(201)

وقد توفرت في هذه المباني الجوانب الأقتصادية، بالإضافة إلى الجوانب الجمالية والمناخية والأجتماعية التي جاءت نتيجة أستعمال عناصر ومفردات العمائر الإسلامية المختلفة كالفسيفساء والزخارف الأجرية والقاشانية والخشبية المتوعة، خصوصاً المشبكات الخشبية الجميلة (الشناشيل أو المشربيات) وغيرها.
إن قسماً من الابنية التاريخية والتراثية ما زالت قائماً كما هو منذ نشأته الاولى. وبقيت أبنية اخرى محتفظة ببعض عناصرها ومفرداتها المعمارية رغم ما طرأ عليها من ترميمات. بينما هناك عدد آخر من هذه الأبنية فقد أصالته التراثية كليةً بسبب التجديد والترميم المستمرين، وهناك مبانٍ أخرى أزيلت تماماً.
وسيتناول هذا الفصل عمارة المباني التاريخية والتراثية في مدينة كربلاء وهي:
* الاسواق والقيساريات.
* الخانات.
* الحمامات العامة.
* البيوت التراثية.
* حصن الأخيضر.
(202)

الأسواق والقيساريات

تُعد الاسواق القديمة في مدينة كربلاء أحد أهم الآثار التاريخية التي تدل على مدى عراقة هذه المدينة من ناحية، ومدى حيويتها وفاعليتها التجارية على مر العصور الإسلامية من ناحية أخرى.
وتذكر المصادر التاريخية أن نشأة الأسواق التراثية في هذه المدينة المقدسة تعود إلى بداية القرن الثالث الهجري، وبالتحديد من زمن الخليفة العباسي المأمون. وتُشير تلك المصادر إلى إن أسواق كربلاء كانت في تلك الفترة عامرة تسودها الطمأنينة وتؤمها القوافل. وكان من الزائرين من يؤثر البقاء عند مرقد الإمام الحسين، ومن يرجع إلى وطنه. وذلك قبل أن يأمر المتوكل بهدم البناء الذي كان يعلو القبر والمباني التي حوله وذلك سنة 236هـ (850م)(1).
وفي العهد البويهي أنتشرت الأسواق بين المرقدين وذلك بعد ان قام عضد الدولة بإعادة بناء مرقد الإمام الحسين بين سنتي 369 ـ 371هـ (980 ـ 982م)، وبناء مرقد العباس لأول مرة سنة 372هـ (983م)، وتشييد بيوت واسواق جديدة في المدينة(2).
وأشتهرت مدينة كربلاء بأسواقها التاريخية العريقة التي تؤلف بمجموعها وحدة من وحدات المنشأة الأجتماعية، فهي ترتبط عضوياً بالمراقد المقدسة وتحيط بها. وقسم منها يمتد أمام مداخلها بحيث لا يمكن إلا المرور من خلالها، مسجداً
1ـ السيد حسن الصدر: نزهة أهل الحرمين في عمارة المشهدين، ص: 29ـ 31.
محمد حسن مصطفى آل كليدار: مدينة الحسين، ج2/ ص: 99، الطبعة الأولى، سنة 1368هـ (1949م).
2ـ محمد حسن مصطفى آل كليدار: مدينة الحسين، ج2/ ص: 106.
(203)

الترابط بين الجانبين المادي والروحي في حياة المدينة والزائرين، وكانت بعض الأسواق ممراً للمواكب الحسينية أثناء إقامة الشعائر في المناسبات الدينية وكذلك لمرور المواكب الجنائزية(1).
وتوجد إلى جانب الأسواق التراثية الرئيسية أسواق تقليدية أخرى تعتبر محاور تجارية جانبية ترتبط بالأسواق الرئيسية من جهة، وبالمناطق السكنية من جهة أخرى.
واشار الكثير من الرحالة والمستشرقين إلى أسواق مدينة كربلاء. وقال الرحالة البرتغالي بيدرو تكسيرا من وصفة لأسواق المدينة عند زيارته لها عام 1013هـ (1604م): (بسبب توافد الزوار وتقاطرهم على المدينة من كل حدب وصوب في مواسم معلومة من السنة أن تنشط فيها حركة البيع والشراء بحيث تحتوي المدينة على جميع المواد الضرورية والبضائع التجارية من بلدان أخرى وعلى اصناف من بضائع محلية والتي تميز الكثير منها بخصائص ومميزات دينية غنية بمواضيع من التقاليد الإسلامية، ولهذا فإن مدينة كربلاء كانت ملتقى لعددٍ كبير من التجار القادمين من ختلف الأقطار).
وأشار تكسيرا أيضاً إلى عمارة أسواق كربلاء وقال: إنها مبنية على شكل عقود بأحكام(2).
وجاء في كتاب (Iraq and the Persian Gulf): إن الصف الواسع من الدكاكين والذي يقع في المنطقة المحصورة بين المرقدين في مدينة كربلاء، وكان سابقاً سوقاً مسقفاً، يشكل الآن السوق الرئيسي الذي يفصل المدينة من شمالها إلى جنوبها(3).
1ـ د. عماد عبد السلام رؤوف: حضارة العراق، ج10/ ص: 184، 185.
شمس الدين المقدسي: أحسن التقاسيم في ذكر الاقاليم، ص: 117، سنة 1906م.
2- Sinclair, W.F.: The Travels ef Pedro Teixira. page: 51.
3- Iraq and the Persian Gulf, Naval Intelligence Dicision, page: 537.
(204)

وعند زيارة الرحالة الإنكليزية مس ستيفنس كربلاء سنة 1337هـ (1919م)، تحدثت عن أسواق كربلاء فذكرت سوقاً مسقفاً يبتاع منها الناس سلعهم وتكلمت عن أسواقها الشعبية فقالت: (أنها مليئة بالخضروات والفواكه وأنواع التمور إلى جانب اللوز والجوز)(1).
وقد تخصصت الأسواق في مدينة كربلاء، حيث أن كل سوق من الأسواق، أو أن جزءاً منها، كان يختص ببضاعة معنية. أن هذا التخصص والتنوع يعتبر مظهراً بديعاً من مظاهر الأسواق الإسلامية. والأسواق في مدينة كربلاء هي متاحف شعبية إسلامية قل أن نجد لها مثيلاً في كثير من أسواق المدن الأخرى(2).
وكانت هناك داخل الأسواق في محاذاتها، الكثير من البيوت التراثية الجميلة والمراقد الصغيرة والقيساريات والخانات التي كانت تعتبر من الأماكن التراثية في هذه المدينة.
وتعتبر الأسواق من المعالم العمرانية المهمة في المدينة وأحد مستلزماتها الضرورية، وأن عناصرها المميزة وتطورها وتكاملها العمراني هي أحد الروافد المساهمة في تطور المدينة(3).
ولعبت الأسواق التراثية دوراً كبيراً في الحياة الأقتصادية والأجتماعية والسياسية أحياناً. إذ أن السوق لا يعمل كشريان للحياة الأقتصادية فحسب، وإنما للحياة الأجتماعية العامة للمدينة. فهو إلى جانب المسجد، يعتبر المكان الذي تحتك فيه القطاعات المختلفة من المجتمع الحضري مع بعضها.
1- Mrs. E.S. Stevens: By Tigris and Euphrates. pages: 39 - 42.
2ـ مصطفى عباس الموسوي: العوامل التارخية لنشأة وتطور المدن العربية الإسلامية، ص: 339، دار الرشيد للنشر. 1982م. د. رؤوف محمد علي الأنصاري، جريدة الحياة، العدد 12430/ ص: 21، لندن 1997م.
3ـ د. رؤوف محمد علي الأنصاري، جريدة الحياة، العدد 12430/ ص: 21 لندن 1997م.
(205)

كما أن للاسواق دوراً في تكامل المدينة وترابطها مع مجاوراتها بفعل تبادل السلع والخدمات مع سكان المناطق القروية والريفية المحيطة بالمدينة(1).
والأسواق في مدينة كربلاء، والمدن العراقية عموماً، أنشئت ضمن تخطيط المدينة، فجاءت بحلول موفقة للمشاكل العمرانية والسكنية القائمة آنذاك. وهي لا تختلف من ناحية طراز عمارتها عن الاسواق في المدن العربية والإسلامية. إذ فرضت طبيعة المناخ السائد في تلك المدن نمطاً معيناً من الأسواق، فهي ضيقة وشبه مستقيمة، وفي أكثر الأحيان تقوم على طرفيها الدكاكين المختلفة وغالباً ما تكون ممراتها مسقوفة للوقاية من الأمطار وأشعة الشمس والرياح(2).
ولوحظ عند بناء الأسواق وملحقاتها، كالقيسريات، معالجة أمور أساسية كتوفير الإضاءة الكافية بأقل حرارة ممكنة وضمان حركة الهواء داخل الأسواق، وكذلك توفير حرية الحركة للمشاة ولوسائط النقل المستعملة آنذاك(3).
إن الأسواق التراثية في مدينة كربلاء كانت تتسم ببساطة معالجتها المعمارية، خصوصاً أطواقها وسقوفها الآجرية المعقودة بأحكام، وكذلك معالجة واجهاتها الخارجية، والتركيز على إغناء المعالجات المعمارية الداخلية(4).
ونتيجة لعدم الأهتمام بالأسواق التراثية وعدم صيانتها وترميمها، فقدت الكثير من مقوماتها الإنشائية التي كانت تتميز بها، خصوصاً سقوفها الأجرية المعقودة التي استبدلت بسقوف من جسور الخشب تغطيها صفائح معدنية.
1ـ سعيد الأفغاني: أسواق العرب في الجاهلية والإسلام، ص: 193، دمشق 1960م.
Hassan Riaz: Islamic and Urbanization in the Middel east in Existics No. 195, page: 190, February 1972.
2ـ أصالة المدن العربية، آفاق عربية، السنة الثالثة، العدد الأول/ ص: 35، أيلول 1977.
د. رؤوف محمد علي الأنصاري: جريدة الحياة، العدد 12430/ ص: 21.
3ـ د. هاشم حضير الجنابي: المدينة الإسلامية وخصائصها، مجلة التربية والتعليم (جامعة الموصل) العدد2، ص: 330، سنة 1980م.
4ـ د. رؤوف محمد علي الأنصاري: جريدة الحياة، العدد 12430/ ص: 21.
(206)

ومنذ السبعينات من القرن الماضي، وبسبب فتح شوارع جديدة والهدم الذي طال مركز المدينة، أزيلت الكثير من الأسواق التاريخية القديمة ومنها سوق التجار، سوق الحسين، سوق العباس، سوق باب القبلة وغيرها. وما زالت هناك بعض الاسواق الرئيسية القديمة موجودة في مدينة كربلاء على الرغم من أن بعضها فقد أصالته التراثية وخاصة السقوف نتيجة الترميمات غير المدروسة من الناحية المعمارية كسوق العرب، وسوق الميدان، وسوق المخيم، وسوق باب السلالمة.
أما بالنسبة إلى سوق التجار وسوق العباس وسوق الحسين، فإنها من تشييد عضد الدولة البويهي سنة 1369هـ (980م) إذ أنشأها عندما قام بإنشاء الصحن الصغير الملحق بصحن الروضة الحسينية، فشيد سوقاً بدأ من باب الصحن الصغير إلى جهة الشمال وفي وسطه تفرع إلى جهة الشرق ليصل إلى الباب الغربي من صحن سيدنا العباس (ع). ويُعد هذا السوق من أقدم الاسواق التي شيدت في كربلاء، والتي كانت ما تزال باقية إلى السنوات الأخيرة.
وقد شُيد هذا السوق من ثلاثة طوابق، حيث تعرض لعدة أحداث أولها سنة 858هـ (1454م) على يد المشعشعين وكان يعرف بسوق سيد الشهداء، وسوق ما بين الحرمين كما كان يطلق على سوق التجار، بسوق العجم، لأنه من تشييد ملك العجم عضد الدولة البويهي.
وفي العهد الملكي، وفي حدود سنة 1354هـ (1935م)، قسم السوق إلى قسمين بسبب فتح شارع الإمام علي والذي كان يسمى بشارع فيصل. فسمي القسم الغربي من الشارع بسوق التجار، كما سمي القسم الأول منه المتجه نحو الشمال بسوق الحسين.
وكانت تنحصر في سوق التجار مهنة بيع الأقمشة بأنواعها المختلفة، وقد هدم جزء منه سنة 1978م. أما الجزء الآخر منه فقد هدم سنة 1991م.
(207)

أما سوق العباس فكانت تنشر فيه محلات صياغة وبيع الذهب والفضة.
وأما موقعه فهو على أمتداد سوق التجار، ويفصل بينهما شارع الإمام علي، وقد هدم أيضاً سنة 1991م.
ويمتد سوق الحسين، من أمام باب الكرامة، أحد أبواب الروضة الحسينية، وينتهي بشارع صاحب الزمان، ويتقاطع من سوق التجار. وتنتشر في هذا السوق عند بدايته محلات بيع الكماليات. أما في منتصفه ونهايته فتتوزع فيه القيساريات والمحلات التي تباع فيها البضائع بأنواعها المختلفة، وقد هدم هذا السوق أيضاً سنة 1991م(1).
وأما بالنسبة إلى أسواق العرب والميدان والعلاوي، فقد شيدت في العهد العثماني وفي حدود سنة 1052هـ (1642م)، عندما تولى أحمد آغا إدارة المدينة وشيد مبنى البلدية (قراة خانة) في موقع الميدان القديم.
وقد حاول أن يحيط مبنى البلدية بشبكة من الأسواق. منها بأتجاه الشرق السوق الذي سمي فيما بعد بالعلاوي والذي ينتهي بشارع الصفارين. ومن جهة الشمال بالسوق الذي سمي فيما بعد بسوق الميدان والذي كان يتفرع إلى فرعين يصل أحدهما إلى باب الصحن الحسيني والذي سُمي بعد فتح شارع الإمام علي بسوق العربز ومن الجهة الثانية كان ينتهي إلى ساحة علي الأكبر والذي كان يُسمى بسوق الصفارين.
وتنحصر في سوق العرب مهنة بيع الاقمشة. وقد سُمي بهذا الأسم لأنه كان قائماً على الاعراب (البدو الرجل) الذي يأتون من البادية لشراء ما يحتاجونه من الأقمشة والملابس، وما زال قسم من هذا السوق قائماً إلى يومنا هذا.
أما سوق الميدان فيشتهر بيع الفواكه والخضروات واللحوم وغيرها. ويشتهر سوق العلاوي بيع الرز والحبوب والطحين. أما سوق النعلجية فقد شيد
1ـ الشيخ محمد الكرباسي: دائرة المعارف الحسينية ـ قسم مدينة كربلاء، تحت الطبع.
(208)

في العهد العثماني، وموقعة موازٍ لسوق العرب وينتهي أيضاً عند شارع الإمام علي، وهو من الاسواق الشعبية، ويختص بصناعة وبيع الأحذية والنعل لذلك سُمي بهذا الأسم.
وهناك أسواق قديمة أخرى في المدينة، قسم منها ما زال في موقعه القديم. أما القسم الآخر فقد تغير موقعه نتيجة هدم مواقعها القديمة. ومن هذه الأسواق سوق السراجين، سوق الخياطين، وسوق الحياك، وسوق باب السلالمة، وسوق المخيم، سوق باب الخان، وسوق الصفارين وغيرها من الأسواق(1).
القيساريات
جاءت كلمة قيسارية مفردة (قيساريات) من الرومان الذين كانوا يحكمون شمال أفريقيا. إذ كان يوجد في كل مدينة تقريباً سوق كبير أطلق عليه أسم قيسارية (تحريف قيصرية) نسبه إلى قيصر.
والقيسارية عبارة عن مبنى ذي حوانيت يقع في مراكز المدن أستعمله الرومان لبيع السلع التي كانوا يتقاضونها من التجار كضرائب(2).
وتذكر بعض المصادر التاريخية أن الملوك والقياصرة الروس شيدوا أماكن تجارية على شكل مجمعات في بلادهم وبلاد ما وراء النهر عرف بعضها بالقيصريات. ولقوة الروابط التجارية والتبادل السلعي بين العراق وهذه البلدان ظهرت مثل هذه المجمعات فيه، وقد حرفت في العراق إلى (قيساريات)(3).
وتضم مدينة كربلاء الكثير من القيساريات الموزعة داخل بعض الأسواق الرئيسية في مركز المدينة، وهي مبان تراثية شبيهة بالخانات من ناحية التخطيط المعماري ولكنها تختلف عنها في وظائفها.
1ـ سلمان هادي طعمة: كربلاء في الذاكرة، ص: 312 ـ 321.
2ـ د. حسن إبراهيم حسن: تاريخ الإسلام، ص: 413، دار إحياء التراث العربي، بيروت ـ لبنان.
مصطفى عباس الموسوي: العوامل التاريخية للنشأة وتطور المدن العربية والإسلامية، ص: 266.
3ـ الشيخ محمد صادق الكرباسي: دائرة المعارف الحسينية ـ قسم مدينة كربلاء، تحت الطبع.
(209)

وتعتبر القيساريات من المباني المهمة في المدينة العراقية وأحد مستلزمات الضرورية. وهي من الروافد المساهمة في تطور المدينة من الناحية الأقتصادية إذ تزود المحلات التجارية ببعض البضائع المحلية والمستوردة(1).
والقيساريات في مدينة كربلاء والمدن العراقية الأخرى عبارة عن مبانٍ مستطيلة أو مربعة الشكل. وتشغل عادة الأماكن الواقعة خلف المحلات التجارية في الأسواق التراثية الرئيسية. وتتألف في أكثر الأحيان من طابقين: الأرضي: ويحتوي على ساحة داخلية واسعة يعلوها سقف يغطي الطابق الأول وتحيط بها الحوانيت (المحلات التجارية) التي هي عبارة عن مجموعة من الأسواق المتخصصة حسب المهن والبضائع التجارية المعروضة، ومفتوحة على الساحة الداخلية، وأحياناً تعلو واجهات الحوانيت عقود (أقواس) مدببة أو دائرية الشكل مبنية من الطابوق (الآجر) والجص.
أما الطابوق الأول: فيحتوي على غرف هي عبارة عن مكاتب تجارية ومخازن أو ورش عمل لبعض الصناعات التقليدية الشعبية كالأحذية والخياطة وتجليد الكتب، ويتقدم هذه الغرف ممر يطل على الساحة الداخلية في الطابق الارض.
وقسم آخر من القيساريات يتألف من طابق أرضي فقط ويعود إلى شخص واحد، وتحتوي أجنحته على بضائع متنوعة. أما مداخل القيساريات فتفتح مباشرة على الأسواق تتقدمها أبواب خشبية متينة تغلف اثناء الليل.
واستعملت في بناء القيساريات مواد البناء المحلية كالطابوق (الآجر) والجص، تعلوها السقوف الآجرية المعقودة بطريقة الأقبية وقسم منها مسقوف بواسطة جسور خشبية تغطيها صفائح معدنية. ويتم توفير الإضاءة والتهوية داخل
1ـ د. رؤوف محمد علي الأنصاري: جريدة الحياة، العدد 12430/ ص: 21.
(210)

هذه القيساريات بواسطة فتحات تحيط بجوانب السقف وكذلك من مداخلها الرئيسية(1).
وقد أزيل الكثير من القيساريات نتيجة عدم صيانتها ترميمها والهدم الذي طال مركز المدينة في السنوات الأخيرة.
أما أهم القيساريات التي عرفت في مدينة كربلاء فهي: الأخبارية، أبو معاش، رضا الصحاف، الحاج علي الوكيل، الحاج كاظم، الحاج مهدي العطار، حسن نصر الله، الحاج حسون طابور غاسي، شيخ الشريعة، حسان شعيب وغيرها من القيساريات(2).
1ـ د. رؤوف محمد علي الأنصاري: جريدة الحياة، العدد 12430/ ص: 21.
2ـ سلمان هادي طعمة: كربلاء في الذاكرة، ص: 172.
(211)

ـــــــــــــــــــــــــــ صورة
(212)

الخـانـات

الخانات هي تلك الأبنية المخصصة لإقامة المسافرين وقوافل التجار والحجاج، وأزدهرت في العهود الإسلامية الأولى بسبب توسع الحركة التجارية داخل الدولة الإسلامية وخارجها. وبالأضافة إلى أنتشار الخانات على طرق القوافل التجارية، شيد بعضها كذلك داخل المدن التي تكون عادة صغيرة الحجم قياساً بخانات القوافل(1).
وجاء في لسان العرب لأبن منظور، وكذلك لغة نامه للغوي الإيراني علي أكبر دهخذا، أن الخان لفظة فارسية معربة عن كلمة (كاروانسرا) وتعني مكان القوافل أو منزل القوافل(2).
كما تعني كلمة الخان الحانوت. وهو موجود في جميع اللغات الشرقية الدارجة. وأصل الكلمة آرامي وهو يطلق على الدكان، كما تدل على المكان الخاص بالتجارة أو مخزن البضائع. ثم أصبحت تعني أيضاً الفندق في داخل المدن. وقد يكون الخان خارج المدن على خطوط المواصلات القديمة التي كانت تربط بين تلك المدن(3).
1ـ د. طارق جواد الجنابي: حضارة العراق، ج10/ ص: 350 ـ 351.
2ـ ابن منظور: لسان العرب، ص13/ ص: 146، طباعة دار الفكر ـ بيروت.
علي أكبر دهخد: لغة نامه، ص: 148 ـ مادة كاروان، طبعة جامعة طهران، 1959م.
3ـ د. أعتماد يوسف القصيري: سومر، ج38/ ص: 247 ـ ج1، 2ـ لسنة 1982م، عن المؤسسة العامة للأثار والتراث ـ وزارة الثقافة والإعلام ـ العراق.
(213)

وفي القرن السابع الهجري أتسع إنشاء الخانات في العراق داخل المدن وخارجها على طرق المسافرين والقوافل التجارية، ومنها الخان الذي يقع على الطريق الذي يربط مدينتي الموصل وسنجار. وكذلك الخان الذي شيده الوالي علاء الدين قبل سنة 681هـ (1283م) في بغداد على شاطئ دجلة بباب الغربة (شريعة خان التمر) ويعرف هذا الخان اليوم بخان الدفتردار(1).
وفي القرن الثامن الهجري، في عهد أمين الدين مرجان والي بغداد أنذاك من قبل السلطان الجلائري أويس بين الشيخ حسن، شيد في مدينة بغداد خان مرجان والذي لا يزال شاخصاً إلى يومنا هذا(2).
أما خانات القوافل، فتذكر بعض المصادر التاريخية بأنها أنتشرت خلال الحكمين الصفوي والعثماني في القرنين العاشر والحادي عشر الهجريين (16 ـ 17م) أو ربما في فترات أخرى متأخرة عن ذلك(3).
أما في كربلاء فقد أنتشر الكثير من الخانات داخل المدينة وفي أطرافها وعلى طرق القوافل التجارية والحجاج. والأخيرة تعتبر من أشهر الخانات الموجودة في العراق.
وتوجد ثلاثة أنواع من الخانات وهي:
1ـ الخانات الواقعة في مركز المدينة ضمن منطقة الأسواق وبالقرب منها.
2ـ الخانات الموجودة في أرباض (محيط) المدينة.
3ـ الخانات المقامة على طريق القوافل التجارية والحجاج والتي تسمى بـ (خانات القوافل)(4).
1ـ د. مصطفى جواد: دليل خارطة بغداد المفصل، أحمد سوسة، ص: 206، مطبعة المجمع العلمي العلمي العراقي، سنة 1929م.
2ـ د. أعتماد يوسف القصيري: سومر، ج38/ ص: 247، ج1، 2.
3ـ د. طارق جواد الجنابي: حضارة العراق، ج10/ ص: 353.
4ـ د. طارق نافع الحمداني والدكتورة صباح إبراهيم الشيخلي: المدينة والحياة المدنية، ج2/ ص: 342، دار الحرية للطباعة، بغداد سنة 1988.
(214)

الخانات داخل المدينة
تركزت معظم الخانات داخل المدينة بالقرب من منطقة الأسواق. وهذا التركيز يعطي المرء فرصة تقدير الدور الذي تؤديه التجارة في المدينة. وقد تعددت أختصاصات هذه الخانات، فكانت مكاناً للتجارة الداخلية والخارجية، ومأوى لتجار الوافدين والمسافرين والزائرين، ومخازن لبضائعهم وسلعهم. أما صحنها فيكون عادة محلاً لعرض البضائع وبيعها(1).
وتعتبر الخانات الموجودة داخل مدينة كربلاء من الأبنية التاريخية. وتتميز بجمال بنائها وطرازها المعماري الفريد. وهي بشكل عام تتألف من طابقين، تتوسطهما ساحة مكشوفة واسعة. وعادة ما تكون هذه الساحة في الوسط، ويحتوي الطابق الأرضي على العديد من الغرف التي تحيط بالساحة وتفصلها عنها، في أكثر الأحيان، بممر أو رواق يحيط بالساحة تعلو واجهته عقود (أقواس) دائرية أو مدببة الشكل مبنية من الطابوق (الآجر) والجص. وتستعمل هذه الغرف عادة كمخازن ومستودعات لبضائع التجار، أما الساحة المكشوفة فتستخدم كمكان لجلوس التجار والمسافرين وكذلك لربط الحيوانات.
أما الطابق الأول فيحتوي على غرف تستعمل لأغراض السكن ولمبيت التجار والزوار واستراحته. وتفتح هذه الغرف عادة على ممر طويل على شكل رواق يطل على الساحة المكشوفة ويحيط بها من جهاتها الأربعة في أكثر الأحيان، وهو مسقف يجلس سقفه على أعمدة خشبية تعلوها تيجان جميلة، وأحياناً تعلو واجهته عقود دائرية أو مدببة الشكل مشابهة للعقود التي تعلو واجهة الممر في الطابق الارضي.
ويشيد الطابق الأول في الغالب بمواد بناء أخف وزناً من المواد التي تستعمل في بناء الطابق الارضي، وذلك للتغلب على مشاكل الثقل في البناء.
1ـ د. طارق جواد الجنابي: حضارة العراق، ج10/ ص: 350. المدينة والحياة المدنية، ج2/ ص: 342.
(215)

وفي بعض الأحيان يلجأ إلى التسقيف المؤقت للساحة المكشوفة من أجل تحقيق فضاءات ذات ابعاد واسعة توفر أمكانات جديدة لخزن البضائع وإيصال النور الطبيعي للساحة الداخلية من جوانب السقف المؤقت. أما بوابات الخانات فتكون ضخمة ومرتفعة وتغلق عادة أثناء الليل(1).
وتختلف الخانات داخل مدينة كربلاء من حيث مساحاتها وعمارتها، ومن هذه الخانات: خان الباشا، خان الدهن، خان أبن هذال، خان عصفور، خان حميد الدهان، خان السيد عبد الأمير الشامي، خان الحاج إبراهيم البارودي، خان الحاج صالح الأنباري (خان ناصر الدوركي حالياً)، خان محمد الشيخ علي، خان الحاج عباس الوكيل، خان النقيب، خان محمد رشيد الصافي الجلبي، خان أحمد الكمبر، خان الحاج هادي الدخيل، خان الحاج أحمد وشاح، خان عبد الرزاق الكلكاوي، خان النواب، خان الحاج عبد الأمير أبو دكة، خان سيد مهدي الهندي، خان مهدي الصالح عويد، خان الدباغية وغيرها من الخانات(2).
وقد تعرضت الكثير من الخانات داخل مدينة كربلاء إلى الهدم الإهمال في مراحل تاريخية مختلفة وخاصة في السنوات الأخيرة وقسم منها طرأت عليها التغييرات العمرانية مما أدى إلى تشويه معالمها المميزة.
الخانات في أرباض المدينة
تختلف الخانات الموجودة في أرباض المدينة عن الخانات التي في داخلها وكذلك عن خانات القوافل من حيث حجم الخدمات المقدمة، وسعة الخان وموقعه ووسيلة النقل المستخدمة(3).
وتتشابه هذه الخانات من الناحية التخطيطية والمعمارية مع خانات المدن وخانات القوافل، حيث يتوسطها صحن (الفناء المكشوف) تحيط به الغرف التي
1ـ د. طارق نافع الحمداني ود. صباح الشيخلي: المدينة والحياة المدنية، ج2/ ص: 344.
2ـ سلمان هادي طعمة: كربلاء في الذاكرة، ص: 171ـ 172.
3ـ د. طارق نافع الحمداني ود. صباح الشيخلي: المدينة والحياة المدنية، ج2/ ص: 343.
(216)

تطل على الصحن، وتتميز هذه الخانات أيضاً بأسوارها العالية وبواباتها المرتفعة الضخمة، وكذلك باستخدام كافة العناصر المعمارية في بنائها كالعقود والأقبية والقباب وبأستعمال مواد البناء المحلية كالطابوق (الآجر) والجص.
خانات القوافل
تُعد هذه الخانات من الشواهد الحية على عراقة العمارة العراقية. وأزدادت أهميتها إبان العهدين الصفوي والعثماني في كربلاء والعراق عموماً، نظراً لفقدان الأمن على الطرق الخارجية من ناحية، ولاستمرار حركة التجارة والحج عبر المدن العراقية من ناحية أخرى. فكانت المأوى الأمين وأستراحة صحراوية للقوافل والمسافرين. لقد تركز هذا النوع من الخانات بشكل خاص على طريق بغداد ـ كربلاء ـ النجف(1).
وتعتبر خانات القوافل من معالم العمارة الإسلامية البارزة في مدينة كربلاء. ونظراً لمركز كربلاء الديني، وكذلك لوقوعها على طرق القوافل التجارية وقوافل الحجاج من بعض المدن العراقية وكذلك من إيران وتركيا وآسيا الوسطى، فقد أنتشرت خانات القوافل على الطرق الخارجية الرئيسية للمدينة.
وتتشابه خانات القوافل فيما بينها من النواحي التخطيطية والعمرانية، فهي مبنية بالطابوق (الآجر) والجص، وهي على شكل مربع أو مستطيل، تتألف من الصحن (الفناء المكشوف) وهو واسع، وتطل عليه سلسلة من الغرف تتقدمها الأواوين أو الاروقة التي تعلو واجهاتها عقود (أقواس) دائرية ومدببة الشكل. ويتوسطها صحنها أكثر الأحيان بئر الماء لتزويد نزلاء الخان بالماء. وتحيط بالبئر دكة أو أكثر مرتفعة عن مستوى أرضية صحن الخان مخصصة للصلاة. وتشكل غرف الخانات أماكن نوم وأستراحة بالنسبة إلى التجار الوافدين والمسافرين
1ـ المدينة والحياة المدنية، ج2/ ص: 343ـ 344، حضارة العراق، ج10/ ص: 353.
(217)

والحجاج والزوار، أما صحنها فيكون عادة محلاً لعرض البضائع وبيعها وكذلك لربط الحيوانات كالخيول والجمال.
وتتميز خانات القوافل ببنائها الواسع، وبأسوارها العالية المدعومة بأبراج في أركانها الأربعة، وقد زود الجزء العلوي من هذه الابراج والأسوار بمزاغل (فتحات في الجدار) لرمي السهام وذلك لحماية الخان من اللصوص.
ولهذه الخانات مداخل ضخمة تغلق أثناء الليل. وغالباً ما تعلو المداخل غرف أنيقة تعلوها قباب منخفضة، وهذه الغرف مخصصة للمسافرين من الشخصيات المهمة.
وأستخدمت في بناء خانات القوافل العناصر المعمارية التقليدية كالعقود والأقبية والقبابا، وبأستعمال مواد البناء المحلية كالطابوق (الآجر) والجص(1).
وقد تحولت معظم خانات القوافل في مدينة كربلاء إلى خراب بسبب الظروف الطبيعة والإهمال، وقسم منها أصابه التغيير نتيجة الصيانة غير المدروسة والذي أزال جزءاً من معالمها العمرانية الأصلية.
ومن أهم خانات القوافل في كربلاء: خان العطيشي، خان النخيلة، خان العطشان.
خان العطيشي
يعتبر هذا الخان أحد أهم خانات القوافل في العراق. ويقع في منطقة العطيشي التابعة لناحية الحسينية، إلى الشمال الشرقي في مدينة كربلاء على الطريق القديم الذي يربط بين بغداد وكربلاء.
1ـ د. عيسى سلمان وهناء عبد الخالق ونجاة يونس: العمارات العربية الإسلامية في العراق، ج1/ ص: 3، دار الحرية للطباعة ـ بغداد، 1982م.
د. طارق جواد الجنابي: حضارة العراق، ج10/ ص: 351. المدينة والحياة المدنية، ج2/ 344.
(218)

وفي فترة متأخرة أتخذ هذا الخان مخفراً لشرطة العطيشي. وفي الوقت الحاضر تهدمت وتداعت معظم جدرانه ومرافقه، خصوصاً الأواوين القائمة في الابهاء(1).
إن نظام تخطيط عمارة خان العطيشي يشبه بناء الخانات التي أقيمت خارج المدن في تلك الفترة من الزمن. وهو مستطيل الشكل، طوله 65متراً وعرضه 51 متراً. ويبلغ ارتفاع جدرانه الخارجية حوالي 5 أمتار، وسمكها متر واحد، وزود الجزء العلوي منها بمزاغل تستخدم للدفاع وحماية الخان من اللصوص، وأركان الخان الخارجية مدعمة باربعة أبراج كبيرة يبلغ نصف قطر كل منها 4.5 متر.
ولهذا الخان مدخل يتوسط الواجهة الجنوبية الغربية. وهو بارز عن مستوى الجدار، ويبلغ ارتفاعه حوالي ثلاثة أمتار وعرضه يبلغ مترين، ويعلوه قوس كبير مدبب الشكل.
تتوسط الخان ساحة داخلية مكشوفة طولها 50 متراً وعرضها 35 متراً. تيحط بها الغرف التي تتقدمها أواوين ذات قياسات مختلفة تعلوها عقود (أقواس) مدببة الشكل، أما الطريقة المتبعة في عملية تسقيف الغرف والأواوين فهي أستخدام الأقبية المدببة، وشارع أستخدام هذا الطراز من التسقيف في بناء العمائر الدينية والمدنية التي أقيمت في العراق خلال فترة الحكم العثماني للعراق.
وفيما يتعلق بتقنية الأبراج، فقد أستخدمت القباب بشكل نصف كروي تقوم على رقبه اسطوانية. وأتبع في طريقة البناء رصف بشكل نصف كروي تقوم على رقبة أسطوانية. واتبع في طريقة البناء رصف القباب التي شيدت في وسط وجنوب العراق خلال العصور الإسلامية. وزينت الواجهة الخارجية للمدخل للرئيسي للخان بالزخارف الآجرية المتشابكة التي تشبه نسيج الحصير،
1ـ د. أعتماد يوسف القصيري: سومر، ج38/ص:250، ج1، 2.
(219)

وأستعملت مواد البناء المحلية في بناء خان العطيشي كالطابوق (الآجر) والجص(1).
خان النخيلة
يعتبر هذا الخان أحد أبرز الخانات التي تقع على طريق كربلاء ـ النجف. ويبعد عن مدينة كربلاء بحوالي 14كلم إلى الجنوب الغربي منها. وهنالك خانات آخران يقعان على الطريق نفسه، وهما خان الحماد (خان النص) وخان المصلى.
ومن الناحية التاريخية يعود خان النخيلة والخانات الأخرى التي تقع على طريق كربلاء ـ النجف إلى فترة الحكم الصفوي والعثماني للعراق(2).
ويتشابه خان النخيلة من الناحية التخطيطية والعمرانية، مع خانات القوافل الأخرى التي تقع على الطرق الخارجية التي تربط بين المدن العراقية، حيث يتوسط الصحن (الفناء المكشوف) تحيط به مجموعة من الغرف التي تتقدمها الأواوين التي تعلوها عقود (أقواس) مدببة الشكل. ويتميز هذا الخان بأسواره العالية ومدخله الذي يتالف من طابقين تتوسطه بوابة كبيرة، واستخدمت الأقبية المدببة الشكل في تسقيف الغرف والأواوين، واستعمل في بنائه الطابوق (الآجر) والجص(3).
خان العطشان
يقع هذا الخان في المنطقة الواقعة بين كربلاء والنجف وعلى بعد 16 كلم بأتجاه الغرب من خان النخيلة، وإلى الجنوب الغربي من مدينة كربلاء بنحو 30 كلم. وهو بناء قديم يعود تاريخه إلى الفترة التي بني بها قصر الأخيضر
1ـ د. اعتماد يوسف القصيري: سومر، ج38/ ص: 250ـ 254، ج1، 2.
(2و 3) حضارة العراق، ج10/ ص: 352 ـ 353.
(220)

الشهيرة في مطلع العصر العباسي. ويستدل من طراز بناء هذا الخان وعناصره الزخرفية على أنه لم يكن سوى دار أستراحة لوالي منطقة الأخيضر في رحلته إلى مدينة الكوفة. أما تسمية المبنى بالخان فأغلب الظن أنها أطلقت عليه في فترة متأخرة لنزول المسافرين والقوافل التجارية فيه(1).
وتذكر بعض المصادر التاريخية أن خان العطشان من منشآت الدولة الصفوية والدليل على ذلك وجود (تل مزعر) بالقرب منه. وهذا التل هو المكان الذي كانت تقف فوقه قوافل التجار والزوار والمسافرين لرؤية قبة الروضة الحسينية خلال فترة لعهد الصفوي. ولا تزال أطلال هذا الخان باقية إلى يومنا هذا(2).

صورة

1ـ العمارات العربية الإسلامية في العراق، ص: 42. سومر، ج38/ ص: 250.
2ـ سلمان هادي طعمة: تراث كربلاء، ص: 126.
(221)

صورة


صورة

(222)

صورة


صورة

(223)

الحمـامـات العـامـة

تُعد الحمامات العامة، والتي حضيت بالأهتمام والعناية في العراق خلال العصور الإسلامية، من المنشآت الحضارية التي عُرفت منذ القرن الأول للهجرة، حيث أنتشرت في أرجاء المدن العراقية، خصوصاً في الأحياء القديمة منها(1).
وتذكر بعض المصادر التاريخية أن الحمامات الأولى شيدت بعد الفتوحات الإسلامية مباشرة. وإن أول حمام عربي إسلامي كشف عنه كان في مدينة الكوفة ثاني المدن الإسلامية التي شيدت في العراق العام 17هـ (638م)، ويعود بناؤه إلى الفترة التي بنيت فيها دار الإمارة، ويقع في قسمها الشمالي الغربي(2).
وكشفت التنقيبات الأثرية عن حمام قصر الشعيبة الواقع بالقرب من مدينة البصرة جنوب العراق(3).
أما الحمام الذي يقع داخل قصر الأخيضر الشهير، الذي يبعد عن مدينة كربلاء بحوالي 50كلم إلى الجنوب الغربي منها، والذي يعود زمن بنائه إلى الفترة الأولى من العهد العباسي، فإن تصميمه يشبه إلى حد بعيد تصميم الحمامات المشيدة في العصور الإسلامية، إذ ينقسم إلى أقسام عدة ترتبط مع بعضها بواسطة دهاليز. وتختلف هذه الأقسام في ما بينها من ناحية درجات الحرارة. وجدران الحمام مشيدة من الطابوق (الآجر) والنورة(4).
1ـ د. رؤوف محمد علي الأنصاري: الحمامات الإسلامية في العراق، صحيفة الحياة، ص:21، العدد 12489، 1997م.
2ـ زينب صادق علي السمكري: سومر، المؤسسة العامة للآثار والتراث، مجلد 44/ جزء 1، 2/ ص: 141 ـ 142، سنة 1985ـ 1986م، وزارة الثقافة والإعلام ـ العراق.
3ـ د. رؤوف محمد علي الأنصاري: الحمامات الإسلامية في العراق، صحيفة الحياة، ص: 21، العدد12489، 1997م.
4ـ الكشاف الأثري في العراق ـ وزارة الثقافة والإعلام، ص: 217.
(224)

وتذكر المصادر التاريخية عن مدينة بغداد أنه في النصف الأول من القرن الرابع الهجري كان بها أكثر من عشر آلاف حمام تناقصت حتى وصلت إلى ألفي حمام في القرن السادس الهجري(1).
ويذكر أبن بطوطة في رحلته إلى العراق أن في بغداد حمامات كثيرة، وهي من أبدع الحمامات، وكانت مطلية بالقار. ويذكر أيضاً أن لهذه الحمامات خلوات كثيرة، وكانت كل خلوة مفروشة بالقار الأسود، وأسافل جدرانها مطلية به أيضاً ـ وذلك لمنع الرطوبة وتسرب المياه إلى أعلى الجدران ـ. أما القسم الأعلى من الجدران فكان بيضاً بالجص الأبيض الخالي من الشوائب. وفي كل خلوة من خلوات الحمام يوجد أنبوبان، أحدهما للماء الحار والآخر للماء البارد(2).
وتطورت الحمامات في العصور الإسلامية المزدهرة. ففي ذلك الوقت لم يكن مألوفاً أن يستحم الناس في بيوتهم، ولم تكن هناك حمامات خاصة إلا في بيوت الحكام والولاة ومنازل الميسورين. ومن هنا نشأت الحمامات العامة التي يؤمها عامة الناس على أختلاف طبقاتهم.
ويعود أهتمام المسلمين بها أيضاً لأسباب صحية ودينية، لأنها كانت ضرورية للتطهير والأغتسال ووسيلة للأستعداد للعبادة. وكان لهذا الأمر تأثير واضح في تطور الحمامات عمرانياً. أما الحمامات المتخصصة للنساء فكانت تبنى إلى جانب الحمامات الخاصة بالرجال(3).
وتعتبر الحمامات الشعبية في كربلاء مراكز للحياة الأجتماعية، حيث ترتبط بها المناسبات الهامة في حياة الناس، منها أن يذهب العريس إلى الحمام
1ـ د. عبد الجبار ناجي: دراسات في تاريخ المدن العربية الإسلامية، ص: 306.
2ـ أبن بطوطة: رحلة أبن بطوطة، ج1/ ص: 166، 1323هـ (1905م) ـ مطبعة الجزيرة ـ مصر.
3ـ أحمد بن يحيى البلاذري: فتوح البلدان، ص: 355، نشر صلاح الدين المنجد، القاهرة 1957م.
(225)

قبل زفافه، وكذلك يستعمل كصالون تجميل للنساء، وتستعمل الحمامات الشعبية كمنشآت صحية للعلاج والتخلص من بعض الأمراض(1).
ويذكر الكاتب الصحفي عمانوئيل فتح الله عمانوئيل لدى زيارته لكربلاء سنة 1329هـ (1911م) إن بها حمامات كثيرة(2).
لقد أستمدت الحمامات العامة في كربلاء أصولها المعمارية من الطراز الفارسي والتركي، ولكنها تميزت عنهما بصفات محلية عرفت بها العمارة في كربلاء من حيث أستعمال مواد البناء المحلية كالطابوق (الآجر) والجص والنورة والقار الأسود، وهي من المواد العازلة للحرارة. وأستخدمت في بناء الحمامات الكربلائية القباب والقبوات والعقود الآجرية في تسقيفها. أما جدرانها فهي سميكة وتنشر في الكثير منها الزخارف الجميلة خصوصاً في الواجهات الخارجية والقباب والمداخل(3).
وصف الحمامات العامة
تتألف الحمامات العامة في كربلاء من ثلاثة أقسام وهي:
* القسم الأول: المنزع، وهو مكان فسيح أشبه بقاعة كبيرة غير مدفاً يخلع فيه الناس ملابسهم، ويحتوي على مساطب خشبية أو رخامية للجلوس. ويعرف المنزع محلياً بـ(البراني) ويتوسطه أحياناً حوض ماء صغير على شكل نافورة. ويعلو المنزع في أكثر الأحيان قبة كروية الشكل تحتوي على فتحات صغيرة ثبت فيها الزجاج الملون لإدخال النور إلى هذا الجزء من الحمام.
* القسم الثاني: ومن المنزع ينتقل المستحمون عبر دهليز يفضي إلى مكان كبير هو الحمام الذي يكون على شكل مربع أو دائرة في أكثر الأحيان.
1ـ سلمان هادي طعمة: الحمامات الشعبية في كربلاء، مجلة التراث الشعبي البغدادية، ص: 61ـ العدد: 12، 1392هـ (1972م).
2ـ مجلة لغة العرب البغدادية، ص: 158 ـ العدد 5ـ سنة 1329هـ (1972م).
3ـ سلمان هادي طعمة: الحمامات الشعبية في كربلاء، ص: 61ـ العدد: 12.
(226)

ويحتوي على أركان (خلوات)، ويوجد في كل خلوة حوض صغير وحنفيتان، واحدة للماء البارد وأخرى للماء الحار وكذلك دوش، ويسمى هذا القسم من الحمام (الجواني). ويعلو هذا القسم في معظم الحمامات قبة كروية كبيرة أو قباب صغيرة كروية الشكل تتوزع فيها فتحات صغيرة ثبت فيها الزجاج الملون لإدخال النور. أما أرضية هذا القسم فكانت تبلط بالطابوق (الآجر) المسطح (الفرشي) المصخرج، وفي أكثر الأحيان توضع عليه طبقة من القار الاسود. وفي بعض الحامات تبلط الأرضية بالحجر المصقول، اما جدرانها فتغطى إلى أرتفاع 1.5 متر تقريباً بالقار الأسود. أما القسم العلوي منها فيكسى بالجص الأبيض الخالي من الشوائب.
* القسم الثالث: غرفة الخزينة، وتسمى أيضاً بيت الحرارة أو غرفة البخار. وهي عبارة عن غرفة يتوسطها حوض كبير يُملاً بالماء الحار. وأحياناً تكون الخزينة أو (حوض الماء الحار) ضمن القسم الجواني وفي ركن من أركانه، وفي بعض الحمامات يوجد أكثر من خزينة واحدة(1).
وتتم تدفئة الحمامات العامة في مدينة كربلاء بواسطة مواقد (مشاعل) يطلق عليها محلياً اسم (الكورة) تقع تحت أرضية الحمام، حيث يؤتى بالحطب (الخشب) ويوضع في هذه الكورة لإشعاله.
أما ماء الحمام فكان يسخن في خزانات كبيرة توجد في موضع بجوار الحمام يطلق عليه محلياً أسم (الطمة). وقديماً استعملت فضلات الخيل والحمير والبغال اليابسة كوقود لهذا الغرض(2).
ومن التأثيرات السلبية التي كانت تسببها بعض الحمامات العامة في كربلاء، عدم وجود طريقة لتصريف مياه المجاري، لذلك كانت تضخ إلى آبار أصطناعية فتسبب في صعود مناسيب المياه الجوفية داخل المباني المحيطة
1ـ (1و 2) رؤوف محمد علي الأنصاري: الحمامات الإسلامية في العراق، صحيفة الحياة، ص: 21، العدد 12489، 1997م.
(227)

بالحمامات. وفي بعض الحمامات كان يتم تصريف مياه المجاري في قنوات صغيرة مسقفة بعقادة كما هو الحال في حمام المالح(1).
وما تزال بعض الحمامات العامة في مدينة كربلاء قائمة إلى الآن على رغم تهدم معظمها بسبب عدم صيانتها وترميمها. وقد أزيل قسم منها بسبب توسعات الشوارع والهدم الذي طال مركز المدينة منذ عام 1977م.
ومن أشهر الحمامات الشعبية في مدينة كربلاء:
1ـ حمام المالح
يعتبر هذا الحمام أحد أقدم وأشهر الحمامات العامة في مدينة كربلاء ويقع في محلة باب الطاق، ويعرف اليوم بحمام الإمام موسى بن جعفر (ع). ويرجع تاريخ بناء حمام المالح إلى القرن العاشر الهجري. وكانت توجد قناة للمياه قديمة مسقفة بعقادة من الطابوق (الآجر) والجص محاذية للضفة الغربية لنهر الحسينية وتصل إلى داخل المدينة، وكانت قد أتخذت على عهد العثمانيين لتصريف مياه المجاري لحمام المالح(2).
2ـ حمام الكبيس
عرف هذا الحمام بهذا الأسم نسبة إلى عشيرة الكبيسات التي قطنت محلة الكبيس وهي جزء من محلة باب الطاق. شيد هذا الحمام سنة 989هـ (1581م). أوقفه الخواجه عيسى محمد الأفيهي والموقوف عليه يحيى الجلبي، وكان يتولى هذا الحمام السادة من آل الوهاب وآل جلوخان وبعض الأسر العلوية.
3ـ حمام ركن الدولة
كان هذا الحمام يقع في منتصف سوق القبلة. شيده الشاهزادة علي نقي ميرزا ركن الدولة وذلك سنة 1255هـ (1839م)، وتوليته بيد العلامة السيد
1ـ محمد حسن مصطفى آل كليدار: مدينة الحسين، ص: 26.
2ـ المصدر السابق، نفس الصفحة. سلمان هادي طعمة: كربلاء في الذاكرة، ص: 380.
(228)

محمد باقر الحجة الطباطائي. وتم أفتتاحه من قبل جلال باشا متصرف لواء كربلاء سنة 1328هـ (1910م) وقد هدم هذا الحمام مع سوق القبلة.
4ـ حمام القبلة
كان يقع هذا الحمام بالقرب من باب القبلة أحد أبواب الروضة الحسينية، شيد من قبل محمد علي خان جان الكرمنشاهي وذلك سنة 1307هـ (1890م)، وقد هدم هذا الحمام سنة 1367هـ (1948م) أثر أفتتاح شارع الحائر الحسيني.
5ـ حمام المشروطة
يقع هذا الحمام في محلة العباسية الشرقية. ويعود تاريخ تشييده إلى سنة 1328هـ (1910م)، ويعزى سبب تسميته بهذا الأسم لأحد زعماء (الدستور) الإيراني، وهو الحاج آقا نور الله الأصفهاني، وكانت إدارته بيد أخيه الشيخ إسماعيل، أما حالياً فقد أنتقلت إدارته إلى أولاده.
6ـ حمام الشاخه
كان موقعه في محلة العباسية الغربية على فرع من نهر الهندية ويعرف بالشاخه. شيد من قبل حسين عسكر سنة 1309هـ (1892م)، على عهد السيد حسين السندري رئيس بلدية كربلاء آنذاك، ثم أنتقل إلى ولده محمد علي. وقد تهدم أثر توسعه شارع العباس، وأعيد ما تبقى منه، ويسمى اليوم بـ(حمام كربلاء الحديث)، ويقع بالقرب منه حمام للنساء.
7ـ حمام المخيم
يعتبر هذا الحمام من أكبر الحمامات في مدينة كربلاء، وكان يعرف بحمام فيروزة.
ويقع حمام المخيم في منطقة ساحة المخيم، شيده المعمار الشيرازي المعروف بضياء التجار، ويعود تاريخ تأسيسه إلى سنة 1317هـ (1900م).
(229)

8ـ حمام اليهودي
يقع هذا الحمام في نهاية سوق العلاوي في الزقاق الذي كان يقطنه اليهود في العهد العثماني في أوائل القرن التاسع عشر الميلادي، شيد هذا الحمام من قبل يعقوب شكر الله أحد الملاكين اليهود المشهورين.
9ـ حمام النواب
شيد هذا الحمام من قبل أحد الشخصيات من نوابي الهند، وقد أبتاعه السيد مهدي الطباطبائي السندي، وكان موقعه في سوق الهرج (ساحة الشهداء حالياً) ويجاور هذا الحمام خاص للنساء ومدخله في زقاق الداماد.
10ـ حمام السعادة
يعتبر هذا الحمام من الحمامات العامة القديمة الطراز في مدينة كربلاء، يقع في محلة باب السلالمة في زقاق النصاروة، وكان يعرف بحمام الجاجين. ويستعمل هذا الحمام من قبل الرجال وذلك من الفجر حتى شروق الشمس، وبعد ذلك تستلمه النساء حتى المساء.
11ـ حمام السيد سعيد الشروفي
يقع هذا الحمام في شارع الوزون، شيد من قبل السيد سعيد مصطفى الشروفي وذلك سنة 1340هـ (1922م)، وهو جزء من بستان شراف المعروفة ببستان شرف الدينن وإلى جواره يقع حمام النساء.
12ـ حمام البغدادي
يعتبر هذا الحمام من الحمامات القديمة في مدينة كربلاء، ويقع في ساحة البلوش (ساحة الإمام علي حالياً)، ويعود تاريخ تشييده إلى أكثر من قرن، وتعود ملكيته إلى السيد مهدي الجواد البغدادي. وبجانب هذا الحمام يوجد حمام خاص بالنساء.
(230)

ومن الحمامات الأخرى في كربلاء: حمام باب بغداد الصغير، وحمام الحاج علي شاه، وحمام الحاج غلام رضا الوكيل، وحمام التيل خانة، وحمام العلقمي، وحمام نينوى، وحمام الفردوسي، وقسم ومن هذه الحمامات قد هدم في السنوات الأخيرة(1).
1ـ محمد حسن مصطفى آل الكليدار: مدينة الحسين، ج1/ ص: 26.
ـ السيد إبراهيم شمس الدين القزويني: البيوتات العلوية في كربلا، ج1/ ص: 17، 21.
ـ سلمان هادي طعمة: الحمامات الشعبية في كربلاء، مجلة التراث الشعبي البغدادي، العدد 12/ ص: 66 ـ 70، جمادي الثاني 1392هـ (1972م).
(231)

البيوت التراثية

يتميز التخطيط العمراني لمدينة كربلاء منذ نشوئها العام 61هـ (680م) بكثافة البيوت التي تمركزت بصورة رئيسية حول جامعي ومرقدي الإمام الحسين وأخيه العباس ـ الروضتين الحسينية والعباسية ـ. ويعود ذلك إلى العلاقة الروحية التي تربط الناس بالروضتين. وتزداد كثافة البيوت كلما أقتربت منهما ونقل كلما ابتعدت عنهما.
ولذلك نلاحظ أن أكثر البيوت متلاصقة. أما الممرات والأزقة المؤدية إلى هذه البيوت فتكون في أكثر الأحيان ملتوية وذات أشكال متعرجة، وقد تنتهي أحياناً بنهايات مسدودة لا مخارج لها.
ومن الأسباب الموجبة لأتباع هذا التخطيط من البناء في ذلك الوقت ـ كما يبدو ـ عمق الروابط الأجتماعية والحفاظ على أمن المدينة من عمليات السطو والأعتداء وكذلك أتقاء البرد القارص والحر الشديد(1).
والبيوت التراثية في مدينة كربلاء تحمل صفات وخصائص البيوت العربية والإسلامية المنسجمة مع التقاليد الأجتماعية. وكما يصفها جون وارن: (تتميز حياة المسلمين التقليدية بالفصل التام بين حياتهم العامة والخاصة وكذلك بين الرجل والمرأة)(2).
1ـ د. رؤوف محمد علي الأنصاري: صحيفة الحياة، ص: 18/ العدد 11299، لندن ـ كانون الثاني 1994.
سلمان هادي طعمة ـ كربلاء في الذاكرة ـ ص406.
2- John Warren: ur Magazine, the Traditional Houses of Baghdad. page: 7, published by the Iraqi Cultural centre, London 1983.
(232)

العناصر المعمارية الإساسية للبيوت التراثية

تحتوي البيوت التراثية في مدينة كربلاء على مجموعة من عناصر معمارية أساسية أهمها:

الساحة الداخلية المكشوفة (الحوش)

البيوت التراثية في مدينة كربلاء، شأنها شأن مثيلاتها في المدن العراقية الأخرى، تتميز بخصائص تخطيطية وإنشائية ذات طابع معماري واحد، يتمثل في إحلال الساحة الداخلية المكشوفة التي يطلق عليها بالعامية (الحوش) المكان الأول في التخطيط، وتأتي الغرف السكنية وبقية المرافق والمداخل والممرات لتأخذ مكانها حول تلك الساحة(1). ومن الواضح تماماً أن هذا التخطيط تقليد بنائي عراقي قديم تعود بداياته إلى فترة العهد البابلي القديم (مطلع الألف الثاني قبل الميلاد)، حيث عثر على بقايا دور سكنية في أحد أحياء مدينة أور الأثرية في جنوب العراق تظهر الساحة الوسطية المكشوفة في مقدمة العناصر التصميمية(2).
وتعتبر الساحة الداخلية المكشوفة (Open Courtyard) من أهم مميزات عمارة المساكن التراثية في المدن الإسلامية(3)، فإنها تجعل الإنسان المسلم يعيش اسعد لحضاته لأنها مكشوفة على السماء حيث يشعر الإنسان أن لا حاجز بينه وبين الله سبحانه وتعالى، ومن هذا المنطلق كانت هذه الساحة أحد العناصر الرئيسية للبيت العربي الإسلامي.
وعلى رغم التأثيرات الواضحة التي تركتها تقاليد فنون العمارة الفارسية والتركية والهندية في اليوت الكربلائية، إلا إن التخطيط الأساسي لها لم يصبه
1ـ فريال مصطفى: البيت العربي في العراق في العصر الإسلامي، ص: 110، وزارة الثقافة والإعلام في العراق، دار الحرية للطباعة ـ بغداد 1982م.
2ـ سليمة عبد الرسول: المباني التراثية في بغداد، ص: 24، وزارة الثقافة والإعلام، المؤسسة العامة للآثار والتراث، بغداد 1987. Mr. Frankfort H.:Art and Architecture, page: 55, London 1952.
3ـ د. عفيف بهنسي: الفن الإسلامي، ص: 116، طبعة أولى ـ دار أطلاس للدراسات والترجمة والنشر، دمشق 1986.
(233)

التغيير خلال العصور الإسلامية المختلفة، بل ظل محافظاً على طابعه التقليدي الذي يشبه إلى حد بعيد الطراز المعماري الحيري (نسبة إلى مدينة الحيرة القريبة من الكوفة)، وهو الطراز المعماري السائد آنذاك، والمتمثل بإحلال الساحة الداخلية المكشوفة المكان الأول في التخطيط. وتأتي الغرف ومرافق البيت الأخرى لتحتل مكانها حول الساحة. وتكاد هذه البيوت أن تكون شبيهة إلى حد كبير مع البيوت القديمة في مدن وسط وجنوب العراق من جهة التصميم الهندسي ومواد البناء والزخارف(1).
ويختلف البيت الكربلائي في مساحته بأختلاف المراتب الأجتماعية للناس. إذ تتكون البيوت عادة من ساحة مكشوفة تبدأ بمجالس الضيوف ومرافقها وتقع في مقدمة البيت وتعرف بـ(البراني)، ثم تنتقل إلى الغرف المخصصة لأفراد العائلة والمرافق الملحقة بها والتي تحيط بالساحة المكشوفة ويُطلق عليها بـ(الدخلاني). ويتراوح شكل الساحة المكشوفة ما بين المربع والمستطيل.
وتعتبر الساحة الوسطية قاعة مكشوفة ومحجوبة عن الأنظار في آن واحد، بالإضافة إلى الدور الذي تلعبه في توزيع الإضاءة الطبيعة للغرف المحيطة بها. وتطل الشبابيك الواسعة للغرف على الساحة الوسطية فتكون في هذه الحال واجهات لغرف الطابق الأول، وتتحقق عن طريقها الإضاءة والتهوية الطبيعيتان. ويتم عادة تبيلط أرضية الساحة الداخلية المكشوفة بالطابوق (الآجر) المسطح المعروف بـ(الفرشي). وفي بعض الأحيان تزرع هذه الساحة بشجرة واحدة أو اشجار عدة توضع في وسطها نافورة جميلة تسمى (الشاذروان) (2).
وتنعزل الساحة الداخلية المكشوفة عن الشارع أو الزقاق في مثل هذا التكوين الإنشائي الذي يحقق ضمن مساحات قليلة مرافق كافية لسكن عائلي متعدد الاشخاص. وفي بعض الأحيان نجد أن مساحة الدار لا تتجاوز 50 متراً مربعاً
1ـ د. رؤوف محمد علي الأنصاري: صحفية الحياة. ص: 21/ العدد 12458، لندن ـ ابريل، 1997م.
2ـ د. رؤوف محمد علي الأنصاري: صحيفة الحياة، ص: 18/ العدد 11299، لندن ـ كانون الثاني 1994.
(234)

مما يظهر براعة المعمار أو المهندس في أستغلال المساحات إلى أقصى حدودها لتأمين بيت ذي ساحة داخلية مكشوفة وفي حدود ضيقة(1).

المدخل (الباب الرئيسي)

وهو حلقة الوصل الرئيسية بين البيت والخارج، يطل على الزقاق أو الشارع ويكون الأستخدام الواسع للبيت. ويؤدي المدخل من خلال مجاز منكسر في أكثر الأحيان إلى الساحة الداخلية المكشوفة، ويزود عادة بباب من الخشب تتناسب عادة وحجم البيت.
وفي أكثر الأحيان تتميز الأبواب بكثرة التحليات الزخرفية الخشبية والحديدية وتحيط بها إطارات من الزخارف الجبصية. وأحياناً يعلو المدخل قوس من الأجر والجص على شكل نصف دائري في أكثر الأحيان، يتضمن كتابات من الآيات القرآنية الكريمة وبعض الزخارف المتنوعة. والأبواب غالباً ما تكون من مصراعين (فردتين) ويترواح ارتفاعها ما بين 1.80 ـ 2.00متر وعرضها ما بين متر واحد إذا كنت من مصراع واحد و1.40 متر أو أكثر إذا كانت من مصراعين. وعادة ما تحتوي الباب على مطارق معدنية بأشكال ووضعيات مختلفة(2).

المجاز (المدخل المنكسر)

ومن الخصائص المميزة للبيوت التراثية في مدينة كربلاء وجود المدخل المنكسر المعروف بـ(المجاز) الذي يوصل المدخل أو (الباب) بالساحة الداخلية المكشوفة (الحوش). وهو أبتكار إسلامي ظهر للمرة الأولى في دار الإمارة في مدينة الكوفة العام 17هـ (638م) وكذلك في بعض دور سامراء العباسية. وكان
1ـ د. محمد مكية: الدور البغدادية والتراث المسكني، ص: 28، قامت بنشره نقابة المهندسين العراقيين ـ 1969.
2ـ سليمة عبد الرسول: المباني التراثية في بغداد، ص: 30.
(235)

يستهدف غرضاً أجتماعياً بحتاً يتلائم والتقاليد الإسلامية، وهو عزل فضاء الساحة الداخلية المكشوفة عن الشارع أو الزقاق، وترطيب الهواء عبر أختراقه المجاز(1).

الإيوان (الطارمة)

ومن العناصر الأساسية في تصميم البيت الكربلائي توفير ما يسمى بالإيوان (الطارمة). والإيوان (Iwan) كلمة فارسية الأصل مأخوذة من (إيفان) بمعنى قاعة العرش. وهو بناء له ثلاثة جدران وسقف ويكون مكشوفاً من واجهته الأمامية المطلة على الساحة الداخلية المكشوفة (الحوش)، وغالباً ما يكون سقف الإيوان مغطى بقبو.
ومن المرجح أن الأواوين عرفت في العراق منذ عصور قديمة في شمال مدينة الموصل. ثم ظهرت بعد ذلك في العصر الإسلامي، كما في دار الإمارة في الكوفة وقصر الشعيبة قرب مدينة البصرة، وقصر المنصور في بغداد، وبيوت قصر الأخيضر الشهير الذي يعود بناؤه إلى بداية العصر العباسي ويقع بالقرب من كربلاء(2). وتستعمل الطارمة في الطابق الأرضي للنوم صيفاً في حال عدم وجود السرداب، وكذلك لتناول وجبات الطعام وشرب الشاي.

السرداب

ويتميز البيت الكربلائي بوجود مكان للراحة والأستقرار يُطلق عليه السرداب. وهو أصطلاح فارسي مؤلف من مقطعين (سرد) أي بارد و(آب) وتعني الماء(3). وتقضي فيه العائلة ساعات طويلة في أيام الصيف الحارة. ويمتاز
1ـ معاذ الآلوسي ـ المميزات البارزة في البيت العراقي ـ مجلة العاملين في النفط ـ العدد 36 ـ ص4 ـ بغداد 1965.
Jovan Krunic: Art Architectural Traditions and New Atchitecture of Iraq, The House of Baghdad its old & Modern concept, Sumer, Vol. 18 - page: 4, 1962.
* القبو: هو البناء المعقود بعضه إلى بعض (المنجد).
2ـ فريال مصطفى: البيت العربي في العراق في العصر الإسلامي، ص: 114، 115.
E. J. Keal: Art (Some theughts on the Eywan), Studies in Honer of George C. Miles, Pages: 198, 199.
3ـ محمد التونجي: المعجم الذهبي فارسي عربي، ص: 343، دار العلم للملايين ـ بيروت 1968.
(236)

بجدرانه السميكة وأنخفاض مستوى أرضيته عن مستوى أرضية البيت، إذ قد يصل أنخفاضه في بعض الأحيان إلى أمتار عدة مما يساعد في حمايته من الحرارة الشديدة في فصل الصيف.
ويعود تاريخ السرداب في البيوت التراثية، إلى بدايات العصور الإسلامية الأولى، فقد كشفت التنقيبات الأثرية عن بعض السراديب التي تقع في قصر الأخيضر قرب كربلاء، منها سرداب يقع في الجهة الشرقية للرحبة الكبرى تحت القاعة، له سُلم يتكون من 24 درجة. وسرداب آخر يقع في مبنى الملحق الشرقي عند وسطه تحت الإيوان الوسطي من الملحق المذكور له سُلم يقع في الجهة الجنوبية الشرقية ويتألف من عدة درجات(1).
وتجري تهوية السرداب بواسطة فتحات صغيرة جانبية تكون عادة في مستوى أرضية الساحة الداخلية المكشوفة (الحوش)، وكذلك من باب المدخل والدرجات (السلالم) المؤدية إليه. وهناك مجار عمودية التهوية عبارة عن فتحات داخل الجدار وفوهتها في أعلى سطح البيت تنقل الهواء من الأعلى عبر هذه الفتحات إلى مستوى ومنحفض في أرضية السرداب، فيساعد الماء الذي يرش على أرضية السرداب بترطيب الهواء الخارجي الجاف الآتي من السطح عبر هذه الفتحات. وتُسمى هذه الفتحات أوالمجاري العمودية بالملقف الهوائي، ويُطلق عليها محلياً (البادكير) وهي كلمة فارسية مؤلفة من (باد) اي هواء و(كير) أي جالب أو ساحب(2).
وفي أكثر الأحيان يتم بناء السرداب من عقود واقبية مبنية من الطابوق (الآجر) والجص. أما الأرضية فتبلط عادة بالآجر المسطح (الطابوق الفرشي) وهي تحتفظ بالرطوبة والبرودة عن طريق رشها بالماء باستمرار. في الشتاء
1ـ محمد باقر الحسيني: الأخيضر. مجلة سومر، ج22/ ص: 81، 85 ـ سنة 1966.
G. Bell: Palace and Mosque at Ukhaidhir, Page: 11, Oxford 1914.
2ـ فريال مصطفى: البيت العربي في العراق في العصر الإسلامي، ص: 118، 119.
جلال الحنفي: معجم اللغة العلمية البغدادية، ص: 20/ ج2، مطبعة أسعد ـ بغداد 1966.
(237)

تستعمل السراديب مخزناً لحفظ الحبوب والغلات وبعض الحاجات المنزلية الأخرى(1).

الخصائص الإنشائية

ومن الخصائص الإنشائية التي أمتاز بها البيت التراثي في مدينة كربلاء، بصورة عامة، أرتفاع سقف غرف الطابق الأول بحيث يصل أحياناً إلى أربعة أمتار. وذلك لغرض حصر كميات من الهواء تحافظ على درجات حرارتها من دون التأثر السريع بتبدلات الطقس الخارجية. وكذلك السماح بتعرض الفناء الداخلي المكشوف لأشعة الشمس في فصل الصيف لوقت أقل خلال اليوم تجنباً لشدة حرارتها، وهو أمر ضروري لأمتصاص الرطوبة وكذلك لإضاءة أعمق نقاط البيت خصوصاً السراديب وقت الظهيرة(2).
وهناك مميزات إنشائية أخرى منها كثرة الشبابيك في الطابق الأول وارتفاعها، خصوصاً في الواجهات التي تطل على الأزقة والشوارع. وكذلك الروفو (الروازين) المتعددة من الداخل لتخفيف سماكة الجدار والأستفادة منها كدواليب أو لأستعمالات أخرى.
وأما غرف الطابق الأول ممر يطل على الساحة المكشوفة (الحوش)، يتقدمه حاجز من الخشب أو الحديد ذو زخارف جميلة وبأرتفاع متر واحد تقريباً، يطلق عليه محلياً المحجر أو (الدرابزين). أما أرتفاع الطابق الأرضي فيكون عادة أقل من الطابق الأول، ويتميز أيضاً بنوافذه التي تكون في الغالب فوق مستوى النظر وهي تطل على الأزقة والشوارع.
وأستعملت في البيوت التراثية في كربلاء مواد بناء خفيفة في تسقيف الطابق الأرضي والأول، وذلك للتغلب على مشاكل الثقل في كتل البناء، كالخشب
1ـ د. رؤوف محمد علي الأنصاري: صحيفة الحياة، ص: 18/ العدد 11299ـ كانون الثاني 1994.
2ـ د. رؤوف محمد علي الأنصاري: صحيفة الحياة، ص: 20/ العدد 12861، أيار 1998.
(238)

والقوغ (جذوع شجرة الحور)، وخشب جذوع النخيل، حيث تستعمل كجسور وتوزع على مسافات متساوية حسب مقاييس الغرفة، وتغطى بحصران القصب (الواري)، ثم توضع عليها طبقة من الطين الناعم لمنع تسرب التراب، ثم طبعة من الطين المخمر، لأيام عدة، والمخلوط بالتبن (ما قطع من سنابل الحنطة) لمنع حدوث الأنشقاق. ثم يفرش بالقار الأسود كعازل للرطوبة، ويبلط بعد ذلك بالآجر المربع بسماكة 4 ـ 5 سم والمسمى بـ(الفرشي). ويغطى السقف في معظم الأحيان من الداخل بألواح خشبية رقيقة تطلى بالدهان في الغالب. وفي بعض الأحيان تثبيت عليها شرائح خشبية رقيقة موزعة بطريقة فنية وبأشكال هندسية متنوعة. أما السلالم (الدرجات) في البيوت التراثية في مدينة كربلاء فتقع عادة في أحد أركان البيت وهي غير بارزة.

الغرف المُعلقة

ونظراً إلى ميزة ارتفاع سقف الطابق الأول، كان لا بد من الاستفادة من هذا الأرتفاع لعمل غرف صغيرة معلقة بأرتفاع مناسب، معدله في معظم البيوت التراثية التي تتواجد فيها مثل هذه الغرف، حوالي مترين، بعد قطع هذه الأرتفاع بواسطة ألواح خشبية سميكة كانت تؤلف ارضية للغرف المعلقة التي تُعرف محلياً بـ (الكنجينة). كما تُعرف في بغداد وبعض المدن العراقية الأخرى بـ(كفشكان). وهذه الغرف تمثل إحدى المعالجات المعمارية الصرفة التي توصل المعمار العراقي إلى إبرازها في البيت، حيث يكون بناؤها من الخشب بدلاً من الطابوق (الآجر) والحديد، وذلك للتغلب على مشاكل الثقل على جدران البيت.
أما الوظائف الرئيسية للغرف المعلقة فيمكن إدراجها على الشكل الآتي:
1ـ أتخاذها مكاناً لنوم بعض أفراد الأسرة وخاصة كبار السن منهم الذين يطلبون الهدوء والعزلة.
2ـ أتخاذها مكاناً لنوم الخدم أو الأطفال.
(239)

3ـ أتخاذها مخزناً للافرشة الفائضة عن الحاجة الأعتيادية لأهل البيت.
4ـ أتخاذها كشرفة مخفية ومستورة، تجلس فيها النساء لمشاهدة المهرجانات ومواكب الأفراح والأحزان التي تمر من الطريق العام في المناسبات، دون أن يراهن أحد من المارة، لأن التركيبات الخاصة بشبابيك هذه الغرف المطلة على الطريق العام اشبه بالشناشيل (المشربيات) مصممة لحجب الرؤية من الخارج للجالسين في هذه الغرف.
ولعل هذا العنصر البنائي أدخل إلى البيوت التراثية لهذا الغرض، تبعاً للوضع الأجتماعي السائد في تلك المرحلة التاريخية، إضافة لما سبق ذكره. أما الصعود إلى هذه الغرف المعلقة، فيتم عن طريق سلالم فرعية صغيرة، وأحياناً يصعد إليها بواسطة سلم البيت الرئيسي أيضاً.
وتعتبر واجهات الغرف الصغيرة المُعلقة المطلة على الزقاق أو الشارع العام من العناصر المعمارية الجمالية في البيت الكربلائي، وتختلف حسب مكانة صاحب البيت وقدرته الأقتصادية.
وتمتاز معظم واجهات هذه البيوت بجمال وروعة زخارفها ودقة صناعتها خصوصاً الشناشيل التي أستخدمت في صناعتها أغلى وأحسن أنواع الأخشاب.
ويكون حجم شبابيك الغرف المعلقة حوالي نصف حجم الشبابيك الأخرى، تليها شبابيك القسم الآخر إلى أسفل شبابيك الغرف المعلقة. وهي في منظرها الخارجي لا تختلف عن تقسيمات وزخارف الشبابيك الأخرى سوى أنها أصغر حجماً من الشبابيك الأعتيادية(1).
1ـ د. رؤوف محمد علي الأنصاري: صحفية الحياة، ص: 20/ العدد 12861، 21 أيار 1998.
سليمة عبد الرسول: المباني التراثية في بغداد، ص: 62.
(240)

الشناشيل (المشربيات)

من الظواهر المالوفة في البيوت التراثية في كربلاء ما يعرف بالشناشيل (المشربيات). وهي الشرفات الخشبية المزخرفة المعلقة والمصطفة على الطريق العام. ففي بيوت الميسورين تتحول الشناشيل إلى قطع فنية رائعة، وذلك لجمال نقوشها الخشبية التي تتخللها قطع زجاجية صغيرة ملونة.
وجاء في فرهنك جديد (المعجم الجديد) لفريدون كار، فارسي ـ فارسي: إن الشناشيل كلمة فارسية مركبة من (شاه نشين) بمعنى محل جلوس الشاه.
ويذكر اللغوي والمؤرخ العراقي الدكتور مصطفى جواد: إن الشناشيل يطلق عليها أيضاً الأجنحة والرواشن، مفردها روشن، وهي لفظة فارسية أيضاً ومعناها الضوء. وتعني الروشن كذلك: الرف، والكوة، لكنها لا تؤدي المعنى المراد هنا(1).
والراجح أن لفظ الشناشيل أو الروشن قد أستخدم منذ العصور الإسلامية الأولى في مدينة البصرة. وقد ورد في نهج البلاغة بشرح الإمام محمد عبده، من كلام للإمام علي بن أبي طالب (ع) فيما يخبر به من الملاحم بالبصرة قوله: (ويل لسكككم (أزقتكم) العامرة والدور المزخرفة التي لها أجنحة كأجنحة النسور وخراطيم كخراطيم الفيلة (الميزاب))، وقد شرح الإمام محمد عبده أجنحة الدور التي شبهها الإمام علي (ع) بأجنحة النسور بأنها رواشينها(2).
وأنتشر هذا الفن الرائع في مدينة البصرة، حيث يعتبر من فنونها المميزة، ومنها أنتقل إلى باقي المدن العراقية وبالخصوص الجنوبية والوسطى منها. وكانت مدينة كربلاء إحدى أكثر المدن تأثراً بالشناشيل البصرية.
تُشيد الشناشيل أساساً على قسم من بناء الطابق الأول يضاف إلى المساحة الأساسية للبيت، وذلك عن طريق إحداث بروز يستند إلى روافد خشبية أو معدنية.
1ـ د. مصطفى جواد: مجلة سومر، ج24/ ص: 244.
2ـ الإمام محمد عبده: شرح نهج البلاغة للإمام علي بن أبي طالب (ع)، ج2/ ص: 9.
(241)

وعندما يتسع البروز نسبياً يعيد المعمار إلى تدريج ألواح الخشب أو الروافد، ليمكنه الحصول على نقاط أستناد قوية تشيد فوقها الشناشيل، ويبلغ البروز عادة متراً واحداً لو أكثر بقليل.
ويتم صنع الشناشيل من الخشب، بدلاً من الآجر أو الحديد، للتغلب على مشاكل الثقل في توسعة البناء، وكذلك مساعدة الخشب في تحقيق برودة الجو الداخلي للغرفة عن طريق تقليل كمية الحرارة الواصلة إلى البيت، دون أن تمنع الضوء والهواء من الوصول إلى غرف الشناشيل من خلال الفتحات الخارجية المشبكة. وكذلك تحفظ للسكان حرمتهم فهي مصممة لحجب الرؤية من الخارج للجالسين في هذه الشرفات أو الغرف الملحقة بها.
والشناشيل المصطفة على طول الطريق العام توفر مظلة يحتمي بها المشاة من شمس الصيف وأمطار الشتاء(1).
ومن الظواهر المألوفة الأخرى في البيوت التراثية في مدينة كربلاء ما يعرف بالأرسي (الشبابيك الخشبية المزخرفة)، التي تفتح وتغلق برفعها إلى الأعلى والأسفل. وتنخل الأرسي أحياناً الأبجورات وهي شبابيك صغيرة شبيهة بالأبواب تغطيها مقاطع من الخشب المائل المشبك لدخول الهواء وحجب الضوء.
وتمتاز معظم البيوت التراثية بوجود البنجرات (وهي عبارة عن قضبان حديدية ذات أشكال زخرفية جميلة تصف عمودياً وتثبت من الأعلى إلى خشبة مرتكزة في أعلى الشباك وأخرى تستند إلى قاعدة الشباك)، وفي فصل الصيف تصف مشربيات الماء الفخارية (التنكـ) على هذه البنجرات(2).
1ـ د. رؤوف محمد علي الأنصاري: صحيفة الحياة، ص: 18/ العدد 12943، آب 1998.
2ـ سلمان هادي طعمة: كربلاء في الذاكرة، ص: 413.
(242)

المساند الخشبية (الدلكـ)

وتستعمل في البيوت الكربلائية أعمدة من الخشب التي تسند الممرات في الطابق الأول، وفي بعض الأحيان تسند الطارمات والغرف في الطابق الأول ايضاً. وتنتهي هذه الأعمدة بتاج مقرنص متدرج يساعد في تقليل مقطع الجسر الخشبي الذي يعلو عدداً من هذه الأعمدة.

مواد البناء المحلية

من أهم المواد الأولية المصنعة محلياً، والمستعملة في بناء البيوت الكربلائية، الطابوق الطيني المفخور (الآجر) الذي يعتبر العنصر الرئيسي في البناء، وذلك لوفرة مادته الأولية ولسهولة صناعته، وكذلك سهولة أستخدامه في البناء وقلة تكلفته، ويمتاز أيضاً بمقاومة جيدة وقدرة كبيرة على عزل الحرارة والصوت، بالإضافة إلى مرونته وأنصياعه حسب رغبة المعمار بحيث يعطي تشكيلات زخرفية معقدة رائعة الجمال، كالحنيات والنتوءات والمقرنصات والزخارف الهندسية والكتاببية البديعة.
أما عملية تماسك الطابوق (الآجر) في البناء، فتعتمد بالدرجة الأولى على مادة محلية أخرى هي الجص، ولهذه المادة مميزات خاصة لها أثر كبير في عملية البناء، كونها تمتلك قابلية عالية على الجفاف بسرعة فائقة بعد أنتهاء البناء مباشرة. وساعدت هذه المواصفات في بناء القباب والأقبية والعقود (الأقواس) من دون الحاجة إلى أستعمال القوالب الخشبية.
وأستعمل في أسس بناء البيوت الكربلائية مخلوط مسحوق النورة والرماد كمانع للرطوبة، وتستعمل في الأساسات كسر (قطع صغيرة) من الآجر الخضراوي المصخرج.
(243)

ومن المواد الأخرى المستعملة القير (القار الاسود) كمانع للرطوبة في تغليف جدران الأسس وأحواض المياة وبعض مصاريف المجاري، وكذلك فرشه على سطوح البيوت قبل تبليطها لمنع تسرب المياه والرطوبة إلى الطوابق السفلية(1).

الأكساءات والزخارف

تستعمل مادتا الجبص والبورق في الأكساءات الداخلية في تبيض الجدران لإعطائها وجهاً مصقولاً يستغني به عن اللبخ (البلاستر) ودهان الجدران.
ولم تقتصر الزخارف الهندسية والبنائية في البيوت التراثية في مدينة كربلاء على الآجر والجبص، بل شملت الأعمال الخشبية في البناء، وأظهر النجارون براعة في الدقة والمهارة في الأعمال الخشبية للأبواب والمشبكات والنوافذ الزجاجية التي تطل على الساحة الداخلية المكشوفة، والمزينة بنقوش جميلة رائعة ومطعمة بقطع صغيرة من الزجاج الملون. ويمكن فتح قسم من هذه الشبابيك لدخول الضوء والهواء إلى الغرفة.

المطبخ

يُعد المطبخ أحد مرافق البيت التراثي، وهو الموضع الذي يُطبخ فيه الطعام، ويحتل هذا المرفق أحد أركان البيت في مكان بعيد عن مصدر هبوب الرياح، وذلك لمنع تصاعد الدخان إلى الغرف والمرافق السكنية الأخرى.
وتوجد فتحة في جدار المطبخ، وفوهتها في أعلى السطح، اشبه بالبادكير ويخرج عبره الدخان إلى الفضاء. إلى جانب ذلك كان يبنى التنور في سطح البيت لغرض صناعة الخبز، وذلك للتخلص من تصاعد الدخان إلى الغرف والمرافق الأخرى للبيت.
1ـ د. رؤوف محمد علي الأنصاري: صحيفة الحياة، ص: 21/ العدد 12458، أبريل 1997.
(244)

الحمام

ويقع في ركن من أركان البيت ومساحته متران مربعان أو أكثر بقليل، يحتوي على حوض ماء صخري صغير. ويسخن الماء في معظم الأحيان في مشرية خارج الحمام في ساحة البيت أو المطبخ ثم تدخل إلى الحمام فيفرغ ماؤها في الحوض، وهنا تبدأ عملية الأستحمام. وأحياناً يوجد تحت أرضية الحمام موقد نار (المشعل) لتسخين أرضية الحمام، ويستعمل الخشب كوقود لهذا الغرض. وكان معظم أهالي مدينة كربلاء يستخدمون الحمامات الشعبية المنتشرة في أحيائها القديمة(1).

سطح البيت

أما سطح البيت التراثي فيستخدم للنوم ليلاً خلال موسم الصيف أتقاء من الحر الشديد. وتتشابه السطوح فيما بينها لأن معظم بيوت المدينة القديمة بأرتفاع واحد تقريباً، وتحيط بالسطوح الجدران وتسمى بـ(الستارة) حيث يبلغ أرتفاعها ما بين 1.60 ـ 1.80 متر والتي تفصل سطوح البيوت بعضها عن البعض الأخر.
وكان البيت التراثي في مدينة كربلاء يحتوي على بئر للماء العذب يقع في احد أركان البيت، وأحياناً تشترك بيوت عدة في بئرٍ واحد.
(245)

ــــــــــــــــــــــــ صورة
(246)

ـــــــــــــــــــــــــــــت صورة صورة
(247)

حصـن الأخيضـر

يُعد حصن الأخيضر أحد المباني التاريخية والأثرية البارزة في العراق، نظراً إلى ضخامة بنائه وتفرده من حيث التصميم والبراعة في هندسته، ومعالمه العمرانية والزخرفية وسعة مرافقه. ويعتبر من الحصون الدفاعية الفريدة من نوعها، وقلما نجد بناء بعظمته في منطقة مقفرة وبعيدة عن العمران.

موقع الحصن

يقع الحصن في الصحراء الغربية من العراق، على بعد 50 كلم إلى الجنوب الغربي من مدينة كربلاء، وحوالي 152 كلم من مدينة بغداد، و17 كلم إلى الجنوب من مدينة عين التمر (شثاثا). ولوقوعه وسط البادية أهمية تأريخية كبيرة، حيث ملتقى الكثير من الطرق التجارية. فالطريق الذي يربط جنوب العراق بأعلى الفرات وسوريا يمر به، كما أنه يقع على الطريق الذي يربط مدينة الكوفة وسوريا، وهو مركز على طريق البحر الأبيض المتوسط ـ حلب ـ البصرة من جهة، والبحر العربي من جهة أخرى، فلموقعه الفريد، وبروز معالمه العمرانية، الأثر البارز في إقبال الزوار والسياج عليه من داخل العراق وخارجه(1).

تاريخ الحصن وتسميته

لقد مضى على أكتشاف الرحالة الأجانب لحصن الأخضير ما يقارب الأربعة قرون، حيث وردت أول إشارة واضحة إليه في كتابات الرحالة
1ـ الكشاف الأثرية، ص: 215.
(248)

الأيطالي بتروديلا فيلا (pietro Della Valle) سنة 1625م. ثم تلاه تافرنيه (Tavernier) سنة 1638م، ودبليوبيوز (Beawes) سنة 1745م، ثم مر به جي روبرتس (Roberts) في سنة 1748م، أعقبه الميجر جون تايلر (Taylor) سنة 1790م.
وقد حضي حصن الأخيضر بأهتمام المختصين من رجال الآثار، إذ نشرت عنه عدد من الكتب والأبحاث التي تناولت هذا الأثر الغامض من جوانبه التاريخية والفنية والمعمارية. إن السبب في ذلك يعود بشكل أساسي إلى أمرين:
الأول: أنه أغفل من أية كتابة تاريخية معمارية، مثل الشواهد التي تعلو في العادة واجهات الكثير من المباني الاثرية أو بعض أقسامها الداخلية.
الأمر الثاني: عدم وجود أية إشارات واضحة في كتب التاريخ عن تاريخ بنائه، وخاصة في المدونات التاريخية العربية والقديمة والبلدانية، حيث أن بناء القصر ما يزال بحالة جيدة، إضافة إلى ما يتميز به من ضخامة تلفت النظر(1).
لقد تناول هذا الحصن بالدراسة والبحث والتقصي عدد غير قليل من علماء الآثار والباحثين والمؤرخين والمستشرقين، وذهبوا في تاريخه وتسميته مذاهب شتى. فقد أرجعه البعض إلى العصر السابق للإسلام، أي إلى العهد الساساني، ومنهم المستشرق الفرنسي لويس ماسنيون الذي قال أنه ساساني، وأنه (قصر السدير) المشهور. وأيده في ذلك الباحث الفرنسي (دي لافوي)، وكذلك العلامة اللغوي العراقي المعروف الدكتور مصطفى جواد، الذي يرى (أن أسلوب هذا الحصن وطراز بنائه يختلف عن الطرز العربية الإسلامية. وهو يعتقد أنه ساساني وهو (حصن عين التمر)، تلك البلدة العتيقة التي عفت آثارها ولم يبق إلا حصنها ـ أعني الأخيضر ـ. وإن عد الأخيضر من الأبنية العربية بل الإسلامية في تلك الفترة هو تحميل للتاريخ والفن ما لا يطيقان، وأنه بناء لم تعرفه
1- K. A. C. Creswell: Early Muslim Architecture, Vol. ll, page: 50. Oxford, 1932,
G. L. Bell: Palace and mosque at ukhaidhir, page: 4. Oxford, 1914.
(249)

العرب وليس له شبيه في آثارهم). غير أن غالبية علماء الآثار يرجعونه إلى العصور الإسلامية، وبشكل خاص إلى العصر العباسي الأول. وذلك بسبب أدلة معمارية وتاريخية يسوقونها. وتُعد دراسة المستشرق البريطاني ك. أ. كريزول عن قصر الأخيضر من أهم الدراسات التي كتبت عنه، وقد خلص إلى أنه بنى سنة 161هـ (778م)، ويعتبر أحد الآراء المهمة في هذا الموضوع(1).
ويرى الكثير من العلماء المتخصصين في العمارة والفنون الإسلامية، أن العناصر المعمارية لصحن الأخيضر تتماشى تماماً مع ما وصل إليه تطور الفن المعماري الإسلامي في تلك الحقبة من الزمن. وهي الحقبة التي تنحصر بين بدء تشييد مدينة دار السلام (بغداد) سنة 145هـ (762م) وتشييد مدينة سامراء في سنة 221هـ (836م) العاصمة العباسية الثانية التي شيدت في العراق بعد بغداد، وقد وجد بأن هناك تشابهاً كبيراً بين طراز عمارة الحصن وأبنية سامراء الأثرية(2).
ومما يؤكد على أن حصن الأخيضر بناؤه إسلامي، وذلك من خلال التقيبات التي جرت فيه، أن أسس بنائه من أصل واحد، وأن المسجد فيه أصلي شيد مع البناء، ويعود إلى دور تأسيس الحصن. كما أن محراب المسجد في جداره الجنوبي (القبلي) كان من أصل البناء أيضاً. ويمتاز هذا المسجد بنفس الخصائص التي تميزت بها المساجد الإسلامية(3).
وتذكر بعض المصادر التاريخية أن حصن الأخيضر أقيم على أنقاض قصر مقاتل الذي نزل فيه الإمام الحسين (ع) في طريقه إلى كربلاء عام 61هـ (680م), وقد هدم قصر مقاتل من قبل عيسى بن موسى، أبن الأخ الأكبر لأبي العباس السفاح والمنصور في القرن الثاني الهجري وأقام حصن الأخيضر فوقه
(4)

.
1- K.A.C. Creswell: Early Muslim Architecture, Col. II, page: 50. Oxford, 1932.
2ـ د. عبد العزيز حميد: سومر، ج37/ ص: 172، سنة 1981م. الكشاف الأثري، ص: 215.
(3و 4)ـ الكشاف الأثري، ص: 215 ـ 216.
(250)

ومهما يكن من أمر، فإن حصن الأخيضر كان قائماً حوالي سنة 157هـ (773م)، وهي السنة التي تسبق وفاة أبي جعفر المنصور ثاني الخلفاء العباسيين 134ـ 158هـ (751ـ 774م) وذلك نتيجة للعثور على عدد من المسكوكات الفضية يتراوح ضربها بين سنتي 157و 162هـ (1).

تسمية الحصن بالأخيضر

أختلف المؤرخون كذلك في أصل تسمية (الأخيضر). وذكر بعضهم أن تسميته ربما جاءت بسبب أخضرار موقع الحصن، فإن كلمة الأخيضر معروفة في البادية، وهي مصغر من كلمة الأخضر في اللغة العربية، والوادي الذي يمر بالقرب من الأخيضر نفسه يسمى بوادي الأبيض نسبة إلى بياض رماله.
والبعض الآخر، ومنهم العلامة العراقي محمود شكري الآلوسي، يرى أن (الأخيضر محرف من (الأكيدر) أسم أحد أمراء قبيلة كندة الذي أسلم في صدر الإسلام)(2).

معالم الحصن المعمارية

يتميز حصن الأخيضر بأنه بناء دفاعي ضخم. وهو مشيد بالحجر المتوفر في المنطقة المحيطة به، والجص. والبعض من أجزائه مبني بالطابوق الطيني المفخور (الآجر) ـ الذي يجلب من المنطقة القريبة من مدينة كربلاء ـ وهو مستطيل الشكل، ومن أهم معالمه العمرانية هي:

الأسوار

يحيط بحصن الأخيضر سور طوله من الشمال إلى الجنوب 175متراً، وعرضه من الشرق إلى الغرب 169متراً، ويبلغ أرتفاعه حوالي 21 متراً. يضم
1ـ مظفر الشيخ قادر: مسكوكات من الأخيضر، مجلة المسكوكات، العدد1/ ص: 20، بغداد 1969.
د. عبد العزيز حميد: سومر، ج37/ ص171.
2ـ سلمان هادي طعمة: تراث كربلاء، ص: 122.
د. جليل العطية، جريدة الشرق الأوسط العدد 6342/ ص: 15، لندن 1996.