![]() |
|
شرحت فيما مرّ من فصول البحث بعض المفردات التي تسهم في بناء وتطوير المنبر الحسيني وذلك لأوّل وهلة وبأوّل ما تبادر للذهن أو جاء عفو الخاطر وليس معنى ذلك أنّه الصفة النهائية في هذا المورد ، فقد يكون هناك ما هو أصوب بعد إعمال الرأي بدقّة واستدعاء التجارب ، ولكن المهم أنّ أصل الفكرة وبعث المحاولة للبناء والتطوير وإدامة هذا العمل الذي أصبح يمشي مع أجيالنا في مسيرة تقليدية دون أن يكون جزءاً من محتوانا الثقافي وحضوراً في ذاكرتنا كما نريد له . والآن نتساءل ما هي المؤسسة المنفذة لذلك والتي تعمل على البناء والتطوير ؟ والجهات المتصورة في هذا المقام ثلاث
ـ الأولى الجهة الشخصية وذلك أن يقوم كلّ عضو في مؤسسة المنبر ببناء نفسه وتطوير قدراته الخطابية والثقافية يدفعه لذلك عوامل متعددة قد يكون بعضها عقائدي والآخر مادي وثالث معنوي وهكذا : كما عليه الحال القائمة بالفعل ، وهذا الغرض يؤخذ عليه ما يلي : آ ـ قصور قدرات الفرد عن توفير مستلزمات التطوير سواء ما كان منها ثقافياً أو مادياً أو إجتماعياً من قبيل توفير المدرّسين وحشد الخبرات والتجارب والتفاعل بالآراء بين الأعضاء وانفتاح الفرص أمام من يحمل مؤهلاً معترفاً من الأوساط العلمية وهكذا ممّا لا يكون عادة في نطاق قدرات الفرد ب ـ كلّ عمل جماعي يكون أقرب نسبياً إلى الكمال من العمل الفردي عن طريق تبيّن الثغرات واحتكاك الآراء والإستفادة من الجهد الجماعي الذي يمارس في مؤسسة بعكس الحالة الفردية الشخصية جـ ـ تحكم الذوق والمزاج في الحالات الشخصية في مختلف الأبعاد وفي نوعية المناهج وفي اختيار المفاهيم والممارسات على المنبر وقد لا يكون ذلك كلّه ملائماً للظروف المتنوّعة من ناحية ويعطي من ناحية ثانية الإنطباع بالإنفلات وعدم وجود غرفة تحكم بالعمليات الأدائية والفكرية وفي تحديد حجم الخطيب ومساحة الميدان الذي يشغله فلابدّ والحالة هذه في ضبط هذه الأمور من قيادة خطاه والسيطرة عن طريق التوجيه لما ينبغي ووضع جدول سوي لما يطرح من مواد في الموسمين الرئيسين ـ المحرم ورمضان المبارك ـ وذلك كلّه لايتأتى في الحالات الشخصية لأسباب مختلفة ، وممّا يؤيّد ذلك ما نراه من ثغرات في الوضع القائم هي مبعث شكوى ومثار دعوة إلى البناء والتطوير وقد يقول قائل : أنّ المنبر بخير ولا مشكلة هناك وهذا قد يكون صحيحاً نسبياً على مستوى الأفراد الذين تستوعبهم أجزاء من الساحة بمستوياتها المختلفة ولا يعدمون وسطاً يهضمهم ولا يرى فيهم نشازاً ، ولكن على مستوى الساحة ككل هناك أكثر من إشكال يعرفه إخواني الخطباء أنفسهم ويتحسّس الكثير منهم إزائه وياطلب بعمل صحيح للتخلّص منه . إذاً فهذا الفرض الأول وهو التطوير عن طريق شخصي عمل لا يؤدي الغرض المطلوب وعليه جملة من المؤاخذات منها ما ذكرناه ومنها ما لم يذكر 2 ـ الجهة الثانية المتصورة للقيام بهذا العمل : الدولة مباشرة أو عن طريق إحدى مؤسساتها مثل وزارة الأوقاف أو التربية أو غيرها . ويرد على هذه الجهة الإشكالات التالية آ ـ لو قدر ذلك فلابدّ للمنبر أن يتقيد ويلتزم بسياسة الدولة في معالجة أي موضوع من المواضيع على مستوى عقائدي أو اجتماعيى أو حتى اقتصادي فلكلّ دولة سياستها في مثل هذه الأمور ولا يسع الفرد المرتبط بها أن يخرج عن هذا الإطار وفي مثل هذه الحالة يكبل البحث الحرّ ويقيّد الفكر عن الإنطلاق وتحدث مضاعفات كثيرة وآثار تترتّب على ذلك ب ـ حرمان دائرة التوجيه الخطابي من أكفاء وأساطين من أهل العمل الذين يبتعدون غالباً عن الدنوّ إلى مؤسسات ترتبط بالرسميات بشكل وآخر ، وذلك يؤدي إلى ضعف الجانب العلمي الذي تفتقر إليه بنية هذا العمل وبالتالي تقلّ القيمة العلمية في نظر الناس لمؤسسة لا يقوم عليها أكفاء عرفوا بالفضل والمهارة جـ ـ اهتزاز كيان المنبر بسبب ربطه بجهة رسمية ممّا اعتاد الناس في مثل هذا الحال على تأويل كلّ قول وعمل وتحميله معنى غير الظاهر منه ما دامت الدولة وراءه حتى ولو كان سليماً . ولذلك أسباب متنوعة ليس هذا مكان بحثها د ـ محدودية ميزانية الدائرة الخطابية لارتباطها بميزانية الدولة العامة ممّا يحول دون إشباع الحاجات والفعاليات المطلوبة في مثل هذا العمل وإحجام المؤسسات الخيرية عن دعمها ما دامت مكفولة من قبل الدولة كما هو الفرض والنتيجة من ذلك كلّه فقر ميزانيّتها هـ ـ عدم استقرارها لأنّها ستبقى خاضعة لمزاج الجهة الرسمية فإذا تغيّرت التركيبة الرسمية فليس من المضمون استمرارها . ولنا في التجارب المنتزعة من واقع عايشناه أدلة كثيرة عن مؤسسات خيرية اعتمدت على الدولة في بقائها فلم تستمرّ وذهب ما بذل من الجهود والأموال في بنائها أدراج الرياح . إلى غير ذلك من ملاحظات كثيرة على ذلك تجعل هذا الفرض غير ملائم ، وهو قيام المؤسسة على الإرتباط بالدولة للإشكالات المذكورة ـ الجهة الثالثة : والتي نراها متعيّنة هي المرجعية الدينية على أن تكون مؤسسة من مؤسسات المرجعية الحوزوية ينفق عليها ضمن ميزانية الحوزة ويتمتّع أعضاء الهيئة التدريسيّة بنفس ما يتمتّع به مدرّسو الحوزة بحكم كونهم من صميم الحوزة وإذا فرض أنّ بعض الجهات الخيرية أرادت دعم معهد الخطابة يصرف هذا الدعم لعقار يوقف لصرف ريعه عليه وإذا حدث أن تحقّق الإكتفاء من ريع الموقوفات واستقلّ المعهد مالياً فلا ينبغي أن يستقلّ في وضعه عن إشراف المرجعيّة عليه وإذا تمّ ربط معهد الخطابة بالمرجعية فسيحقّق الأمور التالية آ ـ أهم هذه الأمور توفير الجانب الروحي في ممارسات المنبر وسلوكيته والتقيّد بمزاج الحوزة وأخلاقياتها لأنّه حينئذ جزء منها ولا ينفصل عنها ولا يمكن أن يوظّف ضدّها كما حدث في حالات كثيرة خرج فيها كثير من أهل المنبر عن خط المرجعية وتحوّل إلى أداة لضربها سواء من الحاكمين أو من جهات ذات مصالح للوقوف بوجه المرجعية الأمر الذي أدّى إلى فوضى وضياع طاقة وإضعاف هيبة المرجعية ولنا في ذلك تجارب مرّة في الماضي القريب استغلتها الأحزاب فوظّفت بعض الرقعاء للتعدّي على المرجعية وتوظيف للمنبر لذلك واحتضنتها بعض القواعد الفاسدة . ب ـ ضمان علمية المنبر وتضلّعه بأهم المقوّمات وهي العلوم الإسلامية التي تشكّل القاعدة الأساسية لثقافة المنبر وفعاليّته المطلوبة . خصوصاً بعد أن أصبح جمهور عريض من الناس يتلقف الأحكام من المنبر ـ ويا لهول المأساة إذا لم يكن المنبر على دراية بالأساسيات ـ إنّ إنتخاء المنبر للحوزة يوفر القدرة للخطيب على مواجهة الحوادث وتكييفها داخل ضوابط الشريعة وبالتالي سلامة عقائد وسلوكيات الجمهور الذي يجلس تحت المنبر جـ ـ توفّر عملية ربط المنبر بالمرجعية ضماناً للخطيب الذي قد يعجز عن ممارسة مهنته لكبر أو لتعذر الحصول على مجلس يمارس فيه القراءة أو لغير ذلك من الأسباب حيث تشمله رعاية المرجعية ولا يضطرّ إلى أسباب أخرى تسدّ حاجته كما هو المشاهد في كثير من حالات رأيناها وتركت في نفوسنا ألماً لمصير بعض الأشخاص الذين صاروا كالشموس أضاءوا لغيرهم واحترقوا د ـ يوجد هذا الإنتماء تلاحماً في كلّ الهيئات ذات الإرتباط بالمرجعية وخصوصاً الخطباء لقيامهم بدور هام في تثبيت أركان المرجعية ودعوة القواعد للإرتباط بأئمّتها وصيرورة الخطباء ألسنة معبّرة عن أهداف وآمال وتطلّعات مؤسساتنا الدينية . هذا بعض ما يعنّ للذهن في هذا العجالة وقد يكون هناك الكثير ممّا لم ينتبه إليه الذهن فعلاً . وسأؤكد على بعض ما ذكرته هنا لأهمّيته وأذكره مرّة أخرى وانطلاقاً من ذلك كلّه أرفع صوتي إلى أئمّتنا وقادة فكرنا الدينيين أن لا يبقوا الخطباء بعيداً عن حضيرة الحوزة فإنّهم يشعرون باليتم إذا لم يظلّهم جناح آبائهم الروحيين وقبل ذلك كلّه هم تحت كنف الحسين (عليه السلام) أبي الشهداء ، ولست هنا أعلّم أو أحدّد للمراجع تكليفهم فهم قادتنا ولكنّي صوت من الساحة يشعر بثغراتها ويتحسّس حاجاتها وتخوله تجربته الطويلة أن يطرح مطالبه ويطلب من جهة لا يجد ذلاًّ في الطلب منها . وأرجو أن تكون من همومهم في صدارة الموضوعات وهنا أريد أن ألفت النظر إلى أن لا نفترض في الأمر صعوبة إذ نتصوّر كبر المشروع وصعوبة بعض جهاته ، فإنّ مجرّد وضع لبنة ولو بسيطة في البداية ومتابعة البناء يؤدي بالتدريج إلى تحقيق الهدف . كما أنّ كلّ ما يبذل من جهد هنا سيؤدّي إلى مردود أكبر تهون معه الصعاب . إنّ المطّلع على الساحة الإسلامية يعلم أين موقعنا منها وكم هي التهم التي توجّه لشيعة آل محمّد بشكل حي على الساحة . هذا فضلاً عن الركام الهائل في بطون الكتب والذي يحرص أشدّ الحرص على إبعادنا عن جسم الأمة الإسلامية من مختلف الأسباب التي قد يكون بعضها ناتجاً عن جهل أو عن تقليد وحسن ظنّ بالموجّهين أو الذي يكون من آليات مشبوهة تتلقى التوجيه والدعم ممّن مهمّته تعكير الماء ليصطاد . ولا آتي بجديد عندما أذكّر هذا فإنّه اصبح من أكثر الأمور وضوحاً ، ولكنّي أريد أن أقول : إنّ كشف هذه الشبهات وردّ هذه الإفتراءات والقيام بإزاحة الركام الهائل من الثغرات بين المسلمين لا يتصوّر أن يأتي إلاّ عن طريقين : أحدهما الكتاب وهو يقتصر على فئة خاصة ولا يصل تأثيره بصورته الفعلية إلى نسبة تأثير التفاعل الخطابي الحيّ المباشر والذي يتمّ معه الإتصال بين الموجّه والمتلقي ، فالخطيب إذاً وسيلتنا الناجعة للقيام بهذا الدور المشرف وما أكرمه من هدف إذا استطاع أن يذوب الجليد بين إخوة العقيدة الواحدة فما أحرانا أن نعمل جاهدين على صنع المنبر المؤهل منطلقين من الهدف الخير الذي يريد خدمة الإسلام وأهله وفي الوقت ذاته ملء الأمكنة التي تتهيّأ في المواسم لعقد المجالس وتنتظر أن تجد الخطيب المناسب الذي يؤدّي الدور المطلوب منه وغالباً ما لا يتحقّق مطلبهم في الحصول على النموذج المطلوب وخصوصاً بعض المناطق التي يكون حضّار المنبر فيها من مذاهب مختلفة وثقافات متنوّعة تحتاج إلى حدّ ما إلى شيء من الموسوعية يروق في محتواه المتنوّع للفئات المختلفة بحيث يكون إجابة على الأسئلة الكثيرة التي تتردّد على ألسنة الآخرين عن جدوى عقدنا لهذه المجالس وعن مدى الإفادة منها : اللهمّ إنّي قد بلّغت مع أمل كبير بأن يسمع صوتي ما دام مخلصاً وما دام المطلب ملحّاً |