والصلاة والسلام على أفضل الأنبياء والمرسلين محمد وآل بيته الطيبين الطاهرين. أما بعد إذا كان للمرء أن يفتخر بهويته الإسلامية بأن الفضل يعود إلى هؤلاء الشهداء الذين ضحوا بأرواحهم وأنفسهم في سبيل إظهار الإسلام بأوضح صورة وأجلها فهم في كل عصر قلة قليلة إلا أن منهجهم واضح وضوح الشمس وإن ظللها الغمام ومن هؤلاء الذين يفتخر المسلمون بانتمائهم إليهم هم شهداء كربلاء المقدسة وعلى قمتهم سيد الشهداء الإمام الحسين بن علي ?. ولكي ننتهج نهجهم ينبغي أن نمتثل أوامرهم. فكان من أجلاها وضوحاً هي زيارة قبورهم المباركة والاجتماع عندهم لتلاوة الدعاء للمؤمنين والمؤمنات كي نعتز بتلك الهوية التي جمعتنا ألا وهو الإسلام ومحبة أهل البيت ?. فإلى هؤلاء المحبين لهذا المسلك الصحيح نقدم هذه الإرشادات بأسلوب أبوي لأبنائه الكرام وهم يحاولون أن يعيشوا في رحاب زيارة سيد الشهداء ? والحمد لله رب العالمين. وقفت على أرض الطفوف لأنظر إلى تلك القبة الشامخة وهي تناطح السحاب وإلى جانبيها المنارتان الشاهقتان وهما تتلألأن بالضياء. وقد علت منهما أصداء قارئ القرآن الكريم، وهو يرتل قوله تعالى: ? الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ? ولكني استمع إليه وأنا أتفكر في هذه الآية الكريمة وإلى المشهد المشرف لأتذكر واقعة الطف الخالدة. التي وقف فيها الإمام الحسين ? وإخوته وأولاده وأصحابه عند تلك الأرض أمام جيش قد أغلق الآفاق بعدده وعدته ، كي ينقضّوا على تلك الأجساد الطاهرة لينهشوها ويقطعوها إرباً إربا. بل إنـك تنظر إلى كلاب مسعورة قد علا البـؤس والشقاء بين عيونها، وأفواهها مفتوحة للانطلاق إلى تلك الغنيمة الشهية حينما تقرع لها الطبول إلى للهجوم. وذرفت عيني بالدموع على هؤلاء الأبطال وهم يؤمنون بأن النصر لا يكون بالعدة والعدد بل بالثبات والبصيرة النافذة إلى مستقبل مشرق. فهم لم يفكروا بالنصر الدنيوي؟ ولم يفكروا بماذا سوف يذكرهم التاريخ؟ وبماذا سوف يقول من يقرأ سيرتهم؟ فهل هم أبطال أم إلى التهلكة هم منطلقون؟ ولم أتمالك نفسي حتى نطق لساني: (( اللهم العن أول ظالم ظلم حق محمد وآل محمد وآخر تابع لهم على ذلك. اللهم العن العصابة التي جاهدت الحسين وشايعت وبايعت وتابعت على قتله اللهم العنهم جميعاً )). لما تراءى أن جسد الإمام الحسين ? قد وزعته السيوف والرماح والنبال حتى لم أكد أشهد ذلك الموقف إلا عن حقد دفين والثأر للجاهلية العمياء. وحينها صبرت وتذكرت كيف كانت السيدة زينب بنت علي ? وقد وقفت على الأجساد الطاهرة المتناثرة على أرض المعركة وتشير إلى أحد الأشلاء وهي ترفع صوتها وتقول: اللهم تقبل منا هذا القربان... فعرفت أنه جسد الإمام الحسين ? وهي تفدي أخاها في سبيل الله تعالى ولنصرة الإسلام بعد انهياره. بهذه الكلمات يا ولدي ( المصطفى ) أوجه إليك خطابي من هذه الأرض التي روتها الدماء فكانت أملاً مشرفاً للمستقبل لك ولكافة المسلمين كي يتعظوا من هذه الواقعة ، فلا تكن لهم حادثة تاريخية مرت عبر الزمان الماضي كي تطوى كما طوت القبور أجساد الموتى. فإليك أرسل هذا الخطاب لتتأمل فيه عندما تحاول أن تذهب إلى أرض الكرب والبلاء وتتأمل فيه المعاني السامية لتكن على بصيرة من أمرك. هذا وآخر دعواي أن الحمد لله رب العالمين. ولدي العزيز: إذا أردت أن تتشرف بزيارة كربلاء المقدسة فإن الشوق يحدوك نحو مرقد الإمام? المطهر. ولعلك تجد من نفسك العزيمة إلى معرفة من تزور ولماذا تزور وكيف تزور. إلا أن ذلك لم يدع لك شيئاً إلا وقد سبقتك الأفكار إلى معرفة ما هي الأحاديث الشريفة الواردة بحق الإمام المعصوم ?؟ لكن جوابي لك: فقد وردت الأحاديث الشريفة من قِبَلِ الرسول الأعظم? بحقه? بحيث كان يعلنها على المسلمين كي يتخذوا من هذا الإمام قدوة لهم. من فضله وعظمته فقد ذكر يعلى بن مرة: ? إن الحسين بن علي أقبل ولاذ بالنبي ? حتى أخذه فوضع إحدى يديه تحت ذقنه والأخرى على فأس رأسه ثم قبله ثم قال:الـلهم أحب حسـين ، اللهم أحب من يحب حسين، حسين سبط من الأسباط ?( 1 ). وعن الإمام أبي عبد الله ?: قال: قال رسول الله ?: ? من أبغض الحسن والحسين جاء يوم القيامة وليس على وجهه لحم، ولم تنله شفاعتي ?( 2 ). وعن الإمام علي?: قال: كان رسول الله ? يقول: ? يا علي أذهلني هذان الغلامان ( الحسن والحسين ? ) أن أحب بعدهما أحداً أبداً إن ربي أمرني أن أحبهما وأحب من يحبهما ?( 3 ). وتأمل ما ذكره الرسول الأعظم? للمسلمين وأمرهم بحب الإمام الحسين ? فقد قال عمران بن الحصين: ? قال لي رسول الله ?: يا عمران إن لكل شيء موقعاً من القلب وما وقع موقع هذين الغلامين من قلبي شيء قط. فقلت: كل هذا يا رسول الله. قال ?: يا عمران ما خفي عليك أكثر إن الله أمرني بحبهما ?( 1 ). وعن عبد الله بن مسعود قال: ? قال سمعت رسول الله ? من كان يحبني فليحب ابنيّ هذين فإن الله أمرني بحبهما ?( 2 ). وعن أبي ذر الغفاري قال: ? أمرني رسول الله ? بحب الحسن والحسين ? فأنا أحبهما وأحب من يحبهما لحب رسول الله ? إيّاهما ?( 1 ). كل هذه الأحاديث وغيرها ترشداني إلى التمسك بسيرة الإمام الحسين? والانتهاج بنهجه والعمل وفق الإسلام والقرآن. وتفكر يا ولدي.. حينما تزور صديقك وأنت متلهف لسماع صوته ورؤيته. بل يسبقك الشوق لرؤيته. كي تعبر له عن المودة والمحبة لك إياه كي يكرمك ويبادلك الثناء والإحسان كما ترجوه. فكيف بك وأنت تزور سيد الشهداء فإن إكرامه أكثر من هؤلاء الذين ترجونهم. إليك بعض الأحاديث التي ذكرها الأئمة ? في هذا الخصوص: فقد سأل رجل أبا عبد الله ? وهارون المكفوف يقول- وأنا عنده. فقال: ? ما لمن زار قبر الحسين ?؟ فقال: إن قبر الحسين ? وكـّل الله به أربعة آلاف ملك شعث غـُبر يبكون إلى يوم القيامة. فقلت له: بأبي أنـت وأمي روي عن أبيـك أن ثواب زيارته كثواب الحج. قال: نعم حجة وعمرة حتى عد عشراً ?( 1 ). وقال أبو عبد الله ?: ? من أتى قبر الحسين ? عارفاً بحقه كتب الله له أجر من أعتق ألف نسمة وكمن حمل ألف فرس في سبيل الله مسرجة ملجمة ?( 2 ). بل أن خطواتك إلى هذا المرقد تزداد كما تزداد حسناتك. فقد قال الإمام أبو عبد الله الحسين ?: ? إن الرجل ليخرج إلى قبر الحسين (عليه السلام) ? فله إذا خرج من أهله بأول خطوة مغفرة لذنوبه ، ثم لم يزل يُقدس بكل خطوة حتى يأتيه ، فإذا أتاه ناجاه. فقال: ( عبدي سلني أعطك. إدعني أجبك ، اطلب مني أعطك ، سلني حاجتك أقضها لك ) قال أبو عبد الله ?:وحق على الله أن يعطي ما بذل ?( 3 ). وتفكر يا أملي المشرق.. أن زيارتك للإمام الحسين? ومن معه من الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله تعالى. قد تستوجب عليك موانع وآثاراً سيئة من قبل الأعداء. وهذا ديدن مبغضي أهل البيت ? . ولمّا يحاولون أن يمنعوا زيارتك بشتى الوسائل والطرق المتاحة لهم في كل زمان ومكان فلا تتخذها ذريعة لك كي تمتنع من زيارته ? ، بل حاول أن تزوره ولو عن بُعد ولو كان من دارك ما دمت موجودا على هذه الأرض تنعم بالحياة والعيش سواء كان رغيداً أم بائساً. ولعلك تجهل الآثار التي ذكرها الأئمة ? لزائري الإمام ? على خوفٍ من سلاطين الجور أو من يتولاهم. فقد ذكروا ? لهذه الآثار من بشارةٍ للزائر من الآن ليوم القيامة ولعل أهمها هو أن تطمأن يوم الفزع الأكبر وسأذكر لك بعض هذه الأحاديث الشريفة.. فقد قال زرارة للإمام أبي جعفر الباقر (عليه السلام) ?: ? ما تقول فيمن زار أباك على خوف؟ قال: يؤمنه الله يوم الفزع الأكبر وتتلقاه الملائكة بالبشارة. ويُقال له: لا تخف ولا تحزن هذا يومك الذي فيه فوزك ?( 1 ). وقال الإمام أبو جعفر ? لمحمد بن مسلم: ? هل تأتي قبر الحسين?؟ قلت: نعم على خوف ووجل. فقال ?: ما كان من هذا أشد فالثواب فيه على قدر الخوف ومن خاف في إتيانه آمن الله روعته يوم القيامة يوم يقوم الناس لرب العالمين، وانصرف بالمغفرة وسلمت عليه الملائكة وزاره النبي? وانقلب بنعمة من الله وفضلٍ لم يمسسه سوء واتبع رضوان الله.. ?( 2 ). وقال الإمام أبو عبد الله (عليه السلام) ? لمعاوية بن وهب البجلي: ? يا معاوية لا تدع زيارة قبر الحسين ? لخوفٍ فإن من تركه رأى من الحسرة ما يتمنى أن قبره كان عنده. أما تحب أن يرى الله شخصك وسوادك فيمن يدعو له رسول الله ? وعلي وفاطمة والأئمة ?. أما تحب. أن تكون ممن ينقلب بالمغفرة لما مضى ويغفر له ذنوب سبعين سنة ، أما تحب أن تكون من يخرج من الدنيا وليس عليه ذنب يتبع به، أما تحب أن تكون غداً من يصافحه رسول الله ? ?( 1 ). واعلم يا ثمرة فؤادي أنه مهما يكن عندك من مالٍ فإن مصيره إلى ورثتك. فهم يأتيهم رزقك من حيث تحسب أو لا تحسب ، ويكون عليك حسرة من جراء ما حاولت جمعه طيلة أيام مريرة وسنين متطاولة حتى أقضَّ مضجعك وجعلت نفسك في همٍ دائم وزفرات تلو زفرات كأنها حممٌ بركانية لا تستطيع أن تطفئها ، وحينذاك ولات حين مناص، فاغتنم شبابك قبل هرمك وانفق في سبيل الله وأفضل سبله ألا وهي زيارة قبر الإمام الحسين ? والشهداء معه فتكون لك ذخيرة في دنياك وآخرتك. وهذه أخبار الأئمة الصادقين بهذا الخصوص: قال أبو عبد الله الصادق ?: ? من أتى قبر أبي عبد الله ? فقد وصل رسول الله ? ووصلنا وحرمت غيبته وحرم لحمه على النار وأعطاه الله بكل درهم أنفقه عشرة آلاف مدينة له في كتاب محفوظ. وكان الله له من وراء حوائجه ، وحـُفظ في كل ما خلف ولم يسأل الله شيئاً إلا وأعطاه وأجابه فيه. إمّا أن يعجله وإمّا أن يؤخره له ?( 1 ). وعن الإمام أبي عبد الله ?: ? إن رجلاً أتاه فقال له: يا بن رسول الله هل يُزار والدك. قال فقال: نعم ويُصلى عنده ويُصلى خلفه ولا يتقدم عليه. قال: فما لمن أتاه. قال: الجنة إن كان يأتم به. قال: فما لمن تركه رغبة عنه. قال: الحسرة يوم الحسرة. قال: فما لمن أقام عنده. قال: كل يوم بألف شهر. قال: فما للمنفق في خروجه إليه والمنفق عنده. قال: الدرهم بألف درهم ?( 1 ). وقال الإمام الصادق ? كما سأله ابن سنان: ? جُعلت فداك أن أباك كان يقول في الحج: يُحسب له بكل درهم أنفقه ألف درهم فما لمن ينفق في السير لأبيك الحسين?؟ قال ? : يا بن سنان يحسب له بالدرهم ألف وألف حتى عدّ عشرة ويرفع له من الدرجات مثلها ، ورضى الله خير له ودعاء محمد ? ودعاء أمير المؤمنين والأئمة ? خير له ?( 1 ). ولعلك يا ولدي تعتبر الإنفاق فقدان لمالك , وهذا من الوهن قطعاً لأن من عمل حسنة فإن الله تعالى يضاعفها بعشر حسنات. والقرآن يشهد بذلك , فأنفق ولا تخف دركاً ولا تخشَ. واعرف الحق تجد له أهلاً فإنك إذا جهلته والتبست عليك الأمور، قد يختلط عليك طريق الصواب عن الخطأ كما حدث لبعض من غرّته الدنيا وباع آخرته لدنياه مقابل بعض الأموال التي تعينه لعدة أيام ثم تكون عليه وبالاً وخسراناً. ولا أجد من نفسي إلا أن أكون لك ناصحاً لمعرفة هذا الحق الذي طالما كان الأئمة ? يحثون على معرفته كي تكون على بصيرة من أمرك. فهل يا ترى تعرف حق إمامك حينما تـُقبل عليه؟ فقال الإمام أبو عبد الله ?: ? من أتى قبر أبي عبد الله ? عارفاً بحقه غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ?( 1 ). وقال الإمام موسى بن جعفر ?: ? أدنى ما يُثاب به زائر الحسين ? بشط الفرات إذا عرف بحقه وحرمته وولايته أن يغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر??( 1 ). وعن الإمام علي بن الحسين ? قال: ? سمعت أبي يقول من أتى قبر الحسين ? عارفاً بحقه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر??( 2 ). كل هذه الأحاديث تظهر لك مدى عظمة ثواب معرفة حق إمامك ليغفر الله تعالى لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. وسوف أعدد لك بعض تلك الحقوق: فمن معرفة حقه عليك أن توالي أولياءَه وتعادي أعداءَه. فإن الإمام الحسين ? وأهل بيته لم يطلبوا من حطام الدنيا ولو جزءاً يسيراً منها. بل جاهدوا بأنفسهم وأموالهم كي لا تـُمحى آثار الإسلام من التوحيد الخالص له تعالى والنبوة والإمامة من بعدها عن طريق إقامة العدل، ولم يُخطئ أو تلتبس عليه الأمور ليضلّ ويُضِلّ من بعده. ومن حقه عليك وعلى كل من أقبل إلى زيارة مرقده الشريف أن تسير وفق منهجهم فلا تزغ عنه فإن منهاجهم هو الإسلام الصحيح بل نهج القرآن الكريم، فهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويحجون البيت الحرام ويداومون على قراءة القرآن ويؤدون الحقوق إلى أهلها وغيرها كثير. ومن حقه عليك أن تعترف بل وتعتقد أن الإمام الحسين ? هو إمام مفترض الطاعة فلو كنت في زمانه وأمرك بأمرٍ ينبغي لك أن تمتثله فوراً ودون تردد. أو نهاك عن شيء ينبغي لك أن تتركه دون أدنى شك. وهذا حق لكافة المعصومين من النبي ? وحتى الإمام المنتظر (عجل الله تعالى فرجه ). ومن حقه عليك: أن تؤمن بأن كل من يحاول أن يمس كرامة الإمام ? أو يتعدى حدوده من إهانةٍ لمرقده أو التجرؤ عليه أو غير ذلك. فإنما هو يتعدى ويعتدي على الرسول الأعظم ? بنص الحديث الشريف ( حسين مني وأنا من حسين ). ومن حقه عليك حينما تدخل حرمه أن يكون قلبك حزيناً مكروباً , فإن إمامك قد بذل كلِّ ما يملك حتى أعز شيء وأفضله ألا وهي نفسه الكريمة وقد بذلها في سبيل الدين. ولعلك يا بُني تحاول أن تسكن نفسك بالسؤال لماذا تزور الإمام الحسين ?؟ لكان جوابي لك: إن هناك أسباباً كثيرة لزيارة الإمام ? وإليك بعضها: 1- إعلم أنك لما تريد أن تزور هذا الأجساد الطاهرة فإنك لا تزور جسداً بالياً لم يعد له أثر في هذه الدنيا، بل هذا من الخطأ الجسيم لدى البعض حينما يعتقد ذلك. بل إن هؤلاء هم ضحوا بأنفسهم وأموالهم في سبيل الله تعالى فكانوا الشهداء الذين ذكرتهم الآية الكريمة: ? وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ? فهم أحياء بأرواحهم فيسمعون كلامك ويردون عليك الجواب. 2- وتفكر بأنك إذا كنت تعتقد أن هؤلاء موجودون فإن أجابتك عن سؤالك ودعائك لهم هي أقرب إليك من لمحة بصرك بل هو أدنى من ذلك. 3- وقوفك أمام أضرحتهم المطهرة، هو تعبير صادق عن الولاء الممتد بينك وبينهم. فإنك بتحملك المشاق والصعوبات التي تواجهها. إن هي إلا تجديد للعهد الذي قطعته على نفسك أن تسير بسيرتهم وتنهج بنهجهم. 4- إن مواصلتك لهم إنما هي من الأمور المحببة التي حث القرآن الكريم عليها وذلك بقوله تعالى: ? وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ? . 5- اتخاذك هذا السبيل هو تعبير عن عدم غفلتك عن تلك الفاجعة المؤلمة التي حاول أعداء أهل البيت ?. 6- أن يجعلوها حادثة تأريخية كبقية الأيام وهي تمر مر السحاب كي تتخذ طريقها إلى النسيان. 7- لعلك تجهل أن رغبتك إليهم ومحاولة الوصول إلى مراقدهم هو ما أكدته الأحاديث الشريفة بإحياء أمرهم حتى ذكرت: ? رحمَ الله من أحيا أمرنا ?. فكيف تحيي أمرهم إذا كنت لم تذهب إلى الزيارة أو تشارك في بث روح الأمل المنشود وعدم اندراسها؟ 8- وحدة الهدف وهو السير على نهج الشهداء ووصايا الأئمة ?. 9- الاجتماع عند المرقد هو تعبير صادق عما قاله ?: ? أتلتقون..رحم الله من أحيا أمرنا ? فإن لهذا الاجتماع من مودة وصلة الأرحام وتآلف للنفوس. 10- البركة التي التمسها محبو أهل البيت?من جراء مواصلة الزيارة. فقد سأل الحلبي الإمام الصادق ? قال: ? جُعلت فداك ما تقول فيمن ترك زيارته وهو يقدر على ذلك؟ قال: أقول أنه عقّ رسول الله ? وعقنا واستخفّ بأمرٍ هو له، ومن زاره كان الله له من وراء حوائجه وكفى ما أهمه من أمر دنياه وإنه ليجلب الرزق على العبد ويخلف عليه ما أنفق ويغفر له ذنوب خمسين سنة ويرجع إلى أهله وما عليه وزراً ولا خطيئة إلا وقد مُحيت من صفحته..? ( 1). هنالك آداب ينبغي لك يا ثمر فؤادي أن تتعلمها حينما تدخل الحرم المطهر وهي: أنك لما تدخل هذا الحرم المطهر فإنه مما يحسن بك أن تكون على غسل قبل الدخول أو وضوء كي تستجاب لك كل خطوة تخطوها أو عمل تفعله. كما أنك لما تلج تكون وقوراً في مشيتك فلا تسرع فيها، ولعلك تجد من نفسك هذا لما تحاول الدخول على ذوي السلطان أو ممن تجد عنده ضالتك.كما لا تحاول أن تبطِئَ أو تتثاقل في مشيتك لئلا تتخذ عليك نظرة سوءٍ بل تحاول أن تسير هوناً على سكينة وشغف، وتكبر الله تعالى وتعظـّمه في كل ذلك لما تجده من الفضل عليك لما منّ عليك وجعلك تصل إلى هذا المرقد سالماً ، سوياً ولم يمنعك من زيارته بأي وسائل المنع التي منع غيرك عنها. ثم تقف عند باب من أبواب هذا المرقد لتحاول أن تطلب الأذن من صاحب هذا المرقد المبارك كي يأذن لك وهذه من الآداب المهمة التي ذكرها القرآن الكريم بقوله تعالى: ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ?. فإن القرآن الكريم يعلمنا لما لهذا الأذن من كرامة ورفعة لكل من الزائر والمقبل عليه ومن صاحب المرقد... فكيف بك وأنت أمام ورثة الأخلاق العظيمة وشخصية مهمة لا تـُقارن بأي شخصية أخرى؟ وتأمل لما لهذا الأذن من أهمية فهو يعلمك أنك إنسان ذو شخصية إسلامية ومكانة اجتماعية في هذه الدنيا. كما يعلمك أنك تمتثل الأوامر وتعمل بها ولا تحاول مخالفتها مهما أمكنك ذلك. وانظر إلى هذا القبر الشريف وما كان يفعله جبابرة العصور السابقة حينما يُقبل زائرو الإمام الحسين ? كي يجددوا عهداً عنده، ويتخذوه مناراً لهم في تضحيته وسيرته السامية التي يعجز عنها اللسان أن يصفها، والبيان أن يصورها لك فإن هؤلاء المستكبرين كانوا يحاولون دوماً على مر تلك العصور أن لا يجعلوا لهذا المرقد من باقية. إلا أنه شاء الله تعالى أن يجعل في كل زمان ومكان له أولياء يحبونه ويهتمون بزيارته على أفضل وجه. بل يذرفون الدموع أينما حلـّوا وارتحلوا، فكان لتلك الدمعة الأثر البليغ في النفوس المؤمنة ولما يجدونه في المجتمع من أثر صريح. وأول دليل على امتداد هذه السيرة القويمة هو حث الأئمة المعصومين لشيعتهم ولكل المسلمين أن يذرفوا الدموع عند ذكر مصيبة سيد الشهداء وأولاده وأصحابه حزناً وتفجعاً عليهم وهذا ما أكدته الأحاديث الشريفة وإليك بعض منها: قال الإمام أبو عبد الله?: ? من ذكرنا عنده ففاضت عيناه حرّم الله وجهه على النار??( 1). وقال الإمام أبو جعفر?: ? كان علي بن الحسين ? يقول: أيّما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين بن علي ? دمعة حتى تسيل على خده بوأه الله بها في الجنة غرفاً يسكنها أحقاباً، وأيّما مؤمن دمعت عيناه حتى تسيل على خده فيما مسّنا من عدوّنا في الدنيا بوأه الله بها في الجنة مبوأ صدق، وأيّما مؤمن مسّهُ أذى فينا فدمعت عيناه حتى تسيل على خده عن مضاضة أو أذى فينا صرف الله عن وجهه الأذى وآمنه يوم القيامة من سخطه والنار ?( 2). عن الإمام أبي عبد الله ? قال: ? إن البكاء والجزع مكروه للعبد في كل ما جزع ما خلا البكاء والجزع على الحسـين بن علي ? فإنه فيه مأجور ??( 1). وغيرها كثير من الأئمة ما يذكر في إظهار المصيبة وأثرها على صفحات الوجوه. فهي تدل أن هنالك عقيدة راسخة على مدى العصور أنهم على الحق الذي اتبعوه وأن أعداءهم على الباطل ولولا ذلك لما استمرت طيلة هذه الأعوام الطويلة يتعاهدها الأجيال جيلاً بعد جيل ويتوارثها الآباء عن الأجداد. آداب الزيارة وأنت إذا وقفت أمام المرقد المبارك فحاول أن تعتبر بما تجود به نفسك من أصدق التعابير وأفضلها لديك. ولعلك تجد من نفسك وأنت تدخل لأي شخصية سواء كانت من ذوي السلطان أم الجاه أم الدين فإنك تعد لذلك أفضل التعابير ولا تُخطِئ. بل تتأمل فيها قبل أن تجد لها سبيلاً إلى الخروج من فمك. فكيف بك وأنت أمام ابن بنت رسول الله ? الذي كان الرسول الأعظم ? يلثم فاه ويقول: ? اللهم أحبه فإني أُحبه ?( 1). وهنا ينبغي الإشارة لك أن أقرب السُبل إليك حينما تحاول أن تزور الإمام الحسين ? وأهل بيته والشهداء معه ? فإن أفضل الكلمات التي نطق بها أهل البيت ? فهي تعبّر عن صدقها وإخلاصها. وهذه تجدها في الكتب المختصة في الأدعية والزيارات وسوف أذكر لك بعض هذه الكتب: 1- المصباح/ للشيخ الطوسي. 2- المصباح/ للكفعمي. 3- بحار الأنوار- المزارات/ للشيخ المجلسي. 4- كامل الزيارات/ لابن قولويه. 5- إقبال الأعمال/ للسيد ابن طاوس. 6- مفاتيح الجنان/ للشيخ عباس القمي. 7- ضياء الصالحين/ للجوهرجي. ولا بد من الإشارة إلى أمر مهم: أن هذه الكتب وغيرها قد ذكرت الزيارات المختصة بالإمام الحسين ? والشهداء معه. على نحوين: الأول: الزيارة المطلقة، ولك أن تزور الإمام الحسين ? في أي وقت تشاء سواء كنت في دارك أم قرب الإمام ? أم في محل عملك في الليل أو النهار. الثاني: الزيارات الخاصة، وهي تختص بزمانٍٍ معين. كما في زياراته ? يوم عرفة أو يوم عاشوراء أو يوم الأربعين. فإن هذه الزيارة تبدأ من طلوع الشمس أو الفجر وحتى غروب الشمس. والأخرى من دخول المغرب وحتى طلوع الفجر وهذه كزيارة ليلة القدر وليلة الأضحى والفطر. بعد أدائك مراسيم الزيارة عند قبره الشريف. فحاول أن تؤدي صلاة ركعتين أو أكثر وتهدي ثوابها إلى صاحب القبر. ولعل من الخطأ أن يعتقد البعض أن هذه الركعتين التي تؤديها هي لأصاحب القبر بل هي خالصة لله تعالى فقط. لأنه الذي منّ عليك واختارك من بين سائر الخلق أن يوفقك وييسر لك السبيل للوصول إلى هذه البقعة الشريفة من دون أذىً أصابك. بل لم يجعلك عن زيارته ممنوعاً ولا عن دعائه مدفوعا. وبعد أداء تلك الصلاة تأمـّل ما منحك به من صحة ورخاء بل حتى من سقم وبلاء فإن لك الأجر مذخوراً. فحاول أن تجازي ذلك بالشكر من جراء سجودك له تعالى وهذا ماحثّ الأئمة ? على ذلك، فقد قال الإمام أبو عبد الله ?: ? أقرب ما يكون العبد إلى الله وهو ساجد ?( 1). فكيف بك وأنت أمام أقرب السبل التي ضحّت في سبيل الله تعالى ألا يستجيب لك دعاءك؟ واعلم أن الدعاء هو استكانة نفسك وتذليلها لطلب منالك من قبله تعالى. فلا تحاول أن تتخذه وسيلة كي تطلب الأشياء المحرمة والقبيحة التي منعها الإسلام. ولم يألفها المجتمع المسلم. وإنما حاول أن تدعو لإخوانك بما فيهم والديك أن يكونوا صالحين وعن الشر ممنوعين وهذا ما أكدته الأحاديث الشريفة عن الأئمة الأطهار ?. قال الرسول الأعظم ?: ?إذا دعا أحدكم فليعمم فإنه أوجب للدعاء?( 1). وعن الإمام أبي الحسن ?: ? من دعا لإخوانه من المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات وكـّل الله به كل عن كل مؤمن ملكاً يدعو له ?( 2). وعن الإمام أبي الحسن الرضا ? قال: ? ما من مؤمن يدعو للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات إلا كتب الله له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة منذ بعث الله آدم إلى أن تقوم الساعة ?( 1). وتأمل أنك إذا اعتقدت أن هذه الوسيلة القريبة عندك من الدعاء وقرب المرقد الشريف هي أقرب السبل التي لم يعرف أسرارها سوى من اعتقد بها اعتقاداً صادقاً فكانت إجابة دعائه أيسر له من يديه التي دعا بها. وبعد أداء مراسيم الزيارة والدعاء فلا تخرج من هذا المرقد المبارك وأنت مسرور بل أدعو الله أن يرزقك زيارته دوماً وما دمت حياً وأنت تنعم بهذه الحياة، كما يرزقك شفاعته يوم القيامة وهذا ما ذكره القرآن الكريم بقوله تعالى: ? وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى ?. وأصدق من يشفع لك هو سيد الشهداء والذي ضحى واستشهد لإحياء أمر الدين ولعل أفضل كلمات الوداع ما ذكره صاحب المفاتيح ((استودعك وأسترعيك...)) بهذه الكلمات تكون على أعتاب الوداع ولتكن قد أديت الزيارة المباركة لتنتظر الإجابة من دعائك المقبول وهو عند رب العالمين معلوم غير مجهول. لعلي يا ولدي قد أطلتُ عليك بهذا الكلام، لكنني أرشدتك إلى أقرب السبل التي تحاول النفوذ إليها ومن أيسرها لديك. بل حاولت أن يكون عملك مثلما أرشدونا إليه الأئمة الطاهرين ?. كما أنني ذكـّرتك ببعض الجوانب التي تتعلق بسيرة سيد الشهداء ? لما لها من أهمية كبرى فأرجو منك التأمل والتدبـّر فيها ولا تتخذها سيرة كسائر الشخصيات التي عاشت في زمانٍ ما ثم انقضت ولم يبق لها سوى الأنباء التي تنقلها كتب التأريخ. وإنما ذكرت لك ذلك لأن هنالك أعداءً يحيطون بك وبالمراقد الطاهرة يحاولون دوماً أن يتخذوا منها ذريعة كي يصرفوا عنك وعن كل من يحاول أن يعتقد بهذا المذهب الحق. بل ويبذلوا الأموال في سبيل الحد من هذا الولاء والارتباط بينك وبين الأئمة ?وهذا ما تشاهده وتسمعه في كل عصرٍ من العصور. هذا وآخر دعواي لك بحسن العاقبة في دنياك وآخرتك، والتمسك بمبدأ الحق الذي تروم أن تنتهجه ، إنه نعم المولى ونعم النصير. والدك المخلص لك في النصيحة |