الثوابت‌ الاربعة‌ في‌ ثورة‌ الإمام‌ الحسيـن‌(ع)
بسم الله الرحمن الرحيم
الْلَّهُم صَل عَلَى مُحَمَّد وَّآل مُحَمَّد وَعَجِّل فَرَجَهُم
وَالْعَن اعْدَائِهِم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

عن‌ زرارة‌، عن‌ ابي‌ جعفر الباقر(ع) قال‌:
«كتب‌ الحسين‌ بن‌ علي‌(ع) من‌ مكة‌ الي‌ محمّد بن‌
الحنفية‌:
بسم‌ الله الرحمن‌ الرحيم‌،
من‌ الحسين‌ بن‌ علي‌ الي‌ محمد بن‌ علي‌ ومَن‌ قبله‌
من‌بني‌هاشم‌:
امّا بعد: فان‌ّ من‌ لحق‌ بي‌ استشهد،
ومَن‌ لم‌ يلحق‌ بي‌ لم‌ يدرك‌ الفتح‌ والسلام‌».
تتضمن‌ هذه‌ الرسالة‌ الموجزة‌ اربع‌ قضايا اساسيّة‌ وثابتة‌
في‌ ثورة‌الامام‌ الحسين‌(ع).
وهذه‌ القضايا الاربع‌ هي‌:
1 ـ حتميّة‌ الشهادة‌ في‌ هذه‌ الثورة‌ لمن‌ يخرج‌
مع‌ الحسين‌(ع) «ان‌ّ مَن‌لحق‌ بي‌ استشهد).
2 ـ حتميّة‌ الفتح‌ لمن‌ حضر مع‌ الحسين‌(ع)
كربلاء.
نعرف‌ هذه‌ الحتميّة‌ من‌ مفهوم‌ هذه‌ الكلمة‌
«ومَن‌ لم‌ يلحق‌ لم‌ يدرك‌الفتح‌» فهي‌ واضحة
‌ في‌ ان‌ّ مَن‌ لحق‌ الحسين‌(ع) في‌ هذه‌ الحركة
‌ يدرك‌الفتح‌.
3 ـ العلاقة‌ بين‌ الفتح‌ والشهادة‌.
هذا الفتح‌ يناله‌ مَن‌ يخرج‌ مع‌ الحسين‌(ع)
بالشهادة‌ .
4 ـ لن‌ يتكرّر هذا الفتح‌ مرة‌ اُخري‌
«ومَن‌ لم‌ يلحق‌ بي‌ لم‌ يدرك‌ الفتح‌»وفيما يلي
‌ سوف‌ نتحدث‌ ان‌ شاء الله عن‌ هذه‌ القضايا
الاربع‌.
1 ـ حتميّة‌ الشهادة‌:
من‌ ابرز سمات‌
ثورة‌ الامام‌ الحسين‌(ع)
الدعوة‌ الي‌ الشهادة‌،والاستماتة‌ في‌ سبيل‌ الله،
ولم‌ يزل‌ الحسين‌(ع) منذ ان‌ غادر مكة‌ الي‌العراق‌،
الي‌ يوم‌ عاشوراء، يؤكّد لمَن‌ يلقاه‌،
ولمَن‌ يصحبه‌ ان‌ّ سبيله‌ وسبيل
‌مَن‌ يصحبه‌ الموت‌.
ومهما شك‌ّ الانسان‌ في‌ شان‌ من‌ شؤون‌ هذه‌
الثورة‌ الفريدة‌ في‌التاريخ‌ فلن‌ يشك‌ّ ان‌ّ الحسين‌
كان‌ ينعي‌ نفسه‌ اءلي‌ الناس‌ في‌ خروجه‌ الي‌العراق‌،
وكان‌ يعلن‌ الي‌ الناس‌ ان‌ّ سبيل‌ مَن‌ يخرج‌ معه‌
الشهادة‌ لا محالة‌،وان‌ّ مَن‌ يخرج‌ معه‌
لن‌ تتخطّاه‌ الشهادة‌.
روي‌ اصحاب‌ السيّر ان‌ّ الحسين‌(ع) لما اراد الخروج‌
الي‌ العراق‌ قام‌خطيباً فقال‌:
«خُط‌ّ الموت‌ علي‌ ولد ا´دم‌ مخط‌ّ القلادة‌ علي‌ جيد الفتاة‌،
وما اولهني‌ الي‌ اسلافي‌اشتياق‌ يعقوب‌ الي‌ يوسف‌،
وخيرٌ لي‌ مصرع‌ انا لا قيه‌».
والامام‌(ع) في‌ هذه‌ الخطبة‌ ينعي‌ نفسه‌ الي‌ الناس‌،
ويفتح‌ خطابه ‌للناس‌ بالتعريف‌ علي‌ الموت‌.
ثم‌ يدعو الناس‌ اءلي‌ الخروج‌ معه‌، ويطلب‌ منهم‌ مهجهم‌
وان‌ يوطّنواانفسهم‌ في‌ الخروج‌ معه‌ للقاء الله.
«.. من‌ كان‌ باذلاً فينا مهجته‌، موطّناً علي‌ لقاء الله نفسه‌ فليرحل‌ معنا، فانّي‌ راحل‌ مصبحاً اءن‌ شاء الله».
روي‌ السيد ابن‌ طاووس‌ في‌ (اللهوف‌) بالاسناد
عن‌ ابي‌ عبدالله الصادق‌(ع)، قال‌:
سار محمد بن‌ الحنفيّة‌ الي‌ الحسين‌(ع)
في‌ الليلة‌ التي‌ ارادالخروج‌ في‌ صبيحتها عن‌ مكة‌، فقال‌:
يا اخي‌، ان‌ اهل‌ الكوفة‌ مَن‌ عرفت‌غدرهم‌ بابيك‌ واخيك‌،
وقد خفت‌ ان‌ يكون‌ حالك‌ كحال‌ مَن‌ مضي‌
، فان ‌رايت‌ ان‌ تقيم‌، فانّك‌ اعزّ مَن‌ في‌ الحرم‌ وامنعه‌.
فقال‌ (ع):
«يا اخي‌، قد خفت‌ ان‌ يغتالني‌ يزيد بن‌ معاوية
‌ في‌ الحرم‌ فاكون‌ الذي ‌يُستباح‌ به‌ حرمة‌ هذا البيت‌».
فقال‌ له‌ ابن‌ الحنفيّة‌:
فان‌ خفت‌ ذلك‌ فسر الي‌ اليمن‌ او بعض‌ نواحي‌البرّ،
فانّك‌ امنع‌ الناس‌ به‌ ولا يقدر عليك‌ احد، قال‌(ع):
انظر فيما قلت‌،
ولمّا كان‌السحر ارتحل‌ الحسين‌ (ع) فبلغ‌ ذلك‌ ابن‌ الحنفية‌،
فاتاه‌ فاخذ زمام‌ ناقته‌التي‌ ركبها، فقال‌ له‌: يا اخي‌،
الم‌ تعدني‌ النظر فيما سالتك‌؟
قال(ع):‌: بلي‌.
قال‌: فما حداك‌ علي‌ الخروج‌ عاجلاً؟
قال‌(ع): «اتاني‌ رسول‌ الله(ص) بعد ما فارقتك
‌ في‌ المنام‌ فقال‌: يا حسين‌(ع)اُخرج‌ فان‌ّ الله قد شاء
ان‌ يراك‌ قتيلاً».
فقال‌ ابن‌ الحنفيّة‌: انّا لله واءنّا اليه‌ راجعون‌،
فما معني‌ حملك‌ هؤلاءالنساء معك‌،
وانت‌ تخرج‌ علي‌ مثل‌ هذه‌ الحال‌؟
فقال‌ له(ع)‌:
«قد قال‌ لي‌: ان‌ّ الله قد شاء ان‌ يراهن‌ّ سبايا»،
وسلّم‌ عليه‌ ومضي‌.
ونصح‌ الحسين‌(ع) نفر ممّن‌ كان‌ الحسين‌(ع)
لا يشك‌ّ في‌ صدقهم‌ في‌النصيحة‌، وفهمهم‌ للحالة‌ السياسية‌
في‌ العراق‌ ان‌ لا يذهب‌ الي‌ العراق‌، وان‌ماله‌ في‌ العراق‌
ومال‌ اصحابه‌ واهل‌ بيته‌ القتل‌.
وكان‌ الحسين‌(ع) يجزيهم‌ خيراً علي‌ صدق‌ النصيحة‌،
ثم‌ لا ينثني‌ عن‌عزمه‌، ونحن‌ لا نشك‌ّ في‌ صدق‌
هؤلاء النفر، وان‌ّ الحسين‌(ع) كان‌ لايتّهمهم‌
في‌ نصيحتهم‌، وان‌ّ الامر في‌ العراق‌ كان‌ كما
يتوقعه‌ هؤلاء.
ونعتقد ان‌ّ ما كان‌ يتوقّعه‌ هؤلاء من‌ تخاذل‌ الناس‌
في‌ العراق‌ عن‌نصرته‌، لم‌ يكن‌ يخفي‌' علي‌ الحسين‌(ع)،
ولكن‌ الحسين‌(ع) كان‌ يري‌ ما لايرونه‌ ويعرف
‌ ما لا يعرفونه‌.
لقد كان‌ الحسين‌(ع) يري‌ ان‌ لا سبيل‌ له‌ للقضاء
علي‌ فتنة‌ بني‌ اُمية‌ التي‌طالت‌ هذا الدين‌ وهذه‌ الاُمة‌
الاّ بقتله‌ وقتل‌ مَن‌ معه‌ من‌ اهل‌ بيته‌ واصحابه‌،
وكان‌ يعرف‌ هذه‌ الحقيقة‌ بوضوح‌، ولم‌ يكن‌ يشك‌ّ في‌ ذلك‌.
وهذا ما كان‌يخفي‌ علي‌ اُولئك‌ النفر الذين‌ كانوا
ينصحون‌ الحسين‌(ع) الاّ يغترّ بكتب ‌اهل‌ العراق‌
ودعوتهم‌ له‌ ـ ولم‌ يكن‌ بوسع‌ الحسين‌(ع)
ان‌ يفصح‌ لهم‌ عمّايراه‌ ويعرفه‌.
وا´خر مرّة‌ اعلن‌ الحسين‌(ع) لاهل‌ بيته‌ واصحابه‌
ان‌ مالهم‌ الشهادة‌،ليلة‌ العاشر من‌ محرّم‌،
جمع‌ الحسين‌(ع) اصحابه‌ وخطب‌ فيهم‌،
واحلّهم‌ من‌بيعته‌ وقال‌(ع): لهم‌:
«ذروني‌ وهؤلاء القوم‌ فانّهم‌ لا يطلبون‌ غيري‌،
ولو اصابوني‌وقدروا علي‌ قتلي‌ لما طلبوكم‌».
فلمّا توثّق‌ من‌ عزمهم‌ علي‌ الشهادة‌ معه‌ قال‌ لهم‌:
«اءنّكم‌ تقتلون‌ عذراً، كذلك‌، لا يفلت‌ منكم‌ رجل‌ قالوا:
الحمدالله الذي‌ شرّفنا بالقتل‌ معك‌».
اجل‌، ان‌ّ مَن‌ يقرا سيرة‌ الحسين‌(ع) من‌ المدينة‌
الي‌ كربلاء من‌ دون‌مسبقات‌ ذهنيّة‌ لا يشك‌ّ في
‌ ان‌ّ الحسين‌(ع) لم‌ يكن‌ يطمع‌ في‌ مسيرته‌
هذه‌بالحكم‌ والسلطان‌، ولم‌ يكن‌ يتوقع‌ في‌ هذه‌ المسيرة‌
غير القتل‌ والسبي‌ له ‌ولمَن‌ معه‌ من‌ انصاره‌ ولاهل‌ بيته‌
وحرمه‌ ونسائه‌.
ولم‌ يكن‌ العبادلة‌ الاربعة‌: (عبدالله بن‌ مسعود،
عبدالله بن‌ عباس‌،وعبدالله بن‌ عمر، وعبدالله بن‌ الزبير)
الذين‌ نصحوا الحسين‌ بالاعراض‌عن‌ العراق‌
اعرف‌ من‌ الحسين‌ واخبر منه‌ بحال‌ العراق‌
وحال‌ الناس‌ في‌العراق‌ في‌ هذه‌ الفترة‌.
وهذه‌ السمة‌ كما ذكرت‌ هي‌ ابرز معالم‌ وسمات‌
عاشوراء، واءلغاء هذه‌السمة‌ هو تجريد عاشوراء
من‌ قيمتها التاريخية‌ الكبيرة‌.


ـ حتميّة‌ الفتح‌
وهذه‌ هي‌ الحتميّة‌ الثانية‌ من‌ حتميّات‌ وثوابت‌ الثورة‌
التي‌ يقودها الحسين‌(ع)،
والامام‌(ع) يقرّر هنا هذه‌ الثابتة‌ الثانية‌،
بنفس‌ الدرجة‌ من‌الجزم‌ الذي‌ يقرّر به‌ الثابتة‌ الاُولي‌،
وهي‌ مفهوم‌ الجملة‌ الثانية‌
«ومَن‌ لم‌ يلحق‌بي‌ لم‌ يدرك‌ الفتح‌».
ولهذه‌ الجملة‌ منطوق‌ وهو واضح‌ مفهوم‌؛ وهو ان‌ّ من‌
لحق‌ به‌ (ع) ادرك‌ الفتح‌، ولا يقل‌ّ المفهوم‌ في‌ الوضوح‌ عن‌ المنطوق‌.
والامام‌(ع) يقرّر هذه‌ الحقيقة‌ قبل‌ ان‌ يغادر الحجاز
الي‌ العراق‌، وقلّمايتفق‌ ان‌ّ قائداً يجزم‌ بالنصر
قبل‌ دخول‌ المعركة‌، الاّ مجازفة‌ في‌ القول‌،
او دعماً وتثبيتاً لنفوس‌ المقاتلين‌.
والحسين‌(ع) ليس‌ ممّن‌ يطلق‌ القول‌ مجازفة‌ بالتاكيد،
وليس‌ بصدد دعم‌ وتثبيت‌ قلوب‌ الناس‌ لما يؤول‌
اليه‌ ا´خر القتال‌؛
لان‌ّ الإمام‌(ع) يدعوالناس‌ في‌ حركته‌ هذه‌ الي‌ الموت‌
علانيّة‌ وصراحة‌، وهذه‌ الدعوة‌ الصريحة‌ لا تنسجم‌ مع‌
التوّجه‌ الاعلامي‌ والنفسي‌ الي‌ دعم‌ وتثبيت‌ نفوس
‌ الناس‌ الي ‌نتائج‌ الحركة‌ في‌ المعركة‌.
تري‌ ما هو الضمان‌ الاكيد الذي‌ يملكه‌ الامام‌(ع) في‌
هذا الشان‌؟
وتري‌ ما هو معني‌ الفتح‌ في‌ القاموس‌ السياسي‌
عند الامام‌(ع)؟

ان‌ّ الامام‌(ع) لا يريد بالفتح‌ هنا الفتح‌ العسكري
‌ الميداني‌، ولا يمكن ‌ان‌ يريد به‌ هذا المعني‌ الذي‌
يطلبه‌ القادة‌ العسكريون‌ في‌ حروبهم‌.
ولسنا نشك‌ّ في‌ هذه‌ الحقيقة‌، ولسنا نطلق‌ هذا الكلام‌
جزافاً واعتباطاً.
فقد كان‌الامام‌(ع) اخبر بالحالة‌ السياسية‌ في‌ العراق
‌ من‌ ان‌ يتوقّع‌ فتحاً عسكرياً اويغترّ بالناس‌.
اذن‌ الإمام‌(ع) يريد بالفتح‌ معني‌ ا´خر،
اقرب‌ الي‌ المفاهيم‌ الحضاريّة ‌منه‌ الي‌ المفاهيم‌ العسكرية‌.
ان‌ّ الامام‌(ع) يجد ان‌ بني‌ اُمية‌ قد عملوا علي‌استعادة‌
الجاهلية‌ الي‌ الاسلام‌ بافكارها وقيمها،
وحتّي‌ المواقع‌ السياسية‌ والاجتماعية‌ التي‌ حرّرها الاسلام‌
من‌ نفوذ الجاهلية‌،
استعادها بنو اُمية‌ الي ‌دائرة‌ نفوذهم‌ من‌ جديد،
واحتلوا مواقع‌ السلطة‌ والنفوذ والمال‌ في‌المجتمع‌
الاسلامي‌ الجديد، كما كان‌ يحتل‌ سلفهم‌ هذه‌ المواقع‌
في‌المجتمع‌ الجاهلي‌ الصغير في‌ مكة‌ من‌ قبل‌،
دون‌ ان‌ يكون‌ قد حدث‌ تغيير جوهري‌ في‌ مواقفهم‌ وافكارهم‌
عما كانوا عليه‌ في‌ الجاهلية‌ من‌ قبل‌.
الاّ ان‌ّ مواقعهم‌ يومئذ في‌ الجاهلية‌ كانت‌ محدودة‌ وضعيفة‌ وهزيلة‌ ومعزولة‌ في‌قلب‌ الصحراء، واليوم‌ اصبحت‌
هذه‌ المواقع‌ بفضل‌ الاسلام‌ تحكم‌ الساحة‌المعمورة‌
من‌ الارض‌، وتخضع‌ لها اقاليم‌ واسعة‌ من‌ الارض‌
كانت‌ تحكمها الامبراطوريتان‌ الرومية‌ والفارسية‌
من‌ قبل‌.
وقد تحوّلت‌ هذه‌ المواقع‌ اليوم‌ بكل‌ نفوذها الي‌ ايدي
‌ بني‌ اُمية‌ دون‌ان‌ يكون‌ قد حصل‌ تغيير جوهري‌
في‌ افكار بني‌ اُمية‌ ومواقفهم‌.
وهذه‌ هي‌ النفثة‌ التي‌ يلقيها الحسين‌(ع) يوم‌ عاشوراء
علي‌ الناس‌ قبل ‌بدء القتال‌:
«سللتم‌ علينا سيفاً لنا في‌ ايمانكم‌، وحششتم‌
علينا ناراً اقتدحناها علي‌ عدوّنا وعدوّكم‌، فاصبحتم‌
الباً لاعدائكم‌ علي‌ اوليائكم‌، من‌ غير عدل‌ افشوه‌ فيكم‌،
ولا امل‌اصبح‌ لكم‌ فيهم‌».


لقد كانت‌ الشام‌ يومئذٍ المركز السياسي‌ الاوّل‌ في‌ العالم‌ المعمور،تبسط‌ نفوذها علي‌ مساحات‌ واسعة‌ من‌ المعمورة‌، وتهابها الدنيا، وهذه‌القوة‌ والسيادة‌ والنفوذ،
استحدثها الاسلام‌ للعرب‌، ولم‌ يكن‌ للعرب‌ من‌قبل‌
عهد بمثل‌ هذا النفوذ والسلطان‌ الواسع‌،
وقد اقام‌ الاسلام‌ هذه‌ القوة‌علي‌ وجه‌ الارض‌ لاقامة‌
التوحيد والعدل‌، وللقضاء علي‌ المستكبرين‌ واعداء
البشرية‌، وللاسف‌ ان‌ تتحول‌ هذه‌ القوة‌ والنفوذ
اليوم‌ الي‌ اقطاب‌ الجاهلية‌ العربية‌ من‌ جديد،
بعد ان‌ حرّرها الاسلام‌ منهم‌، ويستعيد بنو اُمية ‌سلطانهم‌
علي‌ هذه‌ المواقع‌، دون‌ ان‌ يحدث‌ تغيير جوهري
‌ في‌ افكارهم ‌ومواقفهم‌ وترفهم‌ وسيطرتهم‌ وعدوانهم‌
وقهرهم‌ واستكبارهم‌ علي‌الناس‌.
والحسين‌(ع) يعبّر عن‌ هذه‌ القوة‌ التي‌ استحدثها
الاسلام‌ وحمّلهاالعرب‌ بـ (السيف‌)،
فيقول‌ بكل‌ اسف‌ وحسرة‌:
ان‌ّ رسول‌ الله(ص) هو الذي‌جعل‌ هذه‌ القوة‌ في‌ ايمانكم
‌ لتقاتلوا اعداءنا واعداءكم‌ (ائمة‌ الشرك‌)فوضع‌ بنو اُمية‌
ايديهم‌ علي‌ مواقع‌ السلطة‌ في‌ المجتمع‌ الجديد
في‌ انقلاب‌ عكس‌ (ردّة‌)، فبايعهم‌ الناس‌ علي‌ ذلك‌،
تراجع‌ معهم‌ في‌ هذه‌ الردّة‌العكسية‌،
وشهروا سيوفهم‌ في‌ وجه‌ ا´ل‌ محمد:
«سللتم‌ علينا سيفاً لنا في‌ايمانكم‌»،
من‌ غير ان‌ يتحول‌ بنو اُمية‌ في‌ هذا الموقع‌ الجديد
عن‌ مواقعهم‌الجاهلية‌ الاخلاقية‌ والسلوكية‌ والحضارية‌،
واخطر من‌ كل‌ ذلك‌ كلّه‌ انّهم ‌وضعوا ايديهم‌ علي‌
هذا المواقع‌ الخطير من‌ المجتمع‌ الاسلامي‌ الجديد
من‌ موقع‌ الشرعية‌ الاسلامية‌،
خلافة‌ عن‌ رسول‌ الله(ص).
لقد واجه‌ الحسين‌ (ع) كارثة‌ بالمعني‌ الدقيق‌،
حلّت‌ بهذا الدين‌، وبهذه‌الاُمة‌.
وكان‌ هم‌ّ الحسين‌(ع) في‌ هذه‌ المرحلة‌ الحسّاسة‌ من‌
التاريخ‌ الغاءالشرعية‌ وسلب‌ الصفة‌ الشرعيّة‌
عن‌ دولة‌ بني‌ اُمية‌، وهذا العمل‌ كان‌ اعظم‌ ما قام‌ به
‌ الحسين‌(ع) في‌ هذه‌ الثورة‌،
ونجح‌ الحسين‌(ع) في‌ ذلك‌ نجاحاًكاملاً، وقد دام‌ حكم‌
بني‌ اُمية‌ بعد الحسين‌(ع) زمناً طويلاً،
غير ان‌ّ بني‌ اُمية‌ لم‌ يعدلهم‌ في‌ نظر المسلمين‌ بعد
وقعة‌ الطف‌ موقع‌ الشرعية‌ الدينية‌ في‌الحكم‌،
بعنوان‌ خلافة‌ رسول‌ الله(ص) وامرة‌ المؤمنين‌،
وان‌ كانوا يسمّون‌انفسهم‌ بهذا او ذاك‌،
وكانوا في‌ نظر عامّة‌ المسلمين‌ حكّاماً زمنيين‌
ملكواالحكم‌ عنوة‌، و«بالعنف‌»،
ولم‌ يكن‌ لهم‌ شان‌ مثل‌ شان‌ الخلفاء من‌ قبلهم‌الي‌
ولاية‌ الامام‌ الحسن‌(ع) بعد ابيه‌(ع)، ولم‌ ياخذ الناس‌
عنهم‌ دينهم‌ كما كانوا ياخذون‌ عن‌ الخلفاء من‌ قبلهم‌.
ولم‌ تعد لموقع‌ الخلافة‌ القدسيّة‌ التي‌كانت‌
لها قبل‌ وقعة‌ عاشوراء.


والرسالة‌ الثانية‌ لثورة‌ الحسين‌(ع) إعادة‌ روح‌ الجهاد والمسؤولية‌والمقاومة‌ الي‌ الناس‌، لقد سلب‌ بنو اُمية‌
فيما سلبوا ارادة‌ الناس‌، فاصبح‌الناس‌، تبعاً لا´ل‌ اُمية‌،
لا راي‌ لهم‌، ولا عزم‌ لهم‌، ولست‌ ادري ‌ماذا فعل‌ بنواُمية‌،
خلال‌ السنوات‌ التي‌ حكم‌ فيها معاوية‌ بن‌ ابي‌ سفيان‌
وابنه‌ يزيد بن‌معاوية‌؟
حتّي‌ احضر عبدالله بن‌ زياد راس‌ الحسين‌(ع) ابن‌ بنت‌
رسول‌ الله في‌ مجلس‌ عام‌ في‌ قصره‌، قد اذن‌ للناس‌ فيه
‌ فينكث‌ شفتي‌ ابن‌ رسول‌ الله بخيزرانة‌ كانت‌ بيده‌،
فلم‌ ينكر عليه‌ احد غير زيد بن‌ ارقم‌؛
الذي‌ كان‌يحضر عندئذ هذا المجلس‌،
وعبدالله بن‌ عفيف‌ الذي‌ سمع‌ من‌ ابن‌ زياد كلامه‌
في‌ علي‌ّ(ع) والحسين‌(ع) واهل‌ بيته‌،
فاغضبه‌ ذلك‌، فسب‌ّ ابن‌ زيادوشتمه‌ علي‌ رؤوس‌ الناس‌ واسخطه‌ واغضبه‌، واهانه‌؛
ولم‌ يذكر المؤرّخون‌ غيرهما مَن‌ اعترض‌ علي‌
ابن‌ زياد.
إن‌ّ الإرهاب‌ الذي‌ مارسه‌ بنو اُمية‌ ايام‌ حكم‌ معاوية
‌ وابنه‌ يزيد سلب‌الناس‌ العزم‌ علي‌ اتخاذ الموقف‌،
والقدرة‌ علي‌ مواجهة‌ الظالمين‌، واُمة‌ تبلغ‌ هذا المبلغ‌
من‌ الضعف‌ لا يرجي‌ منها الخير.
وقد كانت‌ رسالة‌ الحسين‌(ع) الثانية‌ في‌ ثورته‌ ان‌ يهزّ
الضمير الإسلامي‌ هزّة‌ عنيفة‌، ويعطيها صدمة‌ قويّة‌
تعيدها الي‌ وعيها وارادتهاوعزمها وقوّتها،
وما اراد الله تعالي‌ لها من‌ الإمامة‌ والشهادة‌
علي‌ وجه ‌الارض‌.
إن‌ّ ما يطلبه‌ الحسين‌(ع) في‌ هذه‌ الثورة‌ وهو هذا وذاك‌،
ولن‌ يتم‌ّ اي ‌ّمنهما إلاّ بدماء غزيرة‌ وعزيزة‌،
وتضحية‌ ماساوية‌ فريدة‌ بنفسه‌ واهل‌ بيته ‌واصحابه‌.
وليس‌ ما كان‌ يريده‌ (ع) الفتح‌ بالمعني‌ العسكري‌
الذي‌ يقصده‌ القادة‌العسكريون‌...
وكان‌ ابعد ما يكون‌ عن‌ طلب‌ مثل‌ هذه‌ الغاية‌،
واعرف ‌واخبر بعصره‌، والظروف‌ المحيطة‌
من‌ الذين‌ كانوا ينصحونه‌ بعدم‌الخروج‌ وينذرونه‌
بانفراط‌ الناس‌ عنه‌.
إن‌ّ الذي‌ يتابع‌ مسيرة‌ الحسين‌(ع) من‌ المدينة‌ الى‌ كربلاء،
ومن‌ الحجاز الي‌ العراق‌ لا يشك‌ّ ان‌ الحسين‌(ع)
لم‌ يكن‌ يطلب‌ هذا النوع‌ من‌ الفتح‌.
والفتح‌ الذي‌ يشير إليه‌ الإمام‌ في‌ كتابه‌ إلى‌ محمّد
بن‌ الحنفيّة‌ ومن‌ قبله‌ من‌ بني‌ هاشم‌ هو من‌ نوع‌
ا´خر شرحناه‌ ا´نفاً.
والإمام‌ (ع) يجزم‌ بالفتح‌ في‌ حركته‌ هذه‌، ويري‌ ان‌ّ
من‌ يخرج‌ معه ‌ينال‌ الفتح‌ لا محالة‌، ومَن‌ يتخلّف‌ عنه‌
لا ينال‌ الفتح‌ البتة‌.
تري‌ ما هوالضمان‌ الذي‌ يستند اليه‌ الإمام‌(ع)
في‌ الجزم‌ بالفتح‌؟
إن‌ّ الضمان‌ هو وعدالله تعالي‌ لمن‌ نصره‌ بالنصر والفتح‌،
والله تعالي‌ لا يخلف‌ وعده‌.
يقول‌ تعالي‌: (إن‌ْ تَنصُرُوا اللَّه‌َ يَنصُرْكُم‌ْ وَيُثَبِّت‌ْ أَقْدَامَكُم‌ْ).
(إن‌ْ تَنصُرُوا اللَّه‌َ يَنصُرْكُم‌ْ وَيُثَبِّت‌ْ أَقْدَامَكُم‌ْ).
(اءِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِين‌َ ا´مَنُوا فِي‌ الْحَيَاة‌ِ الدُّنْيَا).
(وَلَيَنصُرَن‌َّ اللَّه‌ُ مَن‌ يَنصُرُه‌ُ اءِن‌َّ اللَّه‌َ لَقَوِّي‌ٌ عَزِيزٌ).

والحركة‌ التي‌ يقدم‌ عليها الحسين‌(ع) تستجمع
‌ كل‌ الشروط‌ التي‌يطلبها الله تعالي‌ من‌ عباده‌ ليهبهم‌
النصر وهي‌: الإيمان‌، والإخلاص‌، والتقوى‌، والجهاد
في‌ سبيل‌ الله.
ولم‌ يشك‌ّ الحسين‌(ع) لحظة‌ واحدة‌ ان‌ّ الله تعالي‌ ينصره
‌ في‌ هذه‌الحركة‌، وان‌ّ النصر لن‌ يُخطئه‌ وهذه
‌ هي‌ الحتميّة‌ الثانية‌ في‌ هذه‌ الحركة‌.




ـ العلاقة‌ بين‌ الفتح‌ والشهادة‌
وهي‌ القضية‌ الثالثة‌ في‌ القضايا الأربع‌ التي‌ يتضمنها كتاب‌الحسين‌(ع). وهذه‌ الحتميّة‌ نستخرجها
من‌ ضم‌ّ الحتميّتين‌ الاُولي‌ والثانية‌.
ففي‌ القضية‌ الاُولي‌ يخبر الإمام‌ عن‌ إستشهاد
كل‌ مَن‌ يخرج‌ معه ‌الي‌العراق‌.
وفي‌ القضيّة‌ الثانية‌ يعلن‌ الإمام‌ ان‌ّ الذين‌ يخرجون‌ معه‌،
فقط‌ ينالون ‌الفتح‌.
والنتيجة‌ التي‌ نستخرجها من‌ ضم‌ّ هاتين‌ القضيّتين‌:
إن‌ّ الذين‌ يخرجون‌ مع‌ الحسين‌(ع) ينالون‌
الفتح‌ بالشهادة‌.
ولا يتيسّرلنا فهم‌ هذه‌ النقطة‌ إلاّ إذا فسّرنا (الفتح‌)
علي‌
النهج‌ الذي‌ فسّرناه‌ به‌ في‌النقطة‌ الثالثة‌ عندئدٍ تستقيم
‌ لنا العلاقة‌ بين‌ الفتح‌ والشهادة‌.
فإن‌ّ هذا الفتح‌ لن‌ يكون‌ إلاّ بفتح‌ الضمائر والقلوب‌
والعقول‌، وتحرير عقول‌ الناس‌ ونفوسهم‌ من‌ سلطان
‌ التبعيّة‌ لبني‌ اُمية‌، وتحرير الإسلام‌ من‌حركة‌ التحريف‌
والتشويه‌ التي‌ تجري‌ في‌ حضور السلاطين‌ باسم‌ الإسلام‌،
ومن‌ خلال‌ موقع‌ خلافة‌ رسول‌ الله(ص)،
ولن‌ يتم‌ّ هذا الفتح‌ اءلاّ اءذا تيسّرلهؤلاء النفر الذين‌
يخرجون‌
مع‌ الحسين‌(ع) من‌ فتح‌ نفوسهم‌ وعقولهم‌ وضمائرهم‌
وتحريرها من‌ سلطان‌ بني‌ اُمية‌،
ومن‌ فتح‌ الشرعية‌ الإسلامية ‌للخلافة‌ وتحريرها
عن‌ نفوذ بني‌ اُمية‌.
ولن‌ يتم‌ّ لهم‌ هذا وذاك‌ إلاّ بدم‌ غزير و عزيز يهزّ ضمائر
الناس
هزّاً عنيفاً، ويعيدهم‌ إلي‌ انفسهم‌ ووعيهم‌ ورشدهم‌.
وهذا هو الذي‌ يقرّره‌ الإمام‌(ع) في‌ هذا الكتاب‌
الذي‌ وجّهه‌ إلي‌محمد بن‌ الحنفيّة‌:
«إن‌ّ هذا الفتح‌ لن‌ يتم‌ّ لمن‌ يخرج‌ معه‌
إلاّ بالقتل‌ والشهادة‌».
إن‌ّ هذا الفتح‌ لن‌ يتكرر في‌ التاريخ‌:
وهذه‌ هي‌ الحتميّة‌ الرابعة‌ في‌ كتاب‌ الحسين‌(ع)
الي‌ محمّد بن‌ الحنفية‌وبني‌ هاشم‌. يقول‌(ع):
«ومن‌ لم‌ يلحق‌ بي‌ لم‌ يدرك‌ الفتح‌»
وهذا الكلام‌ صريح ‌فيما ذكرناه‌.
إن‌ّ هذا الفتح‌ الذي‌ اجراه‌ الله علي‌ يد علي‌
بن‌ الحسين‌(ع)
وانصاره‌ لن ‌يتكرر مرة‌ اُخري‌ في‌ التاريخ‌.
إن‌ّ في‌ التاريخ‌ نوعين‌ من‌ الاحداث‌:
احداث‌ تتكرّر كالحرب‌، والسلم‌،والمجاعات‌ وفترات‌
الرفاه‌،
وفترات‌ الضعف‌ وفترات‌ القوة‌، والهزيمة‌ والنصر
وما إلي‌ ذلك‌ واحداث‌ لن‌ تتكرّر، ولن‌ تقع‌ اءلاّ
مرّة‌ واحدة‌،
فمَن‌ادركها فقد ادركها، ومَن‌ لم‌ يدركها فلن‌
تعود بعد ذلك‌.
لقد مرّ الإسلام‌ والمسلمين‌ بانتكاسات‌ مُرّة‌ كثيرة‌،
وبفترات‌ صعبة‌،ومصائب‌ كثيرة‌ في‌ التاريخ‌، ولكن‌
المضيق‌ الذي‌ مرّ به‌ الإسلام‌ في‌ بدر والاحزاب‌
لن‌ يتكرّر مرة‌ اُخري‌.
لقد اجتمع‌ الإسلام‌ كلّه‌ في‌ نقطة‌ واحدة‌ وفي‌ موقع‌
واحد في‌ بدر والاحزاب‌. ولو كان‌ الكفر ينتصر علي
‌ الإسلام‌في‌ هذين‌ الموقعين‌ لم‌ تبق‌ للإسلام‌ بعد ذلك
‌ بقيّة‌.
ولذلك‌ اعطي‌ رسول‌ الله(ص) تلك‌ القيمة‌ الكبيرة‌
لضربة‌ علي‌ّ(ع) يوم‌الاحزاب‌؛
فلولا ضربة‌ علي‌ّ(ع) يوم‌ الاحزاب‌، ولولا هزيمة‌
الاحزاب ‌يومئذٍ لم‌ ترتفع‌ للإسلام‌ قائمة‌ علي‌ وجه‌ الارض‌.
وقد وقف‌ رسول‌ الله(ص) يوم‌ بدر يستغيث‌
بالله تعالي‌ امام‌ جحافل‌ قريش‌:
«اللهم‌ّ إن‌ّ شئت‌ ان‌ لا تُعبد لا تعبد»،
وهي‌ كلمة‌ معبّرة‌ دقيقة‌ عن‌ هذاالمضيق‌ الصعب‌
الذي‌ يمرّ به‌ الإسلام‌ كلّه‌ في‌ وادي‌ بدر علي‌ مقربة‌
من‌المدينة‌.
وقد مرّ الإسلام‌ بعد ذلك‌ علي‌ مصائب‌ كثيرة‌ وظروف‌
صعبة‌ وقاسية‌، مثل‌ دخول‌ المغول‌ الي‌ بغداد
وتخريبهم‌ لعاصمة‌ العباسيين‌، واءفسادهم‌الواسع‌
في‌ الارض‌،
ولكن‌ حدث‌ ذلك‌ كلّه‌ بعد ان‌ خرج‌ الإسلام‌ من‌ مضيق
‌بدر والاحزاب‌ والطف‌.
إن‌ّ الاحداث‌ التي‌ لن‌ تتكرّر في‌ التاريخ‌ علي‌ نحوين‌:
فتوح‌ لا سقوط‌ بعدها، وسقوط‌ لا فتوح‌ بعده‌.
وفتح‌ (عاشوراء) فتح‌ ليس‌ بعده‌ سقوط‌..
وهذا هو الذي‌ يقرّره‌الحسين‌(ع) في‌ كتابه‌ الذي‌
نتحدث‌ عنه‌.
فياتري‌ ما هذا الفتح‌ الذي‌ ليس‌ بعده‌ فتح‌؟


وكيف‌ يصح‌ّ مثل‌ هذا القول‌، وقد تكرّرت‌ بعده‌
هزائم‌ وإنتكاسات‌ ومصائب‌ على المسلمين‌،
وتكرّرت‌ بعدها فتوحات‌ وانتصارات‌ كبيرة ‌للمسلمين‌؟
والجواب‌: اءن‌ّ هذه‌ الهزائم‌ والانتكاسات‌ حصلت‌
للإسلام‌ وللمسلمين‌بعد ان‌ خرج‌ الإسلام‌ من‌ مضايق‌
التاريخ‌ وتجاوزها،
وأنتشر علي‌ وجه‌الارض‌ فلم‌ تعد لهذه‌ الاحداث‌ خطر
علي‌ كيان‌ الإسلام‌، واءن‌ كانت ‌ستضمن‌ له‌ خسائر
واسعة‌ وفادحة‌ وكبيرة‌ كما حصل‌ ذلك‌ في‌ هجوم ‌المغول
‌ علي‌ بلاد المسلمين‌،
أما بدر والاحزاب‌ فكان‌ لهما شان‌ آخريختلف‌ عن‌ غيرهما
من‌ الاحداث‌ التي‌ مرّت‌ بالمسلمين‌.
وفتنة‌ بني‌ اُمية‌ كانت‌ من‌ هذا النوع‌، لقد استحوذ بنو
اُمية‌ علي‌ كل‌المساحة‌ الإسلامية‌، وعلي‌ كل‌ مواقع‌ القوة
‌ والنفوذ في‌المجمع‌ الإسلامي‌؛وذلك‌ من‌ خلال‌
موقع‌ الشرعية‌ السياسية‌،
وهو موقع‌ خلافة‌ رسول‌ الله(ص)،
وكان‌ من‌ هذا الموقع‌ ياخذ الناس‌ الحلال‌ والحرام‌ في‌
هذا الدين‌، فعمل‌ بنواُمية‌ علي‌ تحريف‌ هذا الدين‌
من‌ هذا الموقع‌ بالذات‌.
ولو كان‌ الامر يستقيم‌ لهم‌ لم‌ يبق‌ من‌ الإسلام‌ الاّ
الإسم‌،
وكان‌ الامركما قال‌ الحسين‌(ع) لوالي‌ المدينة‌ يوم‌ دعاه
‌ الي‌ مبايعة‌ يزيد بعد موت‌ معاوية‌.
«وعلي‌ الإسلام‌ السلام‌ إذا بُلي‌ المسلمون‌
ب وال‌ مثل‌ يزيد».
وفي‌ عاشوراء استطاع‌ الحسين‌(ع) ان‌ يلغي‌ شرعية‌
الخلافة‌ من‌ آل ‌اُمية‌، وبني‌ العباس‌ فلم‌ يعد بعد ذلك
‌ للهوهم‌ وطربهم‌
وإسرافهم‌ وترفهم‌وظلمهم‌ وعدوانهم‌ خطر
على الإسلام‌،
مهما بلغ‌ اثره‌ التخريبي‌ علي‌المجتمع‌ الإسلامي‌
يومذاك‌،
ولم‌ يعد ينظر المسلمون‌ إلي‌ موقع‌ الخلافة‌ نظرة‌
التقديس والتنزيه‌ والشرعية‌، ولم‌ يعودوا في‌ نظر
المسلمين‌ غيرحكّام‌ من‌ عامة‌ السلاطين‌،
والحكّام‌ يظلمون‌ ويسرفون‌ كما يسرف‌غيرهم‌
من‌ السلاطين‌.
وأستمرّ حكّام‌ بني‌ اُمية‌، في‌ موقع‌ الولاية‌ والحكم‌،
وأحتل‌ّ هذا الموقع ‌بعدهم‌ حكّام‌ بني‌ العباس‌،
الاّ ان‌ّ الناس‌ لم‌ ياخذوا قط‌ دينهم‌ عنهم‌،
ولم‌ ياخذوا عنهم‌ الحلال‌ والحرام‌،
كما كانوا يعملون‌ في‌ ايّام‌ الخلفاء الاوائل‌ بعد
رسول‌الله(ع).
إذن‌ كانت‌ عاشوراء فتحاً ليس‌ بعده‌ فتح‌،
وقد خص‌ّ الله تعالي‌ بهذاالفتح‌ الحسين‌(ع)
ومن‌ كان‌ معه‌ من‌ أهل‌ بيته‌ من‌ بني‌هاشم‌ وأصحابه‌ فنالوا
هذا الفتح‌ يوم‌ عاشوراء بقتلهم‌ جميعاً معه‌.

المجمع العالمي‌ لاهل‌ البيت‌: قم‌ المقدسة‌