![]() |
|
البيئة بقسميها الطبيعية والإجتماعية تتدخّل تدخّلاً مباشراً في نشاط الإنسان الإقتصادي والإجتماعي وحتى حركته من حيث القوّة والضعف ، وخطباء المنبر من ضمن من يتعرّضون لهذا التأثير كما سنرى بعد استعراض بيئة النجف بقسميها .
إنّ بيئة النجف الطبيعية بيئة قاسية اشدّ القسوة لأنّها في وسط صحراء وليست على نهر أو ينابيع وما فيها إلاّ آبار عميقة القعر يستخرج مائها للتنظيف والإستعمال الشخصي ، أمّا ماء الشرب فيصلها عن طريق جدول يتفرّع من الفرات عند جنوب أبي صخير ويمشي في بحر النجف حيث تعيش عليه زراعة بسيطة وينقل مائه بالقرب للشرب وبقي الحال هكذا حتى أوائل العقد الخامس الميلادي بعد الألف والتسعمائة حيث مدّت الأنابيب من مشروع حكومي للماء والذي سبقه مشروع صغير أسّسه معين التجّار وكان يقتصر على بيوت خاصة . ومن الطبيعي أنّ الخير والنماء موقوفان على الماء .
وقد عاشت النجف حياة قاسية في فترات شحة الماء لسبب وآخر يضاف لذلك حرارة الجو وجفافه والذي يتحوّل البلد معها إلى أتون من اللهب كنّا نضطرّ معه أن نلتجىء إلى السراديب التي تهبط عن مستوى سطح الأرض أحياناً إلى خمسين سلمة وقد نبيت ليلا فيها إذا وقف الهواء ، والذي يساعد على الشعور بالشفاء ندرة المال ويبوسة الحياة وقلّة الأعمال إلاّ بعض الحرف البسيطة والمحدودة الأمر الذي أدّى إلى أنّ من يعرف بأنّه غني لا يتجاوز عدد الأصابع .
وكان من أهمّ موارد النجف ما تحصل عليه من مواسم الزيارة وتجهيز الجنائز التي تنقل لتدفن في وادي السلام كما هو معروف ، ولست بصدد الإفاضة في ذلك فالمسألة معروفة . ولكنّي أريد لفت النظر إلى أنّ بلداً كهذا تشحّ فيه الموارد ، وتشتدّ فيه المنافسة في طريق الحصول على الرزق ، فإنّ معظم شرائح السكّان لا وفر لديهم إلاّ ما يسدّ حاجاتهم الأساسية ، فكيف يتاح للقاعدة أن تكون في توسّع بالأمور المستحبّة كعقد المجالس الحسينيّة . فكانت المجالس معدودة ومقصورة على المبرزين وبعض الأفراد ذوي السعة ثمّ بعد ذلك ومع تنامي الأحوال بدأت تنعقد مجالس على مستوى المهن والفئات مثلاً مجلس باعة الأقمشة ، ومجلس تجّار الحبوب ومجلس الخياطين ومجلس النسّاجين وهكذا . وكان الوسط الديني ينقسم إلى قسمين رئيسيين هما ـ رجال الدين ـ الملائية ـ والخطباء . أمّا الملائيّة فموارد تعيشهم من الحقوق الشرعية والهبات والمصادر الأخرى ذات العلاقة بذلك . وأمّا الخطباء فمورد تعيّشهم مقصور على ما يحصلون عليه من القراءة في المجالس التي تقام لإحياء ذكرى الحسين (عليه السلام) سواء في النجف أو خارجه ، ولك أن تتصوّر مقدار التنافس وشدّته مع قلّة المجالس وكثرة من يمتهن الخطابة ، ومن يمتهن الخطابة عدد كبير لأسباب كثيرة لا أريد شرحها . وتصل الأمور من أجل الحصول على مجلس بسيط داخل النجف إلى حدّ التملّق لبعض الأشخاص والمجاملة غير المعتادة والوساطة أحياناً وقد يمنّون على من ينتدبونه لقراءة مجلس من المجالس المشهورة ويشعرونه بأنّه فُضّل على غيره . وبالجملة فإنّ عدّة اعتبارات تتدخّل في اختيار الخطيب وتفضيله على غيره وإن لم يكن أفضل ، ولكنّه مرتبط بمن بيده أمر المجلس وهذا كاف في اختياره ، إلاّ أن يفلت بعضهم من هذه الاعتبارات لحصوله مثلاً على قبول في الأوساط أو شعبية طاغية ومع ذلك لابدّ له من أن يدفع ضريبة بقراءة بعض المجالس لبعض الأسر البارزة من رجال الدين أو غيرهم إمّا بأخذ أجور بسيطة أو بعدم أخذ أجور بالمرّة وإلاّ تعرّض إلى متاعب . هذا في داخل النجف ، أمّا في خارجه فغالباً ما تكون المجالس التي تطلب الخطيب في بعض البلدان يتمّ طلبها بواسطة وكيل العام هناك أو رجل الدين المقيم بالنجف والمرتبط بهم ولابدّ من ثمن لذلك إمّا بقراءة مجلس بدون أجور أو بأمور اعتبارية ، وسواء كان المجلس داخل النجف أو خارج النجف فإنّ بساطة الأجور في تلك الأيام تضطر الخطيب إلى قراءة أكثر من مجلس في داخل النجف وعدد أقل في خارجه خصوصاً أيام العشرة الأولى من المحرم ، ويؤدي ذلك أي كثرة المجالس أن تكون الكمية على حساب الكيفية ، فقد يجترّ الخطيب نفس المعلومات وقد يأتي بمواضيع ركيكة يحشرها في قلب المناسبة ، هكذا كانت الحالة الخطابية بالنجف تتحكّم بها عدّة عوامل سأتناولها بعد هذا الفصل ، وأهمّ تلك العوامل العامل الإقتصادي . وقد تكون الصورة غير مستوعبة لكافّة أبعاد المشهد ولكنّها بصورة تقريبية هكذا ، ولكن هناك موضوع مهم لا يسعني تركه وسأحاول الإشارة إليه باختصار : لقد كانت هناك علاقات غير منسجمة بين الملائية رجال الدين ، وبين الخطباء ، فرجال الدين في تلك الأيام وقبل أن يتثقف الخطباء وينخرطوا في سلك طلبة العلم من حيث الدراسات الفقهية والأصولية والعقائدية كانوا لا يحترمون مثل هؤلاء لأنّهم يرونهم جهالاً كما أنّ هناك شرائح من الذين امتهنوا الخطابة لم يكونوا بالمستوى المطلوب من حيث السمت والوقار والإلتزام بالآداب الشرعية ممّا حمل رجال الدين على عدم احترام هذه المهنة وكانوا يعبّرون عن الخطيب بنبرة امتهانية بأنّه ـ روزخون ـ وحتى سمعت بعضهم يعبّر عن بعض الخطباء بأنّه روزخون أجلّكم الله . وطبعاً هؤلاء ليسوا من الملائية من الوزن المحترم ممّن تمنعه آدابه ودينه وأخلاقه من مثل هذا ، ولكن نوعاً ما كان هؤلاء في تعاملهم مع الخطباء يتعاملون من موقع متعال ، ويقابل ذلك أنّ الخطباء كانوا يتصوّرون أنّ الملائي لا يقوم بعمل يستحقّ به هذه الإمتيازات التي يرونها تغدق عليه حتى ولو درس وكان فاضلاً فإنّما يهذّب نفسه ، فما هي مبرّرات أن يأخذ راتباً شهرياً من أكثر من جهة ويعامل بغاية الإحترام ، وإذا عجز وكبر لا يترك بل يرفد برواتبه إلى ميزات أخرى كثيرة ، في حين إذا كبر الخطيب نُسي ومُحي من صفحة المجتمع واضطرّ لأن يتكفّف كما رأيت كثيراً منهم وصل إلى هذه الحال . هكذا كان الموقف بين هاتين الفئتين يشوبه التوتّر في الأعم الأغلب إلاّ في حالات استثنائية إلى أن أخذت هذه الحالة تقلّ تدريجياً بسبب عوامل كثيرة أهمّها ـ ارتفاع المستوى الإقتصادي بصورة عامة بعد دخول النفط للساحة ممّا قلّ من أسباب الإحتكاك التي كانت تحدث لأسبابه الإقتصادية ـ نشوء أعداد لا بأس بها من الخطباء الذين سلكوا طريق طلاّب العلم من حيث التحصيل والتنوّع في المعلومات ممّا فرض لهم موقعاً محترماً وممّا جعلهم جسراً بين الفئتين وأدّى إلى التقارب وامتصاص التشنّج يضاف لذلك أنّ بعض الملائية أخذ يقرأ المجالس بالخارج لأسباب مختلفة ـ ارتفاع مستوى الأخلاق بالوسط الديني بكلّ أقسامه بصورة مشاهدة وملحوظة لدى المتنبّه نتيجة أسباب متعددة منها وعي رجل الدين الملائي والخطيب لموقعه ولذاته وتغير نظرة المجتمع لهم بفضل ارتفاع المستوى الثقافي والإجتماعي ـ انتشار وسائل الإتصال وسهولة الإحتكاك بالشعوب الأخرى التي تعطي رجل الدين معلّماً ومرشداً أو مدرّساً مكانة محترمة والإقتباس من ذلك ـ انخراط بعض رجال الدين في مؤسسات الدولة والأعلام مدرّسين ومحاضرين بحيث تحوّل وجودهم إلى جزء من فعاليات الدولة الإجتماعية ولم يعودوا على الهوامش كما كانوا ممّا أعطى لكثير من أفرادهم مكانة تكفيه عن التطلّع لمكانة الآخرين ومنافستهم وبالتالي منع حدوث الإلتهاب . كلّ ذلك يمسح هذه الظاهرة تقريباً من الخريطة الإجتماعية إلاّ القليل النادر الذي هو باق ببقاء أسبابه المزعومة على مستوى وآخر وأهمّ انعكاسات هذا العامل الذي ذكرته كانت انعكاسات نفسية عند الخطيب كانت تتركه يشعر بالدونية وضآلة المقام والإحباط ممّا قد يسبّب عدم حماسة لتعميق قدراته العلمية والخطابية ما دام لا يحظى بالمكانة المناسبة مع قيامه بأعباء ثقيلة وتعرّضه لأخطار متنوّعة خصوصاً مع تشعّب علائق المجتمع وتشابكها على المستوى المذهبي والمذاهب الإجتماعيّة المعاصرة وتصدّيه للذبّ عن دينه الإسلامي وعقيدته المذهبيّه حتى أنّ الكثير تعرّض إلى مآسي من التشريد والملاحقة بأهله وماله وبالتالي بنفسه واستشهد الكثير منهم تغمّدهم الله برحمته على أيدي الجلاّدين والقتلة ولم يحصلوا مع الأسف الشديد على شيء من الإشادة بمواقفهم والإشارة إلى تضحياتهم وحتى أنّهم لم يجدوا من يتفقّد أهلهم إلاّ لماماً من بعض المراجع مدّ الله في عمره . ولا تزال بقية من ذلك أرجو أن تزول وأن يعمل الخطيب على سدّ الثغرات التي دخل منها هذا العامل من حيث الإرتفاع بمستواهم علمياً وسلوكياً وأخلاقياً وهم إنّ شاء الله فاعلون ، ولي أمل كبير بأنّ عناية الله تعالى لا تفارقهم بسبب موقعهم من نشر الفكر والعقيدة وإيقاد شعلة الطف التي وفّر لها أبو الشهداء وقوداً من دمه ودماء الأبرار من العترة والصحابة . وما أحراهم بأن يأخذوا بزمام المبادرة إلى جانب إخوتهم من حملة العلم ، فإنّ الدرب واحد والغاية متّحدة والشوط يدعونا معاً للجهاد في سبيل العقيدة بروح مؤمنة عالية وكلّ من الطرفين إن شاء الله تعالى مشعل يضيء الدرب للسالكين على ضوء شريعة الله تعالى ومنهج حملة الإسلام الأبرار |