دور الثورة في حركة التاريخ
لقد ترك الإمام الحسين (ع) بصماته في أكثر من منحى وعند اكثر من منعطف في حركة التاريخ حيث يقول بعض الفلاسفة أن الإنسان العظيم هو الذي يصنع التاريخ فكان يوم الطفوف مأساة التاريخ وكان الحسين أعظم قربان ملأ قلب الزمن بروح نقية لتكون شهادته من نمط آخر ليبكي من هو مسلم ومن هو خارج الإسلام وليقف العديد بإجلال واندهاش وهم يضمون أدب الطف لروائع المؤلفات. فكما أن هنالك شعراً نسميه شعر المقاومة كذلك فإن هنالك أدباً نسميه أدب الطف لشعراء كبار كالكميت بن زيد الأسدي، والحميري، ودعبل الخزاعي والشريف الرضي وغيرهم ممن ظهر بعدهم واستكملها من ظهر في عصرنا هذا ناهيك عن شعراء آخرين ليسوا بمسلمين أو عرب كالشاعر الألباني (نعيم فراشري) الذي سجل عام 1898 أروع ما كتب عن ملحمة الطف وكذلك الشاعر اللبناني بولس سلامة الذي أنشد يقول
يا أمير الإسلام حسبي فخراً أنني منك مالئ أصغريا جلجل الحق في المسيحي حتى عد من فرط حبه علويا ثم قال (أجل إنني مسيحي لكن التاريخ مشاع للعالمين). وقد ورد على لسان هذا الشاعر ملحمة سماها (عيد الغدير) التي استوعب فيها (مدار أهل البيت) في أهم ما يتصل بهم، من الجاهلية إلى ختام معركة الطف. ومع هذا فقد ذهب بعض من أرادوا تزييف الحقائق التاريخية وتأويلها بتحميل الحسين (ع) نتائج خطوته حيث ادعى البعض بأن الحسين قتل بسيف جده ولقد أكثر من التعلق بهذا بعض المؤرخين، ورداً على هؤلاء نقول أن المضمون التاريخي لحركة الحسين (ع) يكشف عن واجبه المقدس الذي يتجلى بحقيقة الجهر الإنكاري على يزيد بدليل قوله (ع) للوليد يوم طلبه للبيعة له (إن يزيد فاسق مجاهر بالفسوق ومثلي لا يبايع مثله) ونقول للذين ادعوا بذلك ويدعون ببعض الآراء التي تسعى إلى حصر معنى الثورة بالحسين (ع) بأن هؤلاء نسوا وتناسوا قول رسول الله (ص) (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة) ـ ونسوا ما جاء في سورة المباهلة وفي حديث الكساء ونسوا وتناسوا مفهوم الولاية التي أرادها الله في كتابه الكريم، من هنا فإن لثورة الحسين (ع) دوراً في حساب حركة التاريخ. لقد ذكر المؤرخون أن الزعيم القرمطي أبا طاهر سلمان بن أبي سعيد كان كثير التردد على كربلاء عند غزواته للكوفة حيث طاف حول القبر عام 313هـ مع أتباعه وأمّن أهل الحائر بالرغم من أنه كان كثير العبث وكذلك كان السلطان جلال الدولة البويهي (431هـ) يزور قبر الحسين (ع). والسلطان أبو الفتح جلال الدولة ملك شاه بن محمد بن أرسلان السلجوقي (479هـ) والسلطان إسماعيل الصفوي (914هـ) والسلطان الأفشاري (1156هـ) والقاجاري وغيرهم. وهذا ما تؤكده النصوص التي تشرح ثورة الإمام الحسين (ع) بعد الاستهلال بالسلام والدعوة إلى العقيدة وتتضمن في نهايتها البراءة من الأعداء ناهيك عن بعض المعاني التي تنص على طلب الثأر مع الإمام المنتظر(عج). بالإضافة إلى ما أحياه البويهيون والصفويون عن مضامين الثورة وبما يؤكد اللغة التي كان يعبر بها هؤلاء عن اضطهاد الحكام لهم وربطهم لما يتعرضون له بشعارات الثورة الحسينية ومفهوم الحسين (ع) للثورة. وفي عام 1907 كتبت جريدة اللوموند الفرنسية مقالا تحت عنوان (عذابات الحسين في كربلاء) حيث استعرضت فيه مواكب العزاء في كربلاء بما يشير إلى تأكيد المعنى الاحتفالي للشهادة الخالدة ولمضمون الثورة الحسينية ـ بما يدعو الناس جميعاً للاحتفال بعظمة هذه الثورة الخالدة؛ ما يؤكد أن الاحتفال بها سنوياً هو نوع من أنواع الطقوس العبادية للمسلمين جميعاً لأن روح الحسين (ع) جزء من قاموس السماء وحركة الحسين (ع) جزء من المنهج العقائدي للإسلام وبهذا فكما أن المسيحيين يحتفلون فالمسلمون يعلنون احتفالهم هذا بطريقة تتناسب مع ما تعرض له الحسين (ع) وما تعرض له أطفال الحسين وأهل الحسين وأصحاب الحسين من أجل سيادة دستور الله في الأرض ومن أجل ما بشر به الرسول الأكرم(ص). عقيل العبود |