كيف نبني ونطوّر المنبر الحسيني
يستبطن هذا الموضوع عناوين متعددة من أهمّها الهيكلية التراثية التي درج الناس على التعبير عنها عن المنبر ، ويقابلها ما جدّ واستحدث واعتبر صيغة من صيغ التطوّر شكلاً ومضموناً ، ومنها ما هو عند البعض من الثوابت التي لابدّ من توافرها هنا ، في حين عند الآخرين مجرد أمر كمالي إن وجد فبها وإلاّ فلا ، ومنها ما يرتبط بمحتوى المنبر الثقافي نوعية وغزارة وعمقاً ممّا يعتبره البعض شرطاً أساسياً لارتفاع المنبر ينسجم مع تطوّر العصر ، في حين يرى الآخرون أنّ ذلك يشكّل تعجيزاً وعبئاً للكثير من أهل المنبر يبتعد بهم عن مساجلة الآخرين وممارسة مهنتهم

ومنها ما يتّصل بمعالجة الواقع المعاش في طريق محاولة الإرتفاع بالمنبر وهل ينبغي أن تتمّ هذه المعالجة بصورة هادئة وبطيئة ينضج معها القدر بدون غليان قد يقلّب القدر ؟ أم ينبغي أن تتمّ المعالجة بصورة فورية وحاسمة لأنّ البطء هنا لا يتحقّق معه الهدف لاستمرار توالد الأدوات التقليديّة أشخاصاً ومادة ممّا تهذب معه الجهود هدراً ، وأخيراً وليس آخراً تحديد سعة المدى الذي ينبسط عليه المنبر الحسيني هل هو نطاق الطائفية أم هو الأمة الإسلامية بل المجتمع الإنساني الذي لم تعد فيه حواجز عن سماع معطيات الآخرين واستمع بطريق وآخر إلى ما أنتجه المنبر بغثّه وسمينه وسهلت له وسائل الإتّصال ذلك وتطلّع إلى أمل في الإستفادة من مخزون كان طيّ الكتمان لأسباب يعرفها المختصّون بهذه الحقول وتشكّل جزءاً من لعبة الصراع الفكري الذي درجت عليه ـ مع الأسف الشديد ـ أجيالنا فحالت بذلك دون تلاقي جداول المعرفة وأبعدت عن الساحة فكر يفترض فيه أنّه النبع الأصيل للإسلام بحكم كون حملته ـ عدل الكتاب ـ .

كلّ ما ذكرناه ممّا سنشرحه ، إنّما هو ثمرة من ثمرات العامل الأول في تطوير المنبر وهو الخطيب الذي يفترض أن يكون قد أحرز على الأقل الحدود الدنيا من مواصفات لابدّ منها بحيث أن يكون قد اجتاز المراحل المفروضة ولم يحرقها أو يقفز عليها لتبنيه كيفية وأحرز المواد التي يتقوّم بها المنبر لترفده كمية ، وأن لا يكون محتواه بضاعة رخيصة لفقت من هنا وهناك وقدمت غذاءً ـ لشرائح سطحية إلى أمور أخر ذات صلة بالخطيب سنفرد لها مكاناً من المعالجة ضمن هيكل البحث في الكتاب المذكور عند تحديد الحدود الدنيا للمنبري فيما اتفق عليه أهل الفن واعتبروه من المقوّمات الأساسية للخطيب . والآن أعود لشرح ما سبق إجماله من العناوين ذات الصلة بالموضوع وهي :

ـ الهيكل التراثي الموروث الذي رافق بدايات المنبر بالشكل والمضمون والذي نحرص أشدّ الحرص على الإحتفاظ بكثير من جوانبه من حيث السكون لها كآليات متوارثة لها مكانها في عمق الوجدان وضرورتها لكونها جذوة لا نريد لها أن تخبو والإحتفاظ بها سمةً مميزة تعكس مدى انشدادنا للعترة الطاهرة . ولكن في الوقت ذاته نبحث عن أسلوب يجمع بينها وبين الإطار السليم الأكثر قبولاً عند الزمن وأهله ، ولابدّ من ذكر بعض الأمثلة في ذلك لئلاّ تبقى الفكرة عائمة : فالمثال الأول : ما درج عليه هيكل المجلس الحسيني الأساسي في العشرة الأولى من شهر المحرم من تسلسل مصطنع حيث يكون موضوع الخطيب الأساسي في العشرة الأولى من شهر المحرم هو تسلسل مصطنع حيث يكون موضوع الخطيب في اليوم الأول ـ كما هو عند الأغلب أو الكثير الحديث عن هلال محرم وما يصاحب ذلك من تداعي المعاني وما يصاحب ذلك من حكايات وما كان له من تأثير عند أئمّتنا الأطهار وشيعتهم وأسلوب احتفالهم به وما كانوا يمارسونه من أنماط الحزن لذلك ، هكذا هو اليوم الأول في الجملة . وفي اليوم الثاني يتناول الخطيب فضل البكاء على ما جرى من فواجع في واقعة الطف ومشروعية هذا البكاء والتماس الأدلة على ذلك وما يترتّب من الأجر والثواب للباكي التقليدي أو الوفاء للباكي الواعي الذي يبكي لمجرد الإنفعال لمأساة عظيم كالحسين ظلمته أمّته ، ويستعمل الخطيب عادة بعض مقاطع باللغتين الدارجة والعربية والمشحونة والمكهربة عاطفياً لاستدرار الدمع . أمّا اليوم الثالث فغالباً ما يتناول خروج الحسين (عليه السلام) من المدينة المنوّرة وما أحاط به من أجزاء تصوّر المشهد من وداع لقبر جدّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وقبر أمّه (عليها السلام) ووداع أهله وكيفيّة موكبه وما رافق ذلك من مناظر مفجة للوداع . ويتناول في اليوم الرابع مسير الحسين (عليه السلام)ومروره بالمنازل والتقائه ببعض أهلها ولقاء الحرّ معه وما دار بينهما من مطارحات وما حدث من أعمال وينتهي غالباً إلى حدّ نزول الحسين (عليه السلام) بكربلا . ويتخصّص اليوم الخامس لسيرة مسلم بن عقيل (عليه السلام) ومكانته وسرّ اختيار الحسين له ليكون رسوله إلى الكوفة إلى مصرعه ومصرع ناصره هاني بن عروة والأحداث التي ارتبطت بذلك .

وفي اليوم السادس من محرم تتلى سير شهداء الطف من أنصار الحسين (عليه السلام) مثل حبيب بن مظاهر ومسلم بن عوسجة وزهير بن القين وغيرهم ، ودراسة أحوالهم ومكانتهم وما أعدّ الله تعالى لهم . واليوم السابع يخصّص للعباس بن علي وإخوته أبناء أمّ البنين وما له ولهم من صفات من حيث النسب والمكانة ومؤهّلاته البطولية والإيمانيّة الخ إلى مصارعهم . واليوم الثامن للقاسم بن الحسن الشهيد الصبي الذي تمتزج ذكراه بما رافقها من آفاق عاطفية زوّجته وصنعت له عرساً نثاره من النبل وخضابه من الدم وحلّته من نسيج امتزج فيه غبار المعركة بلون الدم ولهيب الجرح لينزف بعد ذلك محمولاً على صدر الحسين إلى خيمة جمعته مع لداته بين دموع الأهل وحسرات الأمّهات .

وأمّا ليلة التاسع فهي ويومها لعليّ الأكبر بن الحسين (عليه السلام) أولّ قتيل من الهاشميين وحالات الحسين عند مصرعه وما يرتبط بذلك من شؤون الآباء مع الأبناء وتشير إلى المشاهد التي تلهبها الأجواء العاطفية ويعمقها الخيال حتى الشهادة . أمّا ليلة العاشر فهي مخصصة للإعداد للمعركة وذكر ما جرى فيها من عبادة ووداع واستعداد للشهادة والحالة النفسية للعائلة وهي تتوقّع المجزرة صباحاً وفراق أهلها وأحبّتها . وختام ذلك كلّه أحداث صبيحة العاشر التي منها قراءة ما يسمّى بالمقتل حيث تستعرض كلّ ملابسات واقعة الطف والإعداد لها ابتداء من طلب البيعة من الحسين ليزيد والإمتناع والمسير إلى كربلاء مروراً بمكة المكرمة والمنازل ونزولاً بكربلا واستعراضنا لكلّ الأحداث بما فيها القتال إلى أن ينتهي الأمر إلى مصرع الحسين (عليه السلام) .

وسواء كان هذا الترتيب تعيّنيّاً وهو الأقرب أم تعينياً ، فهو على الإجمال وصف للهيكل التقليدي للمجلس الحسيني عند الكثير ، ولا أقول عند الجميع فقد يحصل تغيير في مادة الجلسة نوعاً وكمّاً ، ولكن الإطار العام يبقى كما ذكرت في تحديد مناسبة الأيام . وينبغي لفت النظر إلى أنّ ذلك إذا كان الخطيب يقرأ مجلساً واحداً ، أمّا إذا تعدّدت المجالس في الليل والنهار فالنهاية غالباً لا تتغيّر لأنّ المألوف فيها من المؤشرات على أستاذية الخطيب والخروج عن المألوف قد يفقد الإشباع للسامع الذي درج على الصيغة التقليدية ، أمّا مادة البحث والمجلس عند التعدد فقد يكون فيها توسع باصطياد الأشياء المناسبة التي ترتبط بشكل وآخر بصلب الموضوع ـ هذا في المنبر العربي لا الفارسي ، فإنّ للمنبر الفارسي مساحة أوسع في ارتياد المواضيع والمضامين لست أتناولها هنا ، وإنّما لها مكان آخر قد أوفّق لإلقاء الضوء عليه ـ وعلى العموم فبعد هذه الفكرة الإجمالية عن الهيكل السائد في عاشوراء ، فما هي الأمور المتصورة التي تُقيم بسلب أو إيجاب ؟ وما هي الأمور التي قلنا أنّ الواقع لا يحتاجها ؟ ثمّ ما هي المعالجات التي تجمع بين المحافظة على تراث يشغل زاوية واسعة في وجداننا ويغرس فيها صورة للمثل العليا التي جسّدت يوم الطف والتي نتوق إلى أن نترسّمها ولو ادّعاءاً وفي الوقت ذاته هي آلية من الآليات العقائدية التي نتوسّل بها إلى تحقيق مودة ذوي القربى إلى ما هنالك من مرودد وبين التخلّص ممّا لا يلزم له بل ممّا قد يعكس الغاية المطلوبة وينتهي إلى أن تبلور عناصر لا تخدمنا مذهبيّاً عند الأمّة وقد لا تزكّى مسيرتنا في نظر المذهب ذاته وقد لا يذعن أبنائنا في قرارة أنفسهم إلى قبولها وإن أذعنوا ظاهرياً لسبب وآخر ولتوضيح ذلك على الإجمال نقول :

ـ أولاً ينبغي انتقاء مادة المنبر خالية من الشوائب والتهافت ولتكن المادة غاية في البساطة فهي خير من مادة يحسب البعض أنّها دسمة ولكنّها غير سليمة في أجزائها

ـ لا داعي لأن تستوعب المناسبة كلّ وقت المحاضرة ، وإنّما تجعل مجرّد خاتمة في نهاية المحاضرة شرط أن لا نلتمس لها صنفاً من الشعر الهابط أو النصوص المتّسمة بالركّة ممّا لا يتناسب وأهمية الموقف وكرامة أهل البيت والنهج الموزون الذي نريده لشعائرنا .

ـ أن نستفيد من حشود الذكرى فنطرح موضوعاً من المواضيع التي تعالج موقفنا من جسم الأمّة الذي يتعرّج لافتراءات لا نهاية لها أو موضوعاً أخلاقياً أو عقائدياً يشدنا إلى مدرسة أهل البيت ويحقّق مطلب الإمام الصادق (عليه السلام) بقوله : (أحيوا أمرنا) وهكذا ، لاسيّما ونحن طائفة ليس لها من وسائل الإعلام ما تعبّر به عن نفسها وحيثيّاتها إلاّ المنبر ، فحريّ بها أن تستفيد منه على الوجه المطلوب . ثمّ لابدّ في الأخير من المحافظة على المناسبة وإذكاء جذوة الحزن التي تحفظ لنا مزاجنا وأخلاقياتنا في مواساة آل محمّد ونشر ما أرادوه بمستوى الشفافية التي أرادوها وأرادها أبو الشهداء ـ أنا قتيل العبرة ما ذكرت عند مؤمن إلاّ وفاضت عيناه ـ وبهذه الصورة تمرّ الليالي على شكل موائد منوّعة لإشباع جوانب الإنسان خلقاً وعقيدة وسلوكاً . ولابدّ هنا من الإشارة إلى أنّ الخطيب إذا تعدّدت عنده المجالس يضطرّ إمّا إلى الإجترار أو إلى الإلتجاء إلى مادة غثّة أو غير موثوقة ويكون ذلك على حساب الأصالة وسمعة المذهب ـ وإن كنت أعلم أنّ لذلك علاقة بتوفير الكفاية للخطيب ومراعاة ميزانيته المالية التي لا يسدّها مجلس واحد لقلّة المردود ، وهذا أمر ينبغي أن يعالج إمّا عن طريق سدّ النقص من الحقوق الشرعية أو إيجاد مؤسسة مهمّتها التوفر على رعاية هذا الرعيل من الناس وتنظيم شؤونهم (ولهذا الموضوع مكانه الخاص) .

ـ إنّ تكريس اليوم العاشر لقراءة المقتل واستعراض الواقعة كلّها من مقدّماتها حتى النهاية وما يتبعها في حين أنّها مرّت مفصّلة خلال أيام العشرة وتكرّر سماعها في أكثر من مجلس حتى أصبح السامع يكرّر مقاطعها قبل الخطيب : إنّ ذلك يزاحم ما قد نراه أهمّ من ذلك ألا وهو شرح أسرار نهضة الحسين وأهدافها وتسليط الأضواء على الخلفيات، فإنّ الأقلام غير الشريفة لا تزال تشوّه وبإصرار موقف الحسين ، وتحاول تفريغ الواقعة من محتواها الإجتماعي ، وربطها أحياناً بأمر شخصي رخيص أو عداوة قبلية . وكلّ ذلك لإسدال ستار على نوايا الأمويين ومواقفهم من الإسلام والمحافظة على أمكنة امتداداتهم وكياناتهم وحمل مزاج قريش الذي وقف بوجه الرسالة ورفع صوت ابن الزبعري :

ليت أشياخي ببدر شهدوا***جزع الخزرج من وقع الأسل الخ .

ولكن بنبرة أخرى تصور إحياء مراسم الطف بأنّه نمط من أنماط الشعوبيّة التي تستهدف الإسلام والعرب ، وكأنّ الحسين ليس ابن سيد العرب ولا سيد شباب أهل الجنّة. إنّ استغلال يوم العاشر بما به من حشود كثيفة لتنبيه المسلمين إلى هذه اللعبة الدنيئة في تحريض الشعور القومي والغيرة الإسلامية أيضاً للوقوف بوجه هذه المراسيم وتحويل يوم عزاء النبي وآله (عليهم السلام) إلى الإتجاه لإحياء صوم كان يقوم به اليهود كلّ ذلك محاولات لا تخفى خلفيّاتها على الناقد البصير . إنّ لفت انتباه الأمّة لذلك أوليس أهمّ وأجدى من تكريس مقتل مرّ مضمونه مفصلاً ، ثمّ بعد ذلك تكريس فترة لشرح فظاعة المأساة وبشاعة المجزرة التي استهدفت قتل رسالة النبي في تمزيق صدور حامليها وإعطاء اللوعة حصة يبرد معها الغليل . وإلى هنا أكون قد أوضحت ما يتعلّق بالأمر الأول وهو الهيكلية الموروثة التي درج عليها شيعة أهل البيت تقليدياً .

ـ ثانياً وسائل استدعاء الحزن : فإنّ الخطيب قد يبذل جهداً بصورة مبالغ فيها أحياناً تحشد فيها صنوف من الشعر بلغتيه الدارجة والفصحى استحضرت خصيصاً للمناسبة وبشكل يبدو عليه التكلّف وتضاف إليه مقاطع من بعض النصوص والتوليديات للتظافر جميعها في إبكاء الحاضرين ، إنّ مسألة البكاء والدمع ونشر الظلامة وظّفت من أهل البيت لتكون وسيلة فاعلة في لفت النظر لما جرى في واقعة الطف ، وتجنيد النفوس المشاهدة لاستشعار مصيبة أهل البيت لا لتكون غاية في ذاتها تطغى على الهدف الأهم . ولقد أدّت ولا شكّ دورها وكانت سلاحاً فاعلاً حين تعذّر حمل باقي الأسلحة ولكنّها الآن لم تعد من آليات تحقيق أهداف الواقعة وإن بقيت وسيلة تحصيل أجر لما فيها من مواساة لأهل البيت ومشاركة في أحزانهم فحريّ بها أن تقدر بقدرها وأن تأتي بصورة عفوية وبدون تكلف يخرجها من الطبيعي إلى المصطنع وما أكبر الفروق بين دمعة حارّة ودمعة باردة فإن صدق العواطف يفرز دمعاً حارّاً ورحم الله شاعرنا الذي يقول :

أحرّ من دمعة شيعية***تبكي عليّ بن أبي طالب

إنّنا إذا أسرفنا وأكّدنا على الجمع على حساب الأهداف الأخرى وقعنا فيما لا ينفع بل يضرّ ، فإنّ لذلك نتائج هي : ـ حصر الحسين في نطاق الدمع والمأساة بينما هو ثورة على الباطل ومنهج سلك الشهادة لبناء مجتمع ، ولرد طغيان ، ولوقوف بوجه باطل وذلك ممّا كان الحسين (عليه السلام)نفسه يرى الموت معه سعادة ـ إنّي لا أرى الموت إلاّ سعادة والحياة مع هؤلاء الظالمين إلاّ شقاءً وبرما ـ وفي معنى هذه الممارسة يقول بعض شعراء الطف :

وضعناك في الأعناق حرزاً وإنّما***خلقت لكي تنضي حساماً فتشرع

وضعناك من دمع وتلك نفوسنا***نصوّرها لا أنت إنّك أرفع

وقد أدّى استبداد الدمع ومظاهر الحزن في إحياء مراسم الطف إلى مقاطعة أبناء المذاهب الإسلامية الأخرى لهذه المناسبات بل ومقاطعة كثير من أبنائنا أو امتناعه من الحضور لما يرون في ذلك من مبالغة ، ولا أريد من هذا أن القي ستاراً على المأساة ولا أمنع الإنفعال القهري الذي هو من الأمور الطبيعية عند الإنسان حينما يشاهد موقفاً من المواقف المأساوية إنّ كلّ ذلك منسجم مع الفطرة ويثاب عليه المسلم كما ذكرت لكونه مواساة لبيت النبوّة ، ولكن ينبغي أن يكون ذلك في حدوده ووسائله السليمة لئلاّ يوقعنا بالمفارقات .

ـ الملاحظ أنّ تكريس ردود فعلنا عن واقعة الطف بالدمع ومداومتنا عبر قرون على هذا الجانب فقط له مردود سلبي على عنفوان متوقّع ورجولة نريد لها الإستمرار ومن هنا كانت بعض القبائل تنهى وتمنع عن البكاء على قتلاها لئلاّ يبوح الجمر وذلك ما عبّر عنه إبراهيم بن الحسن عند مصرع أخيه حين قال :

سأبكيك بالبيض الرقاق وبالقنا***فإنّ بها ما يدرك الطالب الوترا

ولست كمن يبكي أخاه بعبرة***ويعصرها من ماء مقلته عصرا

ولكن أروي النفس منّي بغارة***تلهب في قطري كتائبها جمرا

فنحن أناس لا تفيض دموعنا***على هالك منّا وإن قصم الظهرا

ومن هذه المدرسة شاعر الطف السيد حيدر الحلي (رحمه الله) الذي قال :

أفلطماً بالراحتين فهلاّ***بسيوف لا تتقيها الدروع

ـ حينما طغى الدمع في مراسم الواقعة استأثر بامتلاك المزاج الشعبي والرواية التي رفعها الحسين راوياً عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله : (من رأى منكم سلطاناً جائراً مستحلاًّ لحرم الله ناكثاً لعهد الله مخالفاً لسنّة رسول الله يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان فلم يغيّر عليه بفعل ولا قول كان حقاً على الله أن يدخله مدخله) وقد يقول قائل أنّه لا ملازمة بين الدمع وذهاب العنفوان ، فالجمع بينهما ممكن ، وأقول : إنّ ذلك صحيح لو وضعنا أنفسنا في صراط الأخذ من معطيات الطف وإيحائته وتركنا للدمع مع مجيئه الطبيعي عندما يواجه الوعي أحداث كربلا المأساوية فيهمل الدمع لفظاعة المشاهد دون تعمّل أو تكلّف ويبقى للدمع حجمه دون أن يستأثر باحتوائنا ويأخذنا بعيداً عن ردود الفعل السليمة وما يناسب تلك التضحيات من مردود ، وحبذا لو تسامينا بدمعنا وارتفعنا عن أن يكون طرفاً في معاوضة من خوف عقاب ورجاء ثواب ـ وإن يكن ذلك أمراً سليماً في نفسه ـ بل أن يكون الدمع تعبيراً عن أسى لنفس حملت روح محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) وجسد ورث سماته وكيان هو خلاصة أمجاد آل عبدالمطلب تصدّت لتمزيقه سيوف كان ميدانها الدفاع عنه ولكنّه سوء العاقبة ونكسة الضمير ، أجل ينبغي أن نردد :

تبكيك عيني لا لأجل مثوبة***لكنّما عيني لأجلك باكيه

ـ الأمر الثالث الذي أشرت إليه وعبّرتُ عنه ـ إغناء المحتوى المنبري ـ والذي لابدّ من إيضاحه هو : الخروج بالمنبر عن ساحة طائفة خاصة إلى الساحة الإسلامية بل والإنسانية بداهة أنّ الحسين (عليه السلام) في تحرّكه حمل هموم الإنسان من جانب والإنسان المسلم من جانب آخر ، وعمل مجاهداً على توفير ما يصون الكرامة ويحفظ الحقوق ويرتفع بالفرد عن أن تناله أغلال الإستبعاد بشكل وآخر وهو المصير الذي انتهى إليه المسلمون في حكم الأمويين وكانت مظاهر التعبير عنه متجسّدة في واقعة الحرّة وغزو الكعبة وممارسة الولاة الأمويين ممّا حفلت به كلّ كتب التاريخ وما عبّر عنه مسلم بن عقيل في محاورته لعبيدالله بن زياد : (إنّ أهل هذا العصر زعموا أنّ أباك قتل خيارهم واستبقى شرارهم وجعل مال الله دولة بين أغنيائهم وجبابرتهم فجئنا لنأمر بالمعروف وننهى عن المنكر وكنّا أهل لذلك) وواضح من ذلك كلّه المحتوى الإجتماعي للنهضة ، فكان لابدّ من عرض الحسين (عليه السلام) أطروحة إنسانية عامة في إطارها الإسلامي بما يستلزم من إتقان المعارف ذات الصلة بالموضوع والعلوم التي تعتبر دخيلة في إعطاء المنبر الصفة العلمية

إنّ البعض يرى أنّ هذا المعنى خارج عن وظيفة المنبر ولا يدخل في مساحته بل ولا يعني الشرائح المتنوعة من رواده ، فما هي ـ مثلاً ـ أهمية أن يعرف السامع أنّ المفرد المحلّى بالألف واللام هل يستفاد منه العموم لغة أم أنّ استفادة ذلك لأنّه لا قرينة هناك على إرادة الخاص ، ولأنّ إرادة بعض الأفراد بدون تعيين الفرد المراد لا يحصل معه غرض الإفادة ، فيستفاد العموم لأجل ذلك ، وكذلك ما هي أهمية معرفة أنّ نسبة الأوكسجين بالهواء لا تبعد عن 21% وما هي أهمية معرفة أنّ الأهم عندما يقدّم على المهم فإنّ ذلك ناتج من معنى الترتآب كما يقول الأصوليون ، وهكذا ، إنّ أمثال هذا التوسع كما يقول هؤلاء لا أهمية له في موضوعنا والحقيقة غير ذلك ، فإنّي لا أريد أن تقحّهم هذه العلوم وأمثالها إقحاماً في الموضوع ، ولكن التوفّر على معرفتها مدعاة لتوظيفها في مضمون المنبر إن لزم الأمر ، هذا من ناحية ، وما هو أهمّ أنّها تسدّد الخطيب الذي أصبح يعرض الأحكام الشرعية والأصول العقائدية وغيرها ، وناحية أخرى أنّه يوفّر للمنبر في نفس السامع زخماً ومكانة تحمله على الإعتداد بعطاء المنبر وترتيب الأثر عليه ، يضاف لذلك أنّ روّاد المجالس في هذه الأيام فيهم من يهضم هذه الأمور ويهمّه الإطمئنان إلى أنّها على النهج العلمي وبعد ذلك كلّه أصبحت بحوث المنبر تسجّل وتسوق للخارج ولأناس مختلفين في ثقافتهم ووعيهم ، فإذا كان المضمون علمياً وموثقاً فسيكون ذلك مكسباً لعقيدتنا وداعياً لاحترامنا والعكس بالعكس

لقد جائني هذا العام في لندن جماعة ممّن توزّعتهم بلدان الهجرة وهم شرائح حصلوا على أعلى الدرجات الأكاديمية ، وحملوا معهم أشرطة مسجلة لبعض من يمارس القراءة وقالوا : إنّ في هذه الأشرطة روايات ادّعى القائل أنّها في كتب الصحاح عند أهل السنّة وحينما بحثنا عن ذلك لم نجد لها أثراً ، وفي هذه الأشرطة إحصاءات وادّعاءات لا تلتقي والواقع كما لا تلتقي والعلم وقد سبّب لنا ذلك إحراجاً بل وأضعف ثقة الناس في مؤسّساتنا الدينية ، فكيف تعالجون مثل هذا الأمر ؟ وقال بعضهم : كم هو قبيح أن يفقد من هو في هذا السلك أبسط مقوّماته فلا يضبط القاعدة النحوية ولا يتقن المسألة الشرعية وقد يغرق في التخريف ، فلم أدري بماذا أجيبهم وأنا أعرف أنّ المسألة تحتاج إلى معالجة جذريّة ، وقلت لهم مؤخراً : إن يكن هناك أفراد من هذا القبيل فإنّ هناك آخرين قطعوا شوطاً كبيراً في النهوض بالمنبر وفيهم ـ ولله الحمد ـ من هو أهل للمنبر على تفاوت في أحجامهم أسأل الله لهم جميعاً التسديد ، إنّي أدعو إخواني وقد قيّض الله لنا ما لم يحصل عليه أسلافنا من وسائل المعرفة وفرص النهوض بالمنبر ووفرة الإمكانات المادية إلى مضاعفة الجهد والشعور بثقل المسؤولية لامتداد المنبر إلى خارج حدودنا وتغيّر الأوضاع الثقافية والإجتماعية ممّا لا أظنّ أنّه يخفى عليهم والله الموفق للصواب .

وممّا يدخل في وسائل بناء المنبر التخصص في أبعاده ـ أي الدائرة العلمية الإسلامية وما قد يرتبط بها من علوم وفنون تخدم الهدف الإسلامي وتكون شاهداً على متانة مضمونه وأهدافه الإنسانية وللتوضيح يقال : إنّ المنبر قد يقوم بدعوة إلى تجسيد المفاهيم الإسلامية ومنها الجوانب الإجتماعية التي منها نظرية الحكم والإدارة فيشرح معالجة الإسلام لذلك ويدلّل على أنّ الإسلام ليس عبادة محضة بل نظام يتناول كلّ أبعاد الكون بالمعالجة إمّا مباشرة من النص أو بتوسط استنباطات الفقهاء ويدعو إلى تجسيد مفهوم العدل وتوفير الفرص المتكافئة من وجهة نظر الشريعة وأمثال ذلك من معالجة تتناول تقويم المجتمع وكلّ ذلك على نحو القضية الحقيقية أي على نحو التوصيف ، ولكن هل من وظيفة المنبر مثلاً أن يتناول معالجة نظام قائم بالفعل من جهات لا ترتبط بالأحكام وإنّما ترتبط بجزئيات قائمة من قبيل طريقة إسقاط الحاكم الفلاني ، أو كيف تتعامل مع المؤسسة الدولية الفلانية ، أو كيف نعامل مؤسسات الطيران الأجنبية وأمثال ذلك ؟ وهنا نقول : إنّ أمثال هذه الأمور إن كانت مشمولة لحكم شرعي أو قاعدة شرعية في حكمها فبها ، أمّا وسائل تطبيق ذلك ممّا يخضع إلى معادلات دولية وعلائق متشابكة فتترك لذوي التخصص يستعين بهم الحاكم المسلم في تنقيح الموضوع ودراسته حتى يطبّق عليه الحكم ، أمّا دخول المنبر في عملية مواجهة حول ذلك وهو لا إلمام له بالشؤون السياسية ولا الإطّلاع على خلفيّاتها فتترتّب عليه أمور لا تخدم المسلمين بل قد تؤدّي إلى العكس وذلك لأنّ :

1 ـ الدعوة مثلاً إلى مقابلة فلان الحاكم علانية عمل أبله وليس مكانها المنبر بل مكانها أقبية العمل ودهاليز السياسة فليس من الحكمة في أن تستحثّ عدوّك ليتهيّأ لك

2 ـ إنّ الأنظمة القائمة على القهر والظلم لا تحرّكها أو تزحزحها كلمة رنّانة ولا جملة مرصوفة لأنّها قد تدرعت بوسائلها الجهنّمية وأدواتها الفاجرة ولها أذن صمّاء

ـ إنّ لكلّ عمل كما لكلّ علم مناهجه ووسائله كذلك للإنجازات السياسية مناهجها المعرفية والأدواتية وأمكنة العمل الملائمة . فمن الرقابة بمكان ما يقوم به البعض من استعراضات هي للتهريج أقرب منها للعمل المنتج ، وهي إمّا تكون صادرة عن بساطة على أحسن الفروض أو عن هدف تجاري رخيص قد يضع المبرّر في يد نظام ما لضرب المؤسسات المسلمة دون شيء تجنيه من وراء ذلك ، وكم من تضحيات ذهبت هدراً ودماء راحت بدون ثمن لأنّها عولجت من غير أهلها وفي غير محلّها ولأنّها لم تتّقن وسائلها . ولا أقول أنّنا يجب أن نكبل المنبر عن أداء وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع توفّر شروطهما ولكنّني اقول يجب أن يتخصّص القائم بذلك في معرفة المعروف والمنكر وطرق معالجتهما حتى نكون في دائرة الضوابط الشرعية وحتى لا يسفك الدم ويذهب الجهد وتجهض المقاصد ونكون بعد ذلك وجهاً لوجه أمام المسؤولية من الله تعالى . فمن أهمّ مقوّمات المنبر إذاً النضوج في المعالجات والوقوف عند ضوابط الشريعة .

ومن ذلك كمثل أمر التطفّل على مائدة ليست من موائدنا وادّعاء أنّنا أسهمنا في طبخها ويتمّ ذلك بأسلوب يهبط بالمنبر إلى مستوى يحمل على السخرية . يقول أحدهم : إنّ الإسلام هو الذي وضع الأوليات التقنية لعلم الطيران وذلك لأنّ عباس بن فرناس صنع له جناحين من ريش وحاول أن يطير ففشلت التجربة لأنّه لم يصنع ذيلاً له فسقط ، فلو كان عباس بن فرناس عضواً في مؤسسة أُسست لذلك لقلنا أنّها أوليات جاءت من مؤسسة إسلامية ، ومثل أن يأتي خطيب فينقل عن مفسر أنّ القرآن الكريم قد أشار إلى الطائرات النفاثة لأنّ ذلك هو معنى قوله تعالى : ( والنازعات غرقاً ) الخ وهكذا . إنّ هذه الأمور لا صلة لها بالإسلام حتى يتبنّاها منبر إسلامي ، وليست ممّا يرفع قدر الإسلام لأنّ الله تعالى خلق الإنسان الذي صنعها فما قيمة صنعها بالقياس للإنسان ، وما أجدر المنبر بأن يتوفر على معالجة ميادين الحياة التي غطّاها الإسلام من أبعادها المختلفة ، فما زال للمنبر دور في أكثر من ميدان بأشدّ الحاجة للمعالجة على مستوى الفرد والجماعة وما زال الفرد المسلم في الأعم الأغلب يجهل الكثير من أحكام أفعاله داخل الأسرة أو في العمل أو حتى في ممارساته الشخصية .

ـ وبقي بعد ذلك ما أشرت إليه من طريقة المعالجة للواقع القائم التي انقسم ذوو الشأن فيها إلى قسمين : الأول يرى أنّ المعالجة يجب أن تكون على شكل سريع وحاسم ولا جدوى من المعالجة البطيئة وحججهم في ذلك هي :

ـ أنّ هناك في هذا الوقت قبولاً واستعداداً في النفوس بفعل عوامل مختلفة لإصلاح المنبر فينبغي أن نبادر لاستغلاله فربّما لا يستمرّ وتذهب علينا الفرصة ـ إنّ المعالجة البطيئة تترك الباب مفتوحاً للنوع الهابط من الدخول إلى عالم المنبر فبينما نكون قد قومنا شريحة تكون شرائح أخرى مقابلة قد دخلت وهي تحتاج إلى علاج بينما إغلاق الباب إلاّ لفئة مختارة يوفر علينا كلّ هذا الجهد

ـ إنّ الأمر لا حلّ وسط فيه فإمّا أن يكون أو لا يكون فما الداعي للبطىء بل لابدّ من عمل جذري حاسم يعمل على إيجاد النوع المطلوب وإبعاد من لا يراد عن الساحة هذا إلى أمور أخرى يراها دعاة الحسم السريع ويقابل ذلك القائلون بالتؤدة والعمل المتأني وأهم مبرّراتهم

آ ـ إنّ ما يدعى من استعداد للإصلاح موجود دائماً لا يخشى عليه ما دام هناك نزوع رائده خدمة الدين والعقيدة فلا داعي لحرق المراحل ب ـ إنّ كلّ منبر موجود بالفعل هو طاقة ولو كانت محدودة أو ساذجة فما المبرّر لإهدار هذه الطاقة فإذا قيل أنّها طاقة سلبية فالمفروض أن نلتمس لها وسائل تحوّلها إلى طاقة إيجابيّة بدون أن تهدرها

جـ ـ إنّ طبيعة المعالجة البطيئة أقرب إلى التكامل والتعرّف على الثغرات من السريعة التي قد لا يتبيّن معها ما قد أنجزناه بالسرعة د ـ إنّ العمل على إيجاد منبر مرتفع عن طريق حشد شروطوضوابط شديدة قد يمنع من إقبال الكثير على هذه المهنة لأنّها أولاً ليست كالوظيفة مضمونة الأجور ، ولا هي مضمونة القبول عند الناس فقد يوفّق الخطيب وقد لا يوفق وثانياً : لأنّ متطلّبات النجاح بها أصبحت صعبة من حيث المعلومات وتوفير ظروف ممارستها من ناحية سياسية واجتماعية ، وثالثاً أنّ الأعباء التي ينوء بها المنبري الضليع تهدمه بسرعة لثقلها وإذا انهدم قد يتعذّر عليه القوت لأنّه ليس هناك من يكفله كما في باقي المؤسسات ـ وليس ذلك قلّة ثقة بما عند الله تعالى ، ولكنّ الله تعالى ربط الأسباب بمسبّباتها فيما خلق ، وعلى العموم ومع ذلك كلّه ما هو المبرّر لنا لإضافة أعباء بالإضافة لما ذكر والحيلولة دون إنسان ورزقه لم لا نقبله على علاته ونطوّر خطاه ونتركه يرتفع بمستواه تدريجياً هـ ـ ردود الفعل بالعمل السريع ليست بمأمونة لوجود عوامل متحركة قد لا تسهل السيطرة عليها لاسيّما مع وجود تجارب سبقت فيما أردناه بشكل سريع وحاسم . من أجل ذلك كلّه فالمعالجة الهادئة مع قيادة الخطى أسلم وأوصل للهدف ورحم الله شاعرنا إذ يقول

قد يدرك المتأني بعض حاجته***وقد يكون مع المستعجل الزلل

إنّ هذه مجرد نماذج بسيطة لآراء الطرفين وهي ما يبدو للذهن بادىء ذي بدء وإلاّ قد تكون هناك عوامل أخرى في منظور الطرفين . وليس من المتعذر تبني الرأي الأصوب نسبياً وذلك كلّه بعد إيجاد المؤسسة التي تعالج وأين هي . وقد يتصور البعض أنّ أمثالي منوط به إيجاد مثل هذه المؤسسة ولكن ذلك رأي بدون تمحيص شامل لأسباب طويلة وبالإجمال ينبغي أن تكون المؤسسة الخطابية من أعمال المرجعية صانها الله وحفظها ووجهاً من وجوه نشاطها العلمي فهي الأقدر والناس لها الأطوع وإمكاناتها مادياً ومعنوياً هي الأوسع وهذا ما سأفرد له عنواناً خاصاً .