أبعاد الثورة وعواملها


يتجلى البعد الديني والإنساني للنهضة الحسينية في ما حققته الثورة في حفظ المبادئ الحقة للإسلام والتي حملت معها جميع ما بشر به الرسول الكريم(ص) في عصر الرسالة الإسلامية لتتقوم من خلال الإمامة المنصوص عليها، أما البعد السياسي والعالمي فيقع في مصاديق الثورة التي استوعبتها أهدافها السامية في الحرية والاستشهاد من أجل الكرامة والأثر الذي تركته هذه النهضة المباركة في الفكر المعاصر حيث أن ما قام به الحسين (ع) كان ضرورة موضوعية حاكمه لاتخاذ موقف عسكري تمردي مهما كانت الظروف ومهما كانت عوامل الخسارة إذ إن الهدف الأسمى لها لا يتأتى إلا من خلال التضحية وإلا فأنه (ع) كان قادراً أن يترك يزيد ويتصرف بطريقة تبعده عن المعركة بينما تعلق البعد الجغرافي بمسألة الأرض التي انبعثت فيها الثورة. وتركزت أبعادها العسكرية في طبيعة المواجهة النظامية بين معسكرين غير متكافئين في القوة والعدد. ناهيك عن الموارد الأخرى المتعلقة في نفس ما حملته معالم هذه الملحمة الخالدة في جزئها أو شرطها الخارج عنها أو وصفها الملازم لها حيث

أن قيمتها الفعلية حاصلة لأجل انطباقها مع ما هو موجب ومقتضي لتحققها الفعلي، وأما جزؤها فواقع في مفهوم الجهاد الأكبر حيث قال سبحانه وتعالى: (والتائبون، العابدون، الحامدون، السائحون، الراكعون، الساجدون، الآمرون بالمعروف، والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله)(3). وهذا برمته يشكل المكانة العالية للثورة الحسينية ويقع شرطها الخارج عنها في ما ذكرته الأحاديث عن العلم المسبق بقتل الإمام الحسين (ع) على أيدي أمة باغية وهذا ما ذكرناه آنفاً. بينما يقع وصفها الملازم لها بنقطتين أولهما موقف الإمام الطاهر (ع) وأصحابه الذين حملوا الراية والنقطة الثانية جرائم يزيد وجيشه التي ظهرت في تعطيش الأطفال وقتل الرضع وترويعهم وإرعاب النساء وتجويعهن وضربهن وحرق الخيام وقتل قراء القرآن والصبيان ومنع إقامة الصلاة وممارسة العبادة وقطع رؤوس الشهداء والاستهانة بالمقدسات الإسلامية. وهذا يشكل قيمة أعظم لمعاني الثورة لأنه حمل معه السبب الحقيقي الذي جاءت من أجله بما يؤكد أهدافها المعلنة استناداً إلى مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبهذا فقد أثبتت النهضة جدارتها لأن تكون ثورة معلمة حيث أكد الحسين (ع) بأن تحركه المناهض ليزيد إنما كان استناداً إلى وصية جده النبي محمد (ص) فحمل مصيره (ع) بقوة الروح الإيمانية لتستيقظ عاطفة الندم بين صفوف من كانوا مع جيش يزيد بعد أن أيقن الجميع أن حقيقة الإسلام قد تألقت في شخصية متوهجة أرادت لذلك الظلام أن يتبدد فلو أن رجلاً أجنبياً لا دين له أراد أن يستعرض رحلة الشقاء لثأر الله في الأرض لأعلن عن إسلامه من خلال تطلعه لمفردات تلك الصفحات البطولية حيث تنبعث الحياة من خلال الموت ولأدرك بأن الإسلام الذي استشهد من أجله الحسين (ع) لهو أكمل وأجل من كل المذاهب الأخلاقية التي لا زالت محدودة في دراساتها بعد. لقد اتخذت الواقعة طابعاً حركياً بعد أن اثبتت ما ورد في الآيات القرآنية (كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون)، (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) وهذا يعني في حالة تفسير (من) بالتبعيضية ـ بأن المطلوب من المسلمين قيام أمة منهم مهمتها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع أن الأمر لا يخلو عن أصالة العموم أي إن هذه الوظيفة التغييرية مهمة تقع على عاتق المسلمين جميعاً.


عقيل العبود