خطبة النبي يوم الغدير
في كتاب الاحتجاج (1)حدثني السيد العالم العابد أبوجعفر مهدي بن أبي حرب الحسيني، قال: أخبرنا الشيخ أبوعلي الحسن بن الشيخ السعيد أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي، قال أخبرني الشيخ السعيد الوالد أبوجعفر قدس اله روحه، قال: أخبرني جماعة عن أبي محمد هارون بن موسى التلعكبري قال: أخبرنا أبوعلي محمد بن همام، قال: أخبرنا علي السوري، قال أخبرنا أبومحمد العلوي من ولد الافطس وكان من عباد الله الصالحين، قال: حدثنا محمد بن موسى الهمداني، قال: حدثنا محمد بن خالد الطيالسي، قال: حدثنا سيف بن عميرة وصالح بن عقبة جميعا، عن قيس بن سمعان، عن علقمة بن محمد الحضرمي عن أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام أنه قال: حج رسول الله (صلى الله عليه وآله) من المدينة وقد بلغ جميع الشرائع قومه غير الحج والولاية، فأتاه جبرئيل عليه السلام فقال له: يا محمد إن الله جل اسمه يقرؤك السلام ويقول لك: إني لم أقبض نبيا من أنبيائي ولا رسولا من رسلي إلا بعد إكمال ديني وتأكيد حجتي، وقد بقي عليك من ذلك فريضتان مما يحتاج أن تبلغهما قومك: فريضة الحج وفريضة الولاية والخلافة من بعدك، فإني لم اخل أرضي من حجة ولن اخليها أبدا، فإن الله جل ثناؤه يأمرك أن تبلغ قومك الحج وتحج ويحج معك كل من استطاع إليه سبيلا من أهل الحضر والاطراف والاعراب وتعلمهم من حجهم مثل ما علمتهم من صلاتهم وزكاتهم وصيامهم، وتوقفهم من ذلك على مثال الذي أوقفتهم عليه من جميع ما بلغتهم من الشرائع . فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وآله في الناس: ألا إن رسول الله يريد الحج وأن يعلمكم من ذلك مثل الذي علمكم من شرائع دينكم، ويوقفكم من ذلك على مثل الذي أوقفكمعليه من غيره، فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) وخرج معه الناس وأصغوا إليه لينظروا ما يصنع فيصنعوا مثله، فحج بهم، وبلغ من حج مع رسول الله صلى الله عليه وآله من أهل المدينة وأهل الاطراف والاعراب سبعين ألف إنسان أو يزيدون على نحو عدد أصحاب موسى (عليه السلام) السبعين ألفا الذين أخذ عليهم بيعة هارون (عليه السلام) فنكثوا واتخذوا العجل والسامري، وكذلك أخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) البيعة لعلي عليه السلام بالخلافة على نحو عدد أصحاب موسى فنكثوا البيعة واتخذوا العجل السامري سنة بسنة ومثلا بمثل، واتصلت التلبية ما بين مكة والمدينة . فلما وقف رسول الله صلى الله عليه وآله بالموقف أتاه جبرئيل عن الله تعالى فقال: يا محمد إن الله عزوجل يقرؤك السلام ويقول لك: إنه قد دنا أجلك ومدتك، وأنا مستقدمك على مالابد منه ولا عنه محيص، فاعهد عهدك، وقد وصيتك، واعمد إلى ما عندك من العلم وميراث علوم الانبياء من قبلك والسلاح والتابوت وجميع ما عندك من آيات الانبياء فسلمها إلى وصيك وخليفتك من بعدك حجتي البالغة على خلقي علي بن أبي طالب، فأقمه للناس علما، وجدد عهده وميثاقه وبيعته، وذكرهم ما أخذت عليهم من بيعتي وميثاقي الذي واثقتهم به، وعهدي التي عاهدت إليهم من ولاية وليي، ومولاهم ومولى كل مؤمن ومؤمنة علي بن أبي طالب فإني لم أقبض نبيا من الانبياء إلا بعد إكمال ديني وإتمام نعمتي بولاية أوليائي ومعاداة أعدائي، وذلك كمال توحيدي وديني وإتمام نعمتي على خلقي باتباع وليي وطاعته وذلك أني لا أترك أرضي بغير قيم ليكون حجة لي على خلقي، فاليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا بوليي ومولى كل مؤمن ومؤمنة، علي عبدي ووصي نبيي والخليفة من بعده وحجتي البالغة على خلقي، مقرون بطاعة محمد نبيي، ومقرون طاعته مع طاعة محمد بطاعتي، من أطاعه فقد أطاعني ومن عصاه فقد عصاني، جعلته علما بيني وبين خلقي، من عرفه كان مؤمنا، ومن أنكره كان كافرا، ومن أشرك بيعته كان مشركا، ومن لقيني بولايته دخل الجنة من لقيني بعدواته دخل النار، فأقم يا محمد عليا علما، وخذ عليهم البيعة، وجدد عهدي وميثاقي لهم الذي واثقتهم عليه، فإني قابضك إلي ومستقدمك علي . فخشي رسول الله صلى الله عليه وآله قومه وأهل النفاق والشقاق أن يتفرقوا ويرجعوا إلى جاهلية لما عرف من عدواتهم ولما تنطوي عليه أنفسهم لعلي عليه السلام من العدواة والبغضاء، وسأل جبرئيل أن يسأل ربه العصمة من الناس وانتظر أن يأتيه جبرئيل عليه السلام بالعصمة من الناس من الله جل اسمه، فأخر ذلك إلى أن بلغ مسجد الخيف، فأتاه جبرئيل عليه السلام في مسجد الخيف فأمره بأن يعهد عهده ويقيم عليا علما للناس، ولم يأته بالعصمة من الله عزوجل بالذي أراد حتى بلغ كراع الغميم بين مكة والمدينة، فأتاه جبرئيل فأمره بالذي أتاه فيه من قبل الله ولم يأته بالعصمة، فقال: يا جبرئيل إني أخشى قومي أن يكذبوني ولا يقبلوا قولي في علي، فرحل فلما بلغ غدير خم قبل الجحفة بثلاثة أميال أتاه جبرئيل على خمس ساعات مضت من النهار بالزجر والانتهار والعصمة من الناس، فقال: يا محمد إن الله عزوجل يقرؤك السلام ويقول لك: يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك في علي وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس وكان أوائلهم قريبا من الجحفة، فأمره أن يرد من تقدم منهم ويحبس من تأخر عنهم في ذلك المكان ليقيم علينا علما للناس، ويبلغهم ما أنزل الله في علي عليه السلام وأخبره أن الله عزوجل قد عصمه من الناس، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله عند ما جاءت العصمة مناديا ينادي في الناس بالصلاة جامعة، ويرد من تقدم منهم ويحبس من تأخر عنهم، وتنحى عن يمين الطريق إلى جنب مسجد الغدير، أمره بذلك جبرئيل عن الله عز اسمه، وفي الموضع سلمات، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله أن يقم ما تحتهن وينصب له أحجار كهيئة المنبر ليشرف على الناس، فتراجع الناس واحتبس أواخرهم في ذلك المكان لا يزالون، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله فوق تلك الاحجار ثم حمد الله وأثنى عليه فقال: الحمد لله الذي علا في توحده، ودنا في تفرده، وجل في سلطانه، وعظم في أركانه، وأحاط بكل شئ علما وهو في مكانه، وقهر جميع الخلق بقدرته وبرهانه، مجيدا لم يزل، محمودا لا يزال، بارئ المسموكات وداحي المدحوات، وجبار السماوات، قدوس سبوح رب الملائكة والروح، متفضل على جميع من برأه، متطول على من أدناه، يلحظ كل عين العيون لا تراه، كريم حليم ذوأناة، قد وسع كل شئ رحمته، ومن عليهم بنعمته، لا يعجل بانتقامه ولا يبادر إليهم بما استحقوا من عذابه، قد فهم السرائر وعلم الضمائر، ولم تخف عليه المكنونات، ولا اشتبهت عليه الخفيات، له الاحاطة بكل شئ، والغلبة على كل شئ، والقوة في كل شئ، والقدرة على كل شئ، لا مثله شئ، وهو منشئ الشئ حين لا شئ، دائم قائم بالقسط، لا إله إلا هو العزيز الحكيم، جل عن أن تدركه الابصار وهو يدرك الابصار وهو اللطيف الخبير، لا يلحق أحد وصفه من معانيه، ولا يجد أحد كيف هو من سر وعلانية إلا بما دل عزوجل على نفسه وأشهد بأنه الذي ملا الدهر قدسه، والذي يغشى الابد نوره، والذي ينفذ أمره بلا مشاورة مشير ولا معه شريك في تقدير، ولا تفاوت في تديبر، صور ما أبدع على غير مثال، وخلق ما خلق بلا معونة من أحد ولا تكلف ولا احتيال، أنشأها فكانت وبرأها فبانت، فهو الله لا إله إلا هو المتقن الصنعة الحسن الصنيعة، العدل الذي لا يجور، والاكرم الذي ترجع إليه الامور . وأشهد أنه الذي تواضع كل شئ لعظمته، وذل كل شئ لعزته، واستسلم كل شئ لقدرته، وخشع كل شئ لهيبته، مالك الاملاك، ومفلك الافلاك، ومسخر الشمس والقمر، كل يجري لاجل مسمى، يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل يطلبه حثيثا، قاصم كل جبار عنيد، ومهلك كل شيطان مريد، لم يكن معه ضد ولا ند، أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، إله واحد ورب ماجد، يشاء فيمضي ويريد فيقضي، ويعلم فيحصي ويميت ويحيي، ويفقر ويغني، ويضحك ويبكي، ويدني ويقصي، ويمنع ويثري، له الملك وله الحمد بيده الخير وهو على كل شئ قدير، يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل ألا هو العزيز الغفار، مجيب الدعاء ومجزل العطاء محصي الانفاس ورب الجنة والناس، لا يشكل عليه شئ، ولا يضجره صراح المستصرخين، ولا يبرمه إلحاح الملحين، العاصم للصالحين والموفق للمفلحين، ومولى المؤمنين ورب العالمين، الذي استحق من كل من خلق أن يشكره ويحمده على السراء، والضراء والشدة والرخاء، اومن به وبملائكته وكتبه ورسله أسمع أمره واطيع وابادر إلى كل ما يرضاه، وأستسلم لما قضاه رغبة في طاعته وخوفا من عقوبته، لانه الله الذي لا يؤمن مكره ولا يخاف جوره، أقر له على نفسي بالعبودية، وأشهد له بالربوبية، واؤدي ما أوحى إلي حذرا من أن لا أفعل فتحل بي منه قارعةلا يدفعها عني أحد وإن عظمت حيلته، لا إله إلا هو لانه قد أعلمني أني إن لم ابلغ ما انزل إلي فما بلغت رسالته، وقد ضمن لي تبارك وتعالى العصمة، وهو الله الكافي الكريم، فأوحى إلي بسم الله الرحمان الرحيم يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربكوإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس . معاشر الناس ما قصرت في تبليغ ما أنزله إلي، وأنا مبين لكم سبب هذه الآيةإن جبرئيل هبط إلي مرارا ثلاثا يأمرني عن السلام ربي - وهو السلام - أن أقوم في هذا المشهد فاعلم كل أبيض وأسود أن علي بن أبي طالب أخي ووصيي وخليفتي والامام من بعدي، الذي محله مني محل هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، وهو وليكم بعد الله ورسوله، وقد أنزل الله تبارك وتعالى علي بذلك آية من كتابه إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون وعلي بن أبي طالب أقام الصلاة وآتى الزكاة وهو راكع يريد الله عزوجل في كل حال، وسألت جبرئيل أن يستعفي لي عن تبليغ ذلك إليكم أيها الناس لعلمي بقلة المؤمنين وكثرة المنافقين وإدغال الآثمين وختل المستهزئين بالاسلام الذين وصفهم الله في كتابه بأنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ويحسبونه هينا وهو عند الله عظيم، وكثرة أذاهم لي غير مرة حتى سموني اذنا، وزعموا أني كذلك لكثرة ملازمته إياي وإقبالي عليه، حتى أنزل الله عزوجل في ذلك ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو اذن قل اذن على الذين يزعمون أنه اذن خير لكم الآية، ولو شئت أن اسمي القائلين بذلك بأسمائهم لسميت، وأن اومئ بأعيانهم لاومأت، وأن أدل عليهم لدللت، ولكني والله في امورهم قد تكرمت، وكل ذلك لا يرضى الله مني إلا أن ابلغ ما أنزل الله إلي . ثم تلا صلى الله عليه وآله يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك في علي وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس فاعلموا معاشر الناس أن الله قد نصبه لكم وليا وإماما مفترضة طاعته على المهاجرين والانصار وعلى التابعين بإحسانوعلى البادي والحاضر وعلى الاعجمي والعربي والحر والمملوك والصغير والكبير، وعلى الابيض والاسود، وعلى كل موحد، ماض حكمه، جائز قوله، نافذ أمره ملعون من خالفه، مرحوم من تبعه ومن صدقه، فقد غفر الله له ولمن سمع منه وأطاع له . معاشر الناس إنه آخر مقام أقومه في هذا المشهد فاسمعوا وأطيعوا وانقادوا لامر ربكم، فإن الله عزوجل هو وليكم وإلهكم، ثم من دونه رسولكم محمد وليكموالقائم المخاطب لكم، ثم من بعدي علي وليكم وإمامكم بأمر الله ربكم، ثم الامامة في ذريتي من ولده إلى يوم تلقون الله عز اسمه ورسوله، لاحلال إلا ما أحله الله ولا حرام إلا ما حرمه الله، عرفني الله الحلال والحرام وأنا أفضيت بما علمني ربي من كتابه وحلاله وحرامه إليه . معاشر الناس ما من علم إلا وقد أحصاه الله في، وكل علم علمته فقد أحصيته في إمام المتقين، وما من علم إلا وقد علمته عليا وهو الامام المبين، معاشر الناس لا تضلوا عنه ولا تنفروا منه ولا تستنكفوا من ولايته، فهو الذي يهدي إلي الحق ويعمل به ويزهق الباطل وينهى عنه، ولا تأخذه في الله لومة لائم، ثم إنه أول من آمن بالله ورسوله، والذي فدى رسول الله صلى الله عليه وآله بنفسه، والذي كان مع رسول الله ولا أحد يعبد الله مع رسول الله من الرجال غيره . معاشر الناس فضلوه فقد فضله الله، واقبلوه فقد نصبه الله معاشر الناس إنه إمام من الله، ولن يتوب الله على أحد أنكر ولايته ولن يغفر له، حتما على الله أن يفعل ذلك بمن خالف أمره فيه، وأن يعذبه عذابا نكرا أبد الابد ودهر الدهور، فاحذروا أن تخالفوا فتصلوا نارا وقودها الناس والحجارة اعدت للكافرين، أيها الناس بي والله بشر الاولون من النبيين والمرسلين، وأنا خاتم الانبياء والمرسلين والحجة على جميع المخلوقين من أهل السماوات والارضين، فمن شك في ذلك فهو كافر كفر الجاهلية الاولى، ومن شك في شئ من قولي هذا فقد شك في الكل منه، والشاك في ذلك فله النار . معاشر الناس حباني الله بهذه الفضيلة منا منه علي وإحسانا منه إلي، ولا إله إلا هو، له الحمد مني أبد الآبدين ودهر الداهرين على كل حال . معاش الناس فضلوا عليا فإنه أفضل الناس بعدي من ذكر وانثى، بنا أنزل الله الرزق وبقي الخلق، ملعون ملعون مغضوب مغضوب من رد قولي هذا ولم يوافقه، إلا إن جبرئيل خبرني عن الله تعالى بذلك ويقول: من عادى عليا ولم يتوله فعليه لعنتي وغضبي، فلتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله أن تخالفوه فتزل قدم بعد ثبوتها إن الله خبير بما تعملون . معاشر الناس إنه جنب الله الذي نزل في كتابه يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله . معاشر الناس تدبروا القرآن وافهموا آياته وانظروا إلى محكماته ولا تتبعوا متشابهه، فوالله لن يبين لكم زواجره ولا يوضح لكم تفسيره إلا الذي أنا آخذ بيده ومصعده إلي وشائل بعضده ومعلمكم أن من كنت مولاه مولاه فهذا [ علي ] مولاه، وهو علي بن أبي طالب أخي ووصيي، وموالاته من الله عزوجل أنزلها علي . معاشر الناس إن عليا والطيبين من ولدي هم الثقل الاصغر والقرآن هو الثقل الاكبر، وكل واحد منبئ عن صاحبه وموافق له، لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، ألا إنهم امناء الله في خلقه وحكماؤه في أرضه، ألا وقد أديت، ألا وقد بلغت، ألا وقد أسمعت، ألا وقد أوضحت، ألا وإن الله عزوجل قال وأنا قلت عن الله عزوجل، ألا إنه ليس أمير المؤمنين غير أخي هذا، ولا تحل إمرة المؤمنين بعدي لاحد غيره . ثم ضرب بيده على عضده فرفعه - وكان منذ أول ما صعد رسول الله صلى الله عليه وآله درجة دون مقامه فبسط يده نحو وجه رسول الله صلى الله عليه وآله - وشال عليا حتى صارت رجله مع ركبة رسول الله صلى الله عليه وآله ثم قال: معاشر الناس هذا علي أخي ووصيي وواعي علمي وخليفتي على امتي وعلى تفسير كتاب الله عزوجل والداعي إليه، والعامل بما يرضاه، والمحارب لاعدائه، والموالي على طاعته، والناهي عن معصيته، خليفة رسول الله وأمير المؤمنين والامام الهادي وقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين بأمر الله، أقول: ما يبدل القول لدي بأمر ربي، أقول: اللهم وال من والاه وعاد من عاداه والعن من أنكره واغضب على من جحد حقه، اللهم إنك أنزلت علي أن الامامة لعلي وليك عند تبياني ذلك عليهم، ونصبي إياه بما أكملت لعبادك من دينهم، وأتممت عليهم نعمتك ورضيت لهم الاسلام دينا، فقلت: ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين اللهم إني اشهدك أني قد بلغت . معاشر الناس إنما أكمل الله عزوجل دينكم بإمامته، فمن لم يأتم به وبمن يقوم مقامه من ولدي من صلبه إلى يوم القيامة والعرض على الله عزوجل فاولئكحبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون . معاشر الناس هذا علي أنصركم لي وأحقكم بي وأقربكم إلي وأعزكم علي، والله عزوجل وأنا عنه راضيان، وما نزلت آية رضى إلا فيه، وما خاطب الله الذين آمنوا إلا بدأ به، ولا نزلت آية مدح في القرآن إلا فيه، ولا شهد الله بالجنة في هل أتى على الانسان إلا له، ولا أنزلها في سواه، ولا مدح بها غيره . معاشر الناس هو ناصر دين الله والمجادل عن رسول الله، وهو التقي النقي والهادي المهدي، نبيكم خير نبي ووصيكم خير وصي وبنوه خير الاوصياء . معاشر الناس ذرية كل نبي من صلبه وذريتي من صلب علي . معاشر الناس إن إبليس أخرج آدم من الجنة بالحسد، فلا تحسدوه فتحبط أعمالكم وتزل أقدامكم، فإن آدم اهبط إلى الارض بخطيئة واحدة وهو صفوة الله عزوجل، وكيف بكم وأنتم أنتم ومنكم أعداء الله؟ ألا إنه لا يبغض عليا إلا شقي، ولا يتوالى عليا إلا تقي ولا يؤمن به إلا مؤمن مخلص، في علي والله نزلت سورة العصر بسم الله الرحمن الرحيم والعصر إلى آخرها . معاشر الناس قد أشهدت الله وبلغتكم رسالتي وما على الرسول إلا بلاغ المبين . معاشر الناس اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون . معاشر الناس آمنوا بالله ورسوله والنور الذي انزل معه من قبل أن نطمسوجوها فنردها على أدبارها . معاشر الناس النور من الله عزوجل في مسلوك ثم في علي ثم في النسل منه إلى القائم المهدي الذي يأخذ بحق الله وبكل حق هو لنا، لان الله عزوجل قد جعلنا حجة على المقصرين والمعاندين والمخالفين والخائنين والآثمين والظالمين والغاصبين من جميع العالمين . معاشر الناس انذركم أني رسول الله قد خلت من قبلي الرسل أفإن مت أو قتلت انقلبتم على أعقابكم؟ ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين، ألا وإن عليا هو الموصوف بالصبر والشكر، ثم من بعده ولدي من صلبه . معاشر الناس لا تمنوا على الله إسلامكم فيسخط عليكم فيصيبكم بعذاب من عنده إنه لبالمرصاد . معاشر الناس سيكون من بعدي أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون معاشر الناس إن الله وأنا بريئان منهم . معاشر الناس إنهم وأنصارهم وأشياعهم وأتباعهم في الدرك الاسفل من النار ولبئس مثوى المتكبرين ، ألا إنهم أصحاب الصحيفة فلينظر أحدكم في صحيفته قال: فذهب على الناس إلا شر ذمة منهم أمر الصحيفة . معاشر الناس إنى أدعها إمامة ووراثة في عقبي إلى يوم القيامة، وقد بلغت ما امرت بتبليغه حجة على كل حاضر وغائب، وعلى كل أحد ممن شهد أو لم يشهد ولد أو لم يولد، فليبلغ الحاضر الغائب والوالد الولد إلى يوم القيامة، وسيجعلونها ملكا واغتصابا، ألا لعن الله الغاصبين والمغتصبين، وعندها سنفرغ لكم أيها الثقلانفيرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران . معاشر الناس إن الله عزوجل لم يكن يذركم على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب . معاشر الناس إنه ما من قرية إلا والله مهلكها بتكذيبها وكذلك يهلك القرى وهي ظالمة كما ذكر الله تعالى، وهذا إمامكم ووليكم، وهو مواعيد الله والله يصدق وعده . معاشر الناس قد ضل قبلكم أكثر الاولين، والله قد أهلك الاولين وهو مهلك الآخرين . معاشر الناس إن الله قد أمرني ونهاني وقد أمرت عليا ونهيته، فعلم الامر والنهي من ربه عزوجل، فاسمعوا لامره تسلموا وأطيعوه تهتدوا وانتهوا لنهيه ترشدوا، وصيروا إلى مراده ولا تتفرق بكم السبل عن سبيله . معاشر الناس أنا صراط الله المستقيم الذي أمركم باتباعه، ثم علي من بعدي، ثم ولدي من صلبه أئمة يهدون بالحق وبه يعدلون . ثم قرأ صلى الله عليه وآله: الحمد لله رب العالمين إلى آخرها، وقال: في نزلت وفيهم نزلت ولهم عمت وإياهم خصت، اولئك أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، ألا إن حزب الله هم المفلحون الغالبون، ألا إن أعداء علي هم أهل الشقاق العادون وإخوان الشياطين الذين يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا، ألا إن أولياءهم هم المؤمنون الذين ذكرهم الله في كتابه فقال عزوجل: لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله إلى آخر الآية، ألا إن أولياءهم الذين وصفهم الله عزوجل فقال: الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم اولئك لهم الامن وهم مهتدون ألا إن أولياءهم الذين يدخلون الجنة آمنين، وتتلقاهم الملائكة بالتسليم أن طبتم فادخلوها خالدين، ألا إن أولياءهم الذين قال الله عزوجل: يدخلون الجنة بغير حساب ألا إن أعداءهم الذين يصلون سعيرا، ألا إن أعداءهم الذين يسمعون لجهنم شهيقا وهي تفور ولها زفير كلما دخلت امة لعنت اختها، ألا إن أعداءهم الذين قال الله عزوجل: كلما القي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير إلى قوله: فسحقا لاصحاب السعير ألا إن أولياءهم الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير . معاشر الناس شتان ما بين السعير والجنة، فعدونا من ذمه الله ولعنه، وولينا من مدحه الله وأحبه . معاشر الناس ألا وإني منذر وعلي هاد . معاشر الناس إني نبي وعلي وصيي، ألا إن خاتم الائمة منا القائم المهدي، ألا إنه الظاهر على الدين، ألا إنه المنتقم من الظالمين، ألا إنه فاتح الحصون وهادمها، ألا إنه قاتل كل قبيلة من أهل الشرك، ألا إنه المدرك بكل ثار لاولياء الله عزوجل، ألا أنه الناصر لدين الله، ألا إنه الغراف من بحر عميق، ألا إنه قسيم كل ذي فضل بفضله وكل ذي جهل بجهله، ألا إنه خيرة الله ومختاره، ألا إن وارث كل علم والمحيط به، إلا إنه المخبر عن ربه عزوجل والمنبه بأمر إيمانه، ألا إنه الرشيد السديد، ألا إنه المفوض إليه، ألا إنه قد بشر به من سلف بين يديه، ألا إنه الباقي حجة ولا حجة بعده، ولا حق إلا معه، ولا نور إلا عنده، ألا إنه لا غالب له ولا منصور عليه، ألا وإنه ولي الله في أرضه وحكمه في خلقه وأمينه في سره وعلانيته . معاشر الناس قد بينت لكم وأفهمتكم، وهذا علي يفهمكم بعدي، ألا وإن عند انقضاء خطبتي أدعوكم إلى مصافقته بعدي، ألا إني قد بايعت الله وعلي قد بايعني، وأنا آخذكم بالبيعة له عن الله عزوجل ومن نكث فإنما ينكث على نفسه الآية، معاشر الناس إن الحج والعمرة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر الآية . معاشر الناس حجوا البيت فما ورده أهل بيت إلا استغنوا، ولا تخلفوا عنه إلا افتقروا . معاشر الناس ما وقف بالموقف مؤمن إلا غفر الله له ما سلف من ذنبه إلى وقته ذلك فإذا انقضت حجه استونف عليه عمله . معاشر الناس الحجاج معانون ونفقاتهم مخلفة والله لا يضيع أجر المحسنين . معاشر الناس حجوا البيت بكمال الدين والتفقه، ولا تنصرفوا عن المشاهد إلا بتوبة وإقلاع . معاشر الناس أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة كما أمركم الله عزوجل، لئن طال عليكم الامد فقصرتم أو نسيتم فعلي وليكم وبين لكم، الذي نصبه الله عزوجل بعدي، ومن خلقه الله مني وأنا منه، يخبركم بما تسألون عنه، ويبين لكم ما لا تعلمون، ألا إن الحلال والحرام أكثر من أن احصيهما واعرفهما فآمر بالحلال وأنهى عن الحرام في مقام واحد، فامرت أن آخذ البيعة عليكم والصفقة لكم بقبول ما جئت به عن الله عزوجل في علي أمير المؤمنين والائمة من بعده، الذينهم مني ومنه أئمة قائمهم فيهم المهدي إلى يوم القيامة، الذي يقضي بالحق . معاشر الناس وكل حلال دللتكم عليه وكل حرام نهيتكم عنه فإني لم أرجع عن ذلك ولم ابدل، ألا فاذكروا ذلك واحفظوه وتواصوا به ولا تبدلوه ولا تغيروه، ألا وإني اجدد القول، ألا فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وائمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، ألا وإن رأس الامر بالعروف أن تنتهوا إلى قولي وتبلغوه من لم يحضره، تأمروه بقبوله وتنهوه عن مخالفته، فإنه أمر من الله عزوجل ومني، ولا أمر بمعروف ولا نهي عن منكر إلا مع إمام معصوم . معاشر الناس القرآن يعرفكم أن الائمة من بعده ولده، وعرفتكم أنهم مني ومنه حيث يقول الله عزوجل: كلمة باقية في عقبه وقلت: لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما . معاشر الناس التقوى التقوى، واحذروا الساعة كما قال الله عزوجل: إن زلزلة الساعة شئ عظيم اذكروا والممات والحساب والموازين والمحاسبة بين يدي رب العالمين والثواب والعقاب، ومن جاء بالحسنة اثيب ومن جاء بالسيئة فليس له في الجنان نصيب . معاشر الناس إنكم أكثر من أن تصافقوني بكف واحد في وقت واحد، وأمرني الله عزوجل أن آخذ من ألسنتكم الاقرار بما عقدت لعلي من إمرة المؤمنين، ومن جاء بعده من الائمة مني ومنه على ما أعلمتكم أن ذريتي من صلبه، فقولوا بأجمعكم إنا سامعون مطيعون راضون منقادون لما بلغت عن ربنا وربك في أمر علي وأمر ولده من صلبه من الائمة، نبايعك على ذلك بقلوبنا وأنفسنا وألسنتنا وأيدينا، على ذلك نحيا ونموت ونبعث، لا نغير ولا نبدل ولا نشك ولا نرتاب، ولا نرجع عن عهد ولا ننقض الميثاق ونطيع الله وعليا أمير المؤمنين وولده الائمة الذين ذكرتهم من ذريتك من صلبه بعد الحسن والحسين الذين قد عرفتكم مكانهما مني ومحلهما عندي ومنزلتهما من ربي، فقد أديت ذلك إليكم فإنهما سيدا شباب أهل الجنة، وإنهما الامامان بعد أبيهما علي وأنا أبوهما قبله، فقولوا: أطعنا الله بذلك وإياك وعليا والحسن والحسين والائمة الذين ذكرت، عهدا وميثاقا مأخوذا لامير المؤمنين من قلوبنا وأنفسنا وألسنتنا ومصافقة أيدينا - من أدركهما بيده وأقر بهما بلسانه - لا نبتغي بذلك بدلا ولا نرى من أنفسنا عنه حولا أبدا [ نحن نؤدي ذلك عنك الداني والقاصي من أولادنا وأهالينا ] أشهدنا الله وكفى بالله شهيدا، وأنت علينا به شهيد، وكل من أطاع ممن ظهر واستتر وملائكة الله وجنوده وعبيده، والله أكبر من كل شهيد . معاشر الناس ما تقولون؟ فإن الله يعلم كل صوت وخافية كل نفس فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ومن بايع فإنما يبايع الله يد الله فوق أيديهم . معاشر الناس فاتقوا الله وبايعوا عليا أمير المؤمنين - صلوات الله عليه - والحسن والحسين والائمة - عليهم السلام - كلمة طيبة باقية، يهلك الله من غدر، ويرحم من وفا فمن نكث فإنما ينكث الآية . معاشر الناس قولوا الذي قلت لكم، وسلموا على علي بإمرة المؤمنين، وقولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير وقولوا: الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لو لا أن هدانا الله. معاشر الناس إن فضائل علي بن أبي طالب عند الله عزوجل، وقد أنزلها في القرآن أكثر من أن احصيها في مقام واحد، فمن أنبأكم بها وعرفها فصدقوه . معاشر الناس من يطع الله ورسوله وعليا والائمة الذين ذكرتهم فقد فاز فوزا عظيما . معاشر الناس السابقون إلى مبايعته وموالاته والتسليم عليه بامرة المؤمنين، اولئك الفائزون في جنات النعيم . معاشر الناس قولوا ما يرضى الله عنكم من القول، فإن تكفروا أنتم ومن في الارض جميعا فلن تضروا الله شيئا، اللهم اغفر للمؤمنين واعطب على الكافرين والحمد لله رب العالمين . فنادته القوم: نعم سمعنا وأطعنا أمر الله وأمر رسوله بقلوبنا وألسنتنا وأيدينا، وتداكوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وعلى علي عليه السلام وصافقوا بأيديهم، فكان أول من صافق رسول الله صلى الله عليه وآله الاول والثاني والثالث والرابع والخامس - عليهم ما عليهم - وباقي المهاجرين والانصار، وباقي الناس عن آخرهم على قدر منازلهم، إلى أن صليت الظهر والعصر في وقت واحد والمغرب والعشاء الآخرة في وقت واحد، وأوصلوا البيعة والمصافقة ثلاثا ورسول الله صلى الله عليه وآله يقول كلما بايع قوم: الحمد لله الذي فضلنا على جميع العالمين، وصارت المصافقة سنة ورسما يستعملها من ليس له حق فيها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــ
(1) الاحتجاج : ج 1ص 41.