المنشا التكويني
ملحمة ولدت عن ظلمات اندست بين خفايا التاريخ واستقرائها لا ينطلق من يوم وقوعها لكنها تجسدت في عصر أبيح فيه قتل الإنسان وانتزاع مفهوم الإنسانية وأبيح فيه تحريف القرآن والتطاول على أحكام الخالق لإبادة المخلوق فانبعث الهتاف الحسيني (إنما خرجت لإصلاح أمة جدي) وانبعث نداء الإسلام ليصبح جسد الحسين قرباناً للثورة تلك التي من أراد ان يقتفي خطواتها خطوة إثر خطوة ومن أراد أن يتتبع تفاصيلها عبر الأقلام الحرة التي كتبت التاريخ وعبر الصفحات الناصعة التي سجلت تلك الحوادث تباعاً لا يكتفي بالبكاء بل ينشطر مع نفسه إثر تلك السياقات المنحرفة التي حاولت إخفاء مضامينها الناصعة ـ لقد ولد الحسين بن علي (فبكاه آدم والخليل وموسى ولعن عيسى قاتله وأمر بني إسرائيل بلعنه وقال: من أدرك أيامه فليقاتل معه فإنه كالشهيد مع الأنبياء مقبلاً غير مدبر وكأني انظر إلى بقعته وما من نبي إلا وزارها..). (ولما مرّ أمير المؤمنين بكربلاء في مسيره إلى صفين نزل فيها وأومأ بيده إلى موضع منها وقال هاهنا موضع رحالهم ومناخ ركابهم، ثم أشار إلى موضعٍ آخر وقال هاهنا مهراق دمائهم، ثقل لآل محمد ينزل هاهنا..)). أما الرسول محمد(ص) فقد جعل يوسع سيد الشهداء تقبيلاً وقد انفجر بالبكاء فذهلت السماء وانبرت تتساءل لم بكاؤك!؟ ليجيبها(ص) بعد أن اغرورقت عيناه بالدموع وبصوت متقطع النبرات حزناً وأسىً فقال: (تقتله الفئة الباغية من بعدي لا أنالهم الله شفاعتي)). وما نريده من هذه الإستشهادات المنقولة على لسان أصحاب الضمائر الحية هو الإثبات بأن ما حصل في الواقعة لا يمثل بدايتها لكي يتم التمسك بأن العاشر من محرم موضوع للعنوان لأن العنوان امتداد مفهومي يشكل صفحات متسلسلة ابتدأت من تاريخ الولادة الحسينية وما حصل في العاشر من المحرم هو عنوان للإنبعاث الحسيني. فالحدث الحسيني الذي تجسد في الواقعة ما هو إلا انعكاس مخبوء يحمل بين أكتافه خطايا أدراج التواريخ التي استبصرتها العصمة المحمدية وأعقبتها العصمة الإمامية ليخرج الإمام ملتهباً مدرك الموت لينطلق النداء المعفر بدمه (ع) (إني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما) منتفضاً ضد خطايا تلك المسارات الصدئة وهي تقرع أبواب الضمير ولتتفجر كالبركان في شظايا الزمن عندئذٍ وفي تلك اللحظة الولود تتقرر بشاعة المخاض لتستعرض زيف القاتل وعظمة المقتول. وما يؤكد علم العصمة الإمامية هو أنه (ع) كان يعلم بلحظة استشهاده ويعلم الساعة التي يُقتل فيها أهل بيته وأصحابه، وهذا ظاهر في حديثه مع أم سلمة يوم أبدت تخوفها من سفر كان آتيه. ترى ما هي الكيفيات التي نشأت منها المعركة وما هي الكيفيات التي تحولت فيها مفردة الفعل الحسيني إلى ثورة عارمة لمجابهة الواقع الفاسد؟!. عقيل العبود |