(251)

السور أربعة أبراج رئيسية، تقع في الأركان الأربعة، وقطر كل منها 5 أمتار. كما يوجد في منتصف كل ضلع من أضلاع السور برج كبير، يتوسطه مدخل. وتوجد عشرة أبراج في كل ضلع، خمسة عن يمين الداخل وخمسة أخرى عن يساره، وقطر كل برج من هذه الأبراج 3.50 متر، وبذلك يكون مجموع الأبراج في السور 48 برجاً. وتوجد بين برج وآخر حنايا أرتفاعها حوالي 10.50 متر إلى مستوى المجاز الذي يقسم السور بعد هذا الأرتفاع إلى جدراين، أحدهما داخلي يطل على ساحات الحصن، وآخر خارجي فيه حنايا داخلية ومزاغل لرمي السهام. وهذا المجاز بعض مترين ويتصل بغرف دائرية الشكل تقوم فوق كل برج من الأبراج. ويوجد في كل زاوية من زوايا الحصن الداخلية سُلم يتصل بالمجاز والأبراج الرئيسية، إضافة إلى سُلمين متقابلين على جانبي كل مدخل من مداخل السور. أما القصر فقد بني ملاصقاً للضلع الشمالي من السور الخارجي، وله سور خاص من الجهات الثلاثة الأخرى. وهذا السور مدعم بأبراج.

المرافق الداخلية

تنحصر المرافق ضمن بناية مستطيلة الشكل ملاصقة للسور الخارجي من الجهة الشمالية، طولها 112 متراً وعرضها 80 متراً. والبناية مدعمة بأبراج عددها 26 برجاً بقطر 1.20 متر لكل برج، ثمانية منها في كل من الضلعين الغربية والشرقية وخمسة في الضلع الجنوبي، وبرجان في الزاويتين الجنوبية الغربية والشرقية، وتضم المرافق الداخلية التالية:
1ـ الديوان الرسمي (البهو الكبير): وهو عبارة عن قاعة مستطيلة الشكل طولها 15.50 متر وعرضها 9 أمتار. وفي ضلعيها الشرقي والغربي اربعة أساطين نصف اسطوانية، تقوم عليها خمسة عقادات متتالية، تنحصر بينها مداخل الغرف الخاصة بالديوان. فالمدخل الذي في الضلع الشرقي، يؤدي إلى الطابق العلوي، في حين تؤدي المداخل الثلاثة إلى غرف. وفي الإيوان الأخير
(252)

مدخلان، يؤدي الأول إلى الطابق العلوي، أما المدخل الثاني فيؤدي إلى المسجد، والطوابق تتألف من مجموعة غرف متداخلة.
2ـ القسم المركزي: يحيط هذا القسم رواق سقفه معقود يفصله عن باقي اقسام القصر. ويكون الوصول إليه من خلال مدخل في منتصف الضلع الجنوبي للديوان الكبير، ويقابله مدخل آخر يؤدي إلى الرحبة الكبرى. وهذه الرحبة عبارة عن ساحة مستطيلة الشكل، طولها 33 متراً وعرضها 27 متراً تفتح عليها أربعة أبواب بواسطة الرواق الكبير. فالمدخل الشمالي يتصل بالإيوان الكبير. والمدخلان الشرقي والغربي يؤديان إلى المجاز المحيط بهذا القسم، ومنها قسم الحرم. أما المدخل الجنوبي فيتصل مباشرة بما يعرف بـ (المابين)، والضلع الشمالي للرحبة أكثر أرتفاعاً من بقية الأضلاع. ويتألف الضلعان الشرقي والغربي من تجاويف أو طوق، بنمط واحد. أما الضلع الجنوبي فيتالف من فتحة كبيرة تُعد واجهة للإيوان الكبير.
3ـ الإيوان الكبير: وهو على شكل قاعة مستطيلة الشكل طولها 10.75 متر، وعرضها 6 أمتار، تعلوها عقادة نصف أسواطنية مشيدة من الآجر، يحيط بها عدد من القاعات المخصصة لأستقبال الضيوف، وتمتاز واجهتها بجمال تصميمها وكأنها صممت على غرار قاعات العرش. وتتصل بهذا الإيوان قاعتان على جهته الشرقية، وقاعتان أخريان على جهته الغربية. وهذه القاعات مستطيلة الشكل، طول كل منها 10 أمتار وعرض 4.65 متر. وتتميز هذه القاعات بسلسلة من العقود والزخارف الجبصية المتنوعة. وأما الإيوان ساحة مستطيلة تحف بها عدد من القاعات. وفي منتصف الضلع الجنوبي لهذه الساحة، يوجد مدخل يؤدي إلى الرواق الكبير الذي يحيط بالقسم المركزي، وتفتح في هذه الرواق عدة أبواب.
4ـ المسجد: وهو مبنى مستطيل الشكل، طوله 24 متراً، وعرضه 15.50 متر، وله مدخل في البهو، وآخر في المجاز الغربي الذي يفصل بين
(253)

سور الحصن وبين القسم الشمالي الذي يكون القصر ومرافقه. تحيط بالمسجد من جهاته: القبلية والشرقية والغربية أروقة، وتستند إلى صف من الأعمدة في كل جهة، تقوم عليها أقواس متتالية ومعقودة وذات زخارف هندسية جميلة. وأما شكل المحراب فهو مقعر. وقد برهنت التحريات الأثرية بأن بناءه جزء اصيل من بناء حصن الأخيضر وليس مستحدثاً أو مضافاً إلى البناء. وللمسجد ثلاثة مداخل هي أثنان منها يؤديان إليه بواسطة المجاز الشمالي ويقعان في الضلع الشمالي لصحن المسجد. أما المدخل الثالث فيقع في الزاوية الجنوبية الشرقية من المسجد ويؤدي إلى البهو.
5ـ قسم الحرس: يقع إلى الجهة الشرقية من البهو، ويلتصق بالسور الخارجي من الشمال، ويؤدي إليه بواسطة مدخل يقع في المجاز الطويل. كما يوجد مدخل آخر على شكل سطح مائل يؤدي إلى الطابق الأول بواسطة مدخل فرعي على يمين الصاعد، وإلى الطابق الثاني بعد أنعطافه إلى الجنوب، فيصل إلى الطابق الثاني. وهذا القسم يتكون من طابق واحد، عدا الجانب الغربي الذي يتألف من طابقين لأتصاله بالغرف والمرافق الخاصة بالحرس والكائنة في أعلى المدخل الرئيسي.

بيوت السكنى

وهي أربعة بيوت يستقل بعضها عن البعض الآخر. يقع اثنان إلى الشرق من القسم المركزي. والاثنان الآخران يقعان إلى الغرب من هذا القسم. وفي كل بيت منها مدخل يقع في الرواق الكبير. وتكاد هذه البيوت أن تكون متشابهة من حيث التصميم، والتناظر في الموقع.
يتكون كل بيت من صحن مستطيل الشكل، وأضلاعه ذات حنايا. وتعلو هذه الحنايا أقواس تستند على أعمدة، ويكون مدخل البيت في الحنية الوسطى. وغالباً ما تتشابه الواجهتان الشمالية والجنوبية في التصميم، وعدد القاعات
(254)

والمرافق التي تضمها. وتتميز هذه البيوت بنظام الأواوين. وهو طراز ينسب إلى الطراز المعماري الحيري (نسبة إلى مدينة الحيرة) قرب مدينة الكوفة.

قسم الخدم

وهو بناء كبير يتألف من صحن مستطيل الشكل، مع ثماني قاعات، سقوفها معقودة بأقبية، وهو معزول عن بيوت السكنى الخاصة بالعوائل ويقع خلف القسم المركزي وغرف الأستقبال.

الحمام

بناء مستطيل الشكل يقع بين البيت الجنوبي من بيوت السكنى، وبين قسم الخدم. طوله 9.90 متر وعرضه 9.30 متر. ويقع مدخله في الركن الجنوبي الشرقي من الرواق الكبير. يحيط بالحمام جدار داخلي إضافة إلى الجدران الأساسية التي هي من أصل القصر. وهذا الحمام خاص بالقصر، وجدرانه الداخلية مشيدة من الطابوق والنورة، أما أرضية الحمام فهي مبلطة بالرخام الأبيض. وله مدخل رئيسي داخلي يقع في الزاوية الجنوبية الشرقية للرواق الكبير، وله مداخل فرعية أخرى. وقسم الأستحمام يتكون من ثلاث قاعات متداخلة، يؤدي إليه مدخل في الضلع الغربي. والتصميم العام للحمام يشبه تصميم الحمامات التي شيدت في العصور الإسلامية.

الأبنية الخارجية

هناك أبنية تقع خارج الحصن. والأولى تقع على يمين الداخل من المدخل الشمالي (الرئيسي) وهي مستطيلة الشكل طولها 76 متراً وعرضها 12 متراً، مكونة من سلسلة غرف وسقوفها معقودة وعددها 14 غرفة. وتكون إحدها بشكل إيوان مفتوح من الجانبين. وهناك باب لسلم يؤدي إلى سطح البناية. وتوجد ساحة مستطيلة طولها 33.20 متر وعرضها 24.70 متر تقع بين البناية المستطيلة
(255)

القائمة على الضلع الشمالي، والسور الممتد على الضلع الغربي. كما توجد بناية صغيرة في الجهة الشمالية الشرقية للحصن، ويشبه تصميمها الحمام(1). ـــــ صورة
1- G. L. Bell: Amurath to amurath, pages: 147 - 155>
K. A. Creswell: Early Muslim architecture, Vol. II, pages: 52 - 70.
(256)

ـــ صورة ــــــــــ
صورة
(257)

الفصل الخامس

عمارة كربلاء.. دراسة الواقع العمراني
الحالي للمدينة والأسس العلمية
لإعادة تخطيطها وتطويرها

توطئة:
إن موضوع هذا الفصل يتعلق بدراسة الواقع العمراني الحالي للمدينة، ومشروع التصميم الاساسي الجديد وتطوير مركز المدينة الذي يشمل المنطقة الواقعة بين جامعي ومرقدي الإمام الحسين وأخيه العباس (الروضتين الحسينية والعباسية) وما يحيطهما، حيث يحتل المركز من الناحية العمراينية موقعاً بارزاً ومتميزاً في هيكل وبنية مدينة كربلاء.
لقد كانت هذه المنطقة من ناحية الهيكل العمراني، قبل تدميرها، بمثابة وحدة عمرانية متكاملة محورها الروضتان معاً. لكن هذا التمحور يأخذ بعداً شاملاً وعميق الجذور في نفس الوقت، نظراً لأن العلاقة بينهما تتجاوز البعد الخارجي أو الظاهري، لتصل إلى حد الترابط العضوي بينهما وإلى حد التكامل. وقد أنعكست تلك العلاقة المحورية للروضتين ومحيطهما عمرانياً على مدينة كربلاء ككل.
(258)

أما من الناحية العمرانية، فإن الترابط العضوي بين عمارة الروضتين والمناطق المحيطة بهما يبدو حياً ودائم التفاعل بذاته في إطاريه الخاص والشامل.
فإذا كانت حيوية المنطقة الواقعة بين الروضتين وما يحيطهما، ناشئة من علاقتها بالروضتين، فإن مدينة كربلاء ككل تبدو أيضاً حيوية لعلاقتها بذلك المركز. وهذا التفاعل يبدو واضحاً في كافة المجالات الأقتصادية والأجتماعية والثقافية والعمرانية.
أولاً: من الناحية الأقتصادية، كانت هذه المنطقة، وإلى سنوات قريبة، عصب الحياة التجارية للمدينة بمظاهرها المختلفة التقليدية منها أو الحديثة، حيث كانت أنتشر الأسواق التي تزدحم بالزوار وسكان المدينة طيلة أيام السنة.
ثانياً: من الناحية الأجتماعية: كانت هذه المنطقة بمكانتها العريقة وتقاليدها المتوارثة تمنح مدينة كربلاء هويتها المحافظة، وكانت إلى سنوات قريبة مركز تجمع سكان المدينة ومحور حياتهم الأجتماعية.
ثالثاً: من الناحية الثقافية: كانت هذه المنطقة المتمثلة بالروضتين وبالمدارس الدينية والبيوتات الثقافية، تمنح كربلاء خصوصيتها كمدينة مفتوحة على تيارات الثقافات الخارجية (الفارسية والتركية والهندية مثلاً) وحتى على بعض الأفكار السياسية.
رابعاً: أما من الناحية العمرانية: وهو ما يهمنا بشكل خاص في هذا الفصل، فإن هذه المنطقة تعتبر قلب المدينة ومركز الحركة الرئيسية فيها والذي تتفرع منه جميع الشوارع والأسواق المهمة في المدينة.
فبالأضافة إلى عمارة الروضتين كانت المنطقة تضم أيضاً معظم الرصيد العمراني الذي تمتلكه مدينة كربلاء، والمتمثل في أبنية ذات قمية عمرانية
(259)

وحضارية وتراثية، كالمساجد والمدارس الدينية والحسينيات والمقامات والأسواق القديمة والقيساريات والخانات والبيوت التراثية. وعلى العموم فإن المنطقة كانت تمثل أصالة وحيوية الإرث الحضاري العمراني الذي تميزت به كربلاء عن غيرها من المدن الإٍسلامية الأخرى. لكن هذه المدينة تعرضت من الناحية العمرانية لأضرار جسيمة خلال السنوات الماضية، خصوصاً بعد عام 1991م إلى درجة يمكن القول معها بأنها، أو بعض مظاهرها الرئيسة على الأقل، مهددة بوجودها وإرثها التاريخي. وهي على العموم تعاني من مشاكل حادة تتطلب جهوداً حثيثة وحلولاً عملية لإعادة تخطيطها وتصميمها وصيانة وترميم مبانيها الدينية والتراثية المتبقية.
إن أبرز مشاكل مدينة كربلاء القديمة تتجسد الواقع، بتحويل المنطقة (مركز المدينة) التي كانت غنية بالإرث العمراني لقرون عديدة، إلى ساحة واسعة تحيطها الفنادق والمحلات التجارية التي شيدت بدون دراسة عمرانية وتخطيطية مسبقة، وذلك بعد أن أزيلت منها جميع الأبنية القديمة التي كانت تقع بين الروضتين وما حولهما. كما تعاني أيضاً في محيطها من حركة بناء عشوائي وهجين ينفذ حالياً، مما يهدد بتعريض المدينة القديمة إلى فقدان خصائصها العمرانية الأساسية والتي كانت تمنحها هويتها التاريخية والحضارية والدينية.
إن هذه المنطقة تكتسب أهمية مركزية وذلك بسبب تدمير جميع مراكز الفعاليات التجارية التي كانت تنهض بها سابقاً، وإلى قرون عدة، والتي أكسبتها موقعها الخاص كنقطة التمحور في العلاقة الحيوية بين المدينة القديمة والمناطق المحيطة بها وخاصة الأحياء الجديدة. من هنا جاء تأكيدنا على الأهمية الكبيرة لإعادة إحياء مركز المدينة بأعتباره الضمانة الجوهرية لإعادة إحياء تلك الفعاليات التي كانت تقوم بها الأسواق والقيساريات، لتكون من جديد نقطة ترابط المركز مع المناطق الأخرى من المدينة.
(260)

وبالإضافة إلى كل ذلك فإن الشخصية العمرانية التاريخية لمدينة كربلاء ترتكز أساساً على هذه المنطقة. ويصح هذا حتى من ناحية التصميم المعماري البحث، ذلك لأن هذه المنطقة تمثل النقطة المركزية في (المشهد البصري) للتصميم العمراني للمدينة. كما أن الروضتين والمناطق المحيطة بهما، فإنها في الواقع تمثل مدينة كربلاء القديمة.
إن المدينة ككل تحتاج إلى دراسة تتضمن وضع الأسس العلمية لإعادة تخطيطها الذي ينبغي أن يتجاوب بشكل عميق مع السمات الأساسية للبيئة العمرانية التقليدية للمدينة القديمة.
ويتضمن هذا الفصل:
* تحليل الوضع العمراني الحالي لمركز المدينة والمناطق المحيطة به.
* الأعتبارات المعمارية والتخطيطية المقترحة لتطوير مركز المدينة والمناطق المحيطة به.
* الأسس العلمية لإعادة تخطيط وتطوير مدينة كربلاء.
(261)

تحليل الوضع العمراني الحالي لمركز
المدينة والمناطق المحيطة به

بعد دراسة الجوانب التاريخية والعمرانية المكونة لمدينة كربلاء، تتناول هنا طبيعة الضغوط والمؤثرات والمشاكل القائمة حالياً في المدينة لتحديد أهمية كل منها وتلمس أبعاده.
وتتضمن أهم تلك الجوانب ما يلي:
1ـ الوضع الحالي للتكوين الفضائي العمراني للمدينة القديمة.
2ـ استعمالات الأرض.
3ـ حالة الأبنية في المدينة القديمة.
4ـ البيئة والنسيج العمراني.
5ـ حركة المركبات والمشاة ومواقف السيارات.
6ـ إمكانية جعل المدينة مكاناً أو مركزاً للسواح والزوار.
7ـ الخليفة التاريخية للطابع المعماري التقليدي للمدينة.
8ـ العوامل التي أثرت على التركيبة السكانية للمدينة.
(262)

1ـ الوضع الحالي للتكوين الفضائي العمراني للمدينة القديمة

يعتبر مدينة كربلاء نموذجاً لمن الأضرحة في العراق، إضافة إلى النجف الأشرف، والكاظمية وسامراء. وتحتل المدينة القديمة ضمن الطريق الدائري (شارع المحيط) الذي يحيط بها، مساحة تقدر بأكثر من كيلومتر مربع، يتوسطها جامعا ومرقدا الإمام الحسين وأخيه العباس (عليهما السلام). ويمر الطريق الدائري في أغلب مساره محاذياً للمناطق الخضراء. والتي تحيط بالمدينة ما عدا الجزء الغربي والجنوب الغربي منها، مما ساعد على التوسعات العمرانية الكبيرة الحديثة في هذين الجزئين.
إن دراسة أبعاد المدينة القديمة بالنسبة إلى مركز تكوينها ـ وهما الروضتان والساحة الواسعة التي تقع بينهما ـ تظهر، أن حدود المركز تبعد عنه بمسافة تتراوح بين 400 متر تقريباً بأتجاه منطقه المخيم وباب الخان، إلى 800 متر تقريباً بأتجاه باب الطاق وباب بغداد. وهي ضمن حدود مسافة السير المقبولة للإنسان. أي أن حجم وشكل المدينة يعتمد أساساً على المقياس الإنساني لحركة المشاة (Pedestrian - scaled environment) وهي خاصية يمكن أستثمارها في إبعاد حركة المركبات عن قلب المدينة إلى الشارع الذي يحيط بها، لا سيما في المناسبات الدينية المهمة، وتخصيص بعض شوارعها لحركة المشاة فقط، وخاصة القريبة من المركز.
وبرغم أن سمات التكوين الفضائي العمراني لمركز مدينة كربلاء يمكن تلمسها على ضوء سمات مراكز المدن الدينية في العالم الإسلامي، إلا أن هناك خصائص تكتسب طابعاً مميزاً، مما يجعل من كربلاء نموذجاً مختلفاً عن بقية المراكز الدينية الأخرى، ويتمثل في كون المسجد الجامع أو المرقد في المدن الدينية الأخرى يمثل قلب المدينة، بينما في مدينة كربلاء فإن جامعي ومرقدي
(263)

الإمام الحسين وأخيه العباس (ع) والساحة الواسعة بينهما تمثل جميعاً سمات التكوين الفضائي العمراني لمركز المدينة.
لذا تشكل الروضتان اللتان يتجاوز أرتفاع مأذنهما 39 متراً، وقبتيهما 32 متراً تقريباً، العناصر المهيمنة على هيئة وتكوين المدينة وظيفياً وبصرياً وعلى خط سماء المدينة (Sky line).
إن ملامح هذا التكوين وخصائصه تمثل بذاتها عنصراً أساساً في مشروع عملية التجديد العمراني للمدينة ومركزها من أجل الحفاظ والتأكيد عليه. إن التوجه الحالي في ترك الساحة، وبدون دراسة مسبقة من الناحية التخطيطية والمعمارية، سيؤدي حتماً إلى إضعاف هيمنة جلال الروضتين وحرمتهما ضمن المحيط الحالي غير المتجانس.

2ـ أستعمالات الأرض

تظهر دراسة المدينة ومركزها من الناحية العمرانية أن هناك ثلاثة أنماط رئيسية من أستعمالات الأرض تهيمن على تكوينها وتحدد ملامح شخصيتها العمرانية كأنعكاس لأهميتها الدينية:
أـ المراقد والمباني الدينية والتقليدية: الروضتان الحسينية والعباسية: تتوسط هاتان الروضتان المدينة القديمة لتكونان من الساحة الواسعة بينهما قلب المدينة العمراني، فيما تظل الروضتان العنصرين المؤثرين في تكوين المدينة وظيفياً وبصرياً.
المساجد والحسينيات والمدارس الدينية والمباني التقليدية: من الملاحظ قبل تهديم المركز ـ بين الروضتين وما يحيطهما ـ أن المباني الدينية، بالإضافة إلى المباني التقليدية الأخرى، كانت تتركز حول الروضتين ثم نقل كثافتهما
(264)

بالأبتعاد عنهما. كما أن هذه الأبنية بالإضافة إلى الروضتين تعكس خصوصية المدينة الدينية.
ب ـ الأستعمال التجاري: تمثل التجارة النشاط الأقتصادي الأساسي للمدينة ويعمل فيها أكثر من 45% من سكان المدينة القديمة تقريباً. ويعود ذلك إلى أعتماد السكان على الفعاليات التجارية أساساً بسبب تدفق الزوار بشكل مستمر طوال السنة على كربلاء. وتزداد أعدادهم من 5 ـ 8 أضعاف في الزيارات الأسبوعية والموسمية وترتفع إلى مائة ضعف تقريباً في المناسبات الدينية المهمة كزيارة نصف شعبان والعشرة أيام الأولى من شهر محرم الحرام وأربعينية الإمام الحسين (ع). وتتميز المناطق التجارية في المدينة بوجود نمطين أساسيين هما:
الاسواق التقليدية: وكانت تتجسد فيها سمات الأسواق الشرقية، وكان أبرزها سوق التجار وسوق الحسين وسوق العباس، ولكنها أزيلت بعد عام 1991م، بعد أن كانت تشكل، مع بعض الأسواق الاخرى، هيكلاً متجانساً مع الروضتين وبقية الأبنية الأخرى، ويعزى ذلك إلى أرتباط هذه الأسواق بالمحاور الرئيسية لحركة المشاة المؤدية إلى الروضتين، وتوجد إلى جانب هذه الأسواق الكبيرة أسواق تقليدية أخرى تعتبر محاور تجارية جانبية ترتبط بالمناطق التجارية الرئيسية والأحياء السكنية وتؤدي إلى المداخل الرئيسية للروضتين، مثل سوق المخيم وسوق باب الخان وغيرها.
المناطق التجارية: وتشمل الشوارع المحيطة بالروضتين، وكذلك الشوارع المؤدية إليهما والتي تم شقها منذ عام 1980م كالساحة الواسعة بين الروضتين وشارع باب السلطانية، وكذلك الشوراع التي تم توسيعها منذ عام 1955م كشارع العباس، وشارع باب القبلة، وشارع السدرة، وشارع العلقمي وغيرها. ويستخدم الطابق الأرضي للأبنية الواقعة على هذه الشوارع للأستعمالات التجارية والخدمية الأخرى، أما الطوابق العلوية فتضم الفنادق والشقق السكنية والمكاتب المهنية.
(265)

وفي السنوات الأخيرة، بعد إزالة الأسواق الكبيرة في مركز المدينة، وخاصة بعد شهر آذار من عام 1991م، تحولت بعض الشوارع داخل المدينة وخارج مركز المدينة إلى مراكز تجارية، وخاصة الشارع المؤدي إلى مدينة الهندية أو (طويريج). وإلى جانب هذين النمطين الأساسين، فقد أخد نمط آخر بالظهور وبشكل متزايد مؤخراً، ويتمثل بالمناطق التجارية المتداخلة مع الأحياء السكنية بسبب نمو النشاط التجاري الذي جاء نتيجة ضغط الحاجة إلى مناطق تجارية لخدمة زوار المدينة وسكانها. وتنتشر هذه المناطق في أحياء باب بغداد، العباسية بطريفيها، باب الخان، باب الطاق، باب النجف، المخيم، والأحياء الجديدة.
ج ـ الأستعمال السكني: يغطي الأستعمال السكني للأرض نسبة 75% تقريباً من النسيج العمراني التقليدي للمدينة القديمة. وكانت المناطق السكنية تمتد إلى مسافات قريبة جداً من الجدران الخارجية للمرقدين. ولكن بسبب هدم مركز المدينة بعد عام 1991م أصبحت الساحة الواسعة بين الروضتين وحولهما تفصل هذه المناطق عن الروضتين. وتفتقر هذه المناطق السكنية عموماً إلى المستلزمات الضرورية كالصيانة والترميم.

3ـ حالة الأبنية في المدينة القديمة

يختلف تصنيف حالات الأبنية حسب المسح والمعايير المستخدمة في التقييم. وعموماً فإن 65% من الأبنية في المدينة القديمة قديم ومتآكل ورث وخاصة الأبنية القريبة من المركز. أما الأبنية ذات المستوى المقبول فتشكل نسبة 25%، بينما تشكل الأبنية الحديثة نسبة 10% من المجموع الكلي للأبنية. وقد زادت نسبتها بعد عام 1997م، وخاصة التي تقع على الساحة الواسعة وفي الصف الأمامي من الشوارع الحديثة والشوارع التي تم توسيعها في السنوات الأخيرة، وهي أبنية ذات طرز معمارية لا تتوافق مع النسيج العمراني للمدينة القديمة.
(266)

إن القيمة التاريخية والمعمارية للموروث الحضاري والنسيج العمراني التقليدي للمدينة تطرح أهمية وضرورة تطوير سياسة متكاملة للحفاظ والتطوير تتضمن مساحات واسعة متماسكة منه بحيث تعبر عن الخصائص التقليدية والهوية المحلية للمدينة. والواقع أن الكثير من الأبنية التراثية بحاجة إلى إجراءات للصيانة والترميم بأستمرار للحفاظ عليها.

4ـ البيئة والنسيج العمراني

تعتبر مدينة كربلاء من المدن التي حافظت على نيسجها العمراني نسبياً، لأسباب دينية وتاريخية، وبسبب موقعها الأستراتيجي لقرون عديدة. إلا أن التخريب الذي لحق بها منذ العام 1980م ترك إشارته الواضحة على عمارتها التقليدية القديمة، بشكل أخذ يهدد خواصها وهويتها الإسلامية بالتغيير ما لم تتخذ إجراءات فعالة للحفاظ عليها، ولإعادة الجزء المتهدم منها وفق أسس علمية، وصيانة الجزء المتبقى منها.
ويمكننا القول أن أبرز حدث في تاريخ المدينة المعاصر، والذي أثر بشكل جوهري في نسيجها العمراني هو: تهديم مركز المدينة بشكل كامل وإزالة المناطق الواقعة ما بين الروضتين وما حولهما.
لقد أدى ذلك إلى إزالة أحد أهم سمات المركز التاريخي لمدينة كربلاء، كإحدى أهم المدن الدينية في العالم الإسلامي، مما أدى إلى تلاشي هيمنة فضائي صحني الروضتين، وهما أوسع فضاءين في المدينة حتى وقت قريب، على التكوين الفضائي للمدينة، خاصة بعد التوسع في هدم المنطقة الواقعة ما بين وحول الروضتين وإنشاء الساحة الواسعة. ولم يقتصر الضرر على ذلك، إذ أن ظهور واجههات الروضتين إلى الخارج دعا إلى التعامل معهما كنصب (monumental) ومعالجة واجهاتهما الخارجية وفق هذا المفهوم.
(267)

إن أبرز الخصائص الفريدة للنسيج العمراني للمدينة هو هيمنة عمارة الروضتين على النسيج العمراني التقليدي الذي تتشعب فيه الممرات الرئيسية لحركة المشاة من الروضتين، بحيث تشكل عنصراً رابطاً بينهما وبين المناطق المحيطة بهما، إلا أن هذه الخاصية قد تلاشت تماماً بعد إزالة جميع المباني الواقعة ما بين وحول الروضتين.

5ـ حركة المركبات والمشاة وموقف السيارات

أ ـ شبكة سير المركبات: تتكون شبكة سير المركبات في المدينة القديمة من نمطين أساسيين هما:
1ـ شبكة السير الواقعة ضمن المباني التقليدية للأحياء السكنية والتي تتمثل في الشوارع القديمة من المدينة ومعظمها شوارع ضيقة.
2ـ الشوارع التي تم شقها حديثاً في جسم المدينة القديمة وكذلك الشوارع التي تم توسيعها وتلتقي جميعها في قلب المدينة، إضافة إلى الطريق الدائري المحيط بالمدينة.
وترتبط هذه الشبكة بالطرق الخارجية التي تربط المدينة بالمدن الأخرى، والتي تصب جميعها في المدينة القديمة. وكانت تحت أختناقات مرورية وخاصة في الشوارع المؤدية إلى مركز المدينة. وفي السنوات الثلاثة الأخيرة تم منع دخول السيارات إلى المركز.
ب ـ حركة المشاة: كانت هناك مشاكل قائمة في سير واتجاهات حركة المشاة في مركز المدينة، وخصوصاً أيام المناسبات الدينية المهمة. وعلى الرغم من شق الشوارع الجديدة وتوسعه بعض الشوارع القديمة وأستحداث الساحة الواسعة بين الروضتين، إلا أن حركة المشاة، وخاصة المواكب الدينية في مركز المدينة والمناطق المحيطة بها لم تجد الحلول المناسبة لها.
(268)

وتعاني محاور حركة المشاة بشكل عام في تأثير تداخلها وتناقضها مع حركة المركبات وخاصة في الشوارع المؤدية إلى مركز المدينة.
ج ـ مواقف السيارات: يتميز في المدينة القديمة نمطان من مواقف السيارات:
1ـ فضاءات المواقف ضمن الشارع (on street parking)، حيث تنتشر هذه المواقف في معظم شوارع المدينة، وخاصة المؤدية إلى الروضتين.
2ـ فضاءات المواقف في جانب الشارع (off street Parking)، وهذه المواقف قليلة جداً لا تتناسب وعدد السيارات التي تصل إلى المدينة في الأيام الأعتيادية والعطل الأسبوعية.
ولا توجد سياسة واضحة لإدارة وتنظيم وقوف السيارات وإيجاد مبانٍ خاصة لوقوفها في محيط المدينة. كما أن عدم وجود حلول مؤقتة لتخطيط المدينة القديمة، ومنها المركز قد تسبب في أختناقات حادة داخل المدينة.
د ـ مواقف النقل العام: ترتبط خطوط النقل الخارجي بمواقف لا تتناسب وعدد زوار المدينة والخدمات المقدمة فيها، مما يسبب إرباكاً في حركة السيارات والمشاة ومن هذه المواقف، الكراج العام عند بداية الطريق المؤدي إلى الحلة.

6ـ إمكانية جعل المدينة مكاناً أو مركزاً للسواح والزوار

تقوم زيارة مدينة كربلاء على أساسين هما:
الأول: الديني، وهي لزيارة المراقد المقدسة والمعالم الدينية الأخرى.
وترتبط حركة الزوار عادة بهذه الأماكن وبالمناطق التجارية كالأسواق الرئيسية في المدينة.
(269)

الثاني: سياحي وتستهدف هذه الزيارة مشاهدة المعالم السياحية للمدينة، والتي تشمل المراقد المقدسة والمباني الدينية والتراثية والآثارية.
وبموجب إحدى الدراسات الميدانية عن مدينة كربلاء، تبين أن عدد الزوار في الأيام الأعتيادية يبلغ 11 ألف زائر تقريباً، يومياً، كمعدل عام. ويبلغ في أيام الخميس والجمعة حوالي 50 ألف زائر تقريباً، أما في الزيارات الموسمية كعيد الأضحى المبارك، وعيد الفطر المبارك، فيتراوح ما بين 80 ـ 100 ألف زائر تقريباً. وفي المناسبات الدينية المهمة، كزيارة نصف شعبان والأيام العشرة الأوائل من شهر محرم الحرام وأربعينية الإمام الحسين (ع) (عشرين من صفر)، فيبلغ عدد الزوار ما بين المليون إلى المليون ونصف المليون زائر تقريباً، وقد يصل أحياناً إلى ثلاثة ملايين زائر. وقسم من هؤلاء الزوار تكون فترة بقائهم ما بين يومين إلى خسمة ايام. وقسم منهم تكون فترة بقائهم خلال النهار أو المساء فقط.
ونستنتج مما سبق، هناك حاجة ماسة لتوفير فضاءات واسعة لأستيعاب هذه الاعداد من الزائرين، وتقديم الخدمات الضرورية لهم خلال مدة بقائهم في المدينة، إذ ينبغي توفير فضاءات مسقفة وأمكان للإقامة المؤقتة بالقرب من الروضتين والمناطق المحيطة بهما. وفي الوقت نفسه أن تكدس الزوار على الأرصفة المحيطة بهما يخلق وضعاً صعباً لا يتناسب وأهمية المدينة المقدسة ومكانتها الدينية التاريخية.

7ـ الخلفية التاريخية للطابع المعماري التقليدي للمدينة

بعد دراسة تاريخ وعمران مدينة كربلاء القديمة، نلاحظ أن خصائص العمارة فيها قد تأثرت منذ نشأتها بفنون حضارة وادي الرافدين والحضارات الإسلامية المختلفة، وخاصة خلال العهد العباسي. ويعدود ذلك إلى الأهتمام الذي
(270)

أولاه بعض الخلفاء العباسيين والولاة المسلمين للبلدان الإسلامية. حيث بدأت المباني في المدينة تأخذ طابعاً معمارياً مميزاً، وخاصة روضاتها المقدسة وعمائرها الدينية، من حيث فخامتها وأرتفاع جدرانها ومداخلها، وكذلك وجود الساحات المكشوفة التي تعتبر من أهم العناصر المعمارية والتخطيطية للمباني في كربلاء.
لقد بدأت ملامح مفردات فنون العمارة الإسلامية المختلفة واضحة على المباني الدينية في المدينية في تلك الحقبة من الزمن، حيث أستعمال مفردات العمائر المختلفة، كالفسيفساء والزخارف الآجرية والجبصية والقاشانية، وكانت عبارة عن نقوش هندسية وكتابية بارزة أظهرت مدى التفوق في الأسلوب الزخرفي الذي ظهر في تلك الفترة الزمنية، وهذا الفن الرفيع هو أحد دعائم الفن الإسلامي في مباني المدينة.
يعتبر الخط العربي أحد أبرز الفنون التي أستعملت في زخرفة الواجهات الخارجية والداخلية للمباني الدينية. وكان ينقش بأسلوبين هما: الأسلوب الأول، وهو الخط الكوفي، نسبة إلى مدينة الكوفة في العراق، ويتميز بحروف مستقيمة ذات زوايا حادة. والأسلوب الثاني، وهو الخط النسخي وحروفه لينة مقوسة. ولقد أستخدم هذان النوعان بطريقة فنية رائعة، وخاصة الخط الكوفي الذي أستعمل بكثرة في كتابة الآيات القرآنية الكريمة.
وقد أستعمل البلاط المزجج (القاشاني) الملون في العهد العباسي، وخاصة في القوانين الثالث والرابع للهجرة في الأبنية الدينية.
وأنتشر هذا الفن أنحاء العالم الإٍسلامي، وخاصة في إيران وبلاد آسيا الوسطى والشام. وكان لمدينة كربلاء دور مميز في صناعة هذه المادة وأستخدامها في إكساء وزخرفة المباني الدينية وبصورة رئيسية الروضات المقدسة.
(271)

وفي العهد المغولي (الأيلخاني)، وخاصة إبان حكم الجلائريين للعراق، تم أستخدام الزخارف الخزفية البراقة في إكساء وزخرفة الروضات المقدسة في مدينة كربلاء وخاصة مبنى الروضة الحسينية ومئذنة العبد التي كانت ملحقة بها.
أما في العهد الصفوي، فقد أهتم الحكام الصفويين بالروضات المقدسة وزخرفتها، حيث استعملت البلاطات القاشانية والنقوش الآجرية والجبصية في تزينها وتزيين المباني الدينية الأخرى. وأستخدمت أيضاً المقرنصات الآجرية والجبصية كعناصر مهمة من عناصر الزخارف المعمارية. وكانت في بعض الأحيان تغطى بالبلاطات الخزفية البراقة الصغيرة المتعددة الألوان. وقد أضفت هذه الزخارف على مكان العبادة شكلاً جميلاً يؤثر في النفوس. وأستخدمت أيضاً الألواح الخشبية المشبكة الزخرفة وخاصة فوق قبري الإمام الحسين وأخيه العباس.
وفي العهد الصفوي أيضاً، أستخدمت لأول مرة البلاطات النحاسية المغطاة بقشرة خفيفة من الذهب في تغطية سطوح مآذن وقباب الروضات المقدسة في كربلاء والمدن الدينية الأخرى في العراق. وكان لهذا الفن دوره في إبراز المدن الدينية في الناحية المعمارية وتميزها عن المدن الأخرى.
وقد أستعملت الزخارف الخشبية المعروفة بالشناشيل أو (المشربيات)، وخاصة إبان فترة الأنتداب البريطاني للعراق. حيث أنتشر هذا الفن الجميل بواسطة الهنود الذين كاوا يتقنون هذه المهنة في مدينة كربلاء وبعض المدن العراقية الأخرى كبغداد والبصرة.
وكان لمواد البناء المحلية في مدينة كربلاء أثرها الواضح في تطوير مباني المدينة من الناحية المعمارية، وخاصة الطابوق الطيني المفخور (الآجر) والجص والبلاط القاشاني، وقد أنتشرت صناعة هذه المواد في أرجاء المدينة وضواحيها.
(272)

ولم تقتصر المباني في مدينة كربلاء على استعمال مواد البناء المحلية فقط. إذ أستعمل المرمر والرخام والأحجار الملونة والأخشاب النادرة المستوردة في إكساء الكثير من مباني مدينة كربلاء وزخرفتها.

8ـ العوامل التي أثرت على التركيبة السكانية للمدينة

من خلال إحصاءات الحكومة العراقية ظهر أن نفوس مدينة كربلاء عام 1971م كان 213، 102 ألف نسمة. ووصل عام 1985م إلى 574، 184ألف نسمة(1).
لذلك شهدت هذه المدينة تزايداً سكانياً بنسبة 81% وهي نسبة كبيرة مقارنة بمثيلاتها في المدن العراقية الأخرى، وذلك نتيجة الهجرات الجماعية في الريف والمدن العراقية الأخرى وخاصة الجنوبية منها.
ولقد أدى وجود الروضات المقدسة في هذه المدينة إلى أرتفاع الكثافة السكانية عبر جذب السكان من مناطق أخرى للأستقرار، نظراً لتوفر فرص العمل التي يوفرها النشاط التجاري لزائري هذه المدينة، شأنها بذلك شأن المناطق السياحية الأخرى ومراكزها الأصطياف(2).
وخلال الحرب العراقية الإيرانية، التي أستمرت ثماني سنوات، مابين عامي 1980و 1988، لوحظ أزدياد سكان مدينة كربلاء، وجاء هذا الأزدياد نتيجة تدفق بعض سكان المدن العراقية، وخاصة الجنوبية منها، للسكن والإقامة في كربلاء والمدن المقدسة العراقية الأخرى، لمعرفة العراقيين بأن المدن المقدسة في العراق بعيدة عن القصف الإيراني، وذلك لقدسيتها عن المسلمين الإيرانيين. علماً بأن هذه الزيادة قد حدثت بالرغم من تهجير آلاف العراقيين من سكان مدينة كربلاء إلى إيران من قبل السلطان الحكومية.
1ـ أضواء كاشفة على محافظة كربلاء، ص: 3، 1971م. دائرة المعارف البريطانية، ج6/ ص: 741.
2ـ د. فاضل الأنصاري: سكان العراق، ص: 59و 119، الطبعة الإولى، دمشق 1970م.
(273)

وقد تركزت معظم المجموعات السكانية الجديدة في الأحياء الحديثة التي خططت لهم خارج المدينة القديمة. أما في المدينة القديمة فقد تناقص عدد السكان للأسباب التالية:
1ـ إن ضيق المدينة بسكانها منذ الخمسينات أدى إلى تشييد أحياء حديثة ذات بيوت واسعة مما شجع بعض أهالي المدينة القديمة للأنتقال إلى تلك الأحياء.
2ـ نتيجة شق وتوسعه الشوارع الجديدة وخاصة في مركز المدينة، حيث أزيلت الكثير من البيوت، تحولت معظم الأقسام الأمامية للطوابق الأرضية من البيوت الأخرى إلى محلات تجارية لتحقيق مردود أقتصادي أكثر.
3ـ منح الدولة للقروض منذ الخمسينات وبفوائد بسيطة لغرض البناء، وتم بيع الأراضي بأسعار رمزية في الأحياء السكنية الحديثة.
4ـ أرتفاع مستويات دخل السكان وخاصة في السبعينات والثمانينات مما ساعد على طلب بيوت أوسع في الأحياء الحديثة.
5ـ بعد أنتفاضة آذار من عام 1991م تعرضت المدينة القديمة، وخاصة مركزها، إلى التدمير والخراب مما أجبر الكثير من السكان على الهجرة إلى المدن العراقية الأخرى وخاصة العاصمة بغداد.
6ـ نتيجة إهمال المدينة من قبل السلطات الحكومية في بغداد وملاحقة العوائل ممن أشترك أبناؤها في الأنتفاضة، والحصار الذي فرض على العراق من قبل الأمم المتحدة، هاجر قسم من سكان مدينة كربلاء إلى خارج العراق وقسم آخر إلى المدن العراقية الأخرى خوفاً على حياتهم وسعياً لإيجاد فرص عمل أفضل.
(274)

صورة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــت
(275)

الأعتبارات المعمارية والتخطيطية
المقترحة لتطوير مركز المدينة
والمناطق المحيطة به

سنتناول فيما يلي أهم الأعتبارات المعمارية والتخطيطية المقترحة لمركز المدينة والمناطق المحيطة به، حيث سيتم تناوله من الجوانب التالية:
1ـ معايير التصميم العمراني.
2ـ تحديد سياسات التجديد لمركز المدينة والمناطق المحيطة به.
3ـ المقترحات المتعلقة بتوزيع أستعمالات الأرض.
4ـ الخطوط المقترحة للتخطيط والتطوير العمراني.
5ـ مقترحات لنظام حركة المشاة والمركبات ومواقف السيارات.
6ـ مقترحات لتشجيع وجذب السواح والزوار.
7ـ التعامل مع الخصوصية العمرانية المتمثلة بالعناصر والمفردات المعمارية في الأبنية الجديدة.

1ـ معايير التصميم العمراني

* أستعادة الروضتين لإطارهما بإعادة إحياء النسيج العمراني الذي يقع بين الروضتين وما يحيط بهما، والتأكيد على أهميتهما ودورهما كمركزين للتكوين الفضائي وعنصرين مهيمنين عليه وضيفياً وبصرياً.
(276)

* إعادة تطوير المنطقة التي تحيط بالروضتين وفق معايير عمرانية تتناسب مع التخطيط والتصميم العمراني الجديد لمركز المدينة والمناطق العمرانية الأخرى من المدينة القديمة.
* إحياء منطقة الأسواق القديمة التي تقع بين الروضتين، والتي هدمت في السنوات الماضية، وخاصة الأسواق الكبير والمحلات التجارة والقيساريات والتي كانت محاورها مركز حركة المشاة الرئيسية ما بين الروضتين.
* ربط المنطقة التجارية الجديدة، التي تقع ما بين الروضتين أو ما يحيطهما، مع المناطق التجارية الأخرى في المدينة القديمة بمحاور حركة المشاة ضمن بيئة مخصصة تتوفر فيها مستلزمات الجذب والراحة والتكامل بينهما لإيجاد مركز للمدينة يعبر عن أستمرارية التطوير العمراني للمركز الديني لمدينة كربلاء.
* إبراز العناصر المعمارية التقليدية للمدينة والتأكيد على خصائصها بشكل يُعبر عن أصالة المركز الديني لمدينة كربلاء، وأستلهام تلك العناصر بأسلوب معاصر في تخطيط وتصميم مركز المدينة.
* التأكيد على تكامل وترابط الأبنية الجديدة مع الروضتين والمناطق المحيطة بهما، والنسيج العمراني للمناطق السكنية المجاورة في المدينة القديمة، وكذلك ربط الأسواق المقترحة الجديدة بالمناطق السكنية والتجارية المجاورة لتطوير وتنشيط الفعاليات التجارية فيها لإيجاد نسيج عمراني متكامل للمدينة ككل.
* ضمان أستمرارية محاور الحركة على أمتداد المنطقة الواقعة بين الروضتين وما حولهما، بحيث تصبح هذه المنطقة هي محور الحركة الرئيسي، وكذلك أرتباطها بالشارع الدائري الذي يحيط بالمدينة القديمة والطرق الدائرية الجديدة المقترحة.
(277)

إن الهدف الذي نسعى لتحقيقه بذلك، هو التأكيد على الهوية الدينية والثقافية للمركز التاريخي لمدينة كربلاء، وإبراز مكانتها العمرانية وإعادة إحياء رصيدها التراثي الأصيل.

2ـ تحديد سياسات التجديد لمركز المدينة والمناطق المحيطة به

تضم المناطق المحيطة بالروضتين أبنية تتباين كثيراً في ملاحمها الإنشائية والمعمارية. ولذا فإن تحديد سياسة التجديد والتطوير المتبعة بالنسبة لكل بناية أو مجموعة أبنية يعتمد على المعايير التالية:
* الحالة الإنشائية للبناية في الوقت الحاضر (اي إزالة الأبنية الرديئة وترميم وتحسين الأبنية ذات المستوى العمراني المقبول).
* مدى كفاءة أستغلال رقعة الأرض المشيدة عليها البناء (إزالة الأبنية والمنشآت التي لا تتناسب كفاءة استغلالها من حيث حجم المساحات الوظيفية مع قيمة الأرض وموقعها بالنسبة لمركز المدينة) على أن لا يشمل ذلك الأبنية الدينية والتراثية.
* مدى ملائمة الوظيفة والإستغلال بالنسبة لسياسة أستعمالات الأرض المقترحة.
وهذا يستلزم إزالة الأبنية التي أصبح موقعها عائقاً في تحسين المنطقة المحيطة بالمركز.
* القيمة المعمارية والتاريخية والملامح التراثية التي تملكها البناية.
* موقع البناية ضمن النسيج العمراني المحيط وأثرها في تماسكه.
* مدى تعارض الأبنية مع مؤشرات التصميم العمراني المقترح (إزالة الأبنية الرديئة ذات الطرز المعمارية المتنافرة والمؤثرة على الخصائص العمرانية للمنطقة وخاصة عمارة الروضتين والبناء المقترح بينهما).
(278)

* أنقطاع أستمرارية الأبنية المطلة على المنطقة المحيطة بالروضتين من حيث النسيج العمراني، وخاصة وجود فراغات بين الأبنية وعدم أستمرارية الارصفة المسقفة والأرتفاعات المختلفة فيها بينها.
* الخواص البصرية ومدى التعبير عن الخصائص التقليدية (كمثال أرتباط الأسواق الجديدة بمنطقة المركز بصرياً بالروضتين).

3ـ المقترحات المتعلقة بتوزيع أستعمالات الأرض

* إن مؤشرات أستعمالات الأرض للمنطقة ما بين الروضتين وما يحيطهما يجب إن تؤكد على القيم الروحية المتمثلة بالخصائص العمرانية للروضتين.
* الفعاليات التجارية التقليدية المقترح إنشاؤها في مركز المدينة يجب أن تأخذ بنظر الأعتبار تقوية الترابط بين الجانبين الديني والدنيوي لها، وبما يحفظ هوية المدينة الدينية والتاريخية.
* مراعاة خصوصية المدينة وأهميتها الدينية، وخاصة موقع عمارة الروضتين، ضمن النسيج العمراني المحيط بهما، بحيث يمنع إقحام أستعمالات غريبة أو مكثفة على هيبة ووقار فضائي صحني الروضتين الشريفتين وتحديد تلك الإستعمالات بما له تماس مباشر بمتطلبات حركة الزائرين.
* تحديد مناطق تخصص فيها الحركة للمشاة فقط، مع تغذيتها بحركة مركبات الخدمات دورياً، وخاصة حول المحاور الرئيسية بين الروضتين وما يحيطهما، وربطها مع أمكان القدوم من مواقف السيارات والنقل العام وخاصة من الشارع الدائري المحيط بالمدينة القديمة.
* عدم إقحام المباني والفنادق الضخمة، وكذلك مواقف السيارات الكبيرة بالقرب من مركز المدينة بحيث تؤثر على تماسك النسيج العمراني وأستمراريته وأرتباطه مع المناطق المحيطة بالمركز.
(279)

* تنشيط وزيادة الفعاليات المرتبطة بوضيفة المدينة الدينية وخدمة الزائرين، كالفنادق الصغيرة، ودور إيواء الزوار، والمطاعم، المقاهي، والمحلات التجارية، والمرافق العامة، ومراكز الإتصالات والإرشاد، ومكاتب الشرطة السياحية، والأستفادة من الإمكانيات السياحية التي تقع خارج المدينة، كبحيرة الرزاة، والبساتين الجميلة المحيطة بالمدينة، وقصر الأخيضر، وينابيع مدينة عين التمر (شثاثا)، وكذلك الأبنية التاريخية والتراثية التي تقع داخل وخارج المدينة كالخانات والبيوت التراثية للإغراض السياحية، والتي يمكن أن تبعث النشاط والحيوية هي الحياة الأقتصادية والأجتماعية والثقافية للمدينة.
* إستعادة الوظائف الثقافية والتعليمية والدينية والتقليدية المرتبطة بالمدينة (كالمساجد، والحسينيات والمدارس الدينية والمكتبات) للمحافظة على الهوية الدينية للمدينة ومنع تأثير الفعاليات التجارية عليها.
* تحسين معايير البيئة السكنية في المدينة القديمة لإيقاف الهجرة السكانية منها وإلى مناطق سكنية أخرى، والحفاظ على الوظيفة السكنية، وذلك بأنتهاج سياسة متوازنة تجمع بين إعادة الحفاظ والتجديد، وإعادة التطوير للرصيد السكني، بحيث يجري صيانة المساكن الرديئة وإزالة الوحدات الرديئة جداً، التي لا يمكن صيانتها لعدم جدواها أقتصادياً وإعادة بنائها من جديد. وكذلك تزويد المناطق السكنية بشبكات الخدمات الأجتماعية (كالمدارس، رياض الأطفال، حضانة، مراكز صحية وأجتماعية) عن طريق أستغلال بعض المناطق الخالية ومواقع الوحدات السكنية المتهرئة.

4ـ الخطوة المقترحة للتخطيط والتطوير العمراني

تتباين الخطوط المقترحة للتخطيط والتطوير العمراني لمركز المدينة وما يحيط حسب قطاعاتها المختلفة وذلك كما يلي:
(280)

أـ المنطقة الواقعة بين الروضتين (الساحة الواسعة): وضع مقترح إعادة تصميم وتخطيط هذه المنطقة بحيث تكون مع الروضتين كياناً معمارياً واحداً متكاملاً ومتجانساً. وبلا شك فإن أقتراح صحن واسع، أو أكثر من صحن، يربط بين الروضتين بحيث يتلائم مع النسيج العمراني لمركز المدينة، يعتبر من أكثر الحلول عملية، وذلك لأستيعاب الأعداد الهائلة من الزائرين، حيث يعتبر هذا الصحن، أو الصحون، أمتداداً طبيعياً لفضائي صحني روضتي الإمام الحسين وأخيه العباس وتوسيعاً لهما. ويكون الأرتباط الفضائي بينهما عبر البوابات (المداخل) التقليدية الموجودة في سور صحني الروضتين، ويحاط الصحن، او الصحون المقترحة، من كل جانب من جوانبهما، برواق عريض مسقف مستمر لحماية المشاة من مطر الشتاء وأشعة شمس الصيف الحارة، بحيث يشرف الرواق على الصحن وتعلوه عقود (أقواس) مشابهة لعقود الأواوين التي تحيط بصحني الروضتين من الداخل، وذلك للحفاظ على الطابع العام للعمارة الإسلامية لمركز المدينة، وكذلك للحفاظ على حرمة وهيبة الروضتين، ولإبعاد الصحن أو الصحون المقترحة عن صخب المركبات والتلوث الناتج عنها. وتمتد بمحاذات الأروقة التي تشرف على الصحون المقترحة غرف تخصص لأستراحة الزائرين.
أما الطابق الأول، فوق الرواق الأرضي (الذي يشرف على الصحن أو الصحون المقترحة، فيشيد كرواق علوي آخر مسقف يستخدم كأستراحة مؤقتة للزوار وأهالي المدينة أيام المناسبات والزيارات الدينية المهمة، وكذلك في الأيام الأعتيادية الأخرى.
وفي القسم العلوي، الذي يقع فوق الغرف في الطابق الأرضي المطلة على الصحن، فيمكن أن تشيد غرف تخصص لأستراحة الزائرين أيضاً. كما يكون نمط التسقيف وفق الأساليب البنائية التقليدية (كالعقود والقباب والبوابات ـ المداخل ـ العالية)، مع أستعمال الأساليب والطرق المعمارية الحديثة. وينبغي أن تكون الأبنية والفعاليات المقترحة في المنطقة الواقعة بين وحول الروضتين لا تتجاوز
(281)

أرتفاعاتها طابقين، أو لا تعلو أرتفاعاتها عن أرتفاع السور الخارجي للروضتين، وذلك للحفاظ على هيمنة الروضتين الناتجة عن شموخهما وثراء معالجتهما المعمارية بالنسبة إلى النسيج العمراني الكثيف الواطئ الأرتفاع المحيط بمركز المدينة. وكذلك لتأكيد دور الروضتين كمراكز للتكوين وكعنصرين مهيمينين عليه وظيفياً وبصرياً.
ب ـ الأسواق المقترحة في مركز المدينة: إن الهدف من معالجات التصميم المعماري المقترح في مركز المدينة والمنطقة المحيطة به للأسواق التجارية، محاولة إحياء أستمرارية النمط التلقيدي التي كانت عليه الأسواق القديمة في مركز المدينة قبل إن يتم هدمها، وأستلهامها بأسلوب يجمع بين الأصالة والحداثة، ويؤكد على الهوية الدينية لهذه المدينة المقدسة. ومن أبرز هذه المعالجات:
* إيجاد سوقين كبيرين على جانبي الصحن أو الصحون المقترحة التي تربط الروضتين، ويكون السوقان ملاصقين لهما. إن الهف من بناء هذين السوقين هو إحياء وتكريم للسوقين القديمين، وهما سوق الحسين والذي يشمل أيضاً سوق التجار، وسوق العباس، وكذلك سوق العرب، لما في ذلك من تراث وذكريات تقترن بهما، ويرتبط كل سوق مع الصحن أو الصحون المقترحة بواسطة مداخل (بوابات)، وكل سوق ينقسم إلى عدة أقسام تفصل بينهما الساحات الواسعة المسقفة، والتي تتوزع منها المداخل والمخارج من وإلى الأسواق. وترتبط هذه الساحات من جهة، مع الصحن أو الصحون، ومن جهة أخرى بمواقف السيارات، وتوجد كذلك السلالم ضمن هذه الساحات والتي تؤدي إلى الطابق العلوي للأسواق والأروقة المشرفة على الصحن أو الصحون، ويتألف كل قسم من الأسواق من طابقين: الطابق الأرضي يحتوي على المحلات التجارية التي تتوزع على جانبي محور الحركة الرئيسي للسوق يرتفع إلى طابقين، وذلك للتأكيد على أهميته، وعطاء شعور مختلف عن السير في الممرات الثانوية الأخرى. أما الطابق
(282)

الأول، أو العلوي، فيحتوي على المحلات التجارية وبعض ورش الصناعات اليدوية التقليدية، وتتقدمها ممرات تطل على محور الحركة الرئيسي للسوق في الطابق الأرضي.
* إن يكون أرتفاع الأسواق متجانساً مع أرتفاعات سور صحني الروضتين، وكذلك مع أرتفاع الصحن أو الصحون الواسعة المقترحة التي تربط الروضتين، ومع المناطق السكنية والتجارية المحيطة بهما من جهة أخرى.
* كما يمكن أن يكون نمط بناء الأسواق وتسقيفها وفق الأساليب البنائية التقليدية لمدينة كربلاء مع أستخدام الأساليب والطرق المعمارية الحديثة.
ج ـ المرافق العامة: يقترح في تخطيط وتصميم مركز المدينة والمناطق المحيطة به، تخصيص عدد من الأبنية الخاصة بالمرافق العامة للرجال والنساء، تقع على جانبي الصحن أو الصحون المقترحة وبالقرب من الاسواق الجديدة المقترحة أو جزء منها، بحيث تخدم هذه المرافق الزوار والمتسوقين من أهالي المدينة أو المناطق المحيطة بها في أن واحد. ويؤخذ بنظر الأعتبار أزدياد أعداد الزائرين في المناسبات الدينية المهمة.
د ـ السبيل (السقاية): نظراً للأعداد المتزايدة من الزائرين لمدينة كربلاء، وخاصة في المناسبات الدينية المهمة، ولأجل توفير مياه الشرب لهم خصوصاً في فصل الصيف الحار، سعى البعض من أهالي المدينة إلى إقامة أمكان خاصة لهذا الغرض، وتشييد مخازن لمياه الشرب، أطلق عليها السبيل أو (السقايات). وهي مجهزة بحنفيات للمياه الباردة وأوان نحاسية تستعمل لشرب الماء. ومعظم السقايات ملحقة ببعض المساجد والبيوت وتطل على الشوراع والأزقة، وخاصة القربية من الروضتين. ومن أشهر السقايات أو السبيل في مدينة
(283)

كربلاء هي السقاية التي تقع في ساحة المخيم، وقسم من السقايات تم زخرفة واجهاتها بنقوش آجرة أو قاشانية أو زخارف من الحديد أو النحاس.
وقد أزيل الكثير منها بسبب الهدم الذي طال مركز المدينة، أو نتيجة تطور أساليب توفير المياه للزائرين وذلك بأنتشار البرادات الكهربائية.
يقترح في المنطقة موضوع الدراسة بين الروضتين والمناطق المحيطة بها، توفير أماكن خاصة لمياه الشرب للزائرين وأهالي المدينة على غرار السبيل (السقاية) التي كانت منتشرة في أرجاء المدينة، ولكن بأسلوب معاصر بجمع بين الحداثة والتراث. وقد أقيمت خلال الفترة الماضية عدد من السقايات الجميلة في المنطقة الواقعة بين الروضتين من قبل لجنة للمشاريع والصيانة لعمارة الروضتين الحسينية والعباسية.
هـ الحمامات العامة: تعتبر الحمامات العامة أو الشعبية من أهم المرافق الحيوية التي تخدم الزوار، وخاصة في أيام الزيارات الدينية المهمة، لما لهذه الحمامات من أهمية بالنسبة للزائرين وأهالي المدينة لأنها ضرورية للتطهير والأغتسال ووسيلة للاستعداد للعبادة. لذلك يقترح في تخطيط وتصميم المنطقة موضوع الدارسة تخصيص عدد من الحمامات العامة أو الشعبية الخاصة بالرجال والنساء تقع ضمن مركز المدينة، وبأستلهام الطرق البنائية التقليدية للحمامات القديمة مع أستخدام مواد البناء المحلية.
و ـ العيادات الطبية: نتيجة تدفق أعداد كبيرة من الزائرين في أيام الزيارات الدينية المهمة، يقترح عند تخطيط وتصميم مركز المدينة، إقامة عدد من العبادات الطبية للإسعاف الأولية وحالات الطوارئ، وفي مواقع يسهل على سيارات الإسعافات الأولية وحالات الطوارئ، وفي مواقع يسهل على سيارات الإسعافات الأولية وحالات الطوارئ، وفي مواقع يسهل على سيرارات الإسعاف الوصول إليها من المستشفيات الكبيرة ذهاباً وإياباً والتي تقع خارج المدينة الضرورة.
(284)

زـ الحسينية الحيدرية (قاعة الأحتفالات): يقترح في تخطيط وتصميم المنطقة موضوع الدراسة إحياء وإعادة مبنى الحسينية الحيدرية في موقعها القديم، مقابل باب الرجاء أحد أبواب الروضة الحسينية، لما لهذه الحسينية من أهمية دينية وثقافية. فقد كانت بمثابة قاعة للأحتفالات تقام فيها المهرجانات والأحتفالات في المناسبات الدينية المهمة إضافة لكونها إحدى أكبر الحسينيات التي تستقبل الزوار في مدنية كربلاء. ويؤخذ بنظر الأعتبار، عند تصميم الحسينية، التطورات الجديدة للمنطقة ما بين الروضتين وما حولهما لكي تتلائم مع الطابع المعماري لمركز المدينة الجديد، وكذلك الوظائف المناطة بها ومنها قاعة للأحتفالات وكذلك لإسكان الزائرين وغيرها، أو يُعاد بناؤها في منطقة أخرى غير بعيد عن مركز المدينة، أو تكون جزءاً من التوسعة الجديدة ما بين الروضتين.
ح ـ الفنادق الصغيرة: يتضمن المشروع المقترح للمنطقة ما بين الروضتين وما حولهما مباني تحيط بالروضتين هي عبارة عن فنادق صغيرة مخصصة للزوار والسواح وتتكون من طابقي، طابق أرضي يتخلله طابق نصفي وطابق أول، حيث يستخدم الطابق الأرضي للاستعمالات التجارية والخدمية، أما الطابق النصفي فيستخدم كإدارة لهذه الفنادق بالإضافة إلى وجود غرف أخرى ومرافقها تستخدم للسكن.
أما الطابق الاول فيستخدم كغرف نوم وحمامات موافق، وقسم من هذه الفنادق يقسم الطابق الأول إلى شقق صغيرة تستخدم من قبل عوائل الزوار والسواح، اما الطابع المعماري لهذه الأبنية فيجب أن يتطابق مع الطابع المعماري العام للأبنية المقترحة في مركز المدينة.
ط ـ مخافر الشرطة: يتضمن المشروع المقترحة لمركز المدينة ما بين الروضتين وما حولهما، مخافر للشرطة، خصوصاً الشرطة السياحية، تقع على جانبي الصحن أو الصحون المقترحة وبالقرب من الاسواق التجارية المقترحة،
(285)

وذلك لتقديم الخدمات الضرورية في مركز المدينة ومنها خدمة الزائرين والسواح.
ي ـ مركز الاتصالات: نظراً لأهمية الإتصالات في حياة الزائرين والسواح وسكان المدينة، لا بد من تخصيص أماكن كمراكز للأتصالات التلفونية ومراكز للأنترنت.

5ـ مقترحات لنظام حركة المشاة والمركبات ومواقف السيارات

يختلف نظام حركة المشاة في مركز مدينة كربلاء عن كثير من مراكز المدن الدينية الإسلامية، كمكة المكرمة والمدينة المنورة والقدس الشريف والنجف الأشرف والكاظمية وسامراء الحالية ومشهد وقم، وذلك أن كثافة الحركة في تلك المدن، وخاصة في مناسبات الزيارات المهمة، تتركز بصورة رئيسية حول المسجد أو المرقد. أما في مدينة كربلاء فإن كثافة الحركة تتركز في الساحة الواسعة حالياً التي تربط الروضتين، إضافة للمناطق المحيطة بهما، لذا فهذه المنطقة ينبغي الأهتمام بها لأنها حلقة الوصل بين الروضتين، ولكن اليس على حساب الروضتين، وإنما تكون جزءاً مكملاً لهما. وتتناقص كثافة حركة المشاة بشكل تدريجي كلما أبتعدنا عن المركز، وبالإضافة إلى كون الساحة الواسعة تربط الروضتين فإنها تعتبر الشريان الرئيسي الذي يربط بالاسواق والشوارع والأزقة في المدينة القديمة.
مواقف المركبات: إن طبيعة نظام حركة المركبات في المدينة يقسم إلى قسمين:
أ ـ في الأيام الأعتيادية (في غير مواسم الزيارات).
ب ـ في مواسم الزيارات المهمة.
(286)

* توفير مواقف السيارات للزائرين في غير مواسم الزيارات، وكذلك المتسوقين من أهالي المدينة وأصحاب المحلات التجارية وسيارات الجنائز، تحيط بالمنطقة ما بين الروضتين وفصلهما عن الحركة الرئيسية للمشاة بين الروضتين.
* تطوير حركة المرور الدائري (في الشارع المحيط بالمدينة القديمة) بعد توسيعه وتزويده بأكبر قدر ممكن من مواقف السيارات لأستخدامها في مواسم الزيارات المهمة، إضافة إلى علامات الإرشاد والإشارات الضوئية المرورية، وتنشيط النقل العام فيه لتخفيف المرور المخترق للمدينة في الأيام الأعتيادية.
* وضع معالجات مرورية مفصلة وضوابط وقوف السيارات وحركة المركبات والخدمات في مركز المدينة وفصلها عن حركة المشاة.
مناطق المشاة: أحد المقترحات المهمة هو ربط المنطقة (ما بين الروضتين وما يحيطهما) والمدينة القديمة بشبكة متكاملة من ممرات المشاة تتكون من:
* حركة المشاة في محور الساحة الواسعة التي تربط الروضتين أو الصحن أو الصحون المقترحة والأروقة الملحقة بها والتي تتفرع منها المداخل والمخارج إلى الأسواق ومواقف المركبات والمناطق التجارية والسكنية الأخرى المحيطة بمركز المدينة، بحيث توفر بيئة أمنية تساعد في أستيعاب حركة المشاة بكل سهولة ويسر.
* حركة المشاة في الفضاءات المسقفة المحيطة بالروضتين والأزقة والشوارع المرتبطة بهما والتي تربطهما ومواقف النقل العام المقترحة في الشارع الدائري المحيط بالمدينة القديمة.
* شبكة الممرات التجارية المتمثلة في الأسواق المقترحة والتي تعتبر أمتداداً لشبكة الحركة في مركز المدينة، ومنها تتفرع المخارج والمداخل إلى مناطق المدينة الأخرى.
(287)

* إيجاد فضاءات وممرات تستوعب حركة المشاة الكثيفة ومواكب الجنائز بين موقف النقل العام في الشارع الدائري ومركز المدينة، وخاصة عند أتجاهات المدن الرئيسية في العراق كبغداد والنجف والحلة.
* توفير الظلال لممرات المشاة أمام الأبنية المقترحة في مركز المدينة ما بين الروضتين، وكذلك الابنية الأخرى المحيطة بهما للحماية من العوامل والمتغيرات الجوية حيث تعتبر هذه الممرات حلقة الوصل والربط بين مركز المدينة والشارع الدائري مما يساعد على تقليل أستخدام المركبات داخل المدينة في الإيام الأعتيادية وكذلك الحد من التلوث البيئي والضجيج.
* توفير المساحات الخضراء والمفتوحة ما بين الروضتين وقرب محاور الاسواق المسقفة وتقاطع الأزقة لإعطاء طابع خاص ومميز للمنطقة.

6ـ مقترحات لتشجيع وجذب السواح والزوار

من المتوقع زيادة حركة السياحة وتدفق الزوار والسواح إلى مدنية كربلاء في المستقبل للمارسة الشعائر الدينية. وإذا ما تم تنفيذ مشروع إعادة إعمار وتطوير مركز المدينة، وكذلك مشارع خدمات الزوار ومنها (مراكز الخدمات السياحية والدينية وإنشاء مدن سياحية) فإن الهدف الذي تنشأ لأجله هذه المدن هو توفير السكن للسواح، فإنها تستخدم أيضاً لإسكان الزائرين وخاصة في المناسبات والزيارات الدينية المهمة.
لذا نقترح:
* إنشاء مدينة سياحية في منطقة الرزازة التي تبعد عن مدينة كربلاء بحوالي 14 كلم إلى الغرب منها. وقد أختير هذا الموقع لأنه يقع في منطقة مفتوحة وواسعة ويطل على بحيرة الرزازة وكذلك لقربه من المدينة.
(288)

* إقامة مدينة سياحية أخرى بالقرب من مرقد عون بن عبد الله على طريق كربلاء ـ بغداد ـ الجديد، والذي يبعد عن المدينة بحوالي 12 كلم إلى الشمال الشرقي منها. وعادة ما يتوجه الزوار لزيارة وتكرم هذا المرقد، بالإضافة إلى أن المنطقة المحيطة بالمرقد تُعد من المناطق الجميلة التي تكثير فيها بساتين النخيل والفواكه.
وهذه المدن السياحية يجب أن تتوفر فيها جميع خدمات المدن السياحية كالمطاعم وملاعب الأطفال والحدائق وربطهما بالمدينة بشبكة طرق حديثة وتوفير وسائط نقل وذلك لتخفيف الضغط الكبير الذي تعاني منه المدينة في مواسم الزيارات.
* إنماء وتطوير المناطق التجارية في المدينة القديمة والذي من الممكن أن يساهم بجذب عدد أكبر من السواح والزائرين، وهو بدوره يؤدي إلى بناء الكثير من الفنادق السياحية الصغير وبيوت إيواء الزوار والسواح وذات مقياس يتناسب مع هيكل المدينة العمراني.
* أستخدام الأبنية التراثية المحيطة بمركز المدينة كالبيوت والخانات لأستيعاب الزوار والسواح إضافة إلى كونها من الفعاليات السياحية والتي توفر بطريقة منظمة كافة المستلزمات الضرورية للسواح والزوار وبما لا يتعارض مع وظيفتها الأصلية كونها جزء من تراث المدينة.
* يقترح تطوير منطقة عين التمر (شثاثا) سياحياً وذلك لكونها تقع بالقرب من قصر الأخيضر كأثر تاريخي بارز في العراق، وتمتعها بأنتشار الينابيع المعدنية الصالحة لعلاج بعض الأمراض. وكذلك فإنها تمتلك ثروة زراعية مهمة كالتمور والرمان والزيتون. ويمكن ربط منقطة عين التمر بمنطقة بحيرة الرزازة وذلك لقربها منها ولغرض استثمارهما سياحياً مما يساعد على أنتعاش مدينة كربلاء اقتصادياً.
(289)

7ـ التعامل مع الخصوصية العمرانية المتمثلة بالعناصر والمفردات المعمارية في الأبنية الجديدة

إن الخصوصية العمرانية المحلية للمباني في المدينة القديمة تكمن أساساً في البيئة المتعلقة بروحية المدينة من جهة، وفي الخصوصيات الجغرافية والتأريخية من جهة ثانية، وفي مجمل العلاقات التي تشكل النسيج العمراني الخاص بالمدينة من جهة ثالثة.
لذلك نرى أن هناك حاجة للتأكيد على التعامل مع تلك الخصوصية في المباني المقترحة للمنطقة ما بين الروضتين وما يحيطهما، وذلك باستعادة الهوية الإسلامية لمركز المدينة بأسلوب وصياغة معاصرة لروحية القيم الإسلامية مع توضيف الأساليب التقنية المعاصرة بشكل خلاق بحيث تتلائم مع أصالة الاشكال والأنماط والمفردات العمرانية المتأتية من فلسفة الفكر الإسلامي والتقاليد والقيم الإجتماعية والإسلامية والعوامل المناخية.
وبهذا يمكن القول بأن أبرز العناصر المعمارية الواجب أعادة إحيائها وعدم فقدان معالمها العمرانية الأصلية هو قلب المدينة العمراني المتمثل بالروضتين وما بينهما.
وهذا يتضمن البحث عن طرق أستعمال العناصر والمفردات لمعمارية التي تجعل من الممكن أستعادة الطابع المعماري الإسلامي لمركز المدينة، وذلك بالمحافظة على التفاعل والإيحائية بين مجمل المكونات المعمارية للبيئة المحلية، وبإدخال عناصر معامرية مكملة وإضافية، تشكل مع العناصر الموجودة في عمارة الروضتين ومحيطهما، كياناً عمرانياً متجانساً يحقق المتطلبات الجديدة لمركز المدينة التي تقتضي أغناؤها بتفاصيل معمارية مستقاة من العمارة التقليدية لمدينة كربلاء، والتي هي عبارة عن زخارف آجرية كالمقرنصات المعقدة الجميلة والنتوءات وأشكال من الزخارف الهندسية وبعض الكتابات وأنواع الخطوط،
(290)

وخاصة الخط الكوفي الجميل الذي استعمل بكثرة على شكل زخارف لكتابة الآيات القرآنية الكريمة، وكذلك الزخارف القاشانية والخشبية المتنوعة كالشناشيل (المشربيات)، والذي يعتبر الأرابيسك القاسم المشترك لكل هذه الفنون الإسلامية.
وفي نفس الوقت فإن الأشكال البنائية الآجرية كالعقود والقباب والقبوات والأفاريز من الآيات القرآنية الكريمة هو نوع من أنواع الأرابيسك الذي تختص به الروضات المقدسة والأبنية الدينية الأخرى في مدينة كربلاء، والذي يجب أن تتميز به الابنية المقترحة أيضاً.
وكذلك بأستخدام مواد البناء المحلية كالطابوق (الآجر) والجص والبلاط المزجج (القاشاني) من دون فقدان بساطة الشكل العمراني وذلك بما يعزز الشعور بالهوية المحلية وكذلك لإضفاء التشويق والإثارة الحسية والبصرية في محاور المشاة الرئيسية.

صورة

(291)

الأسس العلمية لإعادة تخطيط
وتطوير مدينة كربلاء المقدسة

تعرضت مدينة كربلاء خلال العقود الماضية للكثير من الظلم والأضطهاد والإهمال والتخريب المتعمد وتعطيل دورها الديني والحضاري المتميز، بسبب التخلف في الرؤية العمرانية والفنية والفكرية، وكذلك نتيجة للتعصب والنظرة الضيقة للنظام البائد، من دون الألتفات إلى بيئتها العمرانية ونسيجها الخاص، مما أدى إلى تشويه مركز المدينة بصورة ملفتة للنظر، ولا سيما المناطق المحيطة بالعتبات المقدسة. ولعل ما قام به النظام البائد منذ العام 1991م من تهديم لمساحات واسعة في مركز المدينة بحجة توسيع هذه المنطقة، ومن دون وضع دراسة علمية لإعادة تخطيطها وتصميمها، يمثل ذروة التخريب والإهمال. ومن المؤكد أن غياب الحلول والمعالجات الصحيحة أدى إلى فقدان مدينة كربلاء للعديد من معالمها الإسلامية المميزة.
إن عراقة المعالم الجمالية للمدن الدينية في العراق وشموخها يمكنان أساساً في تراثها الحضاري وفنها المعماري ذي الطراز الإسلامي المتميز، ولذا فإن الأهتمام بإظهار هذا الجانب هو ما ينبغي أن يحظى بالأولوية، وهذا بالتحديد ما تفعله البلدان المتقدمة في العالم حيث تولي تراثها وعمارتها القديمة أهماماً خاصاً.
لذلك ندرك تماماً الحاجة الماسة إلى التوجة لإعادة إعمار وتطوير هذه المدينة المقدسة بما يتطلبه إبراز وجهها الحضاري، وذلك من خلال السعي إلى:
(292)

* تهيئة الدراسات والمستلزمات الضرورية لوضع الخطط السريعة لإعادة تخطيطها وتصميمها بما يكفل إبراز الطابع المعماري الإسلامي لهذه المدينة.
* مراعاة النمو السكاني والحفاظ على التوازن البيئي والظروف الأجتماعية والهوية الثقافية والتاريخية والدينية.
* التركيز على ضرورة إحياء القيم الفنية والجمالية للعمارة الإسلامية التي تتميز بها المباني الدينية والتراثية.
* توظيف الاساليب التقنية المعاصرة بشكل خلاق بحيث تتلائم مع أصالة الأشكال والأنماط والمفردات المعمارية الإسلامية.
* إدخال أفكار معمارية جديدة مستوحاة من التراث الثقافي والديني للمدينة.
* الأخذ بنظر الأعتبار الخصوصية التي تتمتع بها مدينة كربلاء من النواحي الدينية والآثارية والسياحية والاقتصادية.
* دراسة الملاحظات والآراء التي تبديها المرجعية الدينية والشخصيات العلمية والثقافية والمهنية بخصوص المخططات والتصاميم الأولية لمشروع التخطيط الأساسي الجديد للمدينة.
* وضع التصورات العملية لتحديد الخدمات التي ستبرز الحاجة إليها في المستقبل وربطهما بالمخطط الأساسي الجديد للمدينة.
* الأخذ بنظر الأعتبار استيعاب المدينة للأعداد الهائلة للزوار والسياح وخاصة في المناسبات والزيارات الدينية.
(293)

الاسس العلمية لمشروع التخطيط الأساسي الجديد لمدينة كربلاء المقدسة

تواجه مدينة كربلاء المقدسة تحديات فريدة في عملية التخطيط والتصميم، من حيث أهميتها وتمركز بناياتها ومناطقها ذات الأهمية الدينية والثقافية والتجارية، وبالخصوص العتبات المقدسة والحالة البيئية المحيطة بها، فالصحراء إلى الغرب والجنوب الغربي، وبساتين النخيل والفواكه إلى الشمال والشرق والجنوب، وكل ذلك يشير إلى أن الدراسات والخطط ستحتاج إلى عناية وتفاصيل خاصة وسيترجم كل ذلك وبطريقة حساسة المميزات الخاصة والفريدة لهذه المدينة.
ولم تتكلل الجهود التي بذلت من الحكومات العراقية التي تلت سقوط النظام البائد، وبمساعدة الدول المانحة والهيئات الدولية، بالنجاح في تحقيق تقدم ملموس لإعمار وتنمية المدن العراقية على الرغم من إنفاق مبالغ طائلة لهذا الغرض في هذه الفترة.
إن إعادة الحياة إلى مدننا العراقية يكمن أساساً في إعادة تخطيطها على أسس علمية سليمة وفق مبادئ علم تخطيط الحواضر والمدن (Urban City or Town Planning).
إن تاريخ تخطيط المدن يمتد عبر قرون عدة، وساهمت معظم الشعوب بدورها في هذا المجال وتركت بصماتها على هذا العلم.
وقد تميز المسلمون بابتكار فكرة النطاقات (الأحزمة أو المناطق) الأساسية (Formal Zoning) مثل منطقة الحرام أو المسجد ودار الإمارة التي تتجه إليها كل شوارع أحياء المدينة وأزقتها كما هو في تخطيط مدينتي البصرة والكوفة في الصدر الأول للإسلام، إذ أختطت مدينة الكوفة منذ البداية تخطيطاً كاملاً اشبه بمخطط مدينة البصرة، وجعل لكل قبيلة حي خاص بها سُمي بأسمها، ودُعيت الشوارع
(294)

الرئيسية بأسماء تلك القبائل أيضاً، وكانت تؤدي جميعها إلى الجامع ودار الإمارة وترتبط بشوارع ثانوية تتفرع منها الأزقة، وكانت تتوسط كل حي ساحة مربعة.
إن أهم المجالات التي يتعامل معها علم تخطيط المدن هي:
1ـ التنمية الطبيعية (Physical Development)
2ـ التنمية الأجتماعية (Social Development)
3ـ التنمية الأقتصادية (Economic Devolopment)
ولمختلف أنواع المدن:
* المدن الكبرى (Metropolitan)
* البلديات (Municipalities)
* الأحياء الصغيرة (Neighbourhoods)
وتشارك تخصصات أخرى في عملية تخطيط المدن مثل: هندسة العمارة (Architecture)، وهندسة المناظر أو الحدائق (Landscape Architecture)، والتصميم الحضري (Urban Design). ولكن هذه الأختصاصات تهتم بتفاصيل أكثر (More Details)، وبمقياس أدق وأصغر للتنمية (SMaller Scale Development).
وكان نشوء المدن في الماضي يجري بطريقة تلقائية، وبشكل غير مدروس حتى بداية القرن التاسع عشر، حيث أصبح تخطيط المدن أكثر تأثراً بالمناهج المعرفية الجديدة في الهندستين المعمارية والمدنية التي بدأت تنظم منطق وأسلوب حل مشاكل المدن من خلال التصميم المادي (Physical Design)، حيث تم تبني نموذج التخطيط المنطقي أي المعقول (Rational Planning Model).
ومن الخبرات الطويلة في تجارب العمل في تخطيط المدن وفق النموذج المنطقي في التخطيط، بدأت تظهر أنتقادات وأقتراحات أدت إلى تطوير وتأثير واسع في الستينات من القرن الماضي، ونذكر منها على وجه الخصوص أفكار
(295)

جين جاكوبز (Jane Jacobs) التي ساهمت في توسيع المدى الذي يتعامل معه علم تخطيط المدن، ليشمل أيضاً:
1ـ تخطيط التنمية الأقتصادية (Economic Development Planning).
2ـ التخطيط الأجتماعي للتجمعات السكنية (Community Social Planning).
3ـ التنمية البيئية (Environmental Planning)
إضافة إلى الإهتمامات الأساسية في تخطيط المدن والتي تشمل:
* التخطيط (تخطيط المدن) والقيم الجمالية (Planning and Aesthetics).
* التخطيط والسلامة (Planning and Safety).
* التخطيط والمواصلات (Planning and Transport).
* التخطيط والضواحي الأقل تحضراً (Planning and Suburbanisation).
* التخطيط والبيئة (Planning and Environment).
وبهذا نخلص إلى أنه، بدون الأعتماد على المبادئ العلمية الأساسية والتجارب التاريخية لتخطيط المدن في العالم، والأستفادة من الخبرات العالية والمتطورة في البلدان المتقدمة، لن نستطيع أن نضع مدننا العراقية على طريق العمران والتقدم والأزدهار.
وقد بدأت أولى تجارب الأستفادة من علم تخطيط المدن في الفترة الأخيرة في النجف الأشرف.
فقد كان الغرض من مشاركة المكتب الأستشاري البريطاني ـ والذي يعتبر أحد أفضل عشرة مكاتب أستشارية في العالم في تخطيط المدن ـ مع أحد المكتب الأستشارية العراقية لوضع مشروع التخطيط الأساسي الجديد لمدينة النجف الأشرف، هو الأستفادة من الخبرات العالية والتقنيات الحديثة التي يتمتع بها المكتب الأستشاري البريطاني وتفتقر إليها المكاتب الأستشارية العراقية والعربية، وكذلك بسبب عدم وجود مكاتب أستشارية عراقية متخصصة في تخطيط المدن
(296)

حالياً. ونود أن نشير إلى أنه تم الأستفادة من الخبرات العالية والمتطورة للمكاتب الأستشارية الهندسية العالمية عند وضع التصاميم الجديدة للمسجد الحرام في مكة المكرمة والمسجد النبوي الشريف في المدينة المنورة، بالإضافة إلى الخبرات الأستشارية الهندسية المحلية.
أما بخصوص تصاميم توسعة الروضة الحيدرية وتطوير مركز مدينة النجف الأشرف فيقوم بها المكتب الأستشاري العراقي (المصمم المعماري للأستشارات الهندسية) المتخصص في تصاميم عمارة المساجد والمراقد الدينية، ولديه خبرة واسعة في التخطيط الحضري والإقليمي، ويضم نخبة من المعماريين العراقيين الخبراء في فنون العمارة الإسلامية وتحت إشراف الدكتور المهندس المعماري رؤوف محمد علي الأنصاري الخبير في فنون العمارة الإسلامية ومستشار المجموعة الأستشارية الهندسية لإعادة تخطيط وتطوير مدينة النجف الأشرف، إضافة إلى مجموعة من المهتمين بتخطيط المدن.
وللسكان أيضاً رؤيتهم في تحديد أهداف ومستقبل مدينتهم من خلال أخذ آرائهم وملاحظاتهم في كل جوانب الحياة الأجتماعية والثقافية والأقتصادية والعمرانية والبيئية، وعلى الجهة الأستشارية المسؤولة عن مشروع التصميم الأساسي الجديد أخذ رؤيتهم بعين الأعتبار في كل مرحلة من مراحل تنفيذ المخطط الجديد.
ومن أهم نتائج تبني المخطط الأساسي الجديد هو عرضه على القيادات الإدارية والمهتمين بهذا المشروع لإتخاذ القرارات اللأزمة لوضع خطة العمل موضع التنفيذ.
إن من أهم الأولويات التي يجب أعتمادها هو البدء بإعداد الدراسات الأولية والتي تتضمن جمع المعلومات والبيانات وتصنيفها وتحليلها ووضع الأستراتيجيات لها لتكون الاساس الذي يعتمد عليه في مشروع التخطيط الاساسي
(297)

الجديد (New Master Plan) لمدينة كربلاء، وتشمل هذه المعلومات والبيانات الجوانب التالية:
* السكان/ الحالة الأجتماعية/ الحالة الأقتصادية.
* العتبات المقدسة/ المباني الدينية/ المباني التراثية.
* السياحة الدينية/ السياحة.
* الإسكان.
* العمالة/ الأعمال التجارية.
* التدقيق الحضري.
* البيئة.
* النقل/ أتجاهات الحركة.
* الصحة/ التربية والتعليم/ التجمعات السكنية.
* البنى التحتية للكهرباء.
* البنى التحتية لمياه الشرب.
* البنى التحتية لتصريف المياه.
* البنى التحتية للمجاري.
* النطاقات أو الأحزمة.
* المسوحات.
* إعداد الخرائط.
* تدريب الكادر الفني.
* نطاق منطقة دراسة مركز المدينة.
* الأمور الرئيسية الأخرى.

أولاً: السكان/ الحالة الأجتماعية/ الحالة الأقتصادية

* بيانات السكان التاريخية وأتجاهاتها.
* العدد الحالي للسكان/ حسب الفئات العمرية/ الجنس حسب المناطق/ الضواحي.
(298)

* الهجرة إلى داخل المدينة وخارجها.
* عدد العاملين/ نوع الأعمال/ حجم البطالة.
* ملكية السيارات/ أسلوب التنقل.
* تعليم الأطفال بدوام/ كامل/ جزئي.
* التعليم الإضافي للبالغين.
* دخل الاسرة.
* معدلات الولادة والوفيات.
* توقعات النمو السكاني (الأمم المتحدة/ مركز معلومات المساعدات الإنسانية للعراق HIC / الولايات المتحدة).

ثانياً: العتبات المقدسة/ المباني الدينية/ المباني التراثية

* العتبات المقدسة (الموقع/ الحالة/ العائدية/ التمويل).
* المباني الدينية (النوع/ الموقع الحالة/ العائدية/ التمويل).
* المباني التراثية (النوع/ الموقع الحالة/ العائدية/ التمويل) .

ثالثاً: السياحة الدينية/ السياحة

* الفنادق/ منازل السكن (مواقعها/ أحجامها/ معدلات إشغالها..... ألخ).
* نقاط الجذب السياحي (النوع/ الحجم/ الموقع).
* عدد الزوار والسياح وطريقة وصولهم إلى المدينة مع عدد التراخيص الممنوحة لهم ودول المنشأ.

رابعاً: الإسكان

* عدد المساكن/ حسب النوع والمناطق (شقق/ دور سكنية).
* سنة أو تاريخ تشييد المبنى.
* حالة البناء (الهيكل العام/ الهيكل الثانوي/ الجوانب الجمالية/ جيدة).
(299)

* القيمة التاريخية للابنية.
* نوعية البناء/ مؤقت أم دائمي/ قانوني أم غير قانوني.
* المستلزمات الموجودة في المسكن (كهرباء/ ماء/ مجاري/ تلفون).
* المسكن/ إيجار أو ملك (ملك خاص/ ملك عام).
* العرض والطلب حسب (الحجم/ النوعية).

خامساً: العمالة/ الأعمال التجارية

* مسح المنشآت الصناعية الحالية ومنشآت الأعمال (نوع العمل/ الموقع/ الحجم/ الأحتياجات المستقبلية/ حالة العمل).
* المتطلبات للمنشآت الجديدة حسب (النوع/ الحجم.... ألخ).

سادساً: التدقيق الحضري

أستعمالات الأرض/ الأبنية (بالنسبة إلى الأستخدام المزدوج مقسم حسب الطوابق وكذلك بالنسبة إلى كون البناء سكني أو محلات تجارية أو مكاتب خاصة/ دوائر حكومية/ البلدية/ المصانع، أو دوائر خدمية تشمل: الكهرباء ـ الماء ـ المجاري، والصحية والتعليمية والأبنية العامة).
* أرتفاعات الأبنية.

سابعاً: البيئة

* المناطق المحمية.
* المساحات ذات الصفات الخاصة.
* المناطق الطبيعية (المستنقعات/ المسطحات المائية/ بحيرة الرزازة).
* نوعية الهواء/ هل هناك بيانات متوفرة؟/ ما هي العوامل الرئيسية؟
* الضوضاء/ هل هناك بيانات متوافرة؟/ ما هي العوامل الرئيسية؟
(300)

* التربة/ الجيولوجيا/ أستقرار أو ثبات الأرض/ نوعية التربة/ تأثيرها على النمو المستقبلي.

ثامناً: النقل/ أتجاهات الحركة

* الهيكل/ التسلسل الهرمي (رئيسي/ ثانوي/ طرق الوصول).
* المناطق الرئيسية ذات الأهمية حالياً.
* الباصات والحافلات العامة والتي تشمل (الأجور/خطوط النقل والمسارات/ المواقف، التقاطعات الرئيسية/ محطات الوقوف/ أعداد الركاب).
* الباصات الأهلية والتي تشمل (النظام/ الأجور/ المسارات/ عدد الركاب).
* سيارات الأجرة (التاكسي) والتي تشمل (الأجور/ العدد/ النظام/ عدد الركاب).
* حركة المرور وتشمل (المسارات الرئيسية/ التقاطعات الواجب تحديدها في ساعات الذروة/ طبيعة ومدى أية مسوحات أو جمع البيانات يمكن أن تحدد لاحقاً).
* بيانات بداية ونهاية الرحلة هل يتوفر منها شيء؟
* مواقف السيارات (المستويات: كيفية عملها/ هل هي منظمة بأي شكل؟).
* مماشي السابلة (المسارات الرئيسية/ النقاط/ مناطق التقاطع مع حركة العجلات).
* نقاط التقاطع الأخرى ذات العلاقة بالنقل والتي قد لا تكون على علاقة مباشرة في حالة المدينة حالياً مثل (السكك الحديدية/ النقل الجوي/ أستخدام الدراجات الهوائية).