![]() |
|
الحصار في شعب أبي طالب تاريخ الحصار ومدته : محرّم 7 للبعثة النبوية ، واستمر 3 سنوات . سبب الحصار : بعد أن فشلت جميع وسائل الإرهاب ، والحرب النفسية والدعائية ضدّ النبي ( صلى الله عليه وآله ) ومن آمن معه ، امتنع زعماء قريش ، وقرَّروا أن يقاطعوا أبا طالب وبني هاشم ، ومحمّداً وأصحابه ، مقاطعة اقتصادية واجتماعية ، وكتبوا عهداً بذلك وعلّقوه في جوف الكعبة . مضمون الصحيفة : ممّا جاء في تلك الصحيفة الظالمة : ألا يبايعوا أحداً من بني هاشم ، ولا يناكحوهم ، ولا يعاملوهم ، حتّى يدفعوا إليهم محمّداً فيقتلوه . وتعاهدوا على ذلك ، وختموا الصحيفة بثمانين ختماً ، ثمّ حصرت قريش رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وأهل بيته من بني هاشم ، وبني عبد المطلّب في شعب أبي طالب . شدة الحصار : استمرَّ الحصار وطال حتّى أنفق أبو طالب والنبي ( صلى الله عليه وآله ) مالهما ، كما أنفقت خديجة أموالها الطائلة في هذه المحاصرة الظالمة . وأشتدَّ خلالها الخطب على المسلمين ، وراحوا يعانون من الجوع والأذى ، ويأكلون نباتات الأرض ، ولم يكن يصلهم من الطعام شيء ، إلاّ ما كان يتسرّب سرّاً من بعض المتعاطفين معهم . وحين اشتدَّ العسر والأذى ، وصبر المسلمون جاء الفرج ، وتدخّل النصر الإلهي ، فأرسل الله حشرة الأُرضة على صحيفة المقاطعة فأكلتها ، ما عدا ما كان فيها من اسم الله سبحانه ، فعندها هبط جبرائيل ( عليه السلام ) وأخبر محمّداً ( صلى الله عليه وآله ) بذلك . رفع الحصار : أخبر النبي ( صلى الله عليه وآله ) أبا طالب بهذا النبأ العظيم ، وأطلعه على ما حدث للصحيفة الظالمة ، فتوجّه أبو طالب مع باقي بني هاشم نحو البيت الحرام ، ليُحدّثوا طواغيت قريش بما أخبر به الله تعالى ، وليؤكّدوا لهم دليلاً آخراً على صدق نبوَّة محمّد ( صلى الله عليه وآله ) . فجلس أبو طالب بفناء الكعبة ، وأقبلت عليه قريش فقالوا له : آنَ لك يا أبا طالب أن تذكر العهد ، وأن تشتاق إلى قومك ، وتدع اللُّجاج في ابن أخيك . فقال لهم : يا قوم أحضروا صحيفتكم ، فلعلَّنا أن نجد فرجاً وسبباً لصلة الأرحام وترك القطيعة فأحضروها ، فخاطبهم أبو طالب : هذه صحيفتكم . قالوا : نعم ، قال : فهل أحدثتم فيها حدثاً ، قالوا : اللَّهُمَّ لا . فقال لهم : إنَّ محمَّداً أعلمني عن ربِّه ، أنّه بعث الأرضة ، فأكلت كلّ ما فيها إلاّ ذكر الله ، أفرأيتم إن كان صادقاً ماذا تصنعون ؟ قالوا : نكفّ ونمسك . فقال : فإن كان كاذباً دفعته إليكم ، قالوا : قد أنصفت وأجملت . وبدأت اللحظات الحاسمة ، فإذا بالأرضة قد أكلت كلّ ما في الصحيفة ، إلاّ مواضع اسم الله عزَّ وجلَّ ، فبُهِت الطغاة ، وأخذتهم العزّة بالإثم وقالوا : ما هذا إلاّ سحر . لم يستطع كفّار مكّة مصادرة هذا الحدث العظيم بهذا الرد التافه ، بل راح الناس يتفاعلون معه ، فأسلم كثيرون ، وصدَّقوا هذه المعجزة ، وعلى أثر ذلك فُكَّ الحصار ، وخرج النبي محمّد ( صلى الله عليه وآله ) ومن معه من الشعب أعزَّة منتصرين . وفاة محمد بن الحنفية بن الإمام علي (عليه السلام) عام 81 هـ اسمه وكنيته ونسبه : السيّد أبو القاسم ، محمّد بن الإمام علي ابن أبي طالب ( عليهم السلام ) ، المعروف بابن الحنفية ، لأنّ أُمّه خولة الحنفية كانت من بني حنيفة ، فغلبت عليه هذه النسبة . أخباره : كان السيّد محمّد من أعقل الناس وأشجعهم ، وكانت راية الإمام علي ( عليه السلام ) في حرب الجمل بيده ، فلمّا حمل على الجيش وحمل الناس خلفه طحن عسكر أهل البصرة . وقيل لمحمّد بن الحنفية ذات مرّة : لِمَ يغرر بك أبوك في الحرب ، ولا يغرر بالحسن والحسين ( عليهما السلام ) ؟ فقال : ( إنّهما عيناه ، وأنا يمينه ، فهو يدفع عن عينيه بيمينه ) (2) . وفي أيّام ثورة المختار بالكوفة قام ابن الزبير – أيّام حكومته – بحبس السيّد محمّد ، وجمع من بني هاشم وأنصارهم ، بحجّة رفضوا مبايعته ، وكان يريد إحراقهم بالنار ، فأرسل ابن الحنفية رسالة إلى المختار يستنهض فيها الهمم ، ويطلب النصرة ، فأرسل المختار جيشاً من الكوفة . وعندما دخل الجيش إلى مكّة رفع شعار : ( يَا لِثَارَاتِ الحُسين ) ، فقاموا بكسر السجن الذي كان فيه ابن الحنفية وأنصاره ، وقالوا له : خلِّ بيننا وبين عدوَّ الله بن الزبير ، فقال لهم ابن الحنفية : لا أستحلُّ القتال في حرم الله ـ أي مكّة المكرّمة ـ (3) . مكانته : كان من فضلاء التابعين ، حتّى ادّعى قوم فيه الإمامة ، وهم الملقّبون بالكيسانية ، وكان منهم السيّد الحميري في أوّل أمره ، وله في ذلك شعر معروف . مواعظه : روي أنّه قال لبعض ولده : إذا شئتَ أن تكون أديباً فخذ من كل شيء أحسنه ، وإن شئت أن تكون عالماً فاقتصر على فنٍّ من الفنون . وقيل لمحمّد بن الحنفية : من أدّبك ؟ قال : أدّبني ربّي في نفسي ، فما استحسنته من أُولي الألباب والبصيرة تبعتهم به فاستعملته ، وما استقبحت من الجهّال اجتنبه وتركته مستنفراً ، فأوصلني ذلك إلى كنور العلم (4) . وصية الإمام علي ( عليه السلام ) به : أوصى الإمام علي ( عليه السلام ) عند وفاته ولده الإمام الحسن ( عليه السلام ) بأخيه محمّد خيراً ، حيث قال : ( وأُوصيك بأخيك محمّد خيراً ، فإنّه شقيقك وابن أبيك ، وقد تعلم حبّي له ... ) (5) . أولاده : إبراهيم ، جعفر الأكبر ، جعفر الأصغر ، الحسن ، عبد الله أبو هاشم ، عمر ، علي ، قاسم . أقوال العلماء فيه : نذكر منهم ما يلي : قال الشيخ الصدوق : ( كان محمّد مورداً لعطف أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وشفقته وعنايته ) . وفاته : توفّي السيّد محمّد ( رضي الله عنه ) في اليوم الأوّل من المحرّم 81 هـ . واختلف المؤرّخون في مكان دفنه ، فمنهم من قال : دفن بين مكّة والمدينة ، ومنهم من قال : دفن في الطائف ، ومنهم من قال : دفن في مقبرة البقيع . وصول الإمام الحسين ( عليه السلام ) إلى كربلاء قام الإمام الحسين ( عليه السلام ) خطيباً ـ وهو في طريقه إلى كربلاء ـ ، موضِّحاً لأصحابه المصير الذي ينتظرهم ، فقال ( عليه السلام ) : ( إنَّه قدْ نَزَل بنا من الأمر ما قد تَرَون ، وإنّ الدنيا قد تغيَّرت وتنكَّرت ، وأدبَر مَعروفُها ، واستمرَّت حذّاء ، ولم تبقَ منها إلاّ صبابة كَصبابة الإناء ، وخَسيس عَيشٍ كالمَرْعى الوَبيل . ألاَ تَرَون إلى الحقِّ لا يُعمَل به ، وإلى الباطلِ لا يُتناهى عنه ، ليرغب المؤمنُ في لقاء ربِّه مُحقّاً ، فإنّي لا أرى الموت إلاّ سعادة ، والحياة مع الظالمين إلاّ بَرَماً ـ أي مللاً ـ ) (1) . مع الحر التقى الإمام الحسين ( عليه السلام ) في طريقه إلى كربلاء بالحر بن يزيد الرياحي ، حيث كان مُرسلاً من قِبل عبيد الله بن زياد ـ والي الكوفة ـ في ألف فارس ، وهو يريد أن يذهب بالإمام ( عليه السلام ) إلى ابن زياد . كتاب ابن زياد : وصل إلى الحر كتاباً من ابن زياد ، جاء فيه : ( أمّا بعد ، فجعجع بالحسين حين يبلغك كتابي ، ويقدم عليك رسولي ، ولا تنزله إلاّ بالعراء في غير حصن وعلى غير ماء ، فقد أمرت رسولي أن يلزمك ولا يفارقك حتّى يأتيني بانفاذك أمري ، والسلام ) . فلمّا قرأ الكتاب قال الحر لهم : ( هذا كتاب الأمير عبيد الله يأمرني فيه أن أجعجع بكم في المكان الذي يأتيني كتابه ، وهذا رسوله ، وقد أمره أن لا يفارقني حتى أنفذ رأيه وأمره ) (2) ، فأنزلهم أرض كربلاء . في كربلاء : عندما اضطر الإمام الحسين ( عليه السلام ) للوقوف في منطقة كربلاء ، راح ( عليه السلام ) يسأل ، وكأنَّه يبحث عن أرض كربلاء ، فقال : ( مَا اسْمُ هَذه الأرض ) ؟ فقيل له : أرض الطف . فقال ( عليه السلام ) : ( هَلْ لَهَا اسمٌ غير هذا ) ؟ قيل : اسمُها كربلاء ، فقال ( عليه السلام ) : ( اللَّهُمَّ أعوذُ بك من الكَرْبِ والبَلاء ) . ثم قال ( عليه السلام ) : ( هَذا مَوضع كَربٍ وبَلاء ، انزلوا ، هَاهُنا مَحطُّ رِحالِنا ، ومَسفَكُ دِمائِنَا ، وهَاهُنا مَحلُّ قبورِنا ، بِهَذا حدَّثني جَدِّي رسول الله ( صلى الله عليه وآله )) (3) فنزلوا جميعاً . تاريخ الوصول : محرّم 61 هـ . مع السيّدة زينب ( عليها السلام ) : نزل الإمام الحسين ( عليه السلام ) أرض كربلاء ، وضَرَب فِسْطَاطه ، وراحَ يُعدُّ سِلاحه ، ويصلح سَيفه ، مُردِّداً ( عليه السلام ) الأبيات الآتية يَا دَهْرُ أُفُّ لَكَ مِن خَليلِ ** كمْ لك بالإشرَاقِ والأصيلِ مِن طَالبٍ وصَاحبٍ قَتيل ** والدَّهْر لا يَنفَعُ بالبَديلِ وكُلّ حيٍّ سَالِكٌ سَبيلِ ** مَا أقرَبُ الوَعْد مِن الرَّحيل وإنّما الأمرُ إلى الجَليلِ فلمّا سمعت السيّدة زينب ( عليها السلام ) تلك الأبيات ، قالت : ( يا أخي هذا كلام مَن أيقَن بالقَتل ) ! فقال ( عليه السلام ) : ( نَعَمْ يا أختَاه ) ، فقالت : ( وَاثكْلاه ، يَنعي الحُسَين إليَّ نَفسَه ) ) . وصول جيش عمر بن سعد إلى كربلاء عدد الجيش : أرسل عبيد الله بن زياد ـ والي الكوفة ـ ثلاثين ألف مقاتل ، وقيل : أربعة آلاف مقاتل ، بقيادة عمر بن سعد إلى كربلاء ، لمقاتلة الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، ووعده إن هو قتل الإمام الحسين ( عليه السلام ) يُعطيهِ مُلك الري ، فوصل الجيش في اليوم الثالث من المحرّم 61 هـ إلى أرض كربلاء اجتماع عمر بن سعد مع الإمام الحسين ( عليه السلام ) : اجتمع عمر بن سعد مع الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، وسأله عن سبب مجيئه إلى الكوفة ؟ فأجابه الإمام الحسين ( عليه السلام ) : ( كتب إلي أهل مصركم هذا أن أقدم ، فأمّا إذا كرهتموني فإنّي انصرف عنكم ) . كتاب عمر بن سعد إلى ابن زياد : أرسل عمر بن سعد كتاباً إلى ابن زياد ، يقترحُ عليه فكرةً توصَّل إليها مع الإمام ( عليه السلام ) ، وهي أن يفتح المجال للإمام الحسين ( عليه السلام ) بالعودة ، وعدم مقاتلته ، وهذا نص الكتاب : ( أمّا بعد : فقد أطفأ الله النائرة ، وجمع الكلمة ، وأصلح أمر الأُمّة ، وهذا حسين قد أعطاني أنّه يرجع إلى المكان الذي منه أتى ، وأن يسير إلى ثغر من ثغور المسلمين ، فيكون رجلاً من المسلمين ، له ما لهم وعليه ما عليهم ، أو أن يأتي أمير المؤمنين يزيد ويضع يده في يده ، فيرى فيما بينه وبينه رأيه ، وفي هذا رضاء الله تعالى وللأُمّة صلاح ) . كتاب ابن زياد إلى عمر بن سعد : أرسل ابن زياد كتاباً جوابياً إلى عمر بن سعد بيد شمر بن ذي الجوشن ، وقال لشمر : فليعرض على الحسين وأصحابه النزول على حكمي ، فإن فعلوا فليبعث بهم إليّ سلماً ، وأن أبوا فليقاتلهم ، فان فعل عمر فاسمع له وأطع ، وأن أبى أن يقاتلهم فأنت أمير الجيش ، فاضرب عنقه ، وابعث إليّ برأسه ، وكان في الكتاب : ( إنِّي لم أبعَثْكَ إلى الحسين لِتكفَّ عنه ، ولا لتطاوله ، ولا لِتُمنيه السلامة والبقاء ، ولا لتعتذرَ عنه عندي ، ولا لتكون له شافعاً . انظرْ فإن نزلَ الحسين وأصحابه على حكمي واستسلموا ، فابعث بهم إليَّ سلماً ، وأن أبوا فأرجف عليهم حتّى تقتلهم وتمثِّل بهم ، فإنّهم لذلك مستحقُّون ، فإن قُتِل الحسين فأوطئ الخيل صدره وظهره ، فإنّه عَاقٌ ظَلوم ، فأن أنت مضيت لأمرنا فيه جزيناك جزاء السامع المطيع . فإنْ أبَيْتَ فاعتزل عملنا وجندنا ، وخَلِّ بين شمر بن ذي الجوشن وبين العسكر ، فإنَّا أمرناه بأمرنا ، والسلام ) . موقف عمر بن سعد : استلم ابن سعد الكتاب وقرأ ما فيه ، وأخذ يصارع نفسَهُ بين مواجهة الإمام الحسين ( عليه السلام ) وقتله ، التي يحلُم عن طريقه الحصول على السلطة والسياسة والمكانة المرموقة عند رؤسائه وقادته ، وبين تحمُّل أوزار الجريمة ، فسوَّلت له نفسه أن يُرجِّح السلطة والمال ، وقرَّر أن يقود المعركة ، بِمعونة شمر بن ذي الجوشن ، لقتل الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، أهل بيته وأصحابه . فو الله ما أدري وأنّي لواقف ** أفكر في أمري على خطرين أأترك ملك الري والري منيتي ** أم أرجع مأثوماً بقتل حسين ففي مثله النار التي ليس دونها ** حجاب وملك الري قرّة عيني فعمد ابن سعد لإجبار الحسين ( عليه السلام ) للاستسلام أن قطع عليه طريق الماء ، ولكن إباء الإمام وإصراره على عدم الرضوخ رغم الحشود التي تواجهه وقلّة الناصر . وصول سبايا الإمام الحسين ( عليه السلام ) إلى الكوفة الخروج من كربلاء : تحرَّك موكب سبايا أهل البيت ( عليهم السلام ) من كربلاء المقدّسة نحو مدينة الكوفة ، في الحادي عشر من المحرّم 61 هـ ، وهو يقطع الصحاري ، حاملاً الذكريات الموحشة والمؤلمة لليلة الفراق والوحشة ، التي قضوها على مقربة من مصارع الشهداء ، وهم على جمال بغير وطاء ولا غطاء . الدخول إلى الكوفة : دخل الركب الكوفة في اليوم الثاني عشر من المحرَّم 61 هـ ، ففزع أهل الكوفة ، وخرجوا إلى الشوارع ، بين مُتسائل لا يدري لمن السبايا ، وبين عارف يُكفكف أدمعاً ويُضمر ندماً . وانبت إحدى السيّدات ، فسألت إحدى العلويات ، وقالت لها : من أي الأُسارى أنتن ؟ فأجابتها العلوية : نحن أُسارى أهل البيت . وكان هذا النبأ عليها كالصاعقة فصرخت ، وصرخت اللاتي كنّ معها ، ودوي صراخهن في أرجاء الكوفة ، وبادرت المرأة إلى بيتها فجمعت ما فيه من اُزر ومقانع ، فجعلت تناولها إلى العلويات ليتسترن بها عن أعين الناس ، كما بادرت سيّدة أُخرى فجاءت بطعام وتمر ، وأخذت تلقيه على الصبية التي أضناها الجوع ، ونادت السيّدة أُمّ كلثوم من خلف الركب : ( إنّ الصدقة حرام علينا أهل البيت ) . وصارت تأخذ من أيدي الأطفال وأفواههم ، وترمي به الأرض ، وتقول : ( يا أهل الكوفة تقتلنا رجالكم ، وتبكي علينا نساؤكم ، فالحاكم بيننا وبينكم الله يوم فصل القضاء ) (1) . ثمَّ اتَّجه موكب السبايا نحو قصر الإمارة ، مُخترقاً جموع أهل الكوفة ، وهم يبكون لما حلَّ بالبيت النبوي الكريم . ولما اكتسبت أيديهم ، وخدعت وعودهم سبط النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وإمام المسلمين الحسين بن علي ( عليهما السلام ) ، وها هم يرون أهله ونساءه أُسارى . وها هو رأس السبط الشهيد يحلِّق في سماء الكوفة ، على رأس رمح طويل ، وقد دعوه ليكون قائداً للأُمّة الإسلامية ، وهادياً لها نحو الرشاد . فحدَّقت السيّدة زينب ( عليها السلام ) بالجموع المحتشدة ، ومرارة فقدان أخيها تملأ فمها ، وذلّ الأَسر يحيط بموكبها ، فنظرت ( عليها السلام ) إلى أهل الكوفة نظرة غضب واحتقار ، وخطبت بهم خطبة مقرعة ومؤنِّبة . الدخول إلى قصر الإمارة : أُدخل رأس الإمام الحسين ( عليه السلام ) إلى القصر ، ووضع بين يدي عبيد الله ابن زياد ـ والي الكوفة ـ ، فأخذ يضرب الرأس الشريف بقضيب كان في يده ، وعليه علامات الفرح والسرور . وكان الى جانبه زيد بن أرقم ـ وكان شيخاً كبيراً صحابيّاً ـ فلمّا رآه يفعل ذلك بثنايا ابن رسول الله ( صلوات الله عليه ) قال له : ارفع قضيبك عن هاتين الشفتين ، فو الله الذي لا إله غيره لقد رأيت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بشفتيه عليها ، ولا أُحصيه كثرة يقبّلهما ، ثمّ انتحب باكياً . فقال له ابن زياد : أبكى الله عينيك ، أتبكي لفتح الله ؟ والله لولا أنّك شيخ قد خرفت وذهب عقلك لضربت عنقك ، فنهض زيد بن أرقم من بين يديه وذهب إلى منزله . ثمّ أُدخل النساء والأطفال ، ومعهم الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) ، وكانت عقيلة بني هاشم السيّدة زينب الكبرى ( عليها السلام ) متنكّرة ، وقد انحازت إلى ناحية من القصر ومعها النسوة . فقال ابن زياد : من هذه التي انحازت ومعها نساؤها ؟ فسأل عنها ثانية وثالثة فلم تجبه ، فقيل له : هذه زينب بنت فاطمة بنت رسول الله . فانبرى ابن زياد مخاطباً زينب ( عليها السلام ) وشامتاً بها : الحمدُ لله الذي فضحكم وقتلكم ، وأكذب أحدوثتكم . فردَّت ( عليها السلام ) عليه بلسانِ المرأة الواثقة بأهدافها : ( الحمْدُ لله الذي أكرَمَنا بنبيِّه محمدٍ ( صلى الله عليه وآله ) ، وطهَّرَنا مِن الرجس تطهيراً ، إنّما يَفتضحُ الفاسِق ، ويكذبُ الفاجِر ، وهو غَيرُنا ) . فقال ابن زياد : كيف رأيت فِعلَ الله بأهلِ بيتك ؟ فقالت ( عليها السلام ) : ( كتبَ اللهُ عليهم القتل ، فَبَرَزوا إلى مَضاجِعِهم ، وسيجمع اللهُ بَينك وبَينَهُم ، فتحاجُّون إليه ، وتَخْتصِمون عِنده ) . فغضب ابن زياد واستشاط غضباً ، فقال عمرو بن حريث : إنّها امرأة لا تؤاخذ بشيء من منطقها . فقال لها ابن زياد : لقد شفى الله قلبي من طاغيتك الحسين ، والعصاة المردة من أهل بيتك . فقالت : ( لعمري لقد قتلت كهلي ، وقطعت فرعي ، واجتثثت أصلي ، فإن كان هذا شفاك فقد اشتفيت ) ، فأخذ ابن زياد يفحش في كلامه . ثمّ جاء الدور بعد ذلك للإمام زين العابدين ( عليه السلام ) ، ليقف أمام عبيد الله بن زياد ، فسأله : مَن أنت ؟ فأجاب ( عليه السلام ) : ( أنَا علي بن الحسين ) . فقال : ألمْ يقتلُ الله علي بن الحسين ؟ قال ( عليه السلام ) : ( كَانَ لي أخٌ يُسمَّى علياً قَتَله الناس ) . فقال ابن زياد : بل قتله الله ، قال ( عليه السلام ) : ( اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا ) (2) . فغضب ابن زياد لرد الإمام ( عليه السلام ) ، فنادى جلاوزته : اِضربوا عنقه . فتعلَّقت عمَّته زينب ( عليها السلام ) به ، وصاحت : ( يَابن زياد ، حَسْبك مِن دِمائِنا ، والله لا أفارِقُه ، فإن قَتلتَهُ فاقتلني معه ) ، فتراجع عن ذلك . ثمّ صعد المنبر ، ونال من أهل البيت ، وكذّبهم فافتضح نفاقه ، وبانت أعراقه ، وكان في المجلس شيخ كبير آخر هو عبد الله بن عفيف الأزدي ، فانتفض في وجه ابن زياد السفّاك وخذله ونال منه . فقال ابن زياد : عليّ به ، فأخذته جلاوزة النفاق والشقاق ، فانتزعه منهم رجال من الأزد ، إلاّ أنّ ابن زياد أرسل عليه ليلاً فأُخرج من بيته ، وجيء به لابن زياد ، فضرب عنقه ، وصلبه على السبخة ، فرحمة الله عليه (3) . خطبة السيّدة زينب ( عليها السلام ) : قال بشير بن خزيم الأسدي : ونظرت إلى زينب بنت علي يومئذ ، ولم أر خفرة والله أنطق منها ، كأنّها تفرع من لسان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، وقد أومأت إلى الناس أن اسكتوا ، فارتدت الأنفاس ، وسكنت الأجراس ، ثمّ قالت : ( الحمد لله والصلاة على أبي محمّد وآله الطيبين الأخيار ، أمّا بعد : يا أهل الكوفة ، يا أهل الختر والغدر والختل والمكر ، ألا فلا رقأت العبرة ، ولا هدأت الزفرة ، إنّما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوّة أنكاثاً ، تتّخذون أيمانكم دخلاً بينكم ، ألا وهل فيكم إلاّ الصلف والنطف ، والصدر الشنف ، وملق الإماء ، وغمز الأعداء ، أو كمرعى على دمنة ، أو كفضة على ملحودة ، ألا ساء ما قدّمت لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم ، وفي العذاب أنتم خالدون . أتبكون وتنتحبون ، إي والله فابكوا كثيراً ، واضحكوا قليلاً ، فلقد ذهبتم بعارها وشنارها ، ولن ترحضوها بغسل بعدها أبداً ، وأنى ترحضون قتل سليل خاتم النبوة ، ومعدن الرسالة ، وسيّد شباب أهل الجنة ، وملاذ خيرتكم ، ومفزع نازلتكم ، ومنار حجّتكم ، ومدرة سنتكم ، ألا ساء ما تزرون ، وبعداً لكم وسحقا ، فلقد خاب السعي ، وتبت الأيدي ، وخسرت الصفقة ، وبؤتم بغضب من الله ، وضربت عليكم الذلّة والمسكنة . ويلكم يا أهل الكوفة ، أتدرون أي كبد لرسول الله فريتم ، وأي كريمة له أبرزتم ، وأي دم له سفكتم ، وأي حرمة له انتهكتم ، ولقد جئتم بها صلعاء عنقاء سواء فقماء ، وفي بعضها خرقاء شوهاء كطلاع الأرض ، أو ملاء السماء . أفعجبتم إن مطرت السماء دماً ، ولعذاب الآخرة أخزى ، وأنتم لا تنصرون ، فلا يستخفنكم المهل ، فإنّه لا يحفزه البدار ، ولا يخاف فوت الثار ، وإنّ ربّكم لبالمرصاد ) . ثمّ أنشأت تقول : ماذا تقولون إذ قال النبيّ لكم ** ماذا صنعتم وأنتم آخر الأُمم فقال الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) : ( يا عمّة ، اسكتي ففي الباقي عن الماضي اعتبار ) ، فسكتت الحوراء زينب ( عليها السلام ) . قال الراوي : فو الله لقد رأيت الناس يومئذ حيارى يبكون ، وقد وضعوا أيديهم في أفواههم ، ورأيت شيخاً واقفاً إلى جنبي يبكي ، حتّى اخضلت لحيته ، وهو يقول : بأبي أنتم وأُمّي ، كهولكم خير الكهول ، وشبابكم خير الشباب ، ونساؤكم خير النساء ، ونسلكم خير نسل ، لا يخزي ولا يبزي (4) . خطبة الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) : ثمّ ارتقى الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) المنبر ، فأومأ للناس بالسكوت ، وكان معتل الحال ، فأثنى على الله وحمده ، وذكر النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، ثمّ صلّى عليه ، ثمّ قال : ( أيّها الناس ، من عرفني فقد عرفني ، ومن لم يعرفني فأنا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، أنا ابن من انتهكت حرمته ، وسلبت نعمته ، وانتهب ماله ، وسبي عياله ، أنا ابن المذبوح بشطّ الفرات من غير ذحل ولا ترات ، أنا ابن من قتل صبراً ، وكفى بذلك فخراً . أيّها الناس ، فأنشدكم الله هل تعلمون أنّكم كتبتم إلى أبي وخدعتموه ، وأعطيتموه من أنفسكم العهد والميثاق والبيعة وقاتلتموه ، فتباً لما قدمتم لأنفسكم ، وسوأة لرأيكم ، بأيّة عين تنظرون إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إذ يقول لكم : قتلتم عترتي ، وانتهكتم حرمتي ، فلستم من أُمّتي ) . قال الراوي : فارتفعت الأصوات من كل ناحية ، ويقول بعضهم لبعض : هلكتم وما تعلمون ، فقال ( عليه السلام ) : ( رحم الله امرأ قبل نصيحتي ، وحفظ وصيّتي في الله ، وفي رسوله ، وأهل بيته ، فإنّ لنا في رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أُسوة حسنة ) (5) . واستمر الإمام ( عليه السلام ) في الخطبة ، فعرّى الأُمويين وأتباعهم الخونة الظالمين ، ونصح المسلمين . خطبة السيّدة فاطمة الصغرى ( عليها السلام ) : خطبت السيّدة فاطمة الصغرى ( عليها السلام ) بعد أن وردت من كربلاء ، فقالت : ( الحمد لله عدد الرمل والحصى ، وزنة العرش إلى الثرى ، أحمده وأومن به ، وأتوكّل عليه ، وأشهد أن لا إله إلاّ الله ، وحده لا شريك له ، وأنّ محمّداً عبده ورسوله ( صلى الله عليه وآله ) ، وأنّ أولاده ذبحوا بشط الفرات بغير ذحل ولا ترات . اللهم إنّي أعوذ بك أن أفتري عليك الكذب ، أو أن أقول عليك خلاف ما أنزلت عليه ، من أخذ العهود لوصية علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، المسلوب حقّه ، المقتول من غير ذنب ، كما قتل ولده بالأمس في بيت من بيوت الله ، فيه معشر مسلمة بألسنتهم ، تعساً لرؤسهم ، ما دفعت عنه ضيماً في حياته ، ولا عند مماته ، حتىّ قبضته إليك ، محمود النقيبة ، طيّب العريكة ، معروف المناقب ، مشهور المذاهب ، لم تأخذه اللهم فيك لومة لائم ، ولا عذل عاذل ، هديته اللهم للإسلام صغيراً ، وحمدت مناقبه كبيراً ، ولم يزل ناصحاً لك ولرسولك ، حتّى قبضته إليك ، زاهداً في الدنيا غير حريص عليها ، راغباً في الآخرة ، مجاهداً لك في سبيلك ، رضيته فاخترته فهديته إلى صراط مستقيم . أمّا بعد ، يا أهل الكوفة ، يا أهل المكر والغدر والخيلاء ، فإنّا أهل بيت ابتلانا الله بكم ، وابتلاكم بنا ، فجعل بلاءنا حسناً ، وجعل علمه عندنا ، وفهمه لدينا ، فنحن عيبة علمه ، ووعاء فهمه وحكمته ، وحجّته على الأرض في بلاده لعباده ، أكرمنا الله بكرامته ، وفضّلنا بنبيّه محمّد ( صلى الله عليه وآله ) على كثير ممّن خلق تفضيلاً بينا ، فكذّبتمونا وكفّرتمونا ، ورأيتم قتالنا حلالاً ، وأموالنا نهباً ، كأننا أولاد ترك وكإبل ، كما قتلتم جدّنا بالأمس ، وسيوفكم تقطر من دمائنا أهل البيت ، لحقد متقدّم قرّت لذلك عيونكم ، وفرحت قلوبكم ، افتراء على الله ، ومكراً مكرتم ، والله خير الماكرين . فلا تدعونّكم أنفسكم إلى الجذل ، بما أصبتم من دمائنا ، ونالت أيديكم من أموالنا ، فإنّ ما أصابنا من المصائب الجليلة ، والرزايا العظيمة ، في كتاب من قبل أن نبرأها ، إنّ ذلك على الله يسير ، لكيلا تأسوا على ما فاتكم ، ولا تفرحوا بما آتاكم ، والله لا يحبّ كلّ مختال فخور . تباً لكم ، فانتظروا اللعنة والعذاب ، فكان قد حل بكم ، وتواترت من السماء نقمات ، فيسحتكم بعذاب ، ويذيق بعضكم بأس بعض ، ثمّ تخلدون في العذاب الأليم يوم القيامة بما ظلمتمونا ، ألا لعنة الله على الظالمين . ويلكم أتدرون أيّة يد طاغتنا منكم ، وأيّة نفس نزعت إلى قتالنا ، أم بأيّة رجل مشيتم إلينا ، تبغون محاربتنا ، والله قست قلوبكم ، وغلظت أكبادكم ، وطبع على أفئدتكم ، وختم على سمعكم وبصركم ، وسوّل لكم الشيطان ، وأملى لكم ، وجعل على بصركم غشاوة ، فأنتم لا تهتدون . فتباً لكم يا أهل الكوفة ، أيّ ترات لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قبلكم ، ودخول له لديكم بما عندتم ، بأخيه علي بن أبي طالب جدّي ، وبنيه وعترته الطيّبين الأخيار ، فافتخر بذلك مفتخر ، وقال : نحن قتلنا علياً وبني علي ** بسيوف هندية ورماح وسبينا نساءهم سبى ترك ** ونطحناهم فأيّ نطاح بفيك أيّها القائل الكثكث والأثلب ، افتخرت بقتل قوم زكّاهم الله ، وطهّرهم الله ، وأذهب عنهم الرجس ، فأكظم وأقع كما أقعى أبوك ، فإنّما لكلّ امرئ ما كسب ، وما قدّمت يداه . أحسدتمونا ، ويلاً لكم على ما فضّلنا الله ، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ، والله ذو الفضل العظيم ، ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور ) . قال الراوي : فارتفعت الأصوات بالبكاء والنحيب ، وقالوا : حسبك يا ابنة الطيّبين ، فقد أحرقت قلوبنا ، وأنضجت نحورنا ، وأضرمت أجوافنا ، فسكتت ( عليها السلام ) (6) . خطبة السيّدة أُم كلثوم ( عليها السلام ) : خطبت السيّدة أُم كلثوم بنت الإمام علي ( عليه السلام ) في ذلك اليوم ، من وراء كلّتها ، رافعة صوتها بالبكاء ، فقالت : ( يا أهل الكوفة ، سوأة لكم ، ما لكم خذلتم حسيناً وقتلتموه ، وانتهبتم أمواله وورثتموه ، وسبيتم نساءه ونكبتموه ، فتباً لكم وسحقاً ، ويلكم أتدرون أي دواة دهتكم ؟ وأي وزر على ظهوركم حملتم ؟ وأي دماء سفكتموها ؟ وأي كريمة أصبتموها ؟ وأي صبية سلبتموها ؟ وأي أموال انتهبتموها ؟ قتلتم خير رجالات بعد النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، ونزعت الرحمة من قلوبكم ، ألا إنّ حزب الله هم الفائزون ، وحزب الشيطان هم الخاسرون ) ، ثمّ قالت : قتلتم أخي صبراً فويل لأُمّكم ** ستجزون ناراً حرّها يتوقّد سفكتم دماء حرم الله سفكها ** وحرّمها القرآن ثمّ محمّد ألا فأبشروا بالنار أنّكم غداً ** لفي سقر حقاً يقيناً تخلدوا وأنّي لأبكي في حياتي على أخي ** على خير من بعد النبي سيولد بدمع غريز مستهل مكفكف على ** الخد منّي دائماً ليس يجمد قال الراوي : فضجّ الناس بالبكاء والنوح ، فلم ير باكية وباك أكثر من ذلك اليوم (7) . رأس الحسين ( عليه السلام ) في شوارع الكوفة : ولم يقف حقد ابن زياد وقساوته ، وأسلوبه الوحشي إلى حَد ، بل راح يطوف في اليوم الثاني برأس الحسين ( عليه السلام ) في شوارع الكوفة ، يُرهب أهلها ، ويتحدَّى روح المعارضة والمقاومة فيها . وقال زيد بن أرقم : مرّ به عليّ وهو على رمح ، وأنا في غرفة لي ، فلمّا حاذاني سمعته يقرأ : ( اَمْ حَسِبْتَ اَنَ اَصحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقيمِ كانوا مِنْ اياتِنا عَجَباً ) ، وقف والله شعري وناديت : رأسك والله يا ابن رسول الله أعجب وأعجب (8) . التوجّه إلى الشام : وفي اليوم التالي أمر ابن زياد جنده بالتوجّه بسبايا آل البيت ( عليه السلام ) إلى الشام ، إلى الطاغية يزيد بن معاوية ، وأمر أن يكبّل الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) بالقيود ، وأركب بنات الرسالة الإبل الهزّل تنكيلاً بهن ، وليحظى عند سيّده يزيد بالمنزلة الأرفع ، والمكان الأقرب . منع الإمام الحسين ( عليه السلام ) من الماء بعث عمر بن سعد خمسمِائة فارس بقيادة عمرو بن الحجاج ، فنزلوا على الشريعة ، وحالوا بين الإمام الحسين ( عليه السلام ) وأصحابه ( رضوان الله عليهم ) وبين الماء ، ومنعوهم أن يستسقوا منه قطرة ، وذلك في اليوم السابع من المُحرَّم عام ( 61 هـ ) . ولما اشتدَّ العطش بالإمام الحسين ( عليه السلام ) وأصحابه ، فأمَرَ أخاه العباس بن علي ( عليهما السلام ) ، فسار في عشرين رجلاً يحملون القرب ، وثلاثين فارساً ، فجاءوا حتى دنوا من الماء ليلاً . وكان أمامهم نافع بن هلال الجملي يحمل اللِّواء ، فقال عمرو بن الحجاج مَن الرجل ؟ قال : نافع . قال : ما جاء بك ؟ قال : جِئْنا نشرب من هذا الماء الذي حلأتمونا [ منعتمونا ] عنه . قال : فاشْرَب هنيئاً . قال نافع : لا والله ، لا أشرب منه قطرة والحسين عطشان هو وأصحابه . وروى سبط بن الجوزي : أنهم اقتتلوا على الماء ، ولم يمكنوهم من الوصول إليه ، وضيَّق القوم على الحسين ( عليه السلام ) ، حتى نال منه العطش ومن أصحابه . فقال له برير بن خضير : يا ابن رسول الله ، أتأذن لي أن اخرج إلى القوم ، فأذن له ، فخرج إليهم فقال : يا معشر الناس ، إنَّ الله عزَّ وجلَّ بعث محمداً بالحق بشيراً ونذيراً ، وداعياً إلى الله بإذنه ، وسراجاً منيراً . وهذا ماء الفرات ، تقع فيه خنازير السواد وكلابه ، وقد حيل بينه وبين ابن نبيِّه . فقالوا : يا برير ، قد أكثرت الكلام ، فاكففْ ، والله ليعطش الحسين كما عطش من كان قبله . فقال الإمام الحسين ( عليه السلام ) : ( اقعُدْ يا بُرير ) . ثم قام الإمام ( عليه السلام ) فنادى بأعلى صوته ، فقال : ( أنشِدُكُم الله ، هل تعلمون أن جَدِّي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ؟ ) . قالوا : اللَّهُمَّ نعم . فقال الإمام ( عليه السلام ) : ( أُنشِدُكُم الله ، هل تعلمون أن أمِّي فاطمة بنت محمد ( صلى الله عليه وآله ) ؟ ) . قالوا : اللَّهُمَّ نعم . فقال الإمام ( عليه السلام ) : ( أُنشِدكم الله ، هل تعلمونَ أنَّ أبي علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ؟ ) . قالوا : اللَّهُمَّ نعم . فقال الإمام ( عليه السلام ) : ( أُنشدكم الله ، هل تعلمون أن جَدَّتي خديجة بنت خُوَيلد ، أوَّل نساءِ هذه الأمة إسلاماً ؟ ) . قالوا : اللَّهُمَّ نعم . فقال الإمام ( عليه السلام ) : ( أُنشِدُكُم الله ، هل تعلمون أن سيِّدَ الشهداء حمزة عَمُّ أبي ؟ ) . قالوا : اللَّهم نعم . فقال الإمام ( عليه السلام ) : ( أُنشِدُكُم الله ، هل تعلمون أن هذا سيف رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أنا مُتقلِّدُه ؟ ) . قالوا : اللَّهُمَّ نعم . فقال الإمام ( عليه السلام ) : ( أُنشِدُكُم الله ، هل تعلمون أن هذه عمَامة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أنا لابِسُها ؟ ) . قالوا : اللَّهُمَّ نعم . فقال الإمام ( عليه السلام ) : ( أنُشِدُكُم الله ، هل تعلمون أنَّ علياً كان أول القوم إسلاماً ، وأعلمُهُم علماً ، وأعظمُهم حِلماً ، وأنه وليُّ كلِّ مؤمنٍ ومؤمنة ؟ ) . قالوا : اللَّهُمَّ نعم . فقال الإمام ( عليه السلام ) : ( فِيمَ تَستحِلُّون دَمي وأبي الذائِدُ عن الحوض ، يذودُ عنه رِجالاً كَمَا يذاد البعير الصاد عن الماء ، ولواءُ الحمدِ في يَدِ أبي يوم القيامة ) . قالوا : قد علمنا ذلك كُلّه ، ونحنُ غير تاركيك ، حتى تَذوقَ الموت عطشاً . فلما خطب الإمام الحسين ( عليه السلام ) هذه الخطبة ، وسمعت بناتُه وأخواتُه كلامَه بِكيْنَ ، وارتفعت أصواتَهُنَّ . فوجَّهَ الإمام الحسين ( عليه السلام ) إليهِنَّ أخَاه العباس وعلياً ابنه ( عليهما السلام ) ، وقالَ لهما : ( أَسكِتَاهُنَّ فَلعمري لَيكثرنَّ بُكاؤهُنَّ ) . أحداث يوم التاسع في كربلاء هناك أحداث كثيرة حدثت يوم التاسع من المحرّم في كربلاء ، نذكر منها ما يلي : 1ـ محاصرة مخيّم الإمام الحسين ( عليه السلام ) : قال الإمام الصادق ( عليه السلام ) : ( تاسوعا يوم حوصر فيه الحسين ( عليه السلام ) وأصحابه ( رضي الله عنهم ) بكربلا ، واجتمع عليه خيل أهل الشام وأناخوا عليه ، وفرح ابن مرجانه وعمر بن سعد بتوافر الخيل وكثرتها ، واستضعفوا فيه الحسين صلوات الله عليه وأصحابه ( رضي الله عنهم ) ، وأيقنوا أن لا يأتي الحسين ( عليه السلام ) ناصر ، ولا يمدّه أهل العراق ... ) (1) . 2ـ كتاب الأمان للعباس وأخوته ( عليهم السلام ) : نادى شمر بن ذي الجوشن : أين بنو أختنا ؟ فخرج إليه العباس وجعفر وعبد الله وعثمان ـ أولاد أُم البنين ـ بنو علي بن أبي طالب ( عليهم السلام ) ، فقالوا : ( ما تريد ) ؟ فقال : أنتم يا بني أختي آمنون ، فقالت له الفتية : ( لعنك الله ولعن أمانك ، أتؤمننا وابن رسول الله لا أمان له ) ؟! (2) . 3ـ مخاطبة الإمام الحسين ( عليه السلام ) أصحابه : قال الإمام الحسين ( عليه السلام ) لأصحابه : ( أمّا بعد ، فإنّي لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي ، ولا أهل بيت أبر ولا أوصل من أهل بيتي ، فجزاكم الله عنّي خيراً ، ألا وإنّي لأظن أنّه آخر يوم لنا من هؤلاء ، ألا وإنّي قد أذنت لكم ، فانطلقوا جميعاً في حل ، ليس عليكم منّي ذمام ، هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً ) . فقال له اخوته وأبناؤه وبنو أخيه ، وابنا عبد الله بن جعفر : ( لم نفعل ذلك ؟ لنبقى بعدك ؟ ! لا أرانا الله ذلك أبداً ) . وقال مسلم بن عوسجة : ( أنخلّي عنك ولما نعذر إلى الله سبحانه في أداء حقّك ؟ أما والله حتّى أطعن في صدورهم برمحي ، وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي ، ولو لم يكن معي أقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة ، والله لا نخليك حتّى يعلم الله أن قد حفظنا غيبة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فيك ، والله لو علمت أنّي أُقتل ثمّ أحيا ، ثمّ أُحرق ثمّ أحيا ثمّ أُذرى ، يفعل بي ذلك سبعين مرّة ما فارقتك حتّى ألقى حمامي دونك ، فكيف لا أفعل ذلك ، وإنّما هي قتلة واحدة ، ثم هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبداً ) . وقال زهير بن القين البجلي : ( والله لوددت إنّي قتلت ثمّ نشرت ثمّ قتلت حتّى أُقتل هكذا ألف مرّة ، وأنّ الله تعالى يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن أنفس هؤلاء الفتيان من أهل بيتك ) (3) . 4ـ كتاب ابن زياد إلى ابن سعد : في هذا اليوم أقبل شمر بن ذي الجوشن بكتاب عبيد الله بن زياد ـ والي الكوفة ـ إلى عمر بن سعد ، وفيه : ( إنّي لم أبعثك إلى الحسين لتكفّ عنه ولا لتطاوله ، ولا لتمنّيه السلامة والبقاء ، ولا لتعتذر له ، ولا لتكون له عندي شافعاً ، انظر فإن نزل الحسين وأصحابه على حكمي واستسلموا فابعث بهم إليّ سلماً ، وإن أبوا فأزحف إليهم حتّى تقتلهم وتمثّل بهم ، فإنّهم لذلك مستحقّون ، فإن قُتل الحسين فأوطئ الخيل صدره وظهره ، فإنّه عات ظلوم ، وليس أرى أن هذا يضر بعد الموت شيئاً ، ولكن عليّ قول قد قلته : لو قتلته لفعلت هذا به ، فإن أنت مضيت لأمرنا فيه جزيناك جزاء السامع المطيع ، وإن أبيت فاعتزل عملنا وجندنا ، وخل بين شمر بن ذي الجوشن وبين العسكر ، فإنّا قد أمرناه بأمرنا ، والسلام ) . فلمّا قرأه ، قال له عمر : ما لك ويلك ؟! لا قرّب الله دارك ، قبّح الله ما قدمت به عليّ ، والله إنّي لأظنّك أنّك نهيته أن يقبل ما كتبت به إليه ، وأفسدت علينا أمرنا ، قد كنّا رجونا أن يصلح ، لا يستسلم والله حسين ، إنّ نفس أبيه لبين جنبيه . قال له شمر : أخبرني ما أنت صانع ، أتمضي لأمر أميرك وتقاتل عدوّه ؟ وإلاّ فخل بيني وبين الجند والعسكر ، قال ابن سعد : لا ، لا والله ولا كرامة لك ، ولكن أنا أتولّى ذلك ، فدونك فكن أنت على الرجالة (4) . شهادة الإمام الحسين ولادته ( عليه السلام ) : ولد في الثالث من شعبان 4 هـ بالمدينة المنوّرة . ألقابه ( عليه السلام ) : الرشيد ، الطيّب ، السيّد ، الزكي ، المُبارك ، التابع لمرضاة الله ، الدليل على ذات الله ، السبط ، سيّد شباب أهل الجنّة ، سيّد الشهداء ، أبو الأئمّة . حروبه : شارك ( عليه السلام ) مع أبيه الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في حرب الجمل وصفّين والنهروان ، وكان ( عليه السلام ) قائداً معركة كربلاء . مدة عمره وإمامته ( عليه السلام ) : عمره 57 سنة ، وإمامته 11 سنة . شهادته ( عليه السلام ) : استشهد في العاشر من المحرّم 61 هـ بأرض كربلاء المقدّسة . سبب شهادته ( عليه السلام ) : قتل ( عليه السلام ) شهيداً في معركة كربلاء ، وهو يدافع عن دين جدِّه محمّد ( صلى الله عليه وآله ) . ليلة الشهادة : قضى الإمام الحسين ( عليه السلام ) وأصحابه ( رضوان الله عليهم ) ليلة العاشر من المحرَّم بالصلاة والدعاء ، وقراءة القرآن ، وكان لهم دويٌّ كدوي النحل ، كما كانوا يصلحون سيوفهم ورماحهم ، استعداداً لِلِقاء الله تعالى . يوم الشهادة : طلب الإمام الحسين ( عليه السلام ) في صباح اليوم العاشر ـ إتماماً للحُجَّة على أعدائه ـ من جيش يزيد ، أن ينصتوا إليه لكي يكلِّمهم ، إلاَّ أنَّهم أبوا ذلك ، وعلا ضجيجهم ، وفي النهاية سكتوا ، فخطب فيهم معاتباً لهم على دعوتهم له ، وتخاذلهم عنه . كما حدّثهم ( عليه السلام ) بما سيقع لهم بعد قتله على أيدي الظالمين ، من ولاة بني أُمية ، ممَّا عهد إليه من جدِّه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وأبيه أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وهو ما تحقَّق فعلاً . وخصَّ في ذلك عمر بن سعد ، الذي كان يزيد يمنِّيه بجعله والياً على الري وجرجان ، بأنَّ حلمه ذاك لن يتحقّق ، وأنَّه سوف يُقتل ، ويرفع رأسه على الرمح . خطبته ( عليه السلام ) يوم العاشر : عاد الإمام الحسين ( عليه السلام ) مرة أُخرى على ظهر فرسه ، ووقف أمام الجيش الأموي ، وخاطبهم قائلاً : ( أمَّا بَعد ، فانسبونِي فانظُروا مَن أنَا ؟ ثمّ ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها ، فانظروا هَلْ يحلُّ لَكُم قتلي ؟ وانتهاكُ حُرمتي ؟ ألسْتُ ابن بنتِ نبيِّكم ( صلى الله عليه وآله ) ، وابن وصيِّه وابن عمِّه ، وأوَّل المؤمنين بالله ، والمصدِّق لِرسولِه بما جاء من عند رَبِّه ؟ أوَ ليس حمزة سَيِّد الشهداء عَمّ أبي ؟ أو ليسَ جَعفر الشهيد الطيَّار ذو الجناحين عَمِّي ؟ أوَ لَمْ يَبلُغْكُم قول مُستفيض فيكم : أنَّ رسولَ اللهِ ( صلى الله عليه وآله ) قال لي ولأخي : هَذان سَيِّدا شَبَاب أهل الجنّة ... ) (1) . فلم يستجب له أحد ، ثمَّ خاطبهم ( عليه السلام ) قائلاً : ( أمَا تَرونَ سَيفَ رَسولِ الله ( صلى الله عليه وآله ) ، ولاَمَةَ حَربِه وعمَامتَه عليَّ ) ؟ قالوا : نعم . فقال ( عليه السلام ) : ( لِمَ تُقاتِلونِي ) ؟ أجابوا : طاعةً للأمير عبيد الله بن زياد . هجوم الأعداء : استحوذ الشيطان على عمر بن سعد ـ قائد الجيش ـ فوضع سهمه في كبد قوسه ، ثمّ رمى مخيَّم الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، وقال : اِشهدُوا أنِّي أوَّل من رمى ، فتبِعَه جنده يُمطرون آل الرسول ( صلى الله عليه وآله ) بوابل من السهام فعظم الموقف على الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، ثمّ خاطب أصحابه قائلاً : ( قُومُوا رَحِمكم الله إلى الموتِ الذي لابُدَّ منه ، فإنّ هذه السهام رُسل القوم إليكم ) (2) ، فلبّوا ( رضوان الله عليهم ) النداء ، وانطلقوا كالأسود يحاربون العدو ، فاستمرت رحى الحرب تدور في ميدان كربلاء . وبدأ أصحاب الحسين ( عليه السلام ) يتساقطون الواحد تلو الآخر ، وقد أرهقوا جيش العدو ، وأثخنوه بالجراح ، فتصايَح رجال عمر بن سعد : لو استمرَّت الحربُ بَيننا ، لأتوا على آخرنا ، لِنَهجم عليهم مَرَّة واحدة ، ولِنرشُفهُم بالنِبال والحجارة . واستمرَّ الهجوم والزحف نحو من بقي مع الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، وأحاطوا بهم من جهات متعدِّدة ، فتعالت أصوات ابن سعد ونداءاته إلى جيشه ، وقد دخل المعسكر يقتل وينهب ، ويقول : اِحرقوا الخيام . فضجَّت النساء ، وتصارخ الأطفال ، وعلا الضجيج ، وراحت ألسِنة النار تلتهم المخيَّم ، وسكَّانه يفرُّون فزعين مرعوبين ، فلم يهدأ سعير المعركة ، وراح من بقي من أصحاب الإمام الحسين ( عليه السلام ) وأهل بيته ، يستشهدون الواحد تلو الآخر . فاستشهد ولده علي الأكبر وأخوته ، وأبناء أخيه وابن أخته ، وآل عقيل وآل علي ( عليه السلام ) ، مجزَّرين كالأضاحي ، وهم يتناثرون في أرض المعركة . وكذا بدأ شلاَّل الدم ينحدر على أرض كربلاء ، وصيحات العطش والرعب تتعالى من حناجر النساء والأطفال . فركب الإمام الحسين ( عليه السلام ) جواده ، يتقدَّمه أخوه العباس ( عليه السلام ) ، وتوجَّه نحو نهر الفرات ، ليحمل الماء إلى العيال ، فحالت حشود العدو دونه ، فأصبح هو في جانب وأخيه في جانب آخر . وكانت للبطل الشجاع أبي الفضل العباس ( عليه السلام ) صولة ومعركة حامية ، طارت فيها رؤوس ، وتساقطت فرسان ، وهو يصول ويجول في ميدان الجهاد ، بعيداً عن أخيه ، حتّى خرَّ صريعاً سابحاً بدم الشهادة . وتعلَّق قلب الإمام الحسين ( عليه السلام ) بمخيَّمه ، وما خلَّفت النار والسيوف بأهله وحرمه . فراح ( عليه السلام ) ينادي ، وقد طوَّقته قوات الأعداء وحالت بينه وبينهم ، فصاح بهم : ( أنَا الَّذي أقاتِلُكم وتقاتلوني ، والنِساء لَيسَ عَليهنَّ جُناح ، فامْنَعوا عُتاتكم وجهّالكم وطغاتكم من التعرُّض لحَرَمي ما دُمتُ حَيّاً ) (3) . إلاَّ أنَّهم استمرّوا في هجومهم على المخيَّم ، ولم يعبئوا لكلامه ( عليه السلام ) . فاستمرَّ الهجوم عنيفاً ، والإمام ( عليه السلام ) منهمكاً في قتال أعدائه ، إلى أن سدَّد له أحد الأجلاف سهماً ، واستقرَّ في نحره الشريف ، ثمَّ راحت السيوف والرماح تنزل عليه كالمطر الغزير . فلم يستطع ( عليه السلام ) مقاومة الألم والنزف ، فوقع على الأرض ، ولم يكفُّوا عنه ، لأنَّ روح الحقد والوحشية التي امتلأَت بها جوانحهم لم تسمح بذلك . بل راح الملعون شمر بن ذي الجوشن ، يحمل سيفه ليقطع غصناً من شجرة النبوَّة ، وليثكل الزهراء ( عليها السلام ) بأعزِّ أبنائها ، ففصل الرأس الشريف عن الجسد ، ليحمله هدية للطاغية يزيد . ذلك الرأس الَّذي طالما سجد لله ، وحمل اللِّسان الذي ما فتئ يردّد ذكر الله ، وينادي ( عليه السلام ) : ( لا أعطِيكُم بِيَدي إِعطَاء الذليل ، ولا أقرُّ إِقرَار العبيد ) (4) ، الرأس الذي حمل العزَّ والإباء ، ورفض أن ينحني للعتاة أو يطأطأ جبهته للظالمين . ثمّ حلّ السكون على أرض كربلاء الطاهرة ، فأتت العقلية زينب الكبرى ( عليها السلام ) إلى الميدان حتّى وقفت على جسد أخيها الحسين ( عليه السلام ) ، ثمّ قالت : ( اللهم تقبّل منّا هذا القربان ) . جزاء قاتلي الإمام الحسين ( عليه السلام ) : حكي عن السدِّي قال : أضافني رجل في ليلة كنت أحبُّ الجليس ، فرحَّبت به وأكرمته ، وجلسنا نتسامر وإذا به ينطلق بالكلام كالسيل إذا قصد الحضيض . فطرقت له فانتهى في سمره إلى طفِّ كربلاء ، وكان قريب العهد من قتل الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، فتأوَّهت وتزفَّرت ، فقال : ما لك ؟ قال السدِّي : ذكرت مصاباً يهون عنده كلّ مصاب . قال الرجل : أما كنت حاضراً يوم الطفِّ ؟ قال السدِّي : لا والحمد لله . قال الرجل : أراك تحمد ، على أيِّ شيء ؟!! قال السدِّي : على الخلاص من دم الحسين ( عليه السلام ) لأنَّ جدَّه ( صلى الله عليه وآله ) قال : ( إنّ مَن طُولِبَ بدم ولدي الحسين يوم القيامة لخفيف الميزان ) . قال الرجل : هكذا قال جدّه ( صلى الله عليه وآله ) ؟ قال السدِّي : نعم ، وقال ( صلى الله عليه وآله ) : ( ولدي الحسين يقتل ظلماً وعدواناً ، أَلا ومن قتله يدخل في تابوت من نار ، ويعذَّب بعذاب نصفِ أهل النار ، هو ومن شايع وبايع أو رضي بذلك ، كُلَّما نضجت جلودهم بُدِّلوا بجلود غيرها ليذوقوا العذاب ، فالويل لهم من عذاب جهنَّم ) . قال الرجل : لا تصدِّق هذا الكلام يا أخي ؟ قال السدِّي : كيف هذا وقد قال ( صلى الله عليه وآله ) : ( لا كَذِبتُ وَلا كُذِّبتُ ) . قال الرجل : ترى قالوا : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ( قاتل ولدي الحسين لا يطول عمره ، وها أنا وحقّك قد تجاوزت التسعين مع أنّك ما تعرفني ) ، قال السدي : لا والله . قال الرجل : أنا الأخنس بن زيد ، قال السدِّي : وما صنعت يوم الطف ؟ قال الأخنس : أنا الذي أُمِّرت على الخيل الذين أمرهم عمر بن سعد بوطئِ جسم الحسين بسنابك الخيل ، وهشمت أضلاعه ، وجررت نطعاً من تحت علي بن الحسين وهو عليل حتّى كببته على وجهه ، وخرمت اُذني صفية بنت الحسين ، لقرطين كانا في أذنيها . قال السدِّي : فبكى قلبي هجوعاً ، وعيناي دموعاً ، وخرجت أُعالج على إهلاكه ، وإذا بالسراج قد ضعفت ، فقمت أزهرها . فقال : اجلس ، وهو يحكي متعجّباً من نفسه وسلامته ، ومدَّ إصبعه ليزهرها فاشتعلت به ، ففركها في التراب فلم تنطفِ ، فصاح بي : أدركني يا أخي فكببت الشربة عليها وأنا غير محبٍّ لذلك ، فلمّا شمَّت النار رائحة الماء ازدادت قوَّة ، وصاح بي ما هذه النار وما يطفئها ؟!! قلت : ألقِ نفسك في النهر ، فرمى بنفسه ، فكلَّما ركس جسمه في الماء اشتعلت في جميع بدنه كالخشبة البالية في الريح البارح ، هذا وأنا أنظره ، فو الله الذي لا إله إلاّ هو ، لم تُطفأ حتّى صار فحماً ، وسار على وجه الماء !! (5) . وروي عن عبد الله بن رباح القاضي أنّه قال : لقيت رجلاً مكفوفاً قد شهد قتل الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، فسئل عن بصره ، فقال : كنت شهدت قتله عاشر عشرة غير أنّي لم أطعن برمح ، ولم أضرب بسيف ولم أرم بسهم . فلمّا قُتل ( عليه السلام ) رجعت إلى منزلي وصلَّيت العشاء الآخرة ونمتُ ، فأتاني آتٍ في منامي فقال : أجب رسول الله !! فقلت : ما لي وله ؟ فأخذ بتلابيبي وجرَّني إليه ، فإذا النبي ( صلى الله عليه وآله ) جالس في صحراء ، حاسر عن ذارعيه ، آخذ بحربة ، وملك قائم بين يديه ، وفي يده سيف من نار يقتل أصحابي التسعة ، فكلَّما ضرب ضربة التهبت أنفسهم ناراً !! فدنوت منه وجثوت بين يديه ، وقلت : السلام عليك يا رسول الله ، فلم يردَّ ( صلى الله عليه وآله ) عليَّ . ومكث طويلاً ، ثمّ رفع رأسه وقال ( صلى الله عليه وآله ) : ( يا عدوَّ الله ، انتهكت حرمتي ، وقتلت عترتي ، ولم ترعَ حقِّي ، وفعلت وفعلت ) . فقلت : يا رسول الله ، ما ضربت بسيف ، ولا طعنت برمح ، ولا رميت بسهم ، فقال ( صلى الله عليه وآله ) : ( صدقتَ ، ولكنّك كثّرت السواد ، أُدنُ مِنِّي ) ، فدنوت منه ، فإذا بطشت مملوء دماً . فقال ( صلى الله عليه وآله ) لي : ( هذا دم ولدي الحسين ) ، فكحَّلني من ذلك الدم ، فاحترقت عيناي ، فانتبهت لا أبصر شيئاً (6) . ورؤِي رجل بلا يدين ولا رجلين ، وهو أعمى يقول : ربِّي نجِّتي من النار ، فقيل له : لم يبقَ عليك عقوبة ، وأنت تسأل النجاة من النار ؟! قال : إنّي كنت فيمن قاتل الحسين ( عليه السلام ) في كربلاء ، فلمّا رأيت عليه سراويل وتكَّة حسنة ، فأردت أن أنتزع التكَّة ، فرفع يده اليمنى ووضعها على التكَّة ، فلم أقدر على رفعها ، فقطعت يمينه ( عليه السلام ) . ثمّ أردت أنتزاع التكَّة فرفع شماله ووضعها على التكّة ، فلم أقدر رفعها فقطعت شماله ( عليه السلام ) ، ثمّ هممت بنزع السراويل ، فسمعت زلزلة فخفت وتركته ، فألقى الله عليَّ النوم فنمت بين القتلى . فرأيت كأنَّ النبي ( صلى الله عليه وآله ) أقبل ، ومعه علي وفاطمة والحسن ( عليهم السلام ) ، فأخذوا رأس الحسين ( عليه السلام ) فقبّلته فاطمة ( عليها السلام ) وقالت : ( يا بني قتلوك !! قتلهم الله ) . وكأنَّه ( عليه السلام ) يقول : ( ذَبَحَنِي شمرٌ ، وقطع يدي هذا النائم ) ، وأشار إليَّ ، فقالت لي فاطمة ( عليها السلام ) : ( قَطعَ الله يديكَ ورجليكَ ، وأعمى بصرك ، وأدخلك النار ) . فانتبهت وأنا لا أبصر شيئاً ، ثمَّ سقطت يداي ورجلاي ، فلم يبقَ من دعائها إلاّ النار (7) . شهادة العباس بن الإمام علي اسمه ونسبه : السيّد أبو الفضل ، العباس بن الإمام علي بن أبي طالب ( عليهم السلام ) . ألقابه : نذكر منها ما يلي : السقَّاء ، قمر بني هاشم ، باب الحوائج ، سَبع القنطرة ، كافل زينب ، بطل الشريعة . أُمّه : السيّدة فاطمة بن حزام العامرية الكلابية ، المعروفة بأمِّ البنين ( عليها السلام ) . ولادته : ولد العباس في الرابع من شعبان 26 هـ . زواج الإمام علي ( عليه السلام ) لأجله : روي أنّ الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) قال لأخيه عقيل ـ وكان نسّابة عالماً بأخبار العرب وأنسابهم ـ : ( أبغي امرأة قد ولدتها الفحولة من العرب ؛ لأتزوّجها فتلد لي غلاماً فارساً ) ، فقال له : أين أنت عن فاطمة بنت حزام الكلابية العامرية ، فإنّه ليس في العرب أشجع من آبائها ولا أفرس ، فتزوّجها أمير المؤمنين (2) ، فولدت له وأنجبت ، وأوّل ما ولدت العباس ( عليه السلام ) ، وبعده عبد الله ، وبعده جعفراً ، وبعده عثمان . صفاته : كان العباس رجلاً وسيماً جسيماً ، يركب الفرس المطهَّم ، ورجلاه تخطَّان في الأرض (3) . وقال الإمام الصادق ( عليه السلام ) : ( كان عمُّنا العباس بن علي نافذ البصيرة ، صلب الإيمان ، جاهد مع أبي عبد الله ( عليه السلام ) ، وأبلى بلاءً حسناً ، ومضى شهيداً ) (4) . وقد كان صاحب لواء الحسين ( عليه السلام ) ، واللِّواء هو العلم الأكبر ، ولا يحمله إلاَّ الشجاع الشريف في المعسكر . ترحّم الإمام عليه : قال الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) : ( رحم الله العباس ، فلقد آثر وأبلى ، وفدى أخاه بنفسه حتّى قطعت يداه ، فأبدله الله عزّ وجل بهما جناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنّة كما جعل لجعفر بن أبي طالب ، وإنّ للعباس عند الله تبارك وتعالى منزلة يغبطه بها جميع الشهداء يوم القيامة ) (5) . عدم قبوله أمان ابن زياد : لمَّا أخذ عبد الله بن حزام ابن خال العباس ( عليه السلام ) أماناً من ابن زياد للعباس وأخوته من أُمِّه ، قال العباس وأخوته : ( لا حاجة لنا في الأمان ، أمانُ الله خير من أمان ابن سمية ) . ولمَّا نادى شمر : أين بنو أختنا ؟ أين العباس وأخوته ؟ فلم يجبه أحد ، فقال الحسين ( عليه السلام ) : ( أجيبوه وإن كان فاسقاً ، فإنَّه بعض أخوالكم ) (6) . فأجابه العباس ( عليه السلام ) : ( ماذا تريد ) ؟ فقال : أنتم يا بني أُختي آمنون ، فقال له العباس ( عليه السلام ) : ( لعنك الله ، ولعن أمانك ، أتؤمِّننا وابن رسول الله لا أمان له ) ؟! وتكلَّم أخوته بنحو كلامه ، ثمَّ رجعوا . إيصاله الماء إلى معسكر الحسين ( عليه السلام ) : لمّا اشتد العطش على الحسين ( عليه السلام ) وأصحابه أمر أخاه العباس ( عليه السلام ) فسار في عشرين رجلاً يحملون القرب ، وثلاثين فارساً ، فجاءوا حتّى دنوا من الماء ليلاً ، وأمامهم نافع بن هلال الجملي يحمل اللواء ، فقال عمرو بن الحجّاج من الرجل ؟ قال نافع ، قال ما جاء بك ؟ قال : جئنا نشرب من هذا الماء الذي حلأتمونا عنه ، قال : فاشرب هنيئاً ، قال : لا والله لا أشرب منه قطرة والحسين عطشان هو وأصحابه ، فقالوا : لا سبيل إلى سقي هؤلاء ، إنّما وضعنا بهذا المكان لنمنعهم الماء . فقال نافع لرجاله : املؤا قربكم فملئوها ، وثار إليهم عمرو بن الحجّاج وأصحابه ، فحمل عليهم العباس ونافع بن هلال فكشفوهم واقبلوا بالماء ، ثمّ عاد عمرو بن الحجّاج وأصحابه ، وأرادوا أن يقطعوا عليهم الطريق فقاتلهم العباس وأصحابه حتّى ردّوهم ، وجاءوا بالماء إلى الحسين ( عليه السلام ) (7) . موقفه ليلة العاشر : أتى أمر من عبيد الله بن زياد إلى عمر بن سعد يستحثه على المنازلة ، فركبوا خيولهم وأحاطوا بالحسين ( عليه السلام ) وأهل بيته وأصحابه ، فأرسل الحسين ( عليه السلام ) أخاه العباس ومعه جملة من أصحابه ، وقال : ( سلهم التأجيل إلى غد إن استطعت ) (8) ، فذهب ( عليه السلام ) إلى قادة العسكر وتكلّم معهم على التأجيل فأجّلوه . موقفه يوم العاشر : لمّا اشتدَّ العطش بالحسين ( عليه السلام ) وأهل بيته وأصحابه ( رضوان الله عليهم ) يوم العاشر من المحرَّم ، وسمع عويل النساء والأطفال يشكون العطش ، طلب العباس ( عليه السلام ) من أخيه الحسين ( عليه السلام ) السماح له بالبراز لجلب الماء . فأذن له الحسين ( عليه السلام ) ، فحمل على القوم ، فأحاطوا به من كلِّ جانب ، فقتل وجرح عدداً كبيراً منهم ، وكشفهم وهو يقول : لا أرهبُ الموتَ إذا الموتُ رَقَا ** حتّى أواري في المصَاليتِ لُقَى نفسي لنفسِ المُصطَفَى الطُّهر وَقَا ** إنّي أنا العبَّاس أغدو بالسقَا ولا أخافُ الشرَّ يوم المُلتَقَى (9) . ووصل إلى ماء الفرات ، فغرف منه غرفة ليطفئ لَظَى عطشه ، فتذكَّر عطش الحسين ( عليه السلام ) ، ورمى بالماء وهو يرتجز ويقول : يَا نفسُ مِن بعد الحُسين هوني ** مِن بعدِهِ لا كُنتِ أن تَكُوني هَذا الحسينُ وَارِدَ المَنونِ ** وتشرَبينَ بَاردَ المَعينِ تاللهِ مَا هَذي فِعَال دِيني فملأ القربة وعاد فحمل على القوم ، وقتل وجرح عدداً منهم ، فكمن له زيد بن ورقاء من وراء نخلة ، وعاونه حكيم بن الطفيل السنبسي ، فضربه على يمينه ، فقطعها ، فأخذ ( عليه السلام ) السيف بشماله ، وحمل وهو يرتجز : واللهِ إنْ قَطعتُمُ يَميني ** إنِّي أُحَامي أبداً عن ديني وعَن إمامٍ صَادِقِ اليقين ** نَجلُ النبيِّ الطاهِرِ الأمينِ فقاتل ( عليه السلام ) حتّى ضعف ، فكمن له الحَكَم بن الطفيل الطائي من وراء نخلة ، فضربه على شماله فقطعها ، فقال ( عليه السلام ) : يا نفسُ لا تَخشي مِن الكُفَّارِ ** وأبشِري بِرَحمة الجَبَّارِ مَعَ النَّبيِّ السيِّد المختار ** قَد قطعوا بِبَغيِهم يَساري فأصْلِهِم يَا ربِّ حَرَّ النَّارِ فأخذ القربة بِفَمِه ، وبينما هو جاهد أن يوصلها إلى المخيَّم ، إذ صُوِّب نحوه سهمان ، أحدهما أصابَ عينه الشريفة ، فَسالَت ونبت السهم فيها . وأمَّا الآخر فقد أصاب القِربة فَأُرِيق ماؤها ، وعندها انقطع أمله من إيصال الماء ، فحاول أن يخرج السهم الذي في عينه ، فضربه ملعون بعمود من حديد على رأسه فقتله . وقد قال فيه الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، حين قتله : ( الآن اِنكَسَرَ ظَهرِي ، وقَلَّتْ حِيلَتي ) . شهادته : استشهد العباس ( عليه السلام ) في العاشر من المحرّم 61 هـ بواقعة الطف في كربلاء ، دفن فيها . شهادة علي الأكبر بن الإمام الحسين (عليهما السلام) عام 61 هـ اسمه ونسبه : السيّد علي الأكبر بن الإمام الحسين بن الإمام علي بن أبي طالب ( عليهم السلام ) . ولادته : ولد علي الأكبر في الحادي عشر من شعبان 35 هـ ، أو 41 هـ . أُمّه : السيّدة ليلى بنت أبي مُرَّة بن عروة بن مسعود الثقفي ، وأُمّها ميمونة بنت أبي سفيان بن حرب بن أُمية . صفاته : كان ( عليه السلام ) من أصبح الناس وجهاً ، وأحسنهم خُلُقاً ، وكان يشبه جدّه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في المنطق والخَلق والخُلق . قال الإمام الحسين ( عليه السلام ) حينما برز علي الأكبر يوم الطف : ( اللَّهُمَّ أشهد ، فقد برز إليهم غُلامٌ أشبهُ النَّاس خَلقاً وخُلقاً ومَنطِقاً برسولك ) (2) . قال الشاعر فيه : لم تَرَ عَينٌ نَظَرتْ مِثله ** من محتف يَمشـي ومِن نَاعِلِ كانَ إذا شبَّت لَهُ نارُه ** وقَّدَها بالشَّرفِ الكَامِلِ كَيْما يراهَا بائسٌ مرملٌ ** أو فرد حيٍّ ليسَ بالأهلِ أعني ابن ليلى ذا السدى والنَّدى ** أعني ابن بنت الحسين الفاضل لا يؤثِرُ الدنيا على دِينِه ** ولا يبيعُ الحَقَّ بِالباطِلِ شجاعته : لمّا ارتحل الإمام الحسين ( عليه السلام ) من قصر بني مقاتل خفق وهو على ظهر فرسه خفقة ، ثمّ انتبه ( عليه السلام ) وهو يقول : ( إنَّا للهِ وإنَّا إليهِ راجِعُون ، والحمدُ للهِ رَبِّ العَالَمين ) ، كرَّرها مرَّتين أو ثلاثاً . فقال علي الأكبر ( عليه السلام ) : ( ممَّ حمدتَ الله واسترجَعت ) ؟. فأجابه ( عليه السلام ) : ( يا بُنَي ، إنِّي خفقتُ خفقة فعنَّ لي فارس على فرس ، وهو يقول : القوم يسيرون ، والمنايا تسير إليهم ، فعلمت أنّها أنفسنا نُعِيت إلينا ) . فقال علي الأكبر ( عليه السلام ) : ( يا أبَه ، لا أراك الله سوءاً ، ألَسنا على الحق ) ؟ فقال ( عليه السلام ) : ( بلى ، والذي إليه مَرجِع العباد ) . فقال علي الأكبر ( عليه السلام ) : ( فإنّنا إذَن لا نُبالي أن نموت مُحقِّين ) ، فأجابه الإمام الحسين ( عليه السلام ) : ( جَزَاك اللهُ مِن وَلدٍ خَير مَا جَزَى وَلَداً عن والِدِه ) (3) . موقفه يوم العاشر : روي أنّه لم يبقَ مع الإمام الحسين ( عليه السلام ) يوم عاشوراء إلاَّ أهل بيته وخاصَّته . فتقدّم علي الأكبر ( عليه السلام ) ، وكان على فرس له يدعى الجناح ، فاستأذن أبَاه ( عليه السلام ) في القتال فأذن له ، ثُمَّ نظر إليه نظرة آيِسٍ مِنه ، وأرخَى عينيه ، فَبَكى ثمّ قال : ( اللَّهُمَّ كُنْ أنتَ الشهيد عَليهم ، فَقد بَرَز إليهم غُلامٌ أشبهُ النَّاس خَلقاً وخُلقاً ومَنطِقاً برسولك ) . فشَدَّ علي الأكبر ( عليه السلام ) عليهم وهو يقول : أنَا عَليّ بن الحسين بن علي ** نحن وبيت الله أولَى بِالنَّبي تالله لا يَحكُمُ فينا ابنُ الدَّعي ** أضرِبُ بالسَّيفِ أحامِي عَن أبي ضَربَ غُلام هَاشِميٍّ عَلوي ثمّ يرجع إلى أبيه فيقول : ( يا أباه العطش ) !!. فيقول له الحسين ( عليه السلام ) : ( اِصبِرْ حَبيبي ، فإنَّك لا تُمسِي حتّى يَسقيك رسولُ الله ( صلى الله عليه وآله ) بكأسه ) . ففعل ذلك مِراراً ، فرآه منقذ العبدي وهو يشدُّ على الناس ، فاعترضه وطعنه فصُرِع ، واحتواه القوم فقطَّعوهُ بِسِيوفِهِم . فجاء الحسين ( عليه السلام ) حتّى وقف عليه ، وقال : ( قَتَلَ اللهُ قوماً قتلوك يا بُنَي ، ما أجرأهُم على الرحمن ، وعلى انتهاك حرمة الرسول ) . وانهملت عيناه بالدموع ، ثمّ قال ( عليه السلام ) : ( عَلى الدُّنيا بَعدَك العفا ) . وقال لفتيانه : ( احملُوا أخَاكُم ) ، فحملوه من مصرعه ذلك ، ثمّ جاء به حتّى وضعه بين يدي فسطَاطه (4) . شهادته : استشهد علي الأكبر ( عليه السلام ) في العاشر من المحرّم 61 هـ بواقعة الطف في كربلاء ، ودفن مع الشهداء ممّا يلي رجلي أبيه الحسين ( عليه السلام ) . مدّة عمره : سنة على رواية الشيخ المفيد ، أو 25 سنة على رواية غيره ، ويترجّح القول الثاني لما روي أنّ عمر الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) يوم الطف كان ثلاثاً وعشرين سنة ، وعلي الأكبر أكبر سنّاً منه . خروج سبايا الإمام الحسين ( عليه السلام ) من كربلاء إلى الكوفة ) تاريخ الخروج : تحرَّك موكب سبايا أهل البيت ( عليهم السلام ) من كربلاء المقدّسة نحو مدينة الكوفة في الحادي عشر من المحرّم 61 هـ . كيفية الخروج : حمل جيش عمر بن سعد السبايا على أحلاس أقتاب الجمال بغير وطاء ولا غطاء ، وساقوهم كما يساق سبي الترك والروم في أشد المصائب ، وتتقدّمهم الرؤوس على الرماح ، ولله در قائله : يصلى على المبعوث من آل هاشم ** ويغزى بنوه أن ذا لعجيب وقال آخر : أترجو أُمّة قتلت حسيناً ** شفاعة جدّه يوم الحساب اقتسمت القبائل الرؤوس لتأتي بها إلى ابن زياد : كانت رؤوس أهل بيت الحسين ( عليه السلام ) وأصحابه ثمانية وسبعين رأساً ، فاقتسمتها القبائل لتقرب بذلك إلى عبيد الله بن زياد وإلى يزيد بن معاوية ( لعنهما الله ) . فجاءت كندة بثلاثة عشر رأساً ، وصاحبهم قيس بن الأشعث ، وجاءت هوازن باثني عشر رأساً ، وصاحبهم شمر بن ذي الجوشن ، جاءت تميم بسبعة عشر رأساً ، وجاءت بنو أسد بستة عشر رأساً ، وجاءت مذحج بسبعة رؤوس ، وجاء باقي الناس بثلاثة عشر رأساً . الأسرى من الرجال : كان مع النساء الإمام علي بن الحسين ( عليهما السلام ) ، وقد كان مريضاً ، والحسن بن الحسن المثنى ، وقد أثخن بالجراح ، وروي أنّه قاتل بين يدي الحسين ( عليه السلام ) في ذلك اليوم ، وأصابه ثمانية عشر جراحة فوقع ، فأخذه خاله أسماء بن خارجة فحمله إلى الكوفة ، وداواه حتّى برء ، وحمله إلى المدينة . وكان معهم أيضاً زيد وعمرو ولدا الإمام الحسن ( عليه السلام ) . دفن الإمام الحسين ( عليه السلام ) وباقي شهداء الطف بعد واقعة الطف : بقيت جثّة الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، وجثث أهل بيته وأصحابه بعد واقعة الطف مطروحة على أرض كربلاء ، ثلاثة أيّام بلا دفن ، تصهرها حرارة الشمس المحرقة ، قال أحد الشعراء حول مصرع الإمام الحسين ( عليه السلام ) : هذا حسين بالحديد مقطّع ** متخضّب بدمائه مستشهد عار بلا كفن صريع في الثرى ** تحت الحوافر والسنابك مقصد والطيّبون بنوك قتلى حوله ** فوق التراب ذبائح لا تلحد (1) . قبيلة بني أسد : قبيلة تعيش أطراف كربلاء ، خرج رجالها يتفحَّصون القتلى ، ويتتبَّعون أنباء الواقعة بعد رحيل جيش عمر بن سعد إلى الكوفة ، فلمّا نظروا إلى الأجساد وهي مقطّعة الرؤوس ، تحيّروا في دفنها ، فبينما هم كذلك جاء الإمام زين العابدي ( عليه السلام ) بمعجزة طي الأرض إلى أرض كربلاء . كيفية الدفن : قال السيّد المقرّم : ( ولمّا أقبل السجّاد ( عليه السلام ) وجد بني أسد مجتمعين عند القتلى متحيّرين لا يدرون ما يصنعون ، ولم يهتدوا إلى معرفتهم ، وقد فرق القوم بين رؤوسهم وأبدانهم ، وربما يسألون من أهلهم وعشيرتهم ! فأخبرهم ( عليه السلام ) عمّا جاء إليه من مواراة هذه الجسوم الطاهرة ، وأوقفهم على أسمائهم ، كما عرّفهم بالهاشميين من الأصحاب فارتفع البكاء والعويل ، وسالت الدموع منهم كل مسيل ، ونشرت الأسديات الشعور ولطمن الخدود . ثم مشى الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) إلى جسد أبيه واعتنقه وبكى بكاءً عالياً ، وأتى إلى موضع القبر ورفع قليلاً من التراب فبان قبر محفور وضريح مشقوق ، فبسط كفّيه تحت ظهره وقال : ( بسم الله وفي سبيل الله وعلى ملّة رسول الله ، صدق الله ورسوله ، ما شاء الله لا حوّل ولا قوّة إلاّ بالله العظيم ) ، وأنزله وحده لم يشاركه بنو أسد فيه ، وقال لهم : ( إنّ معي من يعينني ) ، ولمّا أقرّه في لحده وضع خدّه على منحره الشريف قائلاً : ( طوبى لأرض تضمّنت جسدك الطاهر ، فإنّ الدنيا بعدك مظلمة ، والآخرة بنورك مشرقة ، أمّا الليل فمسهّد ، والحزن سرمد ، أو يختار الله لأهل بيتك دارك التي فيها أنت مقيم ، وعليك منّي السلام يا ابن رسول الله ورحمة الله وبركاته ) . وكتب على القبر : ( هذا قبر الحسين بن علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، الذي قتلوه عطشاناً غريباً ) . ثم مشى إلى عمّه العباس ( عليه السلام ) فرآه بتلك الحالة التي أدهشت الملائكة بين أطباق السماء ، وأبكت الحور في غرف الجنان ، ووقع عليه يلثم نحره المقدّس قائلاً : ( على الدنيا بعدك العفا يا قمر بني هاشم ، وعليك منّي السلام من شهيد محتسب ورحمة الله وبركاته ) . وشق له ضريحاً وأنزله وحده كما فعل بأبيه الشهيد ، وقال لبني أسد : ( إنّ معي من يعينني ) ! نعم ترك مساغاً لبني أسد بمشاركته في مواراة الشهداء ، وعيّن لهم موضعين وأمرهم أن يحفروا حفرتين ، ووضع في الأُولى بني هاشم ، وفي الثانية الأصحاب وأمّا الحر الرياحي فأبعدته عشيرته إلى حيث مرقده الآن ) (2) . وبعدما أكمل الإمام ( عليه السلام ) دفن الأجساد الطاهرة ، عاد إلى الكوفة والتحق بركب السبايا . خروج سبايا الإمام الحسين ( عليه السلام ) من الكوفة إلى الشام تقدَّم رأسُ الحسين ( عليه السلام ) رؤوس الكوكبة التي خلَّفت أجسادها في صحراء الطف ، وراحت القافلة تخترق الصحاري متوجهة إلى دمشق . وسارت خلف الرأس الشريف زينب ( عليها السلام ) بطلة كربلاء ، وقد تسلَّمت مَهامَّ الثورة الحسينية ضِدَّ الطُغاة ، وهي مِهمَّة الجهاد بالكلمة لا بالسيف . فالتحق ركب النساء والأطفال برفقة الإمام السجاد ( عليه السلام ) ، الذي وضعت بِيَدِه السلاسل ، وجُمِعت إلى عنقه ، وحملوا جميعاً على اقتاب الإبل التي كانت بغير وطاء ، وكان ذلك في التاسع عشر من شهر المحرم ، في سنة ( 61 هـ ) . فالتحقوا بموكب الرؤوس الذي سَبَقهم في المسير ، وراحوا يسيرون سواءً إلى جَنب رأس الحسين ( عليه السلام ) نحو الشام ، بناءً على الأوامر التي صدرت من يزيد بن معاوية إلى ابن زياد . حَيثُ كَتب إليه رسالة جاء فيها : سَرِّح الأُسَارى إليَّ . لأنَّه هذه المرة أراد أن ينُفِّس عن حِقْده ، برؤية عائلة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) تقِفُ أمامه ، وهي في القيود والسلاسل . شهادة الإمام زين االعابدين الإمام ( عليه السلام ) والوليد بن عبد الملك : تأزَّم الوضع بعد موت عبد الملك بن مروان ، واستلام الوليد ابنه زمام الأمور ، حيث بقي الإمام السجاد ( عليه السلام ) مواصلاً لخطواته الإصلاحية بين صفوف الأمة الإسلامية ، آمراً بالمعروف ، ناهياً عن المنكر . مما أقضَّ مضاجع قادة الحكم الأموي ، بسبب عدم تَمَكُّنهم من الاستمرار في أهدافهم التحريفية ، للرسالة الإلهية . وقد كان الوليد من أحقد الناس على الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) ، لأنه كان يرى أنه لا يتم له الملك والسلطان مع وجود الإمام ( عليه السلام ) . الذي كان يتمتَّع بشعبية كبيرة ، حتى تحدث الناس بإعجاب وإكبار عن علمه ، وفقهه ، وعبادته . وعجّت الأندية بالتحدُّث عن صبره وسائر ملكاته ( عليه السلام ) ، واحتلَّ مكاناً كبيراً في قلوب الناس وعواطفهم ، فكان السعيد من يحظى برؤيته ، ويتشرَّف بمقابلته ، والاستماع إلى حديثه . وقد شقَّ على الأمويين عامة هذا الموقع المتميّز للإمام ( عليه السلام ) ، وأقضَّ مضاجعهم . ورُوِي عن الوليد أنَّه قال : لا راحة لي وعلي بن الحسين موجود في دار الدنيا ، فأجمع رأيه على اغتيال الإمام ( عليه السلام ) ، والتخلص منه . شهادته ( عليه السلام ) : أرسل الوليد سمّاً قاتلاً من الشام إلى عامله على المدينة ، وأمَرَه أن يدسَّه للإمام ( عليه السلام ) ، ونفَّذ عامله ذلك . فسَمَتْ روح الإمام ( عليه السلام ) العظيمة إلى خالقها ، بعد أن أضاءت آفاق هذه الدنيا بعلومها ، وعباداتها ، وجهادها ، وتجرُّدِها من الهوى . وكان ذلك في الخامس والعشرين من محرم 95 هـ ، وعلى رواية أخرى أنّه شهادته ( عليه السلام ) كانت في الثاني عشر من محرم 95 هـ . دفن الإمام ( عليه السلام ) : تولَّى الإمام محمد الباقر ( عليه السلام ) بتجهيز جثمان أبيه ( عليه السلام ) ، وبعد تشييع حافل لم تشهد المدينة نظيراً له ، جِيء بجثمانه الطاهر إلى مقبرة البقيع في المدينة المنورة . فحفروا قبراً بجوار قبر عَمِّه الزكي الإمام الحسن المجتبى ( عليه السلام ) ، سيد شباب أهل الجنة . وأنزل الإمام الباقر ( عليه السلام ) جثمان أبيه زين العابدين وسيد الساجدين ( عليه السلام ) ، فواراه في مَقَرِّه الأخير . |