والصلاة والسلام على أفضل الأنبياء والمرسلين محمد?وعلى آل البيت عليهم السلام الذين اختارهم خلفاءً على أرضه أما بعد: من حق المسلمين أن يفتخروا إذا كانت لديهم مميزات عن سائر الأديان. ومن بين تلك المميزات هي الشجاعة والإقدام والفداء في سبيل دينهم القويم. فالتاريخ يشهد بذلك بعدما يذكر عدة صور من سائر الأديان حتى يميز دين الإسلام بأبهى صورة. من تلك الصور ما ذكره في واقعة كربلاء المقدسة، لمّا وقفت ثلة مؤمنة بعقيدتها أمام جيش جرار قد طبع الشيطان على قلوبهم ، فجعلهم لا يبصرون نور الحقيقة الساطعة، فكان هناك بطل اتخذ لنفسه عهداً أن لا ينثني عن الدفاع عن مبدئه الذي خرج لأجله من المدينة المنورة إلى كربلاء المقدسة. بل لم ترعبه المشاهد التي عرضت أمامه من قتل وحزن على الأحبة، وإنما كانت هذه المشاهد تعبيرا عن ولائه وصبره وعزيمته التي لم تثنه عن مبدئه. فقدم نفسه- وهي آخر ضحايا كربلاء المقدسة- قرباناً من هذه القرابين إلى بارئها. ولتكن شاهد صدق للأخ المواسي بنفسه والمضحي في سبيل الله تعالى. ذلك العباس بن الإمام علي بن أبي طالب . وإذ نقدم لكافة المسلمين هذه الصورة المعبرة عن كربٍ وبلاء في هذه الأرض المقدسة. ونشير إليهم بهذه الإشارات ليتأمل المحبُّ والموالي عندما يُقبلُ على هذا المرقد المبارك. لما له من أهمية في نفوسهم. فإليهم نقدم نصائح أبوية ولأبنائهم وبناتهم وإخوتهم وإخواتهم أينما حلـّوا وارتحلوا ولكم منا الدعاء بحسن العاقبة إنه نعم المولى ونعم النصير. لما حطت رحالي على أرض الطفوف، أخذ ناظري يجول في هذه الأرض ويطيل فيها لعله يجد ضالته التي افتقدها منذ أعوام وأعوام مديدة. بل منذ انتهاء معركة الطف. وكرّ راجعاً يتأمل فيها حتى أثاره مشهدٌ مريع ليذرف الدموع عليه، ومن بعده ينشج نشيجاً خفيفاً. تلك عبراتٌ سكبتها المآقي لهذا البطل المغوار لما شاهدتُ مرقده المطهر وهو يرفل بالعز والكرامة والشموخ والإباء. وتأملتُ بتلك العبرات وقد خرجت دون اختياري- وأنا أشعر أنها لو جُمعت في قربته حينما خرج لطلب الماء من شاطئ الفرات لأطفال الإمام الحسين بعدما صبر على مضضٍ وألم واحتضارات ، لما شاهده على هذه الأرض الطيبة حتى نال حظه من إذن سيده ومولاه الإمام الحسين . وسار بطل بني هاشم وهو يعلم أن شجاعته وهيبته وشدة بأسه لا تقارن بالشجعان بل تفوقهم بأضعاف وأضعاف، لكن الغادرين لم يقابلوه بالشجاعة والاقدام وإنما بالغيلة والغدر فاستـُشهد وكانت الشهادة وساماً له. ولدي الكريم: إنك إذا وقفت على أرض الطفوف، فتأمل فيها تجد لنفسك عبرة من عبرات الزمان التي ينبغي أن تتعظ بها وتردع نفسك عن غيـِّها. حيث يمِّم نظرك إلى نهر الفرات، ستجد هناك البسالة والشجاعة من لدن العباس بن علي الذي قـضى نحبه في سبيل الله وإيماناً نابعا من عقيدته الصُّلبة التي تأمره بأن يكون مع الحق فكان هو والحق معاًً. ولعلك يا ولدي تردد الأفكار والأسئلة في قلبك لتعرف ما هي فضيلة أبي الفضل العباس على سائر الشهداء ( رضوان الله تعالى عليهم أجمعين )؟ لكان جوابي لك ياولدي: إن الفضائل والمحاسن تـُعرَف بآثارها وأدلتها. ومن آثارها قول الأئمة الصادقين من سلالة النبيين حيث ذكروا له عدة أقوال وأهمها: عن الإمام أبي عبد الله : قال خرج أمير المؤمنين علي (عليه السلام) يسير بالناس حتى إذا كان من كربلاء على مسيرة ميلٍ أو ميلين، تقدم بين أيديهم حتى صار بمصارع الشهداء ثم قال: قـُبض فيها مائتا نبي ومائتا وصي ومائتا سبط كلهم شهداء بأتباعهم. فطاف بها على بغلته خارجاً رجله من الركاب فأنشد يقول: مناخ ركاب ومصارع شهداء لا يسبقهم من كان قبلهم ولا يلحقهم من أتى بعدهم ( 1 ). وقد قال الإمام الصادق (عليه السلام): حدثني أبي عن فاطمة بنت الحسين عن أبيه عليهم السلام أنه قال: يُقتل منك أو يُصاب منك نفرٌ بشط الفرات ما سبقهم الأولون ولا يدركهم الآخرون ( 2 ). فإن الأئمة عليهم السلام ذكروا بأنهم لم يسبقهم الأولون ولا الآخرون لعلهم أنهم لم يستشهدوا لأجل حطام الدنيا وإيثاراً للعافية عن حسن البلاء. وإنما لأجل إحياء دين الإسلام الذي نزل به الروح الأمين على الرسول الأعظم بعدما انـتشر الفساد في الأرض فكان منهم العباس بن علي (عليه السلام) بل في طليعتهم. وتذكر يا ثمرة فؤادي أن ما وردت من الأحاديث الشريفة عن آل البيت عليهم السلام المعصومين من الزلل والمبرئين من العيب في زيارة المؤمنين. فقد قال بكر بن محمد الأزدي، سمعت أبا عبد الله يقول: ما زار مسلم أخاه في الله إلا ناداه الله عزوجل: أيها الزائرُ طبتَ وطابتْ لك الجنة ( 1 ). كما أن الأئمة عليهم السلام يرشدوننا إلى زيارة قبور صالحي المؤمنين، وكانت هنالك موانع من زيارة قبورهم عليهم السلام. فقد قال الإمام الصادق : من لم يقدر على صلتنا فليصل صالحي موالينا يُكتب له ثوابُ زيارته ( 2). فكيف بأرض الشهادة ، أرض ضمّتْ رفات الشهداء وأولادهم وأصحابهم، فقد ورد الحث على زيارة هذه البقعة المباركة.فقد قال الإمام أبو عبد الله (عليه السلام)عن أبيه عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: قال رسولُ الله : يُقبر إبني بأرضٍ يُقال لها كربلاء ، هي البقعة ُ التي كانت فيها قبة الإسلام التي نجا الله أملي المشرق: إذا أردت زيارة هذا البطل الشجاع... العباس بن علي فستجد أن هناك عدة َ دواع ٍ كي تزورَهُ، ولعل من أهمها: إن المعاني السامية التي حملها العباسُ بنُ علي منذ ولادته ومروراً بخروجه من المدينة مع أخيه الإمام الحسين وحتى استشهاده. فكان منها الالتزام الكامل بالنهج الذي سارَ عليه الإمامُ . كما أنه آثر الشهادة َ في سبيل الله على العيش الذليل لأيامٍ تمر مر النسيم... ومنها: الشخصية القوية التي امتاز بها أمام أقوى الشدائد والمحن، حيث قدّم إخوتـَه كي يكونوا إخواناً بررة وليكون لهم سنداً منيعاً للدفاع عن سيد الشهداء ومنها: صبره الذي امتازَ به حينما لم يبقَ في أرض الشهادة إلا نفسُه الكريمة وأخوه الحسين فقدمها واحتسبها عند بارئها. ومنها:علمه اليقين أن شهادتـَه هي رضىً لله ولرسولهولإقامة العدل ِ، كل هذه وغيرها تجدُها أمامَك عند وقوفـِك أمامَ قبرهِ الشريف. ولدي العزيز: إن من الآداب التي ينبغي أن تعلمُها لإخوانك المؤمنين، حينما تحاول أن تعتزمَ لأمر يراودك وهممتَ به.. فاَسبغْ وضوءَك فإن له الشأن العظيم. فقد قال الإمام الصادق : من جدد وضوءه لغير صلاة جدد الله توبته من غير استغفار( 1 ). وقال الإمام الصادق : من طلب حاجة وهو على غير وضوء فلم تقض فلا يلوم إلا نفسه ( 2 ). وقال الإمام الصادق : إني لأعجب ممن يأخذ في حاجة وهو على وضوء وكيف لا تقضى حاجته ( 3 ). بل من آداب زيارة أبي الفضل ينبغي لك أن تعمل بها حسب ما يمكنك فعله.. هو أن تغتسل قبل زيارته المباركة لتكون على طهورٍ من دعائك وصلاتك وعملك يكون مستحباً. وإذا وقفت على قبره المبارك فحاول أن تدخل حرمه وقلبك خاشع وعيناك بين الرجاء والمحبة.وتذكر الله تعالى وتعظمه في مشيتك في كل خطوة تخطوها. وقف بعد ذلك للإذن أمام أول باب من أبوابه لتكن قد امتثلت آوامر ربك بقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27) سورة النــور.وهذه من الآداب التي علمنا الرسول الأعظم عليها. وتذكـر فأنك حيـنما تدخـل لا تكن كاللذين يسـيرون إلى حـرمه وهم أسرع من الريح. بل خفِّفْ من وطأتك في السير كي تفكر أنك أمام بطل سار إلى الموت وهو لا يهابه. بل لم يكن يعبأ بالجموع التي ملأت الآفاق كي ينجز المهمة التي أرسل إليها. إلا أن الذين باعوا آخرتهم بدنياهم لقاء أموالٍ وأيام معدودة قد آثروا على أنفسهم قتله غيلة ومكراً ليسقط على أرض الكرب والبلاء شهيداً. لما كان شوقك يحدوك إلى القبر الـشريف لتـتشرف بزيارة أبي الفضل (عليه السلام) فأنك تحاول أن تعد العدة من الكلمات ذات المعاني الجميلة كي تعبر عن مدى صدق ما قلته بحق هذا البطل. ولعل في بعض الأحيان، إن كلماتك لا تكون وافية بما تريد أن تقصد أو قاصرة عن أداء معناها وهذا ما لا يمكن أن تكمله بأي وسيلة من الوسائل المتاحة لديك. إلا أنني سوف أرشدك إلى أن تنتهج من جراء تعبيرك إلا وهو اتخاذك بعض الأدعية الموجودة في الكتب المختصة بالدعاء ككتاب المصباح وعمدة الزائر ومفاتيح الجنان للشيخ القمي وضياء الصالحين فإن هذه الكتب قد ذكرت هذه الأدعية الواردة عن الأئمة المعصومين عليهم السلام فهم أصدق من ذكروا واقعة الطف بأبشع صورها وأدق معانيها فتبرز في الأفق معانيها من الصور التي لا يمكن تصديقها. إلا أن بشاعة ذلك الموقف والقلوب القاسية جعلت من هؤلاء أن يقفوا أمام ثلة مؤمنة صادقة موقف الكلاب الضارية أمام فريستها لتلتهمهم من كل طرف ولتجعلهم أشلاء مقطعة تـُملأ أرض المعركة بهم. فكان للعباس بن علي النصيب الأوفر فيها بعد أخيه الإمام الحسين .فحاول أن توجه خطابك إليه وأنت تستشعر هذه الصورة أمامك لتردد ما قاله الإمام الصادق في زيارته له بعد السلام عليه والثناء على منـِّه لهذا الشهيد الذي قضى نحبه مظلوماً، صابراً محتسباً. ثم توقف كلامك أمامه لتعيد الكرة وأنت تستذكر نهادته التي هي امتداد لشهداء بدر وأحد لما واجهوا الكفار ونالوا نصيبهم من الشهادة ليفوزوا فوزاً عظيماً لما وعدوا من قبل الله تعالى. بل تستذكر أن شهادته أفضل من شهادة شهداء بدر وأحد لأنهم لما خرجوا لأرض المعركة كانت هنالك مكاسب دنيوية واخروية فمن الدنيا الغنيمة من دار الحرب ومن الآخرة الجنة التي وُعدُوا بها. وأما شهداء الطف وفي مقدمتهم العباس بن علي فلم يكن يطمع بالدنيا ولا بحطامها بل كان يرجو الشهادة فعدد من كان منهم في القليب: هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً ، فإني قد وجدتُ ما وعدني ربي حقاً؟ فقال المسلمون: يا رسول الله، أتنادي قوماً قد جيفوا. قال :ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوني ( 1 ). فكيف بدعائي حينما تزور أبا الفضل وتطلب حاجتك منه ليكون الوسيلة في الدعاء؟ وقبل أن تبدأ بالدعاء لتذكر حاجتك من الوسيلة المبتغاة عند ربك ألا وهو أبي الفضل العباس فأود أن أذكر لك ما للصلاة على محمد وآل محمد من فضلٍ وآثار ينبغي لك أن تقدمها قبل أي عمل من أعمالك لأن لها منافع كثيرة.فقد قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب: كل دعاءٍ محجوب عن السماء حتى يصلي على محمد وآل محمد ( 1 ). عن جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه عليهم السلام، قال: قال رسول الله : أنا عند الميزان يوم القيامة، فمن ثقلت سيئاته على حسناته جئت بالصلاة عليّ حتى أثقل بها حسناته ( 2 ). وذكر الإمام لسائله أنه أفضل ما خرج من عنده قبل الدعاء هو الصلاة على محمد وآل محمد. فقد قال الإمام الصادق : إني دخلت البيت فلم يحضرني شيء من الدعاء سوى الصلاة على النبي . فقال :ولم يخرج أحد بأفضل مما خرجت( 1 ). وتنبه لما ذكره الإمام ولما قاله أنه مغرور من رغب عنها وذلك لما قال الإمام الصادق قال: إذا ذكر النبي فأكثروا الصلاة عليه، فإنه من صلى على النبي صلاة واحدة صلى الله عليه ألف صلاة وفي ألف صف من الملائكة، ولم يبق شيء مما خلق الله إلا صلى على ذلك العبد لصلاة الله عليه وصلاة ملائكته،ولا يرغب عن هذا إلا جاهل مغرور قد برئ الله منه ورسوله ( 2 ). وبعد كل هذا فأطلب ما تشاء فأنك سوف تجد الإجابة سريعة لديك خصوصاً وأنت تتمتع بأفضل مكان ألا وهي أرض كربلاء أرض إجابة الدعاء. بعد أدائك لمراسيم الزيارة فإن من الآداب أن تشكر الله تعالى على هذه النعمة التي منها عليك بحيث تركت بلادك وأخوتك وعائلتك وتحملت مشاق السفر كما تركت أعمالك ودراستك ووقت لعبك الثمين كي تروي ظمأك وتعتبر أن الخلود لهؤلاء الشهداء فقط. ومن كل هذا فإن أفضل سبل الشكر هي أن تؤدي ركعتي الزيارة لتهدي ثوابها لصاحب القبر الشريف ولا تكن من الذين يعتقدون أن صلاتك هي لصاحب القبر فإن هذا من الخطأ الفاحش الذي لا يغتفر وهو الذي أشار القرآن الكريم إليه بقوله تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ لقمان/13. إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا النساء/48. ومن آثار صلاتك التي تؤديها وأنت تذكره تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ الفاتحة/5. فإن ذلك الذي ينبغي أن تجعله طريقاً في هذه الحياة فلا تعبأ بما يعده الأصدقاء لك من عمل الخير والشر، ولا تأمل بعمر مديد فإن ذلك بيده تعالى فقط. بـل تجعل عبـادتـك خالصة له تعالى ولا تـشرك أي أحدٍ مهما كان سواء تخافه أو تحبه فهذا دين الموحدين. وأنت يا عزيزي إذ تشهد على نفسك أنك أديت الأمانة وهو العهد الذي قطعته على نفسك بأن تصل من أمرك الله تعالى بصلته الآية الكريمة: وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ الرعد/21. وتسير وفق ما سار عليه آباؤك وأجدادك وهم في القبور ينعمون بحياة أخروية ويفتقدون نعمتك التي أنت بها. ولا يشكون أنك الآن قرب قبر أخي سيد الشهداء وحامل اللواء يوم الطف. كل هذه الأمور ينبغي أن تكون نصب عينيك كي تشكره تعالى على فضله الذي وفقك إلى أن تشهد هذا الموقف بحيث يحسدك عليه كثير من الناس ويطمعون أن يشاركوك في كل فعلٍ أو قول قلته. وأنت تشهد على نفسك بأنك لا تملك سوى أقل القليل مما فعله العباس بن أمير المؤمنين من أجلك وأجل الإسلام. فتأمل كيف يمكنك شكره تعالى، إلا أنني سوف أرشدك إلى أيسر عمل لك ألا وهو سجدتك على الأرض لتكون أقرب إلى الله تعالى فقد قال الإمام الصادق : أقرب ما يكون العبد إلى الله وهو ساجد ( 1 ). بل أن الشيطان يذعر حينما يراك ساجداً لربك فقد قال الإمام الصادق : إن العبد إذا أطال السجود حيث لا يراه أحد قال الشيطان: واويلاه أطاعَ وعصيتُ وسجدتَ وأبيتُ ( 2 ). كما ينبغي لك أن تتذكر أن عملك لم يأت لولا حسن نيتك واعتقادك الصحيح الذي تحاول أن تظهر أثره من جراء زيارتك لأبي الفضل العباس?. وأنت بعد كل هذه الأعمال والآداب تكون على أعتاب وداع هذه الرحلة المباركة.فأرجو منك أن لا تخرج من هذا المكان إلا وقد استوفيت كل ما تطمح له. ولعل من أهمها الدعاء لوالديك فإنهما بحاجة إلى دعائك. وهو من أعظم الحقوق عليك كما أن من أهم الواجبات عليّ أن أبذل لك حسن النصح وأسداها للصواب. ولا تخف يا ولدي مما تدعو به فإن هنالك رزقاً ينتظرك. فقد قال الإمام أبو عبد الله الحسين (عليه السلام) : دعاء المسلم لأخيه بظهر الغيب يسوق إلى الداعي الرزق ويصرف عنه البلاء وتقول له الملائكة: لك مثلاه ( 1 ). كما أود أن أشير عليك بالدعاء للمؤمنين والمؤمنات ولا تخص شخصاً بعينه فإن ذلك أوجب للدعاء. فقد قال الرسول الأعظم : إذا دعا أحدكم فليعم فإنه أوجب الدعاء ( 1 ). وقال الإمام أبو الحسن : من دعا لإخوانه من المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات وكلّ الله به عن كل مؤمن ملكاً يدعو له ( 2). ولا تنسَ يا قرة عيني أن هنالك أناساً تحت الثرى فأنهم محتاجون إلى دعائك وأنت في اشرف بقعة .فقد قال الإمام أبو الحسن الرضا : ما من مؤمن يدعو للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات إلا كتب الله له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة منذ بعث الله آدم إلى أن تقوم الساعة ( 3 ). وأنت إذ تكون قد أكملت أعمالك التي ترجو قبولها عنده تعالى. لا تنس وداعك لهذا الكريم، والمؤثر على نفسه فأن أفضل الدعاء دعاء الوداع وهو: ( استودعك الله وأسترعيك....) ، فتذكر هذا الوداع أنك أشهدت على نفسك وأقررت بالتوحيد والنبوة والإمامة وأنك توالي أولياء الله وتعادي أعداء الله. وهذا ما ينبغي لكل مسلم ومسلمة أن تعتقد بذلك فلا تخالفها. لأنك إن خالفته تكون من الذين قبلت بحقهم. قال تعالى: يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا النحل/83. ومن أفضل النعم التي تعرفها هو الاعتقاد السليم بالشهادة الحقة التي تسير بك إلى بر الأمان ألا وهي الجنة التي وعدك إياها رب العالمين. |