![]() |
|
1 ـ أسلوب الطرح وهو أمر مهم يكون له أبلغ الأثر على السامع كما يحدد مكانة الخطيب ومنزلته من نفوس السامعين ومن سكب المضمون الذي يريد إيصاله إلى الآخرين في عبارات مناسبة ومهذّبة تخلو من التبجح والإدّعاء وتستعمل المفردة التي لها وقع في نفوس الجمهور فإنّ المفردة الكلامية كما يكون لها في الشعر دور كبير كذلك هي في النثر . لقد رأينا النقاد الأدباء يشيّدون بقول الشاعر : «وسالت بأعناق المطي الأباطح» فيعتبرون كلمة (سالت) هنا هي عماد القصيدة ، وكذلك يعتبرون جملة وردت في رثاء متمّم بن نويرة لأخيه مالك بن نويرة (رحمه الله) ذات تأثير كبير وهي لقد لامني عند القبور على البكا***رفيقي لتذراف الدموع السوافك وقال أتبكي كلّ قبر رأيته***لقبر ثوى بين اللوى فالدكادك فقلت له أنّ الشجا يبعث الشجا***فدعنى فهذا (كلّه قبر مالك) ذكره الأغاني في رثاء متمم لأخيه وذلك في ترجمة متمّم والكامل للمبرّد وديوان الحماسة لأبي تمام . أمّا في النثر فإنّ القرآن الكريم والحديث النبوي وأحاديث الصحابة وأهل البيت طافحة بالشواهد على ذلك . وممّا له صلة بأسلوب الطرح هو تفصيل الثوب من الألفاظ بقدر المعنى بدون أن يكون فضفاضاً أكبر من المطلوب أو ضيّقاً أصغر من حجم المشمون وأذكر هنا حادثة جرت للمأمون مع أحد الأعراب : فقد صعد المأمون المنبر في أحد الأيام وانطلق بخطبة ورأى من نفسه انشراحاً فأطال وأكثر من الألفاظ للمعنى الواحد ، ولمّا نزل سأل ذلك الأعرابي وقال له : ما تعدّون الفصاحة والبلاغة عندكم ؟ قال الإفادة مع الإيجاز . فقال : فماذا تعدّون العي ؟ قال : ما كنت فيه منذ اليوم يرحمك الله . إنّ لهذا المعنى دوراً مهمّاً في مقبوليّة الخطبة والخطيب . ومن أهمّ ما يتصل بأسلوب الطرح ارتباطه بظروف الأداء من مختلف جهات الظروف ; فبعض ما يطرح في زمان قد لا يصلح للطرح في زمان آخر ، وكذلك بعض ما يطرح في بعض الأمكنة قد لا يطرح في مكان آخر ، فليس من الذوق في شيء أن تطرح في مجلس كلّه من الناس العاديين الأدلّة الأصوليّة أو الفقهية على أنّ الغسل أو المسح على الرأس في الوضوء هل يستوعب الرأس كلّه أم يكفي بعضه بل يذكر لهم مجمل نتيجة الأدلّة في كفاية مسح بعض الرأس . وأمّا مقارعة الدليل بالدليل والحجّة بالحجّة فهذا من شأن ذوي الفضل والمكانة العلميّة . وبالجملة إنّ أسلوب الطرح مهارة يجب أن يتقنها الخطيب ويتصيّدها من مصادرها وخصوصاً من أساتذة الفن . 2 ـ كذلك إنطلاقاً من التعريف يتعيّن تتبّع العلامات البارزة والأحجام المرموقة التي لها إسهام في المشاركة بالطف فإنّ ذلك بالإضافة إلى كونه مادة دسمة في مضمون المنبر فإنّه يثبت معنى القدوة في نفوس قد تكون ضعيفة تشعر بالتذمّم من ممارسة أمثال هذا اللون من الشعائر ، فعلى سبيل المثال إذا عرف السامع أنّ شرائح متنوّعة ولامعة في تاريخنا كانت تقيم مجالس العزاء للحسين كالفاطميين وتفاصيل ما كانوا يقومون به وكالبويهيين والحمدانيين وبعض حكّام الهند من غير المسلمين ومثل ما روي عن رأس الجالوت كما نصّ عليه ابن سعد في الطبقات حيث ذكر أنّه قال للأمويين : والله إنّ بيني وبين داود لسبعين أباً وإنّ اليهود لتلقاني لتعظمني وأنتم ليس بينكم وبين نبيّكم إلاّ أب واحد وقتلتم ولده ، ومثل إسهامات الكتاب الغربيين في تأبين الحسين ممّن تعرّضت لهم كتب الطف . إنّ كلّ ذلك ينبغي أن تشرح تفاصيله تحقيقاً للهدف المطلوب من أهمّية الواقعة وتأصيلها في النفوس بما لها من زخم يلتقي والأهداف التالية التي سنعرض لها . 3 ـ العمل بمهارة على وضع المستمع المسلم أمام مسؤوليّته في عدم التحرّج من عمل يحبذه الإسلام بتشريعه وإشخاصه نظريةً وممارسةً ودعوة المسلمين إلى فهم ذلك جيّداً لجعل المسلمين في هذه الأجواء وعدم ابتعادهم عن أمر يحقّق لهم أجراً وإفادة في فهم خلفيّاتنا التاريخيّة وتصحيح كثير من المسارات التي أخذ المنبر يساهم في إلقاء الضوء عليها ، فأنا واثق من أنّ كثيراً من المسلمين يجهلون أدلّة مشروعيّة المجالس الحسينية وإباحة البكاء على مطلق الموتى من المؤمنين والحزن عليهم ورثائهم بدليل بكاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم مات عمّه أبو طالب ويوم شهادة عمّه حمزة ويوم شهادة شهداء مؤتة ويوم وفاة ابنه ابراهيم ، وبكاء سيّدة نساء العالمين فاطمة (عليها السلام) على جعفر بن أبي طالب وأمر النبي بالبكاء على حمزة ، وبكاء عمر بن الخطاب على أخيه زيد وبكاء عائشة أمّ المؤمنين عند قبر أخيها عبدالرحمن وبكاء الخنساء وهي صحابية جليلة على أبنائها ورثائهم وهكذا(1) . وقد روى ابن عساكر بإسناده إلى عكرمة مولى ابن عباس وهو من مصادر أهل السنّة وشيوخهم أنّه قال : عجباً لقول الناس يزعمون أنّ عمر بن الخطاب نهى عن النوح ولقد بكى على خالد بن الوليد بالمدينة سبعاً ومعه نساء بني المغيرة يشققن الجيوب ويضربن الوجوه وأطعموا الطعام تلك الأيام حتى مضت وما نهاهنّ عمر وقد روى ذلك البلاذري في أنساب الأشراف في ترجمة خالد بن الوليد(2) وأعتقد أنّ التوفّر على مثل هذه الوقائع لا يترك مجالاً لمعترض ويحمل المسلم على الإذعان . وفي الوقت ذاته التحرّك بحذر ومنتهى البراعة في إدانة خصوم أهل البيت ومن اشترك في أحداث واقعة الطف وذلك كعمليّة ترويض لأعصاب كثير من المسلمين الذين لا يسهل عليهم الإعتراف بأنّ يزيد وأهله يمكن أن يصدر منهم ذلك وهم يتمتّعون بحصانة الصحابة ، إنّ العمليّة تحتاج إلى صبر طويل وجهد كبير لعرض الآثار المرويّة في ذلك وإيراد آراء علماء أهل السنّة في تقال يزيد مثل الكياهراسي وابن مفلّح والحسيني وأبو يعلى الحنبلي والألوسي وغيرهم(3) . إنّ التفكير السائد عند القاعدة الشعبيّة من أهل السنّة بل وحتّى الخواص لا يسمح بالقدح بمن حكم ، فالحكّام عند هؤلاء هم شريحة مقدسة : يقول الإسفراييني : تنعقد الإمامة بالقهر والإستيلاء ولو كان فاسقاً أو جاهلاً أو عجمياً . وقال المحاسبي : جمهور السلف على أنّه إذا أحسن ـ أي الإمام ـ كان صلاحاً للرعية ، وإذا أساء وفجر كان فساده جوراً في الرعية ، والصبر على الإقامة معه وترك مفارقة دولته جائز ، ويكون بينك وبينه ستر الخ .. وقال حذيفة : ليس من السنّة أن تشهر السلاح في وجه السلطان ، قال النبي : (سترون بعدي فتناً وأثره . قيل : فما تأمرنا بعد يا رسول الله ؟ قال : أعطوا الحقّ الذي عليكم وسلوا الله الذي لكم) ثمّ قال : وهذا أصل عظيم من أصول الإسلام) . وبالجملة المسألة من الواضحات في الآثار السنيّة وقد أشبعت بحثاً وتفصيلاً والتمس لها كثير من الأدلّة ونشأ عليها القوم وعند التأمّل لا نجد لذلك مبرّراً إلاّ أنّهم وصلوا للحكم ولا يسعني في هذه العجالة أن أشبع البحث في تتبّع أقوالهم التي تؤكّد أنّ المبرّر الوحيد هو كونهم حكّاماً . وإذا كان ذلك كذلك فليس من السهل تحميل هؤلاء الحكّام شيئاً من المسؤوليّة هذا من ناحية . ومن ناحية أخرى من غير اليسير إدانتهم بما فعلوا وسترمى بالكذب إن نسبت لهم شيئاً من المعاصي وقد تترافق مع ذلك ملاكات أخرى تشكّل سبباً مهمّاً لهذه المواقف ويعرف ذلك جليّاً في الموقف من المتوكل العباسي ـ محي السنّة ومميت البدعة ـ ومن وطّد أركان الدين وإن عمل الدواهي وأسرف في سفك الدماء وجاهر بالمعاصي وعاش بين فجور الجواري ومجون عبادة المخنّث وولع بالخمر حتى آخر أيامه حيث قتل وهو سكران ووقع لحمه في كؤوس الخمر ممّا بعث البحتري أن يرثيه بقوله : هكذا فلتكن منّا يا الكرام***بين ناي ومزمر ومدام بين كأسين أردياه جميعا***كاس لذّاته وكأس الحمام فيتعيّن والحالة هذه على الخطيب أن يتحرّك بوعي وحذق عند معالجة أمثال هذه الجوانب وإلاّ سنخسر شريحة كبيرة نريدها أن تفهم مواقفنا . وإنطلاقاً أيضاً من نعت الخطيب بأنّه حسن الخطبة فإنّ حُسن الخطبة مفهوم يندرج تحته مضافاً إلى حسن المفردات اللفظية حسن التعليل المؤدي إلى إصابة الهدف الذي يريد الخطيب إقناع الجمهور به . فليس بالتعليل الناضج ولا المقبول وضع واقعة الطف في الدائرة الشخصية التي حاول البعض أن يحشرها فيها إمّا عن غفلة أو سوء قصد في حين أنّ ثورة الحسين (عليه السلام) حملت هموم الإنسان بما هو إنسان ويدخل ضمن ذلك الإنسان المسلم بصورة أكيدة ودليل ذلك أنّها حملت أطروحتها التي هي مبادئ الإسلام التي هبّت تصارع مبادئ الجاهليّة والتي أيقظها يزيد بعد أن خمدت فترة طويلة ونحن نعرف أنّ مبادئ الإسلام أحكام موضوعها هو الإنسان وجوداً وإدامةً كما أنّها تحمل معالجة الثغرات التي يتعرّض لها المجتمع من ظلم وجور ومفارقات أخرى من أمراض إجتماعيّة تنخرّ في جسم الأمّة . إنّ هذا المضمون في تحديد هوية الثورة أوضحته جملة من النصوص التي جاءت على لسان الحسين (عليه السلام) ولسان مسلم بن عقيل (عليه السلام) ولسان زينب بنت علي (عليه السلام) وغيرهم ممّن هم في صميم الحركة ومن هم في قلب الصدق من تشخيص البواعث وستأتي الإشارة لذلك إن شاء الله . فموقف الحسين (عليه السلام) يوم الطفّ هو موقف المقاتل دون القيم التي لا حياة بدونها إلاّ نمطاً من الحياة لا يلتقي والكرامة الإنسانيّة ، ولعلّ أبلغ وأبدع صورة رسم الحسين (عليه السلام)بها هذا المعنى هي قوله في خطبته التي وصف بها الأمويين وموقفهم من الأمّة التي جاءت تقاتل وتدافع عن قاتليها ـ من غير عدل أفشوه فيكم ولا أمل أصبح لكم فيهم ـ فهم بالفعل يحكّمونكم بالجور والعدوان ، ولو كان هناك منفذ للخروج من هذا الواقع المرّ لهان الأمر ولأصبح التطلّع إلى الخلاص مبرّراً للتحمّل الموقّت ، ولكن لا أمل أصبح لكم فيهم ، فأنتم أسارى في قبضة الواقع المرّ وأرواح في قبضة اليأس من التغيير فهل بعد هذا النصّ وأمثاله ممّا يكشف حمل الحسين لهموم الأمّة أن يتصوّر البعض أنّه إنّما قاتله يزيد وقاتل هو يزيد من أجل عداء بين أسرتين أو من أجل أنّ الحسين (عليه السلام) كسب الجولة في خطبة أرينب بنت إسحاق دون يزيد فكان ذلك باعثاً على العداء ، ـ ولسنا نمنع أنّ ربّما يكون شيء من ذلك في دائرة وعي يزيد ولكنّه ليس هو السبب في إصرار يزيد على قتال الحسين وحدوث واقعة الطف ولكنّه التيّار الجاهلي القرشي بكلّ تداعياته حشد قواه ليصارع قيم الإسلام التي لا تلتقي مع الأمويين خلقاً ولا وضعاً ، إنّها الجاهلية أرادت أن تعيد لها مكاناً تحت الشمس مرّة ثانية وإن لبست ثوباً من أثواب الإسلام وحملت شعار الوقوف بوجه شقّ عصى الطاعة ومحاربة خليفة المسلمين ، ولكن ظهر من تحت هذا الثوب وجه عبدالله بن الزبعري استعار سحنته واستعادها استشهاد يزيد بأبياته التي منها : لعبت هاشم بالملك فلا***خبر جاء ولا وحي نزل وقد عقّب البيهقي بعد استعراض أبيات عبدالله بن الزبعري بقوله : إن كان (يزيد) قاله فقد ضمّ إلى فعل الفجّار في قتل الحسين وأهل بيته أقوال الكفار ، وما أدري ما موقع إن الشرطية هنا بعد أن اعترف أنّه قتل الحسين (عليه السلام) وأهل بيته ، ومن يقدم على قتل الحسين فهل يتوقف من الإعلان عن حقد مكبوت ونزعة قبلية حاقدة وما كان استهداف الحسين جسداً بقدر ما كان مستهدفاً مبادءاً وموقفاً وهو موقف كافر . وما فات السيدة زينب بنت أميرالمؤمنين أن تلزمه تبعة ما طفح على لسانه وذلك بخطبتها حيث قالت : «ثمّ تقول غير مستأثم ولا مستعظم لأهلّوا واستهلّوا فرحاً منحنياً على ثنايا أبي عبدالله تنكتها بمخصرتك» وخطبة السيدة زينب وثيقة دامغة وقد أوردتها جملة من المصادر الموثوقة ومنها نثر الدر للآبي ومقتل الخوارزمي وغيرهما . وهذا المزاج لم يقتصر على يزيد بل هو مزاج جملة الأمويين إلاّ القليل ، أوما وقف عمرو الأشدق يخاطب النبي وقد توجّه لقبره ليقول له ثار بثارات بدر يا محمّد ثمّ يقول عجّت نساء بني علي عجة***كعجيج نسوتنا غداة الأرنب إنّ هذه النصوص تثبت أنّ الصراع بين تيّارين علوي حمل الإسلام وأموي حمل الجاهلية وإذا كان ذلك هو جوهر الصراع فالنتيجة الحتمية أنّ محتوى نهضة الحسين هو اجتماعي ضرورة أنّ الإسلام جاء لحماية الإنسان وجوداً وحقوقاً . وهذا المعنى هو الذي يسلك نهضة الحسين ومنبر الحسين تبعاً لها في أفق أوسع من الأفق الخاص ويحمل المنبر مسؤولية الصعود إلى هذا المستوى ، فإذا تخلّف عن ذلك فلا يمكن أن يقال أنّه بمستوى المسؤولية . وينبغي التنبّه هنا إلى نقطة وهي أنّنا عندما نصرّ على إدانة الأمويين على موقفهم يوم الطف وعلى ضرورة بقاء المنبر نافذة تطل على مساحة واسعة منها مساحة كربلاء بملابساتها فإنّ سرّ ذلك ليس الحقد على الأمويين وقد ماتوا وذهبوا ، ولا نبش الضغائن كما يذهب إليه تصور البعض ، ولكن نريد تصحيح المسار في تراثنا التاريخي الذي يتفاعل مع أمزجتنا ويربّيها وبناءاً على هذا فأيّ كارثة أعظم من أن نجعل يزيد مثلاً من مثلنا العليا وخليفة مسلماً نترسّم آثاره وهو من هو في ما يؤثر عنه من السلوك ثمّ ننتهي تبعاً لذلك إلى تشويه معالم نهضة جاءت لتزيح ما وضع من عقبات في طريق استمراريّة روافد الإسلام التي زحمها التيار الجاهلي مرّة ثانية على يد بني أمية . وكان هذا التيار وما زال يجد له من يحسن صورته ويريد أن يلبسه طيلسان خلافة مشروعة ويضع الخارجين في نطاق الخوارج والبغاة وإن كان فيهم سيد شباب أهل الجنّة . وهنا نقول : أنّ المنبر والقلم والكتاب جميعها مدعوة إلى المحافظة على ضمير الأمة من التلوث ، فإنّ الأمم لا تصاب بمصيبة أعظم من مصابها بمثلها العليا وقيمها . ولم يكن من الصدف أن يحارب المنبر الحسيني سواء كانت مساحته واسعة أم ضيّقة حرباً شعواء وذلك لأنّ الذين يحاربونه يرون فيه أنّه شيء من الشعاع الذي يفلت من الرقابة وقد يضيء جانباً من الدهاليز المظلمة في تاريخنا الذي نريد أن نضرب حولها سياجاً من القداسة بدعوى مكافحة الهدم والمحافظة على قداسة التراث والموروث وإن كان هذا المغطى قد انكشف ولكنّنا نغمض عيوننا لئلاّ تبصر ونحسب الآخرين كذلك ، ولم نكلف أنفسنا عن مصادر القوّة والبناء في تاريخنا وفيها الكفاية عن تاريخ منخور وتراث مزوّر . إنّ المنبر ما جاء ليهدم لأنّ الحسين (عليه السلام) ما نهض ليهدم والمنبر لسان من ألسنة النهضة ينبغي أن يعبّر عن أهدافها ويصحّح التصورات الخاطئة عنها . لقد وجد من يقول إنّ منابركم ما هي إلاّ مناحة تعتصرون فيها دموعكم اعتصار الأمة الوكعاء لدموعها وهو قول مجاف للحقيقة ، فإنّ من الوضوح بمكان أنّ تأكيد أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) على عقد مجالس يندب فيها الحسين ويبكى عليه هو مجرد مفردة من مفردات وظفت لهدف أكبر وإلاّ فلا داعي لمن يريد أن يبكي لأن يجتمع بالآخرين كما أنّ مجرد بكاء الإنسان الذي قد يكون سهلاً ورخيصاً لا يعادل ما دفع له من جزاء . إنّ الهدف الذي ندب أئمّة أهل البيت الناس إلى الإجماع من أجله تسليط الضوء على ما قام به الغاصبون المبتزّون من غصب الحق وإبعاد الحكم عن قايدة دستورها القرآن ومودّى ذلك حرمان الأمة من حياة كريمة ذلك هو سرّ الإصرار على استعراض واقعة الطف والمجزرة البشعة التي استأصلت حملة مزاج محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) . إنّ عقد المجالس يهيّىء الأمزجة إلى انفعال يمكن استثماره ـ وهذا مفاد قول الإمام (أحيوا أمرنا) ، يقول أحمد بن عبدان بسنده عن الإمام الصادق (عليه السلام) ، سمعته يقول لأصحابه : (إنّكم تذكرون مصيبتنا وما منعنا من حقوقنا فأيدينا من حقوقنا صفرات ؟ فقالوا : بلى يابن رسول الله ، وإنّا لنبكي على ذلك . فقال : طوبى لريحكم وأرواحكم ، ضمنت لكم بضمان الله وضمان رسوله وضمان عليّ بن أبي طالب فأعينونا على تلك بورع)(1) . أرأيت ضخامة هذه الضمانات هل تكون جزاءاً لإنسان قد يحصل منه البكاء على شيء بسيط ، ألم يكن ممّا يؤيّد ذلك توظيف المفردة الشعرية والتي تحمل هموماً لا تنحصر في دائرة مأساة الطف ممّا يبرهن على أنّ الهدف أكبر . لقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة الكميت من تاريخ دمشق بسنده عن الكميت قال : قلت لمحمّد بن علي ـ يعني الباقر (عليه السلام) ـ قلت أبياتاً إن أظهرتها خشيت على نفسي وإن كتمتها خشيت على ديني . فقال : هاتها ، فأنشده الكميت قصيدته التي مطلعها : نفى عن عينيك الأرقُ الهجوعا***وهمّ يمتري منها الدموعا إلى أن قال ويوم الدوح دوح غدير خم***أبان له الولاية لو أطيعا ولكنّ الرجال تبايعوها***فلم أرى مثلها خطراً مبيعا ووصل لقوله فقل لبني أميّة حيث حلّوا***وإن خفت المهنّد والقطيعا أجاع الله من أشبعتموه***وأشبع من بجوركم أجيعا إنّ مضامين هذا الشعر ليست ممّا يدخل في نطاق البكاء والدمع ولكنّها صرخة في وجه الظلم ولائحة كتبت فيها حشرجات المخنوقين ونهدات الجائعين من أجل ذلك رفع الإمام الباقر يديه إلى السماء وقال : (اللهمّ اغفر للكميت)) . ومن هنا انطلاقاً من كون الأئمّة من أهل البيت قد وظّفوا الدمع مع جملة من المفردات للنفوذ إلى ما هو أهمّ من هموم الأمّة : نعرف أهمية رسالة المنبر . لقد أصبحت مسألة واقعة الطف في المنبر الحسيني مجرد عنوان بينما توسّعت مادة المنبر لتتناول معظم أبعاد المعرفة . وكان من التوفيق في تسديد خطوات المنبر أنّه اجتاز بعض المظاهر التي كانت من مواده ، ولتوضيح هذه النقطة أذكر أنّ المنبر باعتباره منفذاً من منافذ التعبير الثقافي عن الذات كان يتأثّر بالأحوال السائدة لعلاقات فرق المسلمين بعضهم ببعض والتي قد تتّسم بالتهاتر والقفز على الحقائق وعدم الموضوعية وغير ذلك وفي أجواء من التشنج فكان انخراط المنبر ضمن هذه الحلبات أمراً لا مفرّ منه ولكن ولله الحمد أخذ المنبر يرتفع عن هذا المستوى ويرى أنّ وظيفته الإسلامية الإبتعاد عن الشتم وإذكاء نار الفتن والوقوع في مستنقع الطائفية ، وإذا أراد أن يتناول شيئاً من المعلومات للدفاع عن العقيدة ودحض بعض الشبه والإفتراءات يتناوله بأعصاب هادئة وبأسلوب الباحث عن الحقيقة هذا في الأعم الأغلب ، أمّا الحالات النادرة فلا تعدم الساحة الإسلامية شرائح لا يروق لها أن يعمّ الوفاق والوئام بين المسلمين لأنّها ستفقد أهمّ مبرّرات وجودها . ولكي لا أكون خيالياً يسبح في الأحلام أقول : يجب أن يتبنى المنبر الدعوة إلى أن يتعايش المسلمون فيما بينهم على أساس من الإسلام مع بقاء كلّ منهم على ما عنده من آراء ما دام يقرّ بالشهادتين ولا ينكر ضرورة من الضرورات الإسلامية ، وإلاّ فليس من الواقعية في شيء أن ندعو المسلم إلى الإنسلاخ ممّا يحمله من آراء والإنتقال إلى الآراء المقابلة ، ولكن تشرح له الحقائق ويُدعى لدراستها ويترك له الإختيار والسير حسب قناعاته وحسابه بعد ذلك على الله وإليه وحده ، إنّنا ندعو إلى منبر من بعض مهمّاته بل وفي رأس مهمّاته القيام بدور الدعوة إلى التعايش تحت لواء الإسلام . ولا يفوتني في هذه السطور أن اشير إلى ما يتعلّق بالتعريف الذي أورده المناطقة للخطابة وهو قولهم : أنّها صناعة علمية يمكن بسببها إقناع الجمهور في أمر يتوقع حصول التصديق به ، إنّ إتقان الخطيب لهذه الصناعة عن طريق دراسة الوسائل المؤدية لذلك هو أمر في غاية الأهمية لأنّه يعطي الخطيب قدرة على فهم وسائل الإقناع ويضمن له نسبة عالية من النجاح في أداء مهمّته ويختصر الجهد على الخطيب في طريقه للمنبر الناجح ومن أجل ذلك كان هذا المعنى أعني فهم طريقة التفاعل مع الجمهور لإقناعه بتغيير موقفه هذا الأمر كان موضع اهتمام علم النفس الإجتماعي الذي بحثه وأفرد له في مجال معالجاته مساحة لا بأس بها وذلك في باب الدعاية ودراسة اتجاهات الرأي العام والعمل بنتائج تلك الدراسات لتحقيق الهدف(1) . ولا يفوتنا التنبّه إلى كلمة إقناع الواردة بالتعريف ، فإنّ الإقناع غير الإملاء وغير فرض الآراء ولا يتمّ بدون معرفة المناهج المعدّة لذلك ولإن كان للعصور السابقة لغة فلهذا العصر لغة أخرى خصوصاً إذا كان الأمر يتعلّق بأعمق مشاعر الإنسان وهي مشاعره العقائدية التي يتحمّل المنبر جزءاً كبيراً من معالجتها ويدعى إلى أن يكون أحد الوسائل الفاعلة في هذا الميدان المهمّ جدّاً . وهنا وفي ختام هذا المدخل أشير إلى أني عندما أطلب منبراً متّصفاً بهذه الأوصاف وخطابة لها هذه السّمات فإنّي لا أطلب أن يقوم بذلك ناس من خارج نطاق المنبر أستثير نخوتهم ليبادروا إلى القيام بخطوات إصلاحية في هذا المجال حتى يكون هذا الطلب مثيراً لحساسية إخواني من الخطباء لأنّه يضعهم في نطاق الأيتام الذين يحتاجون إلى وصاية عليهم كلاّ ، وإنّما أوجّه خطابي إليهم للقيام بعمليّة إصلاح المنبر ولا يمنع ذلك من الإستعانة ببعض ما قد نفتقر إليه ، وهذاالمعنى يذكرني بقول الإمام أميرالمؤمنين (عليه السلام) حينما سأل عن موقف الأنصار يوم السقيفة فقالوا له : إنّ الأنصار قالت : منّا أمير ومنكم أمير . قال : فهلاّ احتججتم عليهم بأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وصّى بأن يحسن إلى محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم ، قالوا : وما في ذلك من الحجّة عليهم ؟ فقال : لو كانت الإمامة فيهم لم تكن الوصية بهم(2) . وهنا أقول : لو كنت أريد من غيرهم الإصلاح لوجّهت إليه الخطاب ولم أوجّهه لهم ، إنّ المنبر الحسيني والحمد لله وصل إلى مستوى جيّد وهو في طريقه إلى ما هو أجود وإنّ التبعة في إصلاح بعض جوانبه تلقى على عواتق أهله ، فإنّ لكلّ واحد منهم في مسيرته تجربة يمكن الإستفادة منها في ميدان الإصلاح ، فلم يعد المنبر يعيش على هامش الحياة وإنّما ولج في صميمها وتحوّل إلى جزء من ثقافة الشيعة بالخصوص ومعنى ذلك أنّه اعدهما من همومنا التي نتعامل معها ونعالج ثغراتها والله المسؤول أن يعيننا على ذلك . |