خروج النبي ( صلى الله عليه وآله ) إليهم . فقد ذكر ابن الأثير وغيره ، أن يهود خَيْبَر كانوا مضاهرين ليهود غطفان على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وإنَّ غطفان قصدت خَيْبَر ليضاهروا اليهود فيها ، ثم خافوا المسلمين على أهليهم وأموالهم فرجعوا . وكان المسلمون في هذه الغزوة ألفاً وأربعمائة ومعهم مِائتي فرس ، فلما نزلوا بساحتهم لم يتحركوا تلك الليلة ، حتى طلعت الشمس ، وأصبح اليهود ، وفتحوا حصونهم ، وغدوا إلى أعمالهم . فلما نظروا إلى رسول الله ( إلى الله عليه وآله ) قالوا : محمد والخميس ـ أي : الجيش ـ وولّوا هاربين إلى حصونهم . فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ( الله أكبر ، خربت خيبر ، إنا إذا نزلنا بساحةِ قومٍ فساء صباح المنذرين ) . فحاصرهم بضع عشرة ليلة ، وكان أول حصونهم قد افتتح هو حصن ناعم ، ثم القموص ، ثم حصن الصعب بن معاذ ، ثم الوطيح والسلالم ، وكان آخر الحصون فتحاً حِصْن خَيْبَر . وفي خيبر بعث رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أبا بكر برايته ، وكانت بيضاء ، وعقد له ، فرجع ولم يَكُ فتح وقد جهد . ثم بعث في الغد عمر بن الخطاب برايته ، وعقد له أيضاً ، ومعه الناس ، فلم يلبثوا أن هزموا عمر وأصحابه ، فجاءوا يجبِّنُونَه ويجبِّنُهم كسابقه . وخرجت كتائب اليهود يتقدمهم ياسر أو ناشر ـ أخ مرحب ـ فكشفت الأنصار حتى انتهوا إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فاشتدَّ ذلك على رسول الله ، وقال ( صلى الله عليه وآله ) : ( لأبعَثَنَّ غداً رَجُلاً يُحبُّ اللهَ ورسولَه ، ويحبَّانه ، لا يولي الدبر ، يفتحُ الله على يَدَيه ) . فتطاولت الأعناق لترى لمن يعطي الراية غداً ، ورجا كل واحد من قريش أن يكون صاحب الراية غداً . وكان الإمام علي ( عليه السلام ) أرمد شديد الرمد ، فدعاه ( صلى الله عليه وآله ) ، فقيل له أنه يشتكي عينيه . فلما جاء الإمام علي ( عليه السلام ) أخذ ( صلى الله عليه وآله ) من ماء فمه ، ودَلَّك عينيه ، فَبَرئَتَا ، حتى كأنْ لم يكن بهما وجع . ثمّ قال ( صلى الله عليه وآله ) : ( اللَّهُمَّ اكفِهِ الحَرَّ والبَرْد ) ، فما اشتكى من عينيه ، ولا من الحَرِّ والبرد بعد ذلك أبداً . فعَقَد ( صلى الله عليه وآله ) للإمام ( عليه السلام ) ، ودفع الراية إليه ، وقال له : ( قَاتِل ولا تَلتَفتْ حتى يَفتح اللهُ عليك ) . فقال الإمام علي ( عليه السلام ) : ( يَا رَسولَ الله ، عَلامَ أقاتِلُهُم ؟ ) . فقال ( صلى الله عليه وآله ) : ( عَلى أن يَشهدوا أنْ لا إلَهَ إلاَّ الله ، وأنِّي رسول الله ، فإذا فعلوا ذلك حَقَنوا منِّي دماءهم وأموالهم إلا بحقِّها ، وحِسابُهُم عَلى اللهِ عزَّ وَجل ) . فقال سلمه : فخرجَ والله يُهروِل وأنا خلفه ، نتَّبع أثره ، حتى ركز رايته تحت الحصن ، فاطَّلع إليه يهودي من رأس الحصن ، فقال : من أنت ؟ قال الإمام ( عليه السلام ) : ( أنَا عَلي بنَ أبِي طَالِب ) . فقال اليهودي : علوتم أو غلبتم . وخرج إليه أهل الحصن ، وكان أول من خرج إليه منهم الحارث - أخ مرحب - ، وكان فارساً ، شجاعاً ، مشهوراً بالشجاعة ، فانكشف المسلمون ، وثَبَتَ الإمام علي ( عليه السلام ) ، فتضاربا ، فقتله الإمام عليٌّ ( عليه السلام ) ، وانهزم اليهود إلى الحصن . فلما علم مرحب أخاه قد قتل نزل مسرعاً ، وقد لبس درعين ، وتقلَّد بسيفين ، واعتمَّ بعمامتين ولبس فوقهما مغفراً وحَجَراً قد أثقبه قدر البيضة لعينيه ، ومعه رمح لسانه ثلاثة أشبار ، وهو يرتجز ويقول : قَدْ علِمَت خَيْبَرُ أنِّي مَرْحَبُ ** شَاكي السِّلاح بَطلٌ مُجرَّبُ أطعنُ أحياناً وحِيناً أضرِبُ ** إذا اللُّيوث أقبلَتْ تَلتَهِبُ فردّ عليٌّ ( عليه السلام ) عليه ، وقال : أنَا الذي سَمَّتْني أمِّي حَيْدَرة ** أكِيلُكُم بالسَيف كَيل السَّـندَرَة لَيثٌ بِغابَاتٍ شَديد قَسْـوَرَة ** وحيدرة : اسم من أسماء الأسد . فاختلفا ضربتين ، فبدره الإمام علي ( عليه السلام ) فضربه ، فقدَّ الحَجَرَ والمغفر ورأسه ، حتى وقع السيف في أضراسه ، فقتله . فكبَّر الإمام علي ( عليه السلام ) ، وكبَّر معه المسلمون ، فانهزَم اليهود إلى داخل الحصن ، وأغلقوا بابَ الحِصْن عَليهم ، وكان الحِصْنُ مُخَندقاً حوله ، فتمكَّن الإمام علي ( عليه السلام ) من الوصول إلى باب الحصن ، فعالجه وقلعه ، وأخذ باب الحصن الكبيرة العظيمة ، التي طولها ثمانون شبراً ، أي : أربعون ذراعاً ، فجعلها جِسراً فَعبر المسلمون الخندق ، وظفروا بالحصن ، ونالوا الغنائم ؟ ولما انصرَفَ المسلمون من الحصن أخذ الإمام علي ( عليه السلام ) الباب بيمناه ، فَدَحى بِهَا أذرعاً من الأرض - أربعون ذراعاً - ، وكان الباب يعجزُ عن فَتحِه أو غَلقِه اثنان وعشرون رجلاً منهم . قال الله تعالى : ( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ) الإسراء : 1 . الإسراء والسري : السير بالليل ، والمسجد الأقصى : بيت المَقْدِس ، والقصي : البعيد ، وسُمِّي أقصى : لكونه أبعد مسجد عن مكة . إنّ الروايات المرويَّة عن أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) تصرِّح بوقوع الإسراء مرَّتين ، وهو المستفاد من آيات سورة النجم ، حيث يقول سبحانه : ( وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ) النجم : 13 . واختلف المؤرخون في كيفية الإسراء ، فقيل كان إسراءه ( صلى الله عليه وآله ) بروحه وجسده من المسجد الحرام إلى بيت المقدس ، ثمَّ ، ومنه إلى السماوات العُلَى ، وعليه الأكثرية . وقيل : كان بروحه وجسده من المسجد الحرام إلى بيت المقدس ، ثم بروحه من بيت المقدس إلى السماوات ، وعليه جماعة . وقيل : كان بروحه ( صلى الله عليه وآله ) ، وهو رؤيا صادقة أراها الله نبيَّه ، ونُسب ذلك إلى بعضهم ، لكن المتأمِّلُ إلى آية الإسراء الكريمة ينكشف له أنَّ الله سبحانه أسرى بشخص الرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) ، وليس بروحه مجرَّدة عن الجسد . فالآية صريحة في دلالتها أن الله أسرى بعبده ، وليس بروحه ، كما أنه إسراء وليس رؤيا صادقة ، كما يدَّعي البعض . وكان الغرض من الإسراء رؤية بعض الآيات الإلهيَّة الكبيرة العظيمة ، فقال تعالى : ( لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ) الإسراء : 1 ، وقال : ( لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ) النجم : 18 . إضافة إلى ذلك فإن هذه المعجزة الكريمة تزيد من ثبات المؤمنين وإيمانهم بقدرة الله سبحانه ، وبنفس الوقت زعْزَعَتْ ضِعاف الإيمان ، ومَن في نفوسهم مرض ، فارتدُّوا عن الإسلام ، ولم يثبت إلا من ثبت الإيمان في نفوسهم ، وبهذه الطريقة عُرف من ارتدَّ عن الإسلام ، ومن لم يثبت الإيمان في قلبه . ذُكر في أمالي الصدوق ، بسنده عن أبان بن عثمان ، عن أبي عبد الله جعفر الصادق ( عليه السلام ) ، قال : ( لَمَّا أُسريَ برسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إلى بيت المَقْدس ، حَمَله جبرائيل على البراق ، فأتَيَا بَيت المقدس ، وعَرضَ عليه مَحاريب الأنبياء ، وصلَّى بها ، وَرَدَّه [ إلى مكة ] ) . أمَّا المِعراج : فالمَعْرَج : المَصْعَد ، والطريق الذي تصعد فيه الملائكة . وقد حدث المعراج في نفس الليلة التي حدث فيها الإسراء من المسجد الأقصى إلى السماوات العُلى ، وهي معجزة كبيرة للنبي محمد ( صلى الله عليه وآله ) ، فقد سخَّر الله سبحانه وتعالى لنبيِّه محمد ( صلى الله عليه وآله ) البراق . فارتفع به ومعه جبرائيل ، ليُرِيَه مَلَكوت السماواتِ ، وما فيها من عجائِب صُنعِهِ ، وبدائِعِ خَلقه تعالى ، وقد تحدَّثت سورة النجم عن هذه المعجزة الكبرى ، فقال تعالى : ( بِسْمِ اللهِ الْرَّحْمَنِ الْرَّحِيْمِ * وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ) النجم : 1 - 18 . المبعث النبوي إنّ الله تعالى لم يخلُق الإنسان ويتركه مهملاً ضائعاً بلا رعاية ، بل جعل له الوحي وسيلة لتعريفه بنفسه ، وبربِّه ، وبخالقه ، وبعالمه ، وسبيلاً إلى هدايته ، لتنظيم حياته ، وتعامُله مع أبناء جنسه ، وكيفية توجهه إلى خالقه . وهكذا شاء اللطف الإلهي والعناية الربَّانية للعباد أن يختار لهم أفراداً مخصوصين ومؤهلين للاتصال بالألطاف الإلهية ، لحمل الرسالة ، وتبليغ الأمانة إلى البشر ، فكان الأنبياء والرسل . فقال الله تعالى : ( اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ) الحج : 75 . وقال الله تعالى : ( وَإِذَا جَاءتْهُمْ آيَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ) الأنعام : 124 . كان النبي ( صلى الله عليه وآله ) في أواخر العقد الثالث من عمره الشريف يلقى إليه الوحي عن طريق الإلهام والإلقاء في نفسه ، والانكشاف له من خلال الرؤية الصادقة ، فكان يرى في المنام الرؤية الصادقة ، وهي درجة من درجات الوحي . وجاء في تفسير الدر المنثور : أول ما بدئ به رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) من الوحي الرؤية الصادقة ، فكان لا يرى رؤياً إلاّ جاءت مثل فلق الصبح . ثمّ حبَّبَ الله إليه الخلاء ، فكان يخلو بِغار حراء ، وهو كهف صغير في أعلى جبل حراء ، في الشمال الشرقي من مَكَّة ، فكان ( صلى الله عليه وآله ) يتحنَّث فيه ويتعبَّد ، إذ ينقطع عن عالم الحِسِّ والمادَّة ، ويستغرق في التأمّل والتعالي نحو عالم الغيب والملكوت ، والاتجاه إلى الله تعالى . وحينما بلغ ( صلى الله عليه وآله ) الأربعين من عمره ، عام ( 13 ) قبل الهجرة ( 610 م ) ، أتاه جبرائيل في غار حراء ، فألقى إليه كلمة الوحي ، وأبلغه بأنَّه نبي هذه البشرية ، والمبعوث إليها . وتفيد الروايات أنّ أوَّل آيات القرآن الكريم التي قرأها جبرائيل على محمد ( صلى الله عليه وآله ) هي : ( بِسْمِ اللهِ الْرَّحْمَنِ الْرَّحِيْمِ * اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ) العلق : 1 - 5 . وبعد تلقِّيه ( صلى الله عليه وآله ) ذلك البيان الإلهي ، عاد النبي إلى أهله ، وهو يحمل كلمة الوحي ، ومسؤولية حمل الأمانة التي كان ينتظر شرف التكليف بها ، فعاد واضطجع في فراشه ، وتدثَّر ليمنح نفسه قِسطاً من الراحة والاسترخاء ، ويفكِّر ويتأمل فيما كُلِّف به . فجاءه الوحي ثانية ، وأمره بالقيامِ وتَركِ الفراش ، والبدء بالدعوة والإنذار ، إذ جاء هذا الخطاب في قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ) المدثر : 1 - 4 . فانطلق مستجيباً لأمر الله تعالى ، مبشِّراً بدعوته ، وكان أول من دعاه إلى سبيل الله وفاتَحَه زوجته خديجة بنت خويلد ( رضوان الله عليها ) ، وابن عمِّه الإمام علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، الذي كان صبيّاً في العاشرة من عمره ، فآمَنَا به ، وصدَّقاه ، ثمّ آمن به مَملوكه زيد بن حارثة ، فكانت النوات الأُولى لبدء الدعوة الإلهية الكبرى . فقد كان ( صلى الله عليه وآله ) يختار أصحابه فرداً فرداً ، ولم يوجِّه دعوته إلى الجميع في تلك المرحلة ، إلى أن جاء الأمر الإلهي : ( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) الشعراء : 214 خروج الإمام الحسين ( عليه السلام ) من المدينة إلى مكة تاريخ الخروج : 27 رجب 60 هـ ، خرج ركب الإمام الحسين ( عليه السلام ) نحو مكَّة المكرّمة ، وسار معه ( عليه السلام ) نفر من أهل بيته وأصحابه ، وبرفقته نساؤه وأبناؤه ، وأخته زينب الكبرى ( عليها السلام ) ، يخترقون قلب الصحراء ، ويجتازون كثبان الرمال . دوافع الخروج : نذكر منها ما يلي : 1- استبداد واستئثار الأمويِّين بالسلطة . 2- القتل والإرهاب ، وسفك الدماء الذي كانت تنفّذه السلطة الأموية . 3- العَبَث بأموال الأُمَّة الإسلامية ، ممَّا أدَّى إلى نشوء طبقة مترفة على حساب طبقة محرومة . 4- الانحراف السلوكي ، وانتشار مظاهر الفساد الاجتماعي . 5- غياب قوانين الإسلام في كثير من المواقع المُهمَّة ، وتحكُّم المِزاج والمصلحة الشخصية . 6- ظهور طبقة من وضَّاع الأحاديث والمحرِّفين لسُنَّة النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وذلك لتبرير مواقف السلطة . هدف الخروج : أشار الإمام الحسين ( عليه السلام ) في إحدى رسائله إلى الهدف من خروجه : ( وإنِّي لم أخرج أشِراً ولا بَطِراً ، ولا مُفسِداً ولا ظَالِماً ، وإنَّما خرجتُ لطلب الإصلاح في أُمَّة جَدِّي ( صلى الله عليه وآله ) ، أُريدُ أنْ آمُرَ بالمعروفِ وأنْهَى عنِ المنكر ، وأسيرُ بِسيرَةِ جَدِّي ، وأبي علي بن أبي طَالِب ) . زيارة قبر جدّه ( صلى الله عليه وآله ) : زار الإمام الحسين ( عليه السلام ) ـ قبل خروجه من المدينة المنوّرة ـ قبر جدِّه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) زيارة المُودِّع الذي لا يعود . فقد كان يعلم ( عليه السلام ) أن لا لقاء له مع مدينة جدِّه ( صلى الله عليه وآله ) ، ولن يزور قبره بعد اليوم ، وأنّ اللقاء سيكون في مستقرِّ رحمة الله ، وأنَّه لن يلقى جدَّه إلاّ وهو يحمل وسام الشهادة ، وشكوى الفاجعة . فوقف الإمام ( عليه السلام ) إلى جوار القبر الشريف ، فصلَّى ركعتين ، ثم وقف بين يدي جدِّه ( صلى الله عليه وآله ) يُناجي ربَّه قائلاً : ( اللَّهُمَّ هَذا قَبْر نَبيِّك مُحمَّدٍ ( صلى الله عليه وآله ) ، وأنَا ابنُ بنتِ نَبيِّك ، وقد حَضَرني مِن الأمرِ مَا قد عَلمت ، اللَّهُمَّ إنِّي أحِبُّ المَعروف ، وأنكرُ المُنكَر ، وأنَا أسألُكَ يَا ذا الجَلال والإكرام ، بِحقِّ القبرِ ومن فيه ، إلاَّ مَا اختَرْتَ لي مَا هُو لَكَ رِضىً ، ولِرسولِك رِضَى ) . |