كيفيات الصراع ومفردة التحول
لا شك أن عملية استحضار تلك اللحظات وما لها من وقع على الذات في صياغتها وتشكيلها تحتاج إلى تتبع الخط الزمني لانبعاث الثورة في مساره المرتبط بمعايير القيم المتصارعة والنقائض الجوهرية في حضورها الغائب والحاضر كونها تدفقت بمنظوري ذلك الصراع القائم بين مظهرين مختلفين جنساً وقريبين زماناً هما الكفر والإيمان وكل بهيئته يشكل مقدمة لموضوعه فيزيد مقدمة لأبي سفيان والحسين(ع) مقدمة للرسالة السماوية التي جاء بها محمد (ص) لذا فإن الخطاب الحسيني (إنما خرجت لإصلاح أمة جدي) كان حكماً ونتيجة اقتضته ظروف المصلحة الفعلية لإعادة المنهج الإسلامي إلى نصابه الصحيح على أساس (الهيئة) التي تشكل النسبة بين العقيدة السماوية والحاكم الإسلامي، والتي تحتاج إلى تجسيد الصيغة المفهومية للخطاب الإسلامي والعقيدة الإمامية؛ فالهيئة التي تحققت من خلال تسلط يزيد شكلت خللاً واعوجاجاً يقتضي هدمه لأنه لا يعبر عن شروط المنهج السليم وهذا الخلل كان امتداداً لمظهر متراكم من الفساد منذ اللحظة التي فتح فيها باب الإسلام لمن قال لا اله إلا الله واندس فيها المنافقون والمتذبذبون من مشركي قريش حفاظاً على مصالحهم الدنيوية أمثال أبي سفيان وأذياله وما تبع ذلك من عقبات كأداء في طريق تطبيق المنهج الصحيح باعتبار أن الرسالة السمحاء شكلت في صياغتها تعميماً لواقع شبه الجزيرة بالمظهر الإسلامي لمواجهة الكفار من الأقوام الأخرى فأعتمدت على أن يكون الإسلام ظاهرة انتشارية لانخبوية.
ولهذا فان طريق العودة إلى الجسد شكل انفتاحاً إلى مرتبة النبوة التي استبطنت معها ذلك الخطاب الظاهر في بكاء رسول الله (ص) عند ولادة الإمام الحسين (ع) فانبعثت ولادته (ع) مرة أخرى في واقعة الطف لتستحضر معها مفردة التحول تلك التي مهد لها بمصرعه ومصرع أصحابه ليكون قرباناً وحلقة متدفقة في عمق التاريخ الإنساني لأن الإسلام دين للعالم كله. وثورة الحسين (ع) نبراس الثورات في العالم وتجربة غير محتكرة لطائفة أو جماعة دون جماعة على أساس أبعادها الشاملة على المستوى العالمي والإنساني والجغرافي والسياسي والإسلامي والعسكري فمعظم الثورات العالمية كانت ثورات منشؤها صراع قائم بين التسلط والفقر، بين الظالمين والمظلومين، من هنا كانت دعوة الحسين (ع) غرة على جبين الدهر لكونها لا يمكن أن تكون ذات بعد واحد وكذلك فأن مالها من الخصائص يكاد أن يجعلها نظرية لأنها اعتمدت منهج القيم الحقة في الولادة والانبعاث ـ بالإضافة إلى أنها ليست من طرازٍ واحد وشهداؤها هم نخبة ارتشفوا من رحيق الإسلام ولغة الإمامة الحقة وهذا ما جعلها سليمة في مواقفها وطاهرة في أهدافها والتزاماتها حتى مع ذروة المواجهة الدامية والبشعة التي مارسها ألد أعداء الإنسانية على وجه التاريخ. عقيل العبود |