صحائف ولاء

صحائف ولاء وعلم ومحبة أذ يقول ضرب الحسين لنا أروع الأمثلة واصدق معاني البذل والجهاد وأعلى درجات العطاء وأسمى صور الإقدام وبأبهى ملاحم البطولة والإباء والشمم. منهج حافل بسفر الخلود ومكرّم في الحياة والممات نابض بالخير مشرق عبر الدهور والأزمان وجيه عند الله ورسوله، أحيا الدين فاستقام على مذبح شهادة وتنور من بهاء دمه الطاهر الذي رسم به لنا مناراً للحق والعدل، ومشعل ثأر بوجه كلّ الطغاة والظالمين بصدق وصلابة وعزيمة مخلصة في الدين والإيمان والسيرة والسلوك ونقاء الذات، واثقة في صلاح عملها ابتغاء مرضاة الله سبحانه وتعالى ورجاءً لحسن العاقبة وزاد التقوى. فبعد مرور أكثر من ثلاث عشر ونصف قرن من الزمن بدهوره وعهوده، بحكّامه وسلاطينه وملوكه وطغاته وأمرائه الذين ملئوا الدنيا ظلماً وظلاماً وزوراً وبهتاناً وبغياً وعدواناً وعاثوا في الأرض فساداً فلقد علّمنا الإمام الحسين (عليه السلام) الكثير من الدروس والعبر النافعة لنا في دنيانا وديننا لنحيا به بإحيائنا لذكراه ولدمه الطاهر الزكي وثورته المباركة فكان لنا مصدر إشعاع وبصيره وهداية ونور وأعطانا الكثير من الحوافز الوجدانية النبيلة والقيم الملتهبة التي تتفجر في أعماق القلوب إلى يومنا هذا حي في الضمير والحياة والدين يرفدنا بالمثل العليا والقيم السامية، ولقد تجسدت في هذا البيت الذي يصور لسان حال الإمام الحسين (عليه السلام) عدة معاني ومفاهيم منها:

أولاً - المضي والإقدام :

لقد مضى الإمام الحسين (عليه السلام) في موقفه وثورته وعزم وهو على بصيرة من أمره فأقدم باذلاً مهجته مضحياً بنفسه والخيرة من أهل بيته وأصحابه صابراً محتسباً لنصرة الحق وإعلاء كلمة العدل ورفع شان الدين، ليعيد للإسلام بريقه وإشراقه مهما كان الثمن غالياً، متكلاً على الله سبحانه وتعالى يحده في ذلك مبررات حملته على الوقوف بوجه الطغيان والانحراف والظلم ومن هذه المبررات: - المبرر الشرعي والذي يتجسد في هذا المقطع من خطبته في البيضة والحر وأصحابه فقال بعد الحمد له والثناء عليه: أيها الناس إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحرام الله ناكثاً عهده مخالفاً لسنة رسول الله يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان فلم يغير عليه بفعل ولا قول كان حقاً على الله أن يخله مدخله ألا وإن هؤلاء قد لزموا الشيطان وتركوا طاعة الرحمن وأظهروا الفساد وعطلوا الحدود واستأثروا بالفيء وأحلوا حرام الله وحرموا حلاله وأنا أحق ممن غير، والذي وجد فيه الإمام الحسين (عليه السلام) تكليفاً شرعياً وواجباً دينياً ينطلق من خلاله إلى ساحة البذل والعطاء وميدان البطولة والفداء فكان له ذلك الموقف البطولي الخالد والمذخور له إلى يوم الحشر.

ثانياً - المبرر الاجتماعي:

والذي يتمثل بالانحراف الذي حل بالأمة من خلال تسلط حكام وسلاطين الظلم والجور على رقاب المسلمين والتحكم بمصير الأمة والعبث بالنهج الرسالي الصحيح وإبعاد العباد عن الآمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجعل الدين لعق بأيدي قادة الطغيان والبغي وحمل الناس على الباطل والانحراف بما يلائم أهواء أمراء العروش وملوكها العاملين بالفسق والفجور والذين كادوا أن يفتكوا بالأمة والدين فغيروا وعطلوا وبدلوا وشوهوا كل القيم والمفاهيم ولم يبقوا للدين إلا الاسم. فرأى الإمام الحسين (عليه السلام) لزاماً عليه أن يغير ويخرج في وجه الطغيان ليطلب الإصلاح في أمة جده فيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويسير بسيرة جده المصطفى (صلى الله عليه وآله) وأبيه علي أمير المؤمنين (عليه السلام) ليستقيم الدين على يديه بعد أن قدم نفسه قرباناً لوجه الله ومعه الخيرة من أهل بيته وأصحابه شهداء سعداء في عليين في أعلى درجات الفوز والرضوان والخلود والكرامة في الدنيا والآخرة. إذ جاء الحق فزهق الباطل وانهار الظلم والطغيان وأصبح الإمام الحسين (عليه السلام) ثورة في كل جيل يلهب في النفوس والقلوب أسمى معاني الإباء والشمم ويبعث فيها ارفع القيم والمثل العليا

ثالثاً - الموت من أجل الدين حياة وخلود:

ليس بالإقدام على الموت من أجل الدين ونصرة الحق عار فالموت حق على كل مخلوق حتماً ملاقيه ومنتهي إليه وبالغ يومه. ولكن العبرة والفخر والفوز في أسبابه وآثاره الكريمة بنيل الشهادة والسعادة في الآخرة فالعار أن يبقى الإنسان خاضعاً للذل والهوان ويأتمر بأمر السلطان الجائر المخالف لأمر الله ورسوله، وهذا ما رفضه الإمام الحسين (عليه السلام) وتأباه نفسه الكريمة أن لا يعطي بيده إعطاء الذليل ولا يفر فرار العبيد وآلا أن يموت ليحيى الدين ويبقى حي في ضمير الأمة إلى أمد الدهر، كما يعبر الشاعر بقوله: كذب الموت فالحسين مخلّد كلما أخلق الزمان تجدد ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون) فالذين ماتوا ولحقهم العار هم أعداء الحسين وأعداء آل البيت (عليهم السلام) فالذين قتلوا الحسين هم الذين ماتوا وهلكوا في الدنيا والآخرة وخسروا ولحقهم العار وبئس المصير في يوم الجزاء لأنهم باعوا آخرتهم بدنياهم واشتروا زهو الدنيا وغرورها وملذاتها وانحرافها فكان جزائهم في الآخرة النار خالدين فيها جزاء لما جنت أيديهم، وجزاء الإمام الحسين (عليه السلام) الفوز والرضوان بجنات الخلد والسعادة

رابعاً- النية الصادقة في الحق :

وهذا المعنى جسده الإمام الحسين (عليه السلام) يوم الطف تجسيداً كاملاً وحياً وكان يؤكده في تلاوته الكريمة من قوله تعالى: (من المؤمنين رجالٌ صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظروا وما بدلوا تبديلا) فالنية الصادقة في الحق معناً وروحاً وتجسيداً حياً لها الأثر الكبير في قوة الإيمان وسلامة القصد بالخروج والإقدام على عمل الخير ونصرة الحق ورفع راية الإسلام عالياً ومقارعة الطغاة والظالمين، وليكون الحق أسمى وأجل مقاماً وأنقى في توجهه واتجاهه ولامعاً في سماء المعالي والشرف مصان بتقوى الله وصلاح ذات النفس، وما كان يعنيه من الملك والسلطان أي شيء لأنهما من حطام الدنيا ما لم تقيم على الحق وتدفع الباطل وتنصر المظلوم وتكبح جماح الظالم على أساس من العدل والإحسان. وهنا تأخذ النيّة الصادقة أثرها في الثأر والإقدام والعزيمة والتصميم في نصرة الحق والدين وتقوية الإيمان وصلاح الأمة. فتحقق للإمام الحسين (عليه السلام) ما نوى فكان له خير إقدام وخير شهادة

رابعاً - الجهاد الإسلامي الخالص في الله :

وهذا المعنى بتجسيد في النيّة الصادقة والإقدام الإصلاحي، جهاداً خالصاً ونقيّاً في الله التزاماً وتسليماً وبذلاً والآية الكريمة من قوله تعالى (والذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا) خير شاهد وخير دليل على هذا النهج الجهادي الواضح، والإمام الحسين (عليه السلام) جسد معنى الآية تجسيداً كاملاً يوم الطف لأنه امتداد رسالي وروحي ومعنوي لجده الرسول المصطفى (صلى الله عليه وآله) ودعوةٌ للخير، وإن قول النبي (صلى الله عليه وآله) (حسين مني وأنا من حسين) يؤكد هذا المعنى لما للحسين (عليه السلام) من دور جوهري مهم وأساسي في تحصين الرسالة الإسلامية وصيانتها واستقامتها، وهو سبط النبي (صلى الله عليه وآله) الثاني وسيد شباب الجنة إلى جانب أخيه الإمام الحسن الزكي وهما ريحانتا النبي (صلى الله عليه وآله) وجهاد الحسين (عليه السلام) مستمد من جده الرسول الكريم محمد (صلى الله عليه وآله) وجهاد أبيه أمير المؤمنين علي (عليه السلام) الذي لم تأخذه في الحق لومة لائم في طلب الحق والعدل وإدراكهما، إمام المجاهدين وسيف الإسلام وناصر النبي (صلى الله عليه وآله) والدين وكاسر شوكة المشركين والكافرين ورافع لواء الإسلام في عليين، والإمام الحسين (عليه السلام) من هذا الأسد المحامي عن خاتم النبيين والكتاب والدين وحياض المسلمين سيرة حافلة بالكرامات والبطولة والجهاد والإقدام وقدوة للثأر والثائرين في عموم الخلق والأرضين، ولنا بالحسين (عليه السلام) أسوة حسنة. فالحسين (عليه السلام) نور من أنوار النبوية وآية من آيات الوحي وسيد من سادات المودة والرحمة الطيبين الطاهرين وإمام من أئمة المسلمين الراضين الهادين المهديين وأبو التسعة المعصومين الهداة الميامين. لقد أعطانا الإمام الحسين (عليه السلام) دروساً عصماء تعلمنا منها الإباء والشمم والمضي والإقدام والصلابة والصبر وحسن البصيرة وإدراك الحق ومعانقة الموت الذي نرجو به رضا الله سبحانه وتعالى وكرامة الدنيا والآخرة والنيّة الصادقة والجهاد الحق، والوقوف بوجه الطغاة والظالمين وعدم الرضوخ وعلمنا أنه من كان مع الله سبحانه وتعالى كان الله معه وكان في الآخرة من الفائزين والشهداء والصديقين والسعداء المبشرين بجنات النعيم خالدين فيها مع النبيين.

الخطيب الشيخ صادق الهلالي