موقع الأربعين > مدينة الرسول تندب الحسين وآله(عليهم السلام)
السيد صالح الشهرستاني
أما في مدينة الرسول(صلى الله عليه وآله) فيذكر التاريخ وتؤكد الروايات بأن عبيدالله بن زياد بعد أن كتب من الكوفة الى يزيد في الشام يخبره بمقتل الإمام(عليه السلام) وتسلمه جواب يزيد بإيفاد الأسرى والسبايا ومعهم الرؤوس إليه في الشام، بادر يزيد حالاً بإرسال عبدالملك بن حارث السلمي الى عمرو بن سعيد بن العاص المعروف بالأشدق وكان والي المدينة وحاكمها، وعامل يزيد فيها، وأمره بأن يبشره بمقتل الإمام الحسين(عليه السلام) وآله وصحبه. وفيما يلي بعض الروايات التي تحدثنا عن تفاصيل هذا الأمر:
1- جاء في (الإرشاد) للشيخ المفيد ما نصه: « أنفذ يزيد عبدالملك بن أبي الحديث السلمي الى المدينة ليخبر عمرو بن سعيد بن العاص عامله على المدينة بقتل الحسين(عليه السلام)، فيقول عبد الملك(1):
لما دخلت على عمر بن سعيد قال: ما وراءك؟ فقلت: ما يسرّ الأمير، قُتل الحسين بن علي. فقال: أخرج فناد بقتله، فناديت، فلم أسمع(2) واعية قط مثل واعية بني هاشم في دورهم على الحسين بن علي حين سمعوا النداء بقتله.
ثم يستطرد فيقول: وخرجت أم لقمان زينب بنت عقيل بن أبي طالب(رحمه الله) حين سمعت نعي الحسين حاسرة، ومعها أخواتها أم هاني، وأسماء، ورملة، وزينب بنات عقيل بن أبي طالب تبكي قتلاها في الطف، وهي تقول:
مـاذا تـقولون إن قـال النـبي لكـم مـاذا فـعلـتم وأنـتـم آخـر الأمـم
بـعترتـي وبـأهـلي بـعد مـفتقـدي منهم أسـارى ومـنهم ضرجـوا بـدم
ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم أن تخلفوني بسوء في ذوي رحمي (3)
2- تقول الدكتورة بنت الشاطئ في كتابها «سكينة بنت الحسين» ص68، عند الاشارة الى وصول السبايا الى المدينة عام61هـ ما نصه: «وضجت المدينة بسكانها وهي تستقبل بقايا الركب الحسيني الذي ودعته منذ قليل، وبرزت النساء -كل النساء- صارخات باكيات، وخرجت عقيلات بني هاشم من خدورهن حاسرات الوجوه، يندبن في لوعة: واحسيناه، واحسيناه. ولم تبقَ في المدينة دار إلا وبها مأتم، ولبثت مناحة الشهداء هناك قائمة أياماً وليالي، حتى جفت المآقي من طول ما سكبت من دمع، وحتى ضحل الحلق من طول ما أجهده النواح...» .
وتستطرد الدكتورة بنت الشاطئ فتقول: «وفي المدينة أقامت الرباب بنت امرئ القيس زوجة الحسين المأتم عليه، وبكت النساء معها حتى جفّت دموعها. ولما أعلمتها بعض جواريها بأن السويق يسيل الدمعة أمرت أن يصنع السويق، وقالت: إنها تريد أن تقوى على البكاء، وقد خطبها بعد الحسين الأشراف، فأبت وقالت ما كنت لأتخذ حماً -أي أقارب الزوج- وهكذا بقيت الرباب سنة بعد الحسين لم يظلها سقف بيت حتى بليت وماتت» .
3- جاء في ص508 من كتاب: «أعلام النساء في عالمي العرب والإسلام» بعد وصف مسيرة السبايا من الشام الى المدينة ما نصه: «فلما دخلوا المدينة خرجت امرأة من بني عبد المطلب، ناشرة شعرها، واضعة كمها على رأسها، تلقاهم وهي تبكي وتنشد: «ماذا تقولون إن قال النبي لكم .....» الى آخر الأبيات المارّ ذكرها .
4- وقد نقل صاحب كتاب «إقناع اللائم» هذا الحادث بالنص التالي: «وفي تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي الحنفي قال الواقدي: لما وصل الرأس -رأس الحسين- الى المدينة والسبايا، لم يبقَ بالمدينة أحد إلا وخرجوا وهم يضجون بالبكاء وخرجت زينب بنت عقيل بن أبي طالب تصيح: واحسيناه، واأخاه، واأهلاه، وامحمداه ثم قالت:
مـاذا تقولون لو قـال النـبي لكـم مـاذا فـعلتم وأنـتم آخـر الأمـم
بأهـل بـيـتي وأولادي أمـا لكـم عـهد أمـا أنـتم تـوفـون بـالذمم
ذريـتـي وبـنو عـمي بمـضيعة منهم أسارى ومـنهم ضرجوا بـدم
ما كان هذا جزائي إذ نصحـت لكم أن تخلفوني بسـوء في ذوي رحمي
5- وفي ج1: ص113 من «المجالس السنية» ما لفظه: «وكانت أم البنين -وهي فاطمة بنت حزام الكلابية- أم العباس وأخوته: عبدالله، وجعفر، وعثمان، الذين قتلوا مع أخيهم الحسين يوم عاشوراء، بعد قتلهم تخرج كل يوم الى البقيع في المدينة، وتحمل معها عبيدالله ابن ولدها العباس فتندب أولادها الأربعة خصوصاً أشجى ندبة وأحرقها، فيجتمع الناس يستمعون بكاءها وندبتها، وكان مروان بن الحكم على شدة عداوته لبني هاشم فيمن يجيء فلا يزال يسمع ندبتها ويبكي. فمما كانت ترثي به قولها في أولادها الأربعة:
لا تـدعوني ويـك أم الـبنيــن تـذكـريني بـليوث العـرين
كـانت بـنون لي أُدعـى بهـم والـيوم أصبحت ولا من بنيـن
أربـعة مـثل نســور الـربى قد واصلوا الموت بقطع الوتـين
تـنـازع الخـرصان أشـلاءهم وكلهم أمـسى صريـعاً طـعين
يا ليت شـعري أكـما أخـبـروا بأن عـباساً قـطيع اليمــين
وفي ص109 من الكتاب نفسه ما عبارته: « وروي عن علي بن الحسين(عليه السلام) أنه نظر يوماً الى عبيد الله بن العباس بن علي فاستعبر....» .
6- جاء في ج1: ص153 من كتاب «المجالس السنية» أيضاً ما نصه: «قال بشر بن حذلم، وكان من جملة ركب الأسارى والسبايا، ومعروفاً بنظم الشعر، بأنه حينما وصل ركب السبايا والأسرى ضواحي المدينة المنورة قال لي الإمام زين العابدين(عليه السلام): ادخل المدينة وانعَ أبا عبدالله الحسين(عليه السلام). قال بشر: فركبت فرسي وركضت حتى دخلت المدينة، فلما بلغت مسجد النبي رفعت صوتي بالبكاء، وأنشدت أقول:
يا أهـل يثرب لا مقام لـكم بها قتل الحسين فـادمعي مـدرار
الجسم منـه بكـربلاء مـضرج والرأس منه على القناة يـدار
ثم قلت: يا أهل المدينة، هذا علي بن الحسين مع عماته وأخواته قد حلوا بساحتكم ونزلوا بفنائكم، وأنا رسوله إليكم أعرفكم مكانه، قال بشر: فما بقيت في المدينة مخدرة ولا محجبة إلا برزت من خدرها وهي تدعو بالويل والثبور، ولم يبقَ في المدينة أحد إلا وخرج وهو يضج بالبكاء، فلم أرَ باكياً أكثر من ذلك اليوم، ولا يوماً أمرّ على المسلمين منه بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله) وسمعت جارية تنوح على الحسين وتقول:
نـعى سـيدي نـاع نـعاه فأوجـعا وأمــرضني نـاع نـعاه فأفـجعا
فـعينيّ جـودا بـالمدامع واسكـبا وجـودا بـدمـع بـعد دمعكما معا
على من دهى عرش الجليل فزعزعا فأصبح هذا المجد والدين أجدعا
عـلى ابـن نـبي الله وابن وصيه وإن كان عـنا شـاحط الـدار أشسـعا
ثم قالت: أيها الناعي جددت حزننا بأبي عبدالله، وخدشت منا قروحاً لم تندمل، فمن أنت رحمك الله؟ فقلت: أنا بشر بن حذلم، وجهني مولاي علي بن الحسين وهو نازل بوضع كذا مع عيال أبي عبدالله الحسين ونسائه، قال: فتركوني مكاني وغادروني، فضربت فرسي حتى رجعت، فوجدت الناس قد أخذوا الطرق والمواضع، فنزلت عن فرسي وتخطيت رقاب الناس حتى قربت من باب الفسطاط وكان علي بن الحسين داخلاً فخرج ومعه خرقة يمسح بها دموعه، وخلفه خادم معه كرسي فوضعه له، وجلس عليه وهو لا يتمالك من العبرة، وارتفعت أصوات الناس بالبكاء من كل ناحية يعزونه، فضجت تلك البقعة ضجة شديدة، فأومأ بيده أن اسكتوا، فسكنت فورتهم، فخطب فيهم خطبة مؤثرة ثم دخل زين العابدين الى المدينة فرآها موحشة باكية، ووجد ديار أهله خالية، تنعى أهلها، وتندب سكانها...»، وهكذا أقامت مدينة الرسول أياماً بلياليها تشهد المأتم الرهيب، وتصغي الى النواح الفاجع.
7- في ص218 من كتاب «سكينة بنت الحسين» السالف ذكره ما عبارته: «المؤرخون يقررون: أن المدينة كلها كانت في مأتمٍ عامٍّ لسيد الشهداء، وأن أمها الرباب -أي أم سكينة- قد أمضت عاماً بأكمله حادة حزينة حتى لحقت بزوجها الشهيد، وأن أم البنين بنت حزام بن خالد العامرية، زوجة الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام)، كانت تخرج الى البقيع كل يوم فتبكي أبناءها الأربعة...» .
8- روى الشيخ الطوسي في أماليه المجلد الأول ص322 بسنده عن عمرو بن ثابت، عن أبيه أبي المقدام، عن ابن جبير، عن ابن عباس قال: «بينا أنا راقد في منزلي إذ سمعت صراخاً عالياً من بيت أم سلمة زوج النبي (صلى الله عليه وآله)، فخرجْتُ يتوجه بي قائدي الى منزلها، وأقبل أهل المدينة إليها الرجال والنساء(4) فقلت: يا أم المؤمنين ما لكِ تصرخين وتغوثين؟ فلم تجبني، وأقبلت على النسوة الهاشميات وقالت: يا بنات عبد الطلب اندبن وابكين معي، فقد قتل والله سيدُكُنّ وسيد شباب أهل الجنة، فقد قتل والله سبط رسول الله وريحانته الحسين، فقلت(5): يا أم المؤمنين ومن أين علمت ذلك؟ قالت: رأيت رسول الله(صلى الله عليه وآله) في المنام الساعة شعثاً مذعوراً، فسألته عن شأنه، فقال: قتل ابني الحسين وأهل بيته اليوم، فدفنتهم والساعة فرغت من دفنهم، قالت: فقمت حتى دخلت البيت وأنا لا أكاد أعقل، فنظرت وإذا بتربة الحسين التي أتى بها جبرئيل من كربلاء قد صارت هذه التربة دماً، وقد أعطانيها النبي(صلى الله عليه وآله) فقال: اجعلي هذه التربة في زجاجة أو قال: في قارورة ولتكن عندك، فاذا صارت دماً عبيطاً فقد قتل الحسين. فرأيت القارورة الآن وقد صارت دماً عبيطاً تفور، قال: فأخذت أم سلمة من ذلك الدم فلطخت به وجهها، وجعلت ذلك اليوم مأتماً ومناحة على الحسين فجاءت الركبان بخبره وأنه قتل في ذلك اليوم .
قال عمرو بن ثابت -أحد رواة هذا الحديث-: دخلت على أبي جعفر محمد بن علي(عليه السلام) فسألته عن هذا الحديث، وذكرت له رواية سعيد بن جبير هذا الحديث عن عبدالله بن عباس فقال أبو جعفر: حدثنيه عمرو بن أبي سلمة، عن أمه أم سلمة...» .
9- قال سبط ابن الجوزي في كتابه «تذكرة الخواص»(6): «ذكر ابن سعد عن أم سلمة: أنها لما بلغها قتل الحسين (عليه السلام) قالت: أو قد فعلوها؟ ملأ الله قبورهم ناراً، ثم بكت حتى غشي عليها»، وذكر هذا الحديث «الصواعق المحرقة»(7) أيضاً .
10- ذكر ابن الأثير في تاريخه ص38 المجلد4، ونقلت ذلك «موسوعة آل النبي» ص748 ما يلي: «قال ابن عباس: رأيت النبي(صلى الله عليه وآله) الليلة التي قتل فيها الحسين وبيده قارورة وهو يجمع فيها دماً، فقلت: يا رسول الله ما هذا؟ قال: هذه دماء الحسين وأصحابه أرفعها الى الله تعالى، فأصبح ابن عباس فأعلم الناس بقتل الحسين وقص عليهم رؤياه» .
وعلقت الدكتورة بنت الشاطئ في الصفحة نفسها من موسوعتها تلك على ذلك بقولها: «عندما نادى المنادي بقدوم علي بن الحسين الى المدينة، وانتشر صدى النعي حتى بلغ سفح أحد، وارتد الى البقيع، فقباء، خافتاً ممزقاً وما لبث أن تلاشى في صراخ الباكين وعويل المناديات، وبلغ العويل سمع أمير المدينة عمرو بن سعيد الأشدق وكان من أنصار يزيد، فابتهج وقال:
عجّت نساء بني زيـاد عـجّةً كعجيج نسوتنا غداة الأرنب
يوم بيوم عثمان، وناعية بناعية عثمان، ولم تبقَ مخدرة في المدينة إلا برزت من خدرها نائحة معولة...» .
أقول: لقد نقل أقوال عمرو بن سعيد كل من تاريخ الطبري، وابن الأثير، وغيرهما من كتب المقتل، ثم تواصل الدكتورة بنت الشاطئ كلامها فتقول: «وأهل الركب الحزين على الجموع التي خرجت لاستقباله، فما رأت مدينة الرسول أفجع مشهداً، ولا رأت مثل ذلك اليوم أكثر باكياً وباكية...»، وختمت الكاتبة قولها بما يلي:
«وأقامت مدينة الرسول أياماً بلياليها تشهد المأتم الرهيب، وتصغي الى النواح الفاجع، وتتلقى في ثراها الطاهر دموع الباكين» .
نكتفي بذكر هذا وهو غيض من فيض، وما في بطون أمهات الكتب أكثر من ذلك بكثير في مثل: كتاب «الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني، وابن الأثير في المجلد الرابع صفحة «45» من تاريخه، وفي الصفحة «85» من كتاب «مقاتل الطالبيين» لأبي الفرج الأصفهاني أيضاً، وفي تاريخ الطبري المجلد4: الصفحة 358 ضمن حوادث سنة 61هـ، وكما في الصفحة «147-151» من كتاب «نهضة الحسين»، كما جاء في الصفحة «162» من كتاب «إقناع اللائم» عند ذكر أم البنين ونياحتها في المدينة على استشهاد أولادها الأربعة في فاجعة كربلاء....
الهوامش:
(1) في المصدر هكذا «ولما أنفذ ابن زياد برأس الحسين(عليه السلام) الى يزيد، تقدم الى عبد الملك بن أبي الحديث السلمي فقال: انطلق حتى تأتي عمرو بن سعيد بن العاص بالمدينة فبشره بقتل الحسين، فقال عبد الملك: فركبت راحلتي وسرت نحو المدينة فلقيني رجل من قريش فقال: ما الخبر؟ فقلت: الخبر عند الأمير تسمعه، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، قتل ـ والله ـ الحسين» .
(2) في المصدر زيادة (والله) .
(3) ارشاد المفيد: 2 : 123 .
(4) في المصدر زيادة (فلما انتهيت اليها) .
(5) في المصدر (فقيل) .
(6) تذكرة الخواص: 240 .
(7) الصواعق المحرقة: 297 قطعة منه، تاريخ ابن عساكر في ترجمة الإمام الحسين(عليه السلام): 63 و 65 .