الأخلاق كانت الشبهة بهم أقوى والأغترار بهم أكثر ولكن الله تعالى عصم بالعقول من استرشدها، وقاد إلى الحق من أيقظه بها، إنتهى.
نحن قد ذكرنا في كتاب ((الميزان الراجح)) زرادشت وماني ومزدك والمجوس أجمع وبولص وفرق النصارى. وما صدر من هؤلاء مما يشبه الخارق إنما هو شعبذة ومخاريق سحرية وستعرف الفرق بين المعجز وهذه المخاريق إنشاء الله تعالى.

أشتقاق المعجزة:

إن المعجز مشتق من العجز وهو عدم القدرة عن الشيء. يقولون: عجز فلان عن كذا وأعجزه الشيء الفلاني إذا لم يقدر عليه ولم يتمكن، ومنه العجز آخر العمر إذا طعن في السن وضعفت قوته فعجز عن القيام بمهماته.
قال أبن الأثير في النهاية(1): والمعجزة بفتح الميم وكسرها مفعلة من العجز عدم القدرة.
وقال الفيروزآبادي في القاموس: وعجز عن الشيء فاته، وفلان وجده عاجزاً وصيه عاجزاً. والتعجيز التثبيط والنسبة إلى العجز. ومعجزة النبي أعجز بها الخصم عند التحدي والهاء للمبالغة.
وقال الفيومي في المصباح المنير(2): عجز عن الشيء عجزاً من باب ضرب، ومعجزة بالهاء وحذفها ومع كل وجه فتح الميم وكسرها ضعف عنه، ألخ
فقد أستبان أن تسمية المعجزة وهو عندهم الضعف والكسل والعناء والتعب،
1ـ النهاية لأبن الأثير 3/ 70.
2ـ المصباح المنير 2/ 39.
(451)

فيقول بعضهم مشتكياً: عجزت عن المشي وأنا عاجز وعجزان، ويرجع معناه إلى عدم القدرة والكلال والضعف إذ المعنى في الكل ضعف وأعيى فلم يقدر على معاناة هذا العمل ولهم محاورات كثيرة تدل على هذا المعنى كقول قائلهم لرفيقه: ((عجزتني من الدوارة عليك)) يريد أعجزتني لشدة طلبي لك وفحصي عنك حتى صرت لا أقدر على المشي بعد هذا فيعود المعنى العامي إلى المعنى اللغوي.

الفرق بين المعجزة والسحر:

تقع من السحرة والمشعوذين وأرباب النيرجة والتمويه من المخاريق والأعمال المدهشة ما تختلف عقول الأغمار من البسطاء وتستولي على أفكار الجهلة وسخفاء العقول الذين يعبر عنهم العوام بفاسخي العقول فكما أستغوث هذه الشعبذة والمخاريق أفكار السفهاء أستغوث المخترعات الحديثة ألباب كثيرة من الحلماء ولهذا السبب الوحيد وجب علينا إبانة الفرق بين هذين والمعجز ليستعمل العاقل آلة عقله ويكبح الجاهل جماح طيشه وجهله.
تصدى كثير من العلماء السالفين للتفرقة بين المعجز والسحر ومن هؤلاء أبو حامد الغزالي الشافعي قال في سر العالمين(1): إعلم أن الناموس هو مفتقر إليه في بعض الأحيان كالدواء لكن ليكشف شرح مشتقة الأحوال عند العوام. قال صاحب الشرع ((خاطب الناس على قدر عقولهم)) والمنزه ذكره خاطب كل أحد بما يستحقه ويعقله فلقوم ((ولدان مخلدون)) ولقوم ((سدر مخضود وطلح منضود)) ولأرباب الهمم العالية ((وجوه يومئذٍ ناضرة إلى ربها ناظرة)) والمنشد قد نبه في نظمه شعراً :
1ـ سر العالمين: ص46.
(452)

إما ذباباً فلا تعبأ بمنطقه أو قملة الرأس فأحذر أن تقع وسطا
وأعلم أن الزمان حبيب أهله وطائفة تخترع لها مذهباً في الناموس بطريق الزهد كالسبح المرقعات وجلود الغنم والبرانس وأذان الليل والأنقطاع في الكهفان وكبر الاُمور بحيث أن يقول لصاحبه: إذهب ففي الموضع الفلاني كذا وكذا.
وطائفة تظهر النور واُخرى تقعد بين القبور وإظهار الخزعبيلات والنيرنجيات يعرض الكرامات ودهن الأقدام والخوض في النار وإظهار الخرق من سمندل الصين التي ذهب وسخها النار، وإظهار الخفف وبهذه الشعبذة وضرب طلسم على النعل فيعبر الماء ووقوف السجادة في الهواء وشعلة القنديل وإشعال السراج بالماء دون الدهن وكثير من ذلك لا عدد لها.
والفرق بين المعجز والسحر والكرامة هو دوام الشيء وإظهاره للناس كالقرآن المجيد فهو المعجز الأكبر والناموس الأعظم فلا تطلى على الملك حالات المبرهن. وأما الكرامات والمكاشفات فهم الذين أستخدموا وخدموا وأستحملوا وعملوا فكشف لهم العمل سد الغفلة وضرب جبهته الذكر ما في الشبهة القلبية فأزال زرقتها وسوادها فوقعت المشاهدة عقيب المجاهدة فتنورت القلوب بنور الهدى والتصديق فهامت النفوس المقدسة في مهامة المروج الصمدية، وأنكشف ستر اللواح المحفوظ من دار الديمومة وظهرت الخواطر الصافية من الأجسام الرذلة المعلولة فاُفرغت في قالب كمال الوجود واُلقت من سجية أهل الجود، ألخ.
ومسلكه صوفي كما ترى. وأتذكر بقوله دهن الاقدام والخوض في النار ما بلغني من حكايات بعض المشعوذين والمموهين على العوام السذج والقرويين البسطاء بالمخاريق السحرية والتمويهات النيرنجية فيستغوي الطغام ويستميل افئدة سطحية فارغة من اليقين والعلم تلتقف الشعوذة التقاف الدهن للنار من ذلك أنه يسجر التنور فيدخل فيه فلا يحترق محاكياً بذلك سحرة الهنود الجوكية الذين
(453)

تحدث عنهم أبن بطوطة الرحالة. أو يقذف بنفسه من شاهق فيقع ولا يتضرر ويلقى نفسه من لج طامي فلا يغرق يظهر أن ذلك من نوع الكرامة كما تفعل شعوذة متفلسفة الصوفية وهو اُلقي من علو ذراع أو نهر صغير غير مستعد لتلك العملية لتحطم ولرسب بلا ريب.
لكن هذه الضروب من الشعبذة السيميا قد لعبت دوارمها في عقول فاقدي الإحساس والشعور، وتغلغلت في تلك الأدمغة الجامدة هذه المخاريق فحسبوها ضرباً من الإعجاز وكل من فقد التفكير ينخدع، وكل من لم يتدبر ضل وتحير. أم سمعوا قول الله تعالى حاكياً عن فرعون: (أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي) (1) ولم يحكى مثل ذلك عن ولي من أوليائه ولا نبي من أنبيائه، فهل يرى هؤلاء الغوغاء الجهلة والأدنياء السفلة أن فرعون كان محقاً ذا كرامة وإعجاز؟
أن أمثال هذه الأعمال من الشعبذة والشعوذة والطلسمات والمخاريق منتشرة في العالم ونظيرها من الدخن والبخورات وما يسمونه عزائم الجن كلها من ضروب السحر المحرمة في دين محمد بن عبد الله (ص) وحرمتا في شريعة الإسلامية قطعية بالأدلة الأربعة: الكتاب (القرآن) والسنة المتواترة وإجماع الاُمة الإسلامية والعقل الصحيح. ومن خالف هذه الاُصول الأربعة فهو زائغ.
ولا تستغرب هذه الأدعاءات فقد قام المشعوذون باُمور أعظم خطورة من هذه وأشد تهويلاً على السذج المغفلين ويكاد يعدها أو قد عدها السخفاء القاصرون إعجازاً وأنا لا ألوم مثل هؤلاء الضعفاء أن يعجبوا لشيء قد أستعظمه الله تعالى في
(454)

كتابه بقوله تعالى (وأسترهبوهم وجاءو بسحر عظيم) (1). وحكى عن نبيه العظيم موسى بن عمران ما أجنه في نفسه بقوله: (فأوجس في نفسه خيفة موسى * قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى)(2) وهذا أمر عظيم فما ظنك بمن يتخيله النبي العظيم صحيحاً حيث يقول: (يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى)(3)ولم يقف على حد هذا التخيل بل تجاوزه إلى أستشعار الرهبة والخوف فإذن ما حال الضعيف العقل والدين والفكر واليقين؟
قال أبن النديم في الفهرست(4): زعم طائفة من الفلاسفة وعبدة النجوم أنهم يعملون الطلسمات على أوضاع الكواكب فجميع ما يريدونه الأفعال البديعة والمهيجات والعطوف والتسليات، ولهم نقوش على الحجارة والخرز والفصوص وهذا علم فاشي ظاهرة في الفلاسفة. وللهند أعتقاد في ذلك وأفعال عجيبة، وللصين حيل وسحر من طريقة اُخرى، وللهند خاصة على التوهم، وللترك علم من السحر. قال لي من أثق بفضله أنهم يعملون عجائب من هذا ثم للجيوش وقتل الأعداء وعبور الماء وقطع المسافات البعيدة في المدة القريبة والطلسمات بأرض مصر والشام، إلى آخر ما هناك.
وقال (5): الكلام على الشعبذة والطلسمات والنيرنجات: أول من لعب بالشعبذة في الإسلام عبيد الكيس وآخر يعرف بقطب الرحى ولهما في ذلك عدة كتب منها كتاب الشعبذة لعبيد الكيس، كتاب الخفة في ذلك لقطب الرحى، كتاب بلع
1ـ الأعراف: 116.
2ـ طه: 67 ـ 68.
3ـ طه: 66.
4ـ الفهرست: ص429.
5ـ نفسه: ص 424.
(455)

السيف أو الحصا والقضيب والسبح وأكل الصابون والزجاج والحيلة في ذلك، وذكر بحثاً مطولاً فراجعه.
قال أبن بطوطة الرحالة المالكي المغربي في رحلته(1): ذكر السحرة الجوكية وهؤلاء الطائفة تظهر منهم عجائب منها أن أحدهم يقيم الاشهر لا يأكل ولا يشرب.
ثم يقول: نبذة من أفعالهم: ومنهم من ينظر إلى الإنسان فيقع ميتاً من نظرته. ثم يقول: بعث إلي السلطان يوماً وأنا عنده بالحضرة فدخلت عليه وهو في خلوة وعنده بعض خواصه ورجلان من الجوكية وهم يلتحفون بالملاحف ويغطون رؤوسهم لأنهم ينتفونها بالرماد كما ينتف الناس آباطهم. فأمرني بالجلوس فجلست، فقال لهما: إن هذا العزيز من بلاد بعيدة فأرياه ولم يره مالم يرده. فقالا: نعم. فتربع أحدهما ثم أرتفع عن الأرض حتى صار في الهواء فوقنا متربعاً، فتعجبت منه وأدركني الوهم فسقطت إلى الأرض.
فأمر السلطان أن اُسقى دواء عنده فأفقت وقعدت وهو على حاله متربع، فأخذ صاحبه نعلاً له من شكارة كانت معه فضرب بها الأرض كالمغتاظ فصعد إلى أن علت فوق عنق المتربع وجعلت تضرب في عنقه وهو ينزل قليلاً قليلاً حتى جلس معنا. فقال لي السلطان: إن المتربع هو تلميذ صاحب النعل. ثم قال: لولا أني أخاف على عقلك لأمرتهم أن يأتوا بأعظم مما رأيت فأنصرفت عنه واصابني الخفقان ومرضت حتى أمر بشربة أذهبت ذلك عني، ألخ. وذكر لهم قصصاً كثيرة منها الرقص في النار وأمثالها تركناها له.
ومن المشعوذين الحسين بن منصور الحلاج وقُتل أيام المقتدر العباسي لما ظهر منه الإلحاد والزندقة وكان يمزج الغلو بالتصوف والحلول بالتناسخ ويظهر
1ـ رحلة أبن بطوطة 2/ 102.
(456)

في ذلك أفعالاً عجيبة أستوفيناها في كتابنا ((كشف المستور)) وكتابنا ((الميزان الراجح)). أفتى علماء المذاهب وفيهم الشيعة بقتله فقتله المقتدر، وله في قتله قصة عجيبة. فمن شعبذته ما ذكره أبن النديم في الفهرست(1) أنه حرك يده يوماً فانتثر على قوم مسك، وحرك يده آخر فنثر دراهم. فقال له بعض من يفهم: أرى دراهم معروفة ولكن أؤمن بك وخلق معي إن أعطيتني درهماً عليه إسمك واسم أبيك، فقال له: وكيف وهذا لم يصنع؟ فقال: من أحضر ما ليس بحاضر صنع ماليس بمصنوع.
وفي صلة تاريخ الطبري وذكر كثيراً من مخاريقه منها(2) قال: كان نصر بن قشور قد مرض فوصف له الطبيب تفاحة فلم توجد فأومأ الحلاج إلى الهواء فأعطاهم تفاحة فتعجبوا من ذلك وقالوا له: من أين لك هذه؟ قال: هذه من الجنة.
فقال له بعض من حضر: إن فاكهة الجنة غي متغيرة وهذا فيها دودة. فقال: لأنها خرجت من دار البقاء إلى دار الفناء فحل بها جزء من البلاء.
وقال(3): وأخبرني جماعة من أصحابه أنه لما أفتتن الناس بالحلاج في الأهواز وكورها وما يخرجه لهم من الأطعمة والأشربة في غير حينها والدراهم التي سماها دراهم القدرة. حدث أبو علي الجبائي فقال لهم: هذه الأشياء محفوظة في منازل تمكن الحيلة فيها ولكن أدخلوه بيتاً من بيوتكم لا من منزله وكلفوه أن يخرج من بردتين شوك فإن فعل فصدقوه. فبلغ الحلاج قوله وأن قوماً قد عملوا على ذلك، فخرج من الأهواز ألخ. وحكاياته كثيرة.
ومن المشعوذين مسيلمة الكذاب الحنفي من ربيعة مدعي النبوة في عصر
1ـ الفهرست: ص270.
2ـ تاريخ الطبرية 13/50.
3ـ نفسه 53/ 13.
(457)

النبي محمد (ص) وقتل في خلافة أبي بكر فإنه كان صاحب مخاريق ونيرنجات وشعبذة.
قال الحلبي في سيرته(1): ثم أظهر معجزة وهو أنه أدخل بيضة في قارورة فأفتضح بأن البيضة بني يومها إذا لقيت في الخل والنوشارد يوماً وليلة فإنها تمتد كالخيط فتجعل في القارورة ويصب عليها الماء فتجمد.
وقال ووجيه فارس الكيلاني في كتاب الدعاة(2): كان مسيلمة صاحب مخاريق وتمويهات يقال إنه أول من أدخل البيضة في القارورة وأول من وصل جناح الطائر المقصوص، ألخ.
وذكر الجاحظ في كتاب الحيوان أنواعاً من الشعوذة.
ومن المشعوذين الأسود العنسي من مذحج الذي أدعى النبوة في عصر رسول الله (ص) وقتل في عصره كان مشعبذاً يأمر حماره فيسجد له بتمرين مرنه عليه.
قال وجيه الكيلاني في الدعاة(3): قيل له ذو جمار لأنه كان له حمار معلم يقول له أسجد لربك فيسجد، ويقول له أبرك فيبرك فسمي ذو الحمار كان يشعبذ ويروي الأعاجيب ألخ.
ومن المشعوذين المقنع الخراساني وهو من أصحاب أبي مسلم الخراساني صاحب الدولة كان يدعي الربوبية ويقول بالتناسخ والحلول.
قال في الدعاة(4): كان قبيح الوجه مشوه الخلق ألكن أعور قصيراً وكان لا يسفر
1ـ السيرة الحلبية: ص253.
2ـ الدعاة: ص50.
3ـ الدعاة: ص 59.
4ـ الدعاة: ص13.
(458)

وجهه فلذلك سمي المقنع أتخذ وجهاً من ذهب فقنع به لئلا يرى وجهه وقبحه وإنما غلب على عقولهم بالتمويه والسحر، وكان في جملة ما أظهر لهم صورة قمر يطلع ويراه الناس من مسافة شهر من موضعه ثم يغيب معظم أعتقاد الناس فيه.
وقد ذكر المعري هذا القمر بقوله:
أفق إنما البدر المقنع رأسه ضلال وغي مثل بدر المقنع
وهبة الدين بن سناء الملك بقوله:
إليك فما بدر المقنع طالعاً بأسحر من الحاظ بدر المعمم
وفي سقط الزند إنه أنبط بئراً واسعة في بعض جبال تلك الناحية وطرح فيها الزئبق الكثير فوق الماء فكان شعاعه يظهر في الجو كأنه بدر وقتل أيام المهدي.
قال(1): قيل: إنه أحرق نفسه في تنور في حصنه قد أذاب فيه النحاس مع السكر حتى ذاب فيه وأفتتن أصحابه بعد ذلك لما لم يجدوا جثته ولا رماداً وزعموا أنه صعد إلى السماء، ألخ.
ومن المشعوذين أبن الشباس علي بن الحسين البغدادي أبو محمد. قال عنه في الدعاة(2) توفي بالبصرة سنة 444 وكان أبن الشباس وأبوه مستقرين بالبصرة وكانت أربجياتهم وزخارفهم أختفى على الناس حتى كشفها بعض أصحابه فكان مما حدث به عنه أنه قال: حضر يوماً عنده فأخرج دياً مشوياً فأمرنا بأكله وأن لا نكسر عظمه ولا نهشمه فلما فرغنا أمرنا برده إلى التنور ونزل على التنور طبقاً ثم رفعه بعد ساعة فوجدنا يرعى حشيشاً ولم نرى للنار أثراً ولا للعظام خبراً.
قال: فتلطفت حتى عرفت خبر ذلك وهو أن التنور يفضي إلى سرداب وبينهما
ـ سقط الزند: ص14.
2ـ الدعاة: ص28.
(459)

طبق نحاس بلولب فإذا أراد أزالة النار فركه فينزل عليه فيسده وينفتح السرداب.
فإذا أراد أن يظهر لنا النار أعاد الطبق إلى فم السرداب فتبدوا النار للناس.
ومن المشعوذين الحارث الكذاب من أهل الحولة قرية بالشام أدعى النبوة فقتله عبد الملك بن مروان. قال عنه في الدعاة(1): كان يريهم الأعاجيب فكان يأتي إلى رخامة المسجد فينقرها بيده فتسيح وكان يطعمهم فاكهة الصيف في الشتاء ويقول: اُخرجوا حتى اُريكم الملائكة فيخرجهم إلى دير مروان(2) فيريهم رجالاً على خيل ـ وفي رواية أبن عساكر: على جبل ـ فتبعه خلق كثير إلى آخر ما ذكر وفيها قتله.
وذكره الحموي في معجم البلدان في الحولة وأبن عساكر في التاريخ.
ومن المشعوذين إسحاق الأخرس الذي أدعى النبوة في عصر السفاح العباسي وهو أعجمي إصفهاني قال عنه في الدعاة(3): نشأ بالمغرب فتعلم القرآن ولم يترك علماً حتى أتقنه ثم أدعى أنه أخرس وسافر ونزل بأصبهان ثم أراد الدعوة فعمل أدهاناً دهن بها وجهه حتى لا يمكن أحد النظر إليه من شدة الأنوار ثم نام في المدرسة مغلقاً عليه الأبواب فلما نام الناس قام فدهن وجهه من ذلك الدهن ثم أوقد شمعتين مصبوغتين لهما أنوار تفوق السرج وصرخ صرخة أزعج الناس ثم أتبعهما ثانية وثالثة وأنتصب في المحراب يصلي ويقرأ القرآن بصوت أطيب ما يكون وبنغمة أرق من النسيم فلما سمع الفقهاء تواثبوا واشرفوا عليه وهو على تلك الحال فحارت أفكارهم إلى آخر قصته.
1ـ الدعاة: ص73.
2ـ دير مروان تصحيف مران.
2ـ الدعاة: ص77.
(460)

ومن المشعوذين فارس الساباطي قال عنه في الدعاة(1) هو فارس بن يحيى الساباطي كان ظهوره في خلافة المعتز فكان يمشي في الماء على ساحل البحر فيطلع السمك من البحر ويقبل أقدامه. قال الجوبري: وذلك أنه يدهن أقدامه يدهن فتطلع السمك فتلحس أقدامه فيتوهم الإغرار فيه النبوة، ألخ.
والمشعوذين كثيرون وأوردنا هذه الجمله لتفهم مقدار ما أستخف هؤلاء من سخفاء وأستغووا من بلداء وأستهووا من سذج حتى يقول ذلك المضل أنا اُباهل أهل المذاهب في أن أدخل النار فلا تضرني، وأرمي بنفسي من شاهق فلا يضرني، وأخوض الشط فلا اُغرق فيصادف بهذه المخرقة عمي البصيرة.

عودة إلى الفرق بين المعجز والسحر:

قال أبن خلدون البربري المؤرخ المالكي في المقدمة في الفصل المطول في السحر والشعبذة(2): أما الفرق عندهم بين المعجزة والسحر فالذي ذكره المتكلمون أنه راجع إلى التحدي وهو دعوى وقوعها على وفق ما أدعاه وقالوا: الساحر مصروف عن مثل ذلك التحدي فلا يقع منه وقوع المعجزة على وفق دعوى الكاذب غير مقدور لأن دلالة المعجزة على الصدق عقليّة لأن صفة نفسها التصديق فلو وقعت مع الكاذب لاستحال الصادق كاذباً وهو محال فإذن لا يتقع المعجزة مع الكاذب بإطلاق.
أما الحكماء فالفرق بينهما عندهم كفرق ما بين الخير والشر في نهاية الطرفين فالساحر لا يصدر منه الخير ولا يستعمل في أسباب الخير وصاحب المعجزة لا يصدر منه الشر ولا يستعمل في أسباب الشر وكأنهما على طرفي نقيض في
1ـ الدعاة: ص83.
2ـ مقدمة أبن خلدون: ص1422.
(461)

أصل فطرتهما والله يهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم، ألخ.
وأجتلى الفرق بين السحر والمعجز من إشعاع تدقيق العلماء بوضوح فأرسمه باُمور:
1ـ ما عن العزالي من جهة الدوام وعدمه فالمعجز دائم ومستمر والسحر زائل ومنقطع.
2ـ الصرفة فيما حكاه أبن خلدون عن متكلمي المسلمين ومعنى الصرفة هو رفع التطرق إلى أدعاء التحدي ومباهلة الغير فيقع السحر من الساحر بدون دعوى الناس إلى أحكام الأقتراح عليه فيما شاؤوا والنبي يتحداهم إلى الأقتراح ويدعوهم إلى التحكم في التصرف في الطبيعيات وتصريف الماديات بإرادته كما يريدون وكما يقترحون. ففي الساحل يحل الصرف الإلهي فلا يدور في خلده ولا يتخلل فاكرته أن يدعي مثل ذلك أو يدعو إليه فتقع الأشياء منه عفواً.
3ـ المنع الذي ذكره أبن خلدون عن الفلاسفة وهذا المنع قد يكون منعاً إلهياً وسلباً للقدر على فعل الشيء بسبب المنع الرباني فيعود إلى الصرفة وقد يكون طبيعياً جبلياً وهو مرادهم وذلك أن الشرير لا يصدر عنه إلا الشر ولا يفيض منه الخير وكذلك الخير لا يصدر منه إلا الخير ولا يفيض منه الشر فإذا شاهدنا أعمال السحرة الأشرار حكمنا عليها بالمخرقة لأنها من مصدر الشر، وإذا شاهدنا أعمال الأنبياء حكمنا بالمعجز لأنها من مصدر الخير فالأول ساحر شرير يستغوي العقول كما عرفناه بطبعه والثاني مصلح مرشد يستهدي الألباب كما تبيناه من سجيته. فالمطبوع على الخير والمجبول عليه يأتي بالبرهان الناصع دليلاً على خيره الذي يدعو إليه والمفطور على الشرارة والإضلال يأتي بمخاريقه لتكرير شروره.
4ـ ما نراه نحن أن المعجز ما لا يدخله التصنع والحيلة، والسحر قوامه التصنع
(462)

والأحتيال فالأمر بعدم كسر العظم مغالطة فإن المقتدر على إعادة اللحم والشحم والحياة وتركيب المفاصل يستطيع إعادة العظم المهشم وفي هذا المنع مغالة للعاقل وتمويه على الجاهل بأبن في كسره وهشمه إبطال للماهية وإفساد لها وإتلاف فيستطيع من بقائها ترويح تمويهه.
أما المعجز فلا يتوقف على بقاء المادة ولا حفظ الماهية وإنما راجت مغالطة الساحر على العاقل بحفظ العظام ليوهمه أن الله تعالى قال لخليله: (فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم أجعل على كل جبل منهن جزاءاً ثم أدعهن يأتينك سعياً)(1) فيموه بأن الله تعالى أمه الخليل بحفظ الأجزاء حتى يجعل كل واحد في مكان ولو تلفت ما أستطاع الخليل ذلك وهذه مغالطة يرمقها العاقل بعين الرضا والتسليم ولو أعمل دقة النظر والفكر لتبيين غلطها واضحاً لأن الخليل الخليل ما طلب إلا كيفية إحياء الموتى، وكيفيتها تحصل بانضمام الأجزاء ولو طلب كيفية الإعادة لأمره بأن يدعوا جماداً أو غيره من الاشياء.
وقصة الخليل كقصة الذي مر على قرية وقال أنى يحيي هذه الله، فإن قصة أنى كيف تحيى الموتى يجوز وقوعها في أن يحيى له ميتاً ولا يفقد سوى الروح لأن السؤال لا يقتضي أكثر منه والطلب لا يتعداه وله كان طلبه صفة الإعادة بعد التفريق والتمزيق لأراه إياه.
5ـ ما نراه أيضاً من أن المعجز يقلب الحقيقة وإنشاء شيء من غير طبيعته كقوله تعالى حاكياً عن عيسى بن مريم بقوله (أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فانفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله)(2) فقلب هذا المعجز الباهر حقيقة الطين التي من طبعها
1ـ البقرة: 260.
2ـ آل عمران: 49.
(463)

الثقل وهي بحسب مادتها تطلب الأعماق والرسوب فيها إلى حقيقة ثانية طبعها الخفة وهي بمادتها تطلب العلو والأرتفاع وتلك طبيعة الهواء الذي خلق منه سائر الطيور كما صرحت به الأحاديث حتى أصبح هذا الثقيل الذي يقتضي الهبوط جرماً خفيفاً مرتفعاً في الهواء. فالمشعبذ والساحر مهما بلغا من الحذق والمهارة في المخاريق لا يستطيعان قلب الحقائق، أقصى ما يستطيعانه التمويه بضروب من الحيل كالإغماء على البصر فيريهم ما يتوهمونه فرساً تطير في الهواء عليها رجال فهذا خيال لا حقيقة، وقد قال الله في عصى سحرة موسى(يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى)(1) فإذا أزال هذا التخييل أنكشف الواقع المغطى ولكن صاحب المعجز يتمكن من جعل الفرس طيار وغير محتاج معه إلى الجناح كما يوصف بساط سليمان الذي تقله الريح إلى حيث شاء يسير مرتعاً في الهواء بجيمع ما فيه من أثقال وهذا قاله الله تعالى: (ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر)(2)فسير هذا البساط ما لا تستطيعه الطائرة النفاثة مع خفتها فإنها لا تقطع في غدوة مسافة شهر وفي روحة مثله.
6ـ ونحن نقرره أيضاً أن المعجزات لم تكن عن مبادي علوم ولم تقع عن سنة مقررة وعلى نمط واحد فلذلك تقع متفاوتة والآنات وعلى أنواع شتى وكل واحدة تجيء بسرعة مدهشة فبينا ترى صاحب المعجز يكلم الحصا إذا تقبل نحو الشجرة وتظله من فوق رأسه الغمامة وإذا قدمه ترتسم في الصخر ويكون لشخصة ظل في الفيء دون الشمس إلى ما شاء متصلة أو متعاقبة.
ولا يستطيع الساحر والمشعوذ ذلك لأنها قد أستخرجا لتلك المخاريق من
1ـ طه: 66.
2ـ سبأ: 12.
(464)

قواعد فنية فهي تجري على سنة واحدة ونمط واحد فالذي لم تعمل فيه نفاثته لا يأتي بشيء منه فلذلك ترى إنارة الشمعة وإضائة الوجه من نوع واحد صناعي فليس في أستطاعته مع ذلك أن يجلب شجرة مالم يستعد معها لأسباب التمويه المعينة له على تركيز هذا الخيال في الأوهام.
وأمر المعجز بين في قصة عيسى إذ يتحدى بخلق الطير من الطين وإبراء الأبصر والأكمه والأعمى وإحياء الميت كل ذلك وقت واحد وكل عمل من هذه الاعمال لو نجح على فرض محال لأستغرق وحده أزمنة طويلة فالمصور لصورة لا تطير فعلاً يحتاج إلى مدة غير قصيرة فكيف لو صورها طائرة حية ذات أجنحة ولحم ودم وهكذا البواقي. وكذلك لو حاول عيسى من إخبارهم بما يأكلون ويدخرون في بيوتهم لاحتاج إلى مدة طويلة يستعملها بطرقها من التجسس والفحص الدقيق لئلاً يخطئ فيحتاج إلى زمن طويل وربما لا يطلع بتجسسه على المخباة التي يقع عليها علم صاحب المعجز ولو لم يكن كذلك لكان تحديه مدحوضاً وأحتجاجه منقوضاً.
أما الأستعلامات من سير الكواكب وقرانات النجوم وأستعمال الآلات التي يستخرج بها الأنوار والرياح وكذلك مقاييس درجات برودة الجو وحرارته فاُمور علمية وهي مع ما يقترن معها من الخطأ أحياناً لا تقع إلا بعد بذل الجهود وقضاء الأزمنة الطويلة وبعد التجارب العديدة أستند إليها أهلوه ولو حاولوه قبل التجربة والأختبار أفتضحوا، وصاحب المعجز لا يحتاج إلى ذلك.
وقد جاء في أحاديثنا أن إمامنا الهادي (ع) لما أشخصه المتوكل من الحجاز إلى العراق كان ذلك في شدة الحر فأستعد لنفسه ولخدمه بالفنك والسمور واللباد ألبسة الشتاء الشديد حتى أستوجب أن يسخر منه الساخر فلما دخلوا البادية أظلتهم سحابة شديدة البردة واُمطرت عليهم برداً فهلك كل من لم يرتدي من
(465)

تلك الألبسة ومثل هذا لا يقع في الآلات إلا بعد التجارب مراراً عديدة كما عرفناك: فهذه الفوارق بين المعجز والسحر.

الفرق بين المعجز والأختراع الحديث:

إن الذي أستخرجه العلم الحديث في هذه الأزمنة مما أوجب الدهشة والأنذهال وحتى أدى ببعض ضعفاء الدين والعقل أن يقول:
إن يكن معجز النبي عجيبا فلكم أظهرت اُوربا عجيبا
وهذا إنسان يسلب المعرفة وفقد بصرة العلم فتمحل وسنوضح لك إنشاء الله.
للدكتور عبد العزيز إسماعيل في كتاب الإسلام والطب الحديث(1) في الفرق بين المعجزات والأختراعات العلمية كلام جميل فراجعه.
ثم قال الدكتور بعد كلام حول قضية ولادة سيدنا عيسى (ع)(2): ولما كان المعجزات لما فيها من خرق النواميس الطبيعية والأنفعالات النفسية تدخل في اختصاص الطبيب أكثر من غيره جئت اُلخص هنا ما وصلت إليه من قواعد أساسية في كل ما ورد في القرآن منها:
1ـ المعجز كلها من صنع الله مباشرة ومعناها سنة جديدة بخلاف كل ما نراه يومياً من عظة وعظمة كالولادة ونمو الحيوان والنبات فإنه مع إعجازه يأتي مطابقاً لقواعد ونظم وضعها الله لا تتغير وأظهر مثل النواميس الطبيعية حركة الشمس فإن ذلك مع عظمته لا يحدث صدمة لتعودنا إياه ولكن إن أتى الله بالشمس من المغرب بدل المشرق كان هذا معجزة بالنسبة للإنسان مع أن الحركتين من صنع الله ولا فرق بينهما.
1ـ الإسلام والطب الحديث: ص40.
2ـ نفسه: ص47.
(466)

2ـ لا تحصل المعجزة إلا على أيدي الأنبياء وذلك أن صدمتها إن كانت على الحاضرين شديدة فهي أشد على من يكون واسطة فيها ولذلك أختار الله الأنبياء واصطفاهم.
إلى هنا كلام هذا الدكتور صحيح إلا أن الذي لهم قابلية التحمل والأستعداد لملاقات هول الصدمة وهم أوصياء الأنبياء فحالهم حال الأنبياء في جريان المعجز على أيديهم كما ثبت ذلك من إخبارات أمير المؤمنين علي بن ابي طالب (ع) بالمغيبات وهي قول تشبه سيدنا عيسى بما تأكلون وما تدخرون، وقلعه الصخرة عن العين تشبه سقي موسى لغنم شعيب وغير ذلك مما هو مذكور في تواريخ الأئمة الإثنى عشر (ع).
قال الدكتور(1) 3ـ لمنع الصدمة الشديدة وقت حدوثها يهيئ الله الظروف لتحملها ويهيئ النبي نفسه لقبولها، ويهيء الحاضرين لمشاهدتها، وأمر الله سيدنا موسى (ع) بإدخال يده في جيبه وإخراجها لتكون بيضاء ليس إلا لتهيئة المعجزات الاُخرى وكذلك عدم أستطاعة سيدنا زكريا (ع) الكلام ثلاثة أيام قبل حدوث الحمل عنه أمرأته وقد سبق الكلام على تهيئة الحاضرين والمستمعين وهذا هو السبب في أن المعجزات تظهر دائماً بلطفه بمقادير مختلفة، وهذا سر ذكر قصة سيدنا زكريا (ع) قبل قصة سيدنا عيسى (ع) في سورة مريم (ع).
ليس للعقل البشري أن يحكم على أي المعجزات أعظم من الاُخرى وأن يتكلم عن الطريقة التي تحصل بها المعجزات لأنه يتكلم عن شيء كله مجهول ما دامت المعجزة من صنع الله وما دام الإنسان وعقله من صنع الله كذلك على نقض سنة ولا يستطيع المخلوق أن يفهم السنة التي خلق عليها وإلا لاستطاع
1ـ الإسلام والطب الحديث: ص47.
(467)

الإنسان أن يخلق نفسه بنفسه وأن يتحكم في خلق غيره.
وهنا يلاحظ أن كل المعجزات لا يمكن أن يصل إلى صنعها الإنسان مهما أرتقى وأغلبها ينتهي إلى شيء واحد وهو خلق الحياة والروح مهما ظهرت صغيرة لأول نظرة. فمثلاً إبراء عيسى (ع) الأعمى يظهر لأول وهلة أقل من إحياء الموتى والحقيقة أن المقصود بالأعمى هنا هو الأعمى الذي فقد شيئاً عضوياً لا يمكن استعاضته ومن أمكنه أستعاضة شيء مهما صغر حجمه أمكنه أن يستعيض الكل.
وأما إبراء الأعمى الذي يشاهد يومياً فهذا يحدث في الاحوال العصيبة غير العضوية وبواسطة أطباء العيون وهو يحدث بإزالة أشياء تكون سبب العمى ولكن لا يمكن الأطباء أن يحدثوا مثلاً إبراء الأعمى بإعادة عصب العين من جديد وكذلك صنع الرجل جديدة فالجراح يصنع رجلاً صناعيه وبواسطة العضلات الباقية يستطيع الإنسان أن يمشي عليها ولكن لا يمكن الجراح أن يصنع رجلاً من لحم ودم. وصفوة القول أنه لا يمكنه أن يصنع جزء حياً مهما صغر حجمه لأن الجسم مجموع ملايين من الخلايا وصنع واحدة كصنع الكل وهذا معنى قوله تعالى (لن يخلقوا ذباباً ولو أجتمعوا له).
وكذلك ستبقى المعجزة فوق قدرة الإنسان وظهر لنا عظمها أو عظم عظمها بالنسبة لعقولنا فقط لكنها كلها من واحد، وما كان صنعه فوق إدراكنا لا يمكننا الحكم عليه. وقد يقول البعض أن العلوم تتقدم وإنه لو كان بعض الأختراعات الموجودة الآن موجوداً في مدة الأنبياء لعدت معجزاً. وهذا القول دليل على أن الروح الحقيقي للمعجزات لم يفهم لأن كل الأختراعات العلمية تبتنى على السنن الطبيعية وكلها مبتنية على قواعد علمية لا تتغير فإذا ظهر لها أستثناء فإن سببه
1ـ الحج: 73.
(468)

قاعدة علمية اُخرى يبحث العالم عنها حتى يجدها فإن وجدها لا تنطبق على الأستثناءات وجد الخوارج عن هذه الاستثناءات محكومة بسنة اُخرى وهكذا إلى آخر ما لا نهاية لهم. فما السنن الإلهية والقواعد العلمية أو القواعد الطبيعية كما يسميها الطبيعيون لا حد لها ولا تتغير أبداً وما لا يتغير أيضاً، وكلما يظهر مدهشاً في نتيجة من المخترعات مثل الكهرباء والهاتف والراديوا وما سيظهر هو من الأستعانة بهذه القواعد، فالذي يتكلم في اُورباً ويسمعه آخر في مصر بواسطة الراديو استطاع ذلك لأن الهواء بطبيعته يحمل الصوت بصفة أمواج إلى العالم كله وأستعان العلماء بهذه السنة الطبيعية وسخروها لأغراضهم.
ولذلك مهما عظمت النتائج في المخترعات فإن طريق الوصول إليها سنة ثابتة ومثلها مثل من يحضر الارض ويستعين بماء المطر وبحوله نهراً يجري فإنه لم يخلق نهراً ولكنه أستعان بالقوى الطبيعية بعكس المعجزات فإنها من طراز آخر وهي مهما صغرت نتائجها خلق سنة جديدة وقد أوضحنا ذلك فيما تقدم، ولزيادة الإيضاح أضرب مثلاً قصة سيدنا إبراهيم (ع) وعدم أحتراقه بالنار فإن العلم بتقدمه يستطيع أن يعطي الإنسان شيء غير قابل للأحتراق ويضعه في النار فلا يحترق وهذا يشبه المعجزة ولكنه أختراع أستعان صاحبه فيه بالنواميس الطبيعية. أما المعجزة فهي أن يضع الإنسان كما هو جسماً ولحماً في النار فيكون عدم أحتراقه معناه أي المعجزة خرق للنسة الطبيعية التي تقضي بأحتراق الجسم إذا وضع في النار.
وأما تغطية الجسم لمنع أتصال النار به فإنه يظهر أن المختراع أمكنه من النار من إحراقه ولكنه في الحقيقة منع النار من إحراق الجسم الخارجي الذي لا يقبل الأحتراق بطبيعته لأن جسم الإنسان المغطى بمادة لا تحترق لم يتعرض للنار والفرق بين الإثنين ظاهر.
(469)

والفرق بين المخترع وصانع المعجزة مثل الفرق بين الحاوي والمخترع ويمكن تطبيق هذا النظرية في معجزة ذي النون لأن الإنسان يمكنه أن يعيش اياماً في الغواصات تحت البحر ولكنه يفعل ذلك بالإستعانة بالنواميس الطبيعية، وأما المعجزة فتكون تخرقه القوانين وهكذا مكث ذو النون في بطن الحوت بدون هواء صناعي معرضاً لن ينهضم ويتحول جسمه مثل باقي المواد، والطبيب الذي يعيد للقلب ضرباته ليس كمن يحيي الموتى فهو خرق لهذه السنن ويتسائل كثيرون هل المعجزات ضرورية، والجواب أنها ضرورية لإيمان الإنسان مقدورة لله ولولاها لساد مذهب الطبيعيين لأن سنن الله لا تتغير أبداً وهذا ما يسمى بالطبيعة ولا فرق بين الإثنين.
وإثبات هذه القوانين ما ظهر منها وما خفي للآن شيء مدهش حتى أن الإنسان قد ينسى واضح هذه القوانين ويقول ما الحاجة بي لأن أقول أن هناك صانعاً أزلياً ما دامت هذه القواعد ثابتة على وتيرة واحدة ملايين السنين، وهنا كانت حكمة الله في أن يخرق هذه السنن ليظهر للناس أن الصانع الأول موجود ومثل ذلك مثل آلة الميزان تزن الإنسان الذي إذا وقف عليها ووضع قطعة معدنية في ثقب فيها فتخرج ورقة عليها رقم وزنه فغذا فرضنا أها محكمة الصنع لا تتغير أبد آلاف السنين فإن الإنسان يشك في صانعها الأول ولكنه إن رأى أنها قد تخرج ورقة الوزن بدون القطعة المعدنية فيها قول من يفعل ذلك أمكنه صنعها، وإذا رأى يوماً ما أن قطعة معدن صغيرة أصحبت أمام عينه آلة صغيرة تزن الأشخاص أيقن أن للاُولى صانعاً وهذا هو معنى صنع الطير من الطين لأن هذا مثل لخلق سيدنا آدم (ع) الذي خلق منه العالم الإنساني كله بالسنن الطبيعية الإلهية التي لا تبديل فيها.
وصفوة القول أن أساس المعجزة وعظمتها ليس في نتائجها وغرابتها فالدهشة من سماع الأبكم يتكلم ربما كانت أقل من سماع الراديو لأول وهلة ولكن أهمية
(470)

المعجزة في طريقة صنيعها بدون السنن الأعتيادية وهي كذلك لا تتكرر أبداً إلا بإذن الله لأن الإنسان لا يعرف قاعدتها ولا يدرك طريقه صنعها. أما الأختراع فإنه أكتشاف الناموس إلهي طبيعي ولذلك هو يتكرر دائماً في الظروف نفسها على يد كل إنسان، إلى آخر كلام الدكتور إسماعيل النفيس في المقام.

توضيح المؤلف لهذا المقام الغامض:

إن الدكتور إسماعيل رجل خبير وقدير على أستعمال البرهان الجديد، حاذق في الطب، عارف بقواعد العلم الحديث ولكنه غير واف في المقام. وفي الذي أوضحه كفاية للعلماء خاصة وإن الذي اوضحه صحيح لا شك فيه لمن أستعمل آلة الفكر وارشده العقل السليم إلى معرفة الحقيقة ومخلص القول في الفرق بين المعجزة والأختراع الحديث.
إن المعجزة تكون قاهرة لجواهر الطبيعة والأختراع يقع بمطاوعة جواهر الطبيعة والمماشاة معها في كل حين ولهذا تحتاج المختراعات إلى أستخدام المواد الطبيعية والاستعانة بالسنن الكونية بعد الأمتحان والتجربة والأختبار الطويل ولأجل ذلك تجيء في مبادئها ضعيفة جداً ثم تدرج مترقية باسباب طول التجارب والأختبار إلى أن تصل إلى درجة الكمال وهنا تقع الدهشة للعقول والحيرة للألباب بخلاف المعجز.
ونضرب لك مثلاً بضياء الشجرة لموسى (ع) وضياء الكهرباء فإن في خلق الله النور من جانب الطور الذي هو جبل حجري مظلم بطبعه من شأنه الكثافة والظلمة حتى أصبح أضواء من الكهرباء بدون تفكير ولا إمهال ولا أختبار ولا تجربة بل مع الإشارة يكن والإرادة السريعة فأتت تلك الأحجار وتلك الشجرة بنتيجة أعظم ما أنتجه الكهرباء الصناعي الذي تعاونت الأفكار والعقول والأيدي
(471)

الصانعة والأكف العاملة عليه وتعاضدت التجارب والاختبارات عليه وتلك النتيجة الكاملة في سرعة لمح الطرف قد تخيلها الكليم موسى (ع) ناراً لشدة توقدها ولمعانها وتلألأ ضيائها وسنائها حتى أوهمته النار المعتادة ذات الإحتراق المعدة للأصطلاء والأقتباس، فلما دنا منها وقاربها ظهر له أنها أنوار ربانية وأشعة إلهية افاضها على تلك الأرجاء وأخترعها من تلك الأحجار المظلمة وأنها ليست بجذوة يصطلي فيها بل هي لمعة يهتدي بها فهي أنوار للإرشاد لا نيران للوقود (نودي أن بورك من في النار ومن حولها)(1) ليست بذات وهج حاد ولا شواظ حار، وآية ذلك وبرهانه نضارة الشجرة المتوقد فيها تلك النار المتخلية وإزهاء أوراقها في ذلك اللهب المتوهم.
وبرهان ثاني وآية اُخرى إلقاء شعاع من أشعة تلك الأضواء ولمعة من لمعات تلك الأنوار اُلقيت على يده اللحمانية فلم يجد لها مس النار الطبيعة ولا أحتراق لهبها الساطع (وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء) (2) وحيث لم تضر تلك البيضاء تلك الأشعة والأنوار لم تفعل ما تفعله الكهرباء الخانقة للنفوس المذهب للأرواح التي تزهقها بأدنى مماسه ثبت أنها إفاضة ملكوتية وقدرة إلهية قهرت طبيعة الجرم المظلم فأضاءة وأنار وأشرق على الأمكنة والبقاع مسافة بعيدة المدى بلاسلك ولا عمود ولا محرك ولا مولد لأنها صنعه كن فيكون.
والأشعة الكهربائية والأنوار الصناعية لا يشك عاقل أنها مأخوذة من أحجار صقيلة شفافة وجواهر مشعة ذات قوة كهربائية وبالتلطيف والأستخدام الشاق والكلفة العظيمة وبد التفكير الطويل وإعمال العقل وإجهاد النفس في التجربة
1ـ النمل: 8.
2ـ النمل: 12.
(472)

والأختبار وتحملها العناء في التطبيق في كيفية توليد القوة الكهربائية ومدى تأثير تيارها وإيصالها بواسطة اسلاك وأدوات الإشعاع (اللنبلات) وحياتها متوقفة توقفا ذاتياً على الموجب والسالب أو التجاذب والداع، وما يسمونه بالحار والبارد فلو أختل هذا الشرط فسد أصل العمل ولو أختلف ترتيبه أيضاً يفسد وسائر الشروط.
فإن أتصال الأسلاك أيضاً شرط، فلو لم يتصل فلا قوة كما أن اللنبلة عدمها يفقد معه الضياء، هذا شيء يعرفه اليوم سائر الناس.
ونور طور سيناء الخارج من شجرة خضراء لم تولده ماكينة ولا آلة وسرى في أرجاء تلك البقعة بلا سلك ولا أنبوب ولا لنبة ولا سالب فيه ولا موجب، ولم يحرق يد موسى كما يحرق الكهرباء لامسها، ولم يخنقه سلك الكهرباء من مسه وهكذا جائت معجزات نبينا محمد (ص) كإظهار النور على سوط الطفيل الدوسي وكفه، وعلى جبين آخر من أصحاب فلقب بذي النور وأمثال ذلك، وكل هذه المعجزات لم تستخدم الطبيعة ولم تستعن بالنواويس بل جائت قاهرة لها.
وإذا قست الاُعجوبة الاُخرى إلقاء الكلام على الشجرة في خطاب موسى (إني أنا ربك فاخلع نعليك)(1)، (ما تلك بيمينك) (2) هذا كلام يخرج من شجرة خرساء من طبيعتها عدم النطق ولو بألف علاج لا تنطق ولو تعاونت البشرية من أدناها إلى اقصاها ومن غابرها إلى حاضرها أن يجعلوا من شجرة نطقاً مفهوماً وكلاماً متميزاً بجوهره عن سائر الكلام ما أستطاعوا ولا قدروا لأنهم عاجزون عن قهر الطبيعة واقصى ما تصل إليه قدرته التمشي مع الطبيعة في التلطيف والمطاوعة لها في التنقيح وقد أعترف الفلاسفة أن للكلام شروطاً لا يمكن أن تكون بدونها، وبيان هذا يوجب تطويلاً.
1ـ طه: 12.
2ـ طه: 17.
(473)

نعم، إن الفلاسفة درسوا طبائع الاشياء فوجدوا فيها خواصاً وعرفوا بالعلم جواهراً أصلية أستنتجوا منها أنها إذا استخدمت وأنضم بعضها إلى بعض بتأليف خاص حدثت منها أشياء تبهر العقول ويستفاد منها إيصال الكلام البعيد فاستخدموها بعد تجارب وأختبار زمناً طويلاً لاقوا بسببه كل عناء وتحملوا في سبيله المصاعب والمشاق فحصلوا على النتائج التي سهروا على التفكير فيها ليالياً طوالاً، وتعبوا في أختبارها أياماً عديدة ولم يتمكنوا مع الأستعانة بالآليات الطبيعة من إحداث الكلام وإنشاء الأصوات والحروف إنما تمكنوا من إيصال الكلام بنصه.
وحديث موسى (ع) تكليم الشجرة له فخلقه فيها وإيجاده وأحداثه لا أنها آلة أوصلته إليه كما يحصل في التلفون والراديو فإنها تؤديه بلفظ نطق الناطق فالتلفون تجذبه الآلة وتؤديه إلى آلة إلى اُخرى بواسطة السلك والراديو تجذبه الموجات الاثيرية بواسطة الآلتين في محطة الإذاعة ومركز الإبلاغ والكل مفتقر إلى السالب والموجب.
وما في الفوتغراف من كلام محفوظ في الاسطوانة فبواسطه قوة جوهرية والسلكية والأثيرية والآليات كلها طبائع مستخدمة وقد كانت موجات الهواء تقذف الاصواء إلى أمد بعيد وهو المسمى بالصدى وليس في تكليم موسى موجه أثيرية ولا سلك ولا إبرة مغنطيسية ولا أسطوانة ولا كل شيء صناعي فهي قاهرة للطبيعة لا سائرة معها مماشية لها كالمختراعات والتفكير في الكهربائية التي نتجت عنها هذه العجائب بعيد الأمد. فأول من فكر فيه ثاليس الفيلسوف الملطي على ما قاله في كتاب سياحة المعارف (1) وذكر: (2): إن اُوتون غريقه من هولنده
1ـ سياحة المعارف: ص139.
2ـ نفسه: ص403.
(474)

أصطنع آلة كهربائية ونوعها دوقاي الفرنسي إلى نوعين: زجاجية ورانجيتية فلينظر إلى هذا الكتاب(1).
ومن أراد الوقوف على أنواع هذه المختراعات وكيفياتها فليراجعه أو يراجع كتاب الفلسفة الطبيعية أو كتاب الطبيعة الصناعية أو التاريخ العام ومجلة التربية والتعليم المعروفة بالحولية وغيرها من الكتب الجديدة كنهضة اُوربا وتمدن الغرب وأمثال ذلك.

الكرامة اُخت المعجزة:

تقدم الفرق بينها، نتكلم يسيراً في معناها وإمكان حدوثها للأولياء فإن بعض الناس منع حصول الكرامات للأولياء.
قال الجرجاني الحنفي في التعريفات: وأشتقاقها من الأكرم والكرم معروف معناه، وكأن الله تعالى يكرم عبده الصالح بما يظهره على يده أو عند قبره بما يخرق به العادة ما يسهله بسببه من الاُمور الصعبة وإن لم تكن خارقة للعادة كشفاء المرضى وتعجيل البرء وإعطاء الأماني وما يشاكل ذلك حتى تصل إلى درجة الإعجاز كل هذه من الكرامات التي يكرم الله تعالى الأولياء والبررة الاتقياء وكل مقدور لله فهو ممكن وحيث لا تلبس بدعوى النبوة ولا يلزم التمويه فهي ممكنة أيضاً، إنتهى.
وقال المحقق نصير الملة والدين الطوسي (رحمه الله) في التجريد المسألة الخامسة في الكرامات وقصة مريم (ع) وغيرها تعطي جواز ظهورها على الصالحين.
قال العلامة الحلي (رحمه الله) في شرحه(2): اقول: أختلف الناس هنا فذهب جماعة
1ـ سياحة المعارف: ص488.
2ـ شرح التجريد: ص219.
(475)

من المعتزلة إلى المنع من إظهار المعجزة على الصالحين كرامة لهم، ومن إظهارها على العكس على الكذابين إظهاراً لكذبهم، وجوزها أبو الحسين منهم. وجماعة اُخرى من المعتزلة والأشاعرة وهو الحق، واستدل المصنف (رحمه الله) بقصة مريم (ع) فإنها تدل على ظهور معجزات عليها وغيرها مثل قصة آصف وكالأخبار المنقولة المتواترة عن علي (ع) وغيره من الأئمة (ع) وحمل المانعون قصة مريم (ع) على أنها إرهاص لعيسى (ع) وقصة آصف على أنها معجزة لسليمان مع بلقيس كأنه يقول بعض أتباعي يقدر على هذا مع عجزكم عنه، ولهذا أسلمت بعد الوقوف على معجزاته، وقصة علي (ع) تكملة معجزات النبي (ع).
قال: ولا يلزم خروجه عن الإعجاز ولا النفور ولا عدم التمييز ولا إبطال دلالته ولا العمومية. أقول: هذه وجوه أستدل بها المانعون من المعتزلة:
الأول: أنه قالوا: لو جاز ظهور المعجزة على يد غير الأنبياء إكراماً لهم لجاز ظهروها عليهم وإن لم يعلم بها غيرهم لأن الغرض هو سرورهم وإذا جاز ذلك بلغت في الكثرة إلى خروجها عن حد الإعجاز.
والجواب المنع عن الملازمة لأن خروجها عن حد الأعجاز وجه قبيح ونحن إنما نجوز ظهور المعجزة إذا خلا عن جهات القبح فيجوز ظهورها مالم تبلغ في الكثرة إلى حد خروجها عن الإعجاز.
الثاني: قالو: إذا جاز ظهور المعجزة على غير النبي لزم التنفير عن الأنبياء إذا علة وجوب إطاعتهم ظهور المعجزة عليهم فإذا شاركهم في ذلك من لا يجب طاعته هان موقعهم ولهذا قالوا: لم أكرم الرئيس بنوع ما كل أحد هان موقع ذلك النوع بمن لا يستحق الإكرام.
والجواب: المنع من أنحطاط مرتبة الإعجاز كما لو ظهر على نبي آخر فإنه لو لم يظهر إلا عن نبي واحد لكان موقعه أعظم وكما لا يلزم ألإهانة مع ظهوره
(476)

على جماعة الأنبياء كذلك لا يلزم الإهانة مع ظهوره على الصالحين.
الثالث: أحتجاج أبي هاشم قال: المعجزة تدل بطريق الإبانة والتخصيص وفسره قاضي القضاة بأن المعجزة تدل على تميز النبي عن غيره إذا أفراد الاُمة مشاركون له في الإنسانية ولوازمها فلولا المعجزة لما تميز عنهم فلوا شاركه فيه غيره لم يحصل الأمتياز.
والجواب: إن أمتياز النبي يحصل بالمعجزة وأقتران دعوى النبوة وهذا شيء يختص به دون غيره ولا يلزم من مشاركة غيره له في المعجزة مشاركته له في كل شيء.
الرابع: لو جاز إظهار المعجزة على غير النبي لبطلت دلالته على صدق مدعي النبوة والتالي باطل فالمقدم مثله بيان الملازمة أن ثبوت المعجزة في غير صورة النبوة ينفي أختصاصه بها وحينئذٍ لا يظهر الفرق بين مدعي النبوة وغيرها بالمعجزة فيبطل دلالته إذ لا دلالة للعالم على الخاص.
والجواب: المنع من الملازمة لأن المعجزة من الدعوى تختص بالنبي فإذا ظهرت المعجزة على شخص فإما أن يدعي النبوة أولاً فإن أدعى النبوة دلت المعجزة على تصديق المدعي بل تدل على صدق الدعوة فإذا تضمنت الدعوة النبوة دلت المعجزة على تصديق المدعي ويستلزم ذلك ثبوت النبوة.
الخامس: قالوا: لو جاز إظهار المعجزة على صادق ليس بنبي لجاز إظهارها على كل صادق فجاز إظهار المعجزة على المخبر بالشبع والجوع وغيرهما.
والجواب أنه لا يلزم العمومية أي لا يلزم أظهار المعجزة على كل صادق إذ نحن إنما نجوز إظهارها على مدعي النبوة والصالح إكراماً وتعظيماً وذلك لا يحصل لكل مخبر صادق، إنتهى بألفاظه.
فالكرامة تظهر للأولياء وقد نص على ذلك أكثر علماء أهل السنة وما حرره
(477)

العلامة في رد المعتزلة كاف في المقام فلا داعي إلى الإطالة.
أما كرامات العباس بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) فواردة مورد التواتر بل متواتر قطعية في كل عصر وفي كل عام من أعوام الحياة وشاهدها العيان ودليلها الوجدان:
له قبة سامي الضراح ضريحها بها تكشف البلوى ويستدفع الضر
وفيها شفاء اللسقام وثروة لذي الفقر إن وافى إلياه أنتهى الفقر
وفيها على رغم الحسود لخائف أمان من البلوى وفي ظلها النصر
لدى قبة العباس حلوا الغرائز تشاهد بالعينين شتى المعاجز
تجد عندها القصاد من كل بلدة وما صادر من عنده غير فائز
فثق زائر العباس إن زرت قبره برضوان رب وهو أسنى الجوائز
ونجح الأماني والشفا عند قبره وأمن من الأرزاء عند الهزاهز
فما غيره بعد النبي وآله أئمتنا من مستجار لعاجز
أقام لهم باري الأنام مراكز مقدسة أكرم لها من مراكز
تزورهم الأحياء منا ومن يمت نزورهم على بعد المدى في الجنائز
فدع عنك قول الحاسدين لفضلهم فلا تلقى في الحساد غير التغامز
فمن طيشهم قالوا الزيارة بدعة ومن هذر قالوا البكا غير جائز
وهم يتركوا نص النبي محمد لمن قال إن الدين دين العجائز
إن تسجيل كرامات العباس بن أمير المؤمنين (ع) وضبط ما صدر منها من حين شهادته إلى يومنا هذا خارج عن الوسع والطاقة وليس في مقدور إنسان أن يضبط كل الوقائع التي تتجدد بتجدد الأيام وقد نقل ثقاة العلماء مثل الصدوق الفقيه الشيعي الإمامي وأبو الفرج الأصفهاني الشيعي الزيدي وسبط أبن الجوزي السني الحنفي وغيرهم قصة قاتله الذي يجيء إليه كل ليلة وهو حي فيغته في نار جهنم
(478)

فيصرخ صراخاً عالياً يفزع الجيران ويوقظ النوام قد شاهدوه مسود الوجه بعد أن كان صبيحاً، وقد تقدمت القصة.
أما الكرامات الواقعة في عصرنا مما شاهدناه ونقله لنا الثقاة فكثيرة جداً وبالأخص تعجيل الله العقوبة لمن تعدى عليه وتجاوز وهو ما تسميه العوام بالشارة وقد بلغ الرعب منه في نفوس عوام الشيعة وخاصهم حتى أهل السنة المختلطين بالشيعة يرهبون سيدنا العباس (ع) أشد الرهبة فهم إذا ارادوا عقد موادعة ويسمونه بلسانه علق وعطوة أو أرادوا عقد صلح بتسليم الدية ويسمونها بلسانهم فصل، عقدوا راية بأسم العباس (ع) وجعلوه كفيلاً وثوقاً منهم بأن الله ينتقم من المعتدي سريعاً بدون إمهال فهم مطمئنون بسرعة الأنتقام من المتجاوز على صاحبه والذي يسمونه بلسانه كاسر راية العباس (ع) منكوب عندهم لا يرتابون في ذلك فهم لذلك يسمون القوي من المشائخ الكبار والسلطان إذا كان واسطة صلحهم وسبب قبول بعضهم الدية الفصل من بعض الواجفة وعليه تنكيل الخارق لعهود المصالحة التي أجراها ذلك الرئيس القوي من رؤساء العشائر وهو مع قوته وأقتداره لا يطمئن بنفسه وبقوة عشائره على التنكيل حتى يعقد الراية بأسم العباس (ع) ويكون هو الواجفة في الفصل وكذلك العلق والعطوة فإن المتجاوز والعباس الواجفة ينكب بدون إمهال قبل تنكيل الشيخ فيه ويصاب إما ببدنه أو بفقد أعز ما لديه من مال وقرابة أو بفقد هو نفسه وهذا أمر معلوم عندهم لا يمتارون فيه ولا يرتابون. وإن التعدي من عشيرة بكاملها لا من فرد فهو إمارة تلفها وتشتتها وذهاب رجالها وأموالها، وكل واحد من أفراد العشائر إذا ذاكرته بهذا أفاض عليك بأحدايث متنوعة من هذا الطرز يحصل بمجوعها التواتر.
أما التحالف وهو انواع عند العشائر وهو اُعجوبة بكل أنواعه:
(479)

منها أن شخصاً يخاف من شخص خيانة أو غدراً فيحلفه بالعباس فيحلف ذلك ولا يطمئن بحلفه له حتى يعطيه سيف العباس فيرفع الحالف عصا أو خنجراً أو عدواً من الأرض فيغرسه فيها ويقول هذا سيف العباس لا أخونك ولا أغدر بك فيطمئن المحلوف له فإذا خان الحالف او غدر أصابه البلاء(1).
ومنها إذا أراد أحدهم من الآخر سلعة أو خطب أبنته أو البنت التي يعشقها فلا يطمئن بمواعيدهم له فيرفعون عصاً كالسابق ويقول الحالف: هذا سيف العباس لك إن ما أردته لك لا ابيعه من غيرك ولا اُزوج البنت من أحد سواك فيكون سبيل هذا الحلف بسيف العباس (ع).
وهكذا لهم شكل آخر في مثل هذين النوعين من الحلف بأن يحفر نقرة في الأرض ويقول: هذه نقرة العباس فطمها فإذا طمها علم أنه يفي فإذا خانه بعد ذلك نكب.
ومنها حلف الخصومات والمنازعات في جميع أنواع التهم من سرقة وقتل ودين وما اشبهه فإنهم متى تفاقم الأمر وأشتدت الخصومة ولم تستطع حلها علماء الدين ولا رؤساء العشائر ولا موظفوا الدولة طلبوا المصفي وهو العباس فينتهي النزاع بالحلف بالعباس (ع) فينتهي قبل السفر بأعتراف المتهم وفي أثناء السفر او في الصحن الشريف إما بأعتراف المتهم أو ببراءته بالحلف، وإن حلف مع تلوثه بالجريمة نكب إما في نفس الصحن أو في عودته ولا يقضي المحرم سنته إلا منكوباً ولهذا يختارون الحلف بالعباس (ع) دون القرآن المجيد لأن الله تعالى عندهم أقل حلمه أربعين سنة وكذلك النبي (ص) وأمير المؤمنين
1ـ وهذا نضير ما تحلف به عوام أهل السنة النجادة وغيرهم يرفع عوداً من الأرض ويقول: وحق من أخضره وأيبسه فيطمئن المحلوف له بهذا اليمين ويثق به تمام الوثوق.
(480)

والحسين (ع) يقولون إن النبي (ص) فعلوا ما فعلوا معه من كسر رباعيته ونثر التراب عليه، وعلي (ع) قادوه بحمائل سيفه، والحسين فعلوا معه ما فعلوا ومع ذلك صبروا، ولكن العباس (ع) لا يصبر ولهذا إذا قصدوا صاحوا: أبو راس الحار المستعجل المصفي، فالمحلف عندهم لا يجوز أن يزور الحسين (ع) قبل تأديه الحلف لأنهم يقولون إذا دخل قبة الحسين (ع) فقد أستجار به والعباس (ع) لا يخفر جوار أخيه الحسين (ع) بلسانهم لا يأخذ دخيل أخيه.
هذه اُمور مكشوفة لكل إنسان، أما قضاء الحاجات ونجاح الآمال فحدث ولا حرج وقد علم الشيعة كلهم إنه ما توسل إلى الله به متوسل إلا وقضى حاجته، ولا سأله بحرمته سائل إلا وتيسر عليه مطلوبه فلذلك سمي بباب الحوائج.
للمؤلف:
أبو الفضل أبن داحي الباب أعلا إله العرش في الدنيا مقامه
وكم من معجزات باهرات له قد عرفوها بالكرامه
حباه الله فيها منه فضلاً كذا فرع النبوة والإمامه
فمن حين الشهادة قد تجلت لناظرها وتوصل بالقيامه
فكم من لائذ فيه حماه وكم من خائف اضحى عصامه
وكم من معدم أصحى غناه وكم ذي عاهة داوي سقامه
وكم قدحفت الأخطار شخصاً فلما جائه لاقى السلامه
يحدثني الخطيب الأديب الشيخ جاسم قسام عن السيد الفقيه السيد جاسم إمام جامع الصياغ في النجف وكان رجلاً صالحاً ظاهر الخشوع وأثر الزهد عليه بين أن رجلاً علوياً من سكان بلدة الكاظمية وكان غنياً مثرياً يجهز الزائرين لمرقد الحسين (ع) ويعينهم ويزودهم بالأقوات وأسباب الراحة ويبذل لهم المعونة والإسعاف بالنقليات من البغال وغيرها ويقوم بالنفقة عليمن رافقه إلى زيارة
(481)

الحسين (ع) فابتلي بالفقر في بعض الأعوام وأصابته ضائقة شديدة وفاقة وحاجة عجز معها عن تأدية ما كان يقوم فيه وأحتاج إلى ما يسد به حاجة رفقائه جرياً على عادته فما تيسر له لذلك ولم ترض نفسه بقطع العادة فقام بكري حيوانات النقل وأوعد المكاريين أن يوفيهم الكراء بكربلاء وأستدان من التجار ما يكفي لقوت من صحبه إلى الزيارة موعداً لهم بالوفاء عند رجوعه. فلما وصل إلى الحائر الحسيني وألقى أثقاله هناك قصد الحرم الحسيني الشريف ووقف تجاه القبر المقدس وأنشأ يقول:
جئت أسعى إليك من غير زاد قاصر الخطو أحمل الآثاما
لم يدع إلى الحياة عندك نطقاً ربما يمنع الحياء الكلاما
فخرج من القبر ولم ينل منه مقصوده بمقال في نفسه أخطأت لم أجب جهة الطلب علي أن أدخل البيت من بابه وباب الحسين (ع) هو أبا الفضل (ع)، فجاء إلى ضريح أبي الفضل العباس (ع) فأنشا يقول:
أبا الفضل أنت الباب للسبط مثلما أبوك علي كان باب لأحمدا
إذا أنت لم تسعف بمقصد وافد إلى السبط لم ينجح له السبط مقصدا
ثم خرج من القبر فلقي رجلاً فناوله ورقة تحويل على بعض التجار فيها وفاء بحاجته وزيادة، إنتهى.
ولدينا في النجف شاب علوي إسمه السيد سعيد بن السيد إبراهيم البهبهاني هو وأبوه من خطباء المنبر الحسيني، حدثني بقصته جماعة من الخطباء ثم سمعتها منه مشافهة وملخصها أنه اُصيب بداء السل وعالجه كثير من الأطباء الحذاق والدكاترة المتخصصين بعلاج هذا الداء العضال حتى يئسوا من برئه وأجمعوا أنه لا يبرء وجزموا بموته عن قريب. فلما سمع منهم تضاعفت أجزائه وأقلقله الخوف ولم يرى وجهاً يرجو منه الشفاء ولم يجد سبباً لبرء هذا الداء
(482)

القتال فرأى مناماً فيه أن رجلاً يشير عليه بقصد باب الحوائج أبي الفضل العباس (ع). فلما أستيقظ قصد زيارة العباس بن أمير المؤمنين (ع) للأستشفاء بضريحه الأقدس فلما وصل إلى المشهد الشريف وأضطجع إلى جنب الضريح أخذ البرء يدب في بدنه والشفاء يسري في عروقه ولا حث عليه أمارات الشفاء وظهرت علامات العافية ولم يطل والوقت حتى عوفي بإذن الله وكرامة العباس (ع) وها هو حي وفي تمام الصحة والعافية، وقد أخبرني أن له شعراً في ذلك لم أكتبه عنه.
وهذه قصص كثيرة لو تلوناها عليك لأسهبنا. قال الفاضل الدربندي في أسرار الشهادة(1): ثم إن مقاماته النورانية أي تصرفه في جملة المواضع لأجل هذه النشأة من أستخلاص زوار الحسين (ع) في طرق الزيارة في شر الأشرار الكفار وإيصال جمع منهم إلى القافلة بعد أن ضلوا الطريق مما حصل به العلم لكل مؤمن مستبصر فما يقع في كل عصر من ذلك القبيل يغني عن كل ما نقل في عصر سابق عليه وهكذا خارق العادات والكرامات الصادرة عند قبره الشريف، فأقتصر على ذكر بعض من ذلك مما أتيقن بوقوعه:
من ذلك ما أخبرني به السيد الأجل السيد أحمد نجل السيد الأفخم السيد الشريف نصر الله المدرس الحائري بأني كنت مع جمع من الخدام قاعدين في الصحن الشريف للحضرة العباسية فبينما نحن كذلك إذا خرج رجل من الحرم الشريف راكضاً عجلاً واضعاً إحدى يديه على خنصر يده الاُخرى حتى إنه خرج من الصحن فقمنا مسرعين نحوه فلقيناه بعد أن خرج من الصحن، فرفع يده من أصل الخنصر فإذا خنصره مقطوعة من أصلها والدم يسيل منها سيلان الماء من الميزاب، فرجعنا إلى الحرم الشريف مسرعين فوجدنا خنصره بين شبكات
1ـ أسرار الشهادة: ص325.
(483)

الضريح معلقة عليها ولم تقطر قطرة منها كأنها عضو من أعضاء غير حي. ثم إن هذا الرجل قد مات بعد ليلة من ذلك اليوم وكان ذلك لأجل صدور تقصيره من الإهانة أو مخالفة عهد أو نذر ونحو ذلك، إنتهى.
للمؤلف:
سلام على باب الحوائج عباس شبل الوصي علي فارس الناس
إن حامي الحمى الحسنى مواهبه في الدين والعلم والمعروف والباس
هو المجن لأحداث الزمان لنا والعون عند لقاء الفادح القاس
إن الحديث الذي يروي كرامته عندي صحيح على العينين والراس
قد ثبت الله فيهم ركن ملته ولا يثبتن البنا إلا بآساسي
وإنهم عندنا سفن النجاة لنا وما علينا بنقد الخصم من باس
نرجو الشفاعة منهم في المعاد لنا لسنا من الفوز بالفردوس في ياس
وإنما ربنا من حوض كوثرهم كأس هين روي طاب من كاس
سيأمرون غداً فينا إلى غرف محفوفة برياض الورد والآس
فالآمنون من النيران شيعتهم إن أوقدت بالحجارة الصلد والناس
وإن شيعتهم في الحشر منزلهم بين النبيين مثل الخضر والياس
روح وريحان فيها والنعيم بها عرف ذكا نشره من طيب أنفاس
والجاحدون لهم في قعر مظلمة مع الشياطين في ذل وإبلاس
يكب ظالمهم والقاتلون لهم على المناخر في النيران والراس
إن تشتكي فاطم الزهراء ما لقيت أبناؤه من ضيع الاُمة القاسي
تجيئ تحمل رأس السبط مهجتها وطفله ويدي ذي الفضل عباس
هناك يشتد سخط الله إذا غضبت بنت النبي على الجاني من الناس
ويليه الملحق في إخوة العباس وأولاد وأحفاده وشرح بعض المراثي التي رثي بها.
(484)

أولاد العباس بن علي (ع) وأحفاده

((الحسن بن العباس، عبيد الله بن العباس، محمد بن العباس (أستشهد بكربلاء) اُمهم جميعاً اُم الفضل الصغرى لبابة بنت عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب.
الفضل بن العباس، عبيد الله بن العباس، القاسم بن العباس أستشهد بكربلاء. ليس للعباس بن علي اُنثى)).
أختلف النسابون في عدد أولاده فمنهم المقل المقتصر على واحد، ومنهم الموصل عددهم إلى ستة ذكور. وخذ ما قاله النسابون في طرفي القلة والكثرة:
قال أبن قتيبة في المعارف(1): وأما العباس بن علي فقتل مع الحسين بن علي أبن ابي طالب فولد العباس عبيد الله اُمه لبابة بنت عبيد الله بن عباس وله عقب، ألخ.
وقال صاحب ناسخ التواريخ الفارسي(2): وولد له ولدان أحدهما الفضل والثاني عبيد الله، إنتهى.
أما محمد والقاسم وذكرهما محمداً في الشهداء أبن شهر آشوب في المناقب وتبعه المجلسي في البحار وذكرهما معاً في الشهداء أبو إسحاق الأسفرايني الشافعي في نور العين وصاحب مطلوب كل طالب في أنساب آل أبي طالب فارسي مطبوع ذكراً أنهما بارزا وسنذكر كلامهما. وعبد الله مكبراً مذكور في بعض كتب الأنساب
1ـ المعارف: ص65.
2ـ ناسخ التواريخ 5/ 306.
(485)

المخطوطة. وفي رياض الجنان(1) إن عبد الله بن العباس بن علي كان طفلاً في الطف واُخذ من السبايا، وعبيد الله بن العباس ولا عقب للعباس إلا منه عند جمهور النسابين إلا أبن قتيبة وصاحب طبقات الحنفية فإنهما ذكرا للحسن بن العباس عقباً وسيتضح عدم صحة ما قالا.

عبيد الله بن العباس:

كان رجلاً جليلاً فاضلاً رباه الإمام زين العابدين وثقفه وزوجه بنته خديجة وجمع له معها ثلاث حرائر من بنات الأشراف يقصد بذلك تنمية نسل عمه العباس (ع).
قال المجلسي (رحمه الله) في البحار(2): قال الزبير بن بكار: كان للعباس ولد إسمه عبيد الله كان من العلماء، إنتهى.
وقال أبو نصر البخاري ف سر السلسلة العلوية مخطوط: عبيد الله بن العباس تزوج أربع عقائل كرام: رقية بنت الحسن بن علي بن أبي طالب، واُم علي بنت علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (ع) فلم تلد له، واُم أبيها بنت عبد الله معبد بن العباس بن عبد المطلب، وأبنتة مسور بن مخرمة الزهري؛ فولد لعبيد الله أبن العباس عبيد الله والحسن اُمهما أبنة عبد الله بن معبد بن العباس بن عبد المطلب والعدد والنسل في ولد الحسن بن عبيد الله، وتوفي الحسن بن عبيد الله وهو أبن 67 سنة، إنتهى.
قال السيد حسون البراقي النجفي في النفحة العنبرية مخطوطة: في بحر الأنساب: أولاد العباس المعقبين: عبد الله وعبيد الله والفضل. وذكر في حدائق
1ـ رياض الجنان: ص368 طبع بمبئي.
2ـ بحار الأنوار 9/ 700 طبع تبريز.
(486)

الألباب أولاد العباس المعقبين الحسن وعبد الله ثم ذكر عقبهما. وأما أبن عنبة في العمدة فإنه ذكر عبيد الله بن العباس وهو المعقب وكذا في سبائك الذهب، إنتهى.
أما نسخة بحر الأنساب المطبوعة فليس فيها ما ذكر البراقي ولعلها حرفت عند الطبع عن أصل النسخة المخطوطة التي عند البراقي (رحمه الله) فإني أعتمد على نقله وإنهم مصرا بالتحريف.
أما أبن حزم في جمهرة أنساب العرب فلم يذكر غير عبيد الله ويحصر العقب فيه وظاهر كلامه أن له غير عبيد الله ولكنه إنما يذكر المعقبين فعبيد الله هو المشهور بالعقب وهو المقدر والمحترم وكان الإمام زين العابدين (ع) عظيم العناية به، كثير الشفقة عليه، ما نظر إليه إلا بكى، ولا لمحه إلا أستعبر، وكان يحبه ويؤثره ويقدمه على سائر أقربائه، ويقربه ويدنيه يتذكر به موقف أبيه العباس ذلك الموقف الكريم أما إمامه الحسين، ذلك الموقف الذي البس الإنسانية أردية الفخار، وكسى العروبة كساء الرفعة.
وكان عبيد الله طفلاً عند قتل أبيه العباس (ع) بقي عند اُمه بالمدينة ولما طرق المدينة نبأ تلك المأساة الممضة وشاع خبر تلك المذبحة المؤلمة في أحياء يثرب فسددت سهام آلامها إلى الصميم من قلب كل عقيلة فاطمية بنوافذها، وممن شك قلبها بالسهم المحدد ذي الشعب الفتاكة هي فاطمة اُم البنين فهي أمرأة رقيقة الجنان، قوية العاطفة، وحصتها من تلك الفادحة عند الأقتسام الوافية وسهمها من تلك المأساة عند المساهمة الأوفى فكانت تحمل عبيد الله الشبل الآساد الأربعة وخلف الليث الخادر على كتفها وتمضي به إلى بقيع المدينة فتندب أولادها الآساد الأربعة أشجى ندبة وتبكيهم أوجع بكاء وأحزنه، وكان ندبتها تؤثر حتى في قلوب القسات التي هي بالجلاميد الصماء اشبه وتنصدع رقه لها افئدة الأعداء الغلاظ التي هي كألباد الإبل أقرب.
(487)

وقد كان مروان بن الحكم العدو الألد والخصم الأقس والبغيض الأجفى إذا سمع ندبتها البليلة بصوت الرقة الندية بسجع الحنان لا يملك نفسه الشريدة حتى يستعبر ولا يستطيع المكاتمة دون أن يغلبه البكاء أنجذاباً لتلك الرنة المحزنة والحنة المشجية. قال المجلسي (رحمه الله) في بحاره حكاه عنه صاحب رياض الأحزان(1) ولفظه: وأما دار العباس بن علي (ع) وإخوته فلم يكن بها منهم أحد رجع إليها.
قال ابو الفرج على ما في البحار بعد ذكر العباس (ع) وإخوته: وكانت اُم البنين أم هؤلاء الاربعة الإخوة القتلى تخرج إلى البقيع فتندب بنيها اشجى ندبة وأحرقها فيجتمع إليها الناس يسمعون منها، فكان مروان يجيء فيمن يجيء لذلك فلا يزال يسمع ندبتها ويبكي، إنتهى. هذا هو لفظ أبي الفرج بنصه في المقاتل(2) فلا نطيل بإعادته.
قال الشيخ محمد السماوي (رحمه الله) في إبصار العين(3): أنا أسترق جداص من رثاء اُمه (يعني العباس) فاطمة اُم البنين الذي أنشده أبو الحسن الأخفش في شرح الكامل وقد كانت تخرج إلى البقيع كل يوم ترثيه وتحمل ولده عبيد الله فيجتمع لسماع رثائها أهل المدينة وفيهم مروان بن الحكم فيبكون لشجي الندبة قولها رض الله عنها:
يا من رأى العباس كر علي جماهير النقد
ورواه من ابناء حيدر كل ليث ذي لبد
نُبئت أن أبني اُصيب برأسه مقطوع يد
ويلي على شبلي أما ل برأسه ضرب العمد
1ـ رياض الأحزان: ص99.
2ـ مقاتل الطالبين: ص34.
3ـ إبصار العين: ص31.
(488)

لو كان سفيك في يد يك لما دنا منه أحد
وقولها رضي اله عنها:
لا تدعوني ويك اُم البنين فتذكريني بليوث العرين
كان بنون لي اُدعى بهم واليوم اصبحت ولا من بنين
أربعة مثل نسور الربى قد واصلوا الموت يقطع الوتين
تنازع الخرصان أشلائهم فكلهم أمسى صريعاً طعين
ياليت شعري أكما أخبروا بأن عباساً قطيع اليمين
إنتهى: أنا أتهم المرحوم السماوي بوضعها كما أتهمه فضلاء المعاصرين من السادات وإن كان شرح الأخفش من قبيل الأحاجي والألغاز أو هو أحد المضمرات المستترة دواماً حركة الألف الملسا وإن وجد فقد يوجد بيض الأنوق وإن رؤس رما ترى معه عنقاء مغرب ولكن أظن أن المرحوم السماوي نقل عمن نقل عنه من المتقدمين فعزاه إليه رأساً وحذف الواسطة على القاعدة القديمة. وكثير ما ترى المجلسي ينقل عن العياشي مثلاً فيجىء بعده مؤلف لم يرى كتاب العياشي فيقول: قال العياشي معتمداً على نقل المجلسي لكنه ترك واسطة النقل وهو المجلسي فلهذا ينسب كثير من المؤلفين إلى الكذب ولم يكذبوا لكنها غلطة جرها ضعف العقل وقلة التفكير. فرحم الله السماوي وغفر لنا وله برحمته.

محمد والقاسم الشهيدان مع عمهما الحسين (ع):

هما ولد العباس بن علي (ع) ولا عقب لهما وأستشهدا مع عمهما الحسين (ع) بطف كربلاء. أما محمد وحده فنص عليه الثقة الثبت محمد بن شهر آشوب في المناقب في شهداء الطف وقال: قتل مع ابيه العباس (ع) وتبعه الفاضل المجلسي (رحمه الله) في البحار والدربندي في أسرار الشهادة وملا عبد الله في مقتل العوالم.
(489)

ونص على شهادته وشهادة أخيه القاسم وأنهما قتلا محاربين مبارزة أبو إسحاق الإسفرائيني الشافعي من أهل السنة والنسابة صاحب مطلوب كل طالب المطبوع في إيران فارسي، والقائني في الكبريت الأحمر وهو فارسي أيضاً، وملخص ما ترجمناه منهما: أن العباس (ع) لما ضرب بالعمود وسقط على المسناة وإن الحسين (ع) مشي إليه ورآه بتلك الحالة وأنه بعد رجوعه منه جعل ينادي: وا غوثاه بك يالله، وا قلة ناصراه، فخرج إليه من الخيمة محمد بن العباس والقاسم بن العباس يناديان: لبيك يا مولانا نحن بين يديك، وأجابهما الحسين (ع) بشهادة أبيكما الكفاية. فقالا: لا والله يا عماه، وبعد وداع عمهما خرجا إلى الميدان ثم ذكرا أنهما قتلا عدداً كثيراً من الأعداء وثلما من جيش أهل الكوفة ثلما كبيرة، وأن محمداً قتل أكثر من مائتين، وأخوه القاسم قتل أكثر منه.
ولا عجب فالشبل من ذاك الأسد أبوهما العباس وجدهما أمير المؤمنين علي أبن ابي طالب فارس المشارق والمغارب، وعمومتهما الحسن والحسين ومحمد أبن الحنفية، وعمومة الأب جعفر الطيار وطالب وعقيل، وعمومة الجد حمزة والزبير والعباس، وأخوالهما الفضل وعبد الله وقثم، وأخوال الأب ملاعب الأسنة ونزال المضيف وفارس قرزل ومدرك الثار وأربد الحتوف.
أما ابو إسحاق فذكر في نور العين(1) أنه بعد نداء الحسين (ع) وأستغاثته وطلبه المساعد عند فقد الأنصار وبعد شهادة العباس (ع) خرج إليه من الخيمة غلامان أحدهما محمد بن العباس والثاني أخوه القاسم وهما يقولان لبيك يامولانا نحن بين يديك. فقال: كفا كما قتل والدكما. فقالا: لا والله يا عماه بل أنفسنا لك الفداء فأذن لنا بالبراز. وساق قصة شهادتهما وفيهما الكمية التي قتلاها من الجيش
1ـ نور العين: ص20.
(490)

الكوفي. هذا ما نقله هؤلاء الثلاثة أهل العلم ونقلته بمعناه ولم أحك الألفاظ فليراجعها من ارادها.

أحفاد العباس بن أمير المؤمنين (ع)

العرب تطلق على ولد الإبن حفيد، وعلى ولد البنت سبط، وسار هذا الأصطلاح في القرون فلهذا أطلقوا على أبن رشد الفيلسوف الحفيد لأن جده أبو الوليد ابن رشد قاضي اشبيلية في الأندلس، كما أطلقوا على صاحب تذكرة خواص الامة الفقيه المؤرخ الحنفي سبط أبن الجوزي وهو تركي الأصل لأن جده لأمه أبو الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي الواعظ الحنبلي المشهور ولأجل أن تفهم حررنا لك هذا.
أما أحفاد العباس فتنتهي سلسلتهم جميعاً إلى عبيد الله بن العباس، وعند ابن قتيبة أن للحسن بن العباس أحفاد ووافقه بعض أهل الطبقات من الحنفية، وسيأتي في آخر الباب. وقد سمعت البراقي يذكر عن العميدي في بحر الأنساب أن للفضل وعبد الله عقباً. وذكرت لك أن النسخة المطبوعة من بحر الأنساب لم تذكر ذلك فلذلك لا اُرتب لهذا القول أثراً ولا أعباً به.
أما أنتشار العقب من عبيد الله فعليه أكثر أهل النسب وجزم به كثير ممن يعتمد على قوله، والأمارات كلها معه. فهذا ابن حزم الظاهري الأندلسي يقول في جمهرة أنساب العرب(1) لا عقب للعباس بن علي بن أبي طالب إلا من ولده عبيد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب، الخ.
1ـ جمهرة أنساب العرب: ص 60.
(491)

وقال السيد العميدي النجفي في بحر الأنساب(1): عبيد الله الرئيس أبن العباس أبن علي بن أبي طالب (ع) اُمه لبابة بنت عبيد الله بن العباس، أعقب من ثلاثة: الحسن والحسين وحمزة ألخ.
فهذا شيء لا حاجة إلى التطويل فيه بنقل الأقاويل. ثم إن هؤلاء الثلاثة من ولد عبيد الله الرئيس كان أكثرهم أعقاباً هو الحسن بن عبيد الله الرئيس بن العباس الشهيد بن الإمام علي بن أبي طالب، ومنهم الأشراف والاُمراء وأهل الصيت الذائع وهم منتشرون في العراق واليمن والهند وطبرستان والشام ومصر وغيرها من البلاد الإسلامية.
قال صاحب العمدة(2): وعقب العباس (ع) قليل العقب من أبنه عبيد الله وعقبه ينتهي إلى أبنه الحسن فأعقب الحسن من خمسة رجال وهم: عبيد الله قاضي الحرمين وكان أميراً بمكة والمدينة قاضياً عليهما. والعباس الخطيب الفصيح، وحمزة الأكبر، وإبراهيم جردقة والفضل ألخ.
وقال سبط أبن الجوزي في التذكرة(3): كان للعباس هذا يعني الخطيب إخوة علماء فضلاً: محمد وعبيد الله والفضل وحمزة وكلهم بنو الحسن بن عبيد الله بن العباس ألخ. فزاد فيهم محمد (4) العباس الخطيب بن الحسن بن عبيد الله بن العباس الأكبر الشهيد بكربلاء كان من فصحاء الهاشميين وخطبائهم، ومن العلماء والشعراء، جامعة أخلاق وكلّيّة فضائل.
1ـ بحر الأنساب: ص 228.
2ـ العمدة: ص324.
3ـ تذكرة خواص الاُمة: ص33.
4ـ نفسه: ص33.
(492)

قال سبط أبن الجوزي في التذكرة(1): أما العباس بن الحسن بن عبيد الله بن العباس الفقيه الجليل الشاعر المشهور، وذكره الخطيب وغيره، له كتاب في أنساب الطالبين ذكره أبو بكر الخطيب في تاريخ بغداد وقال: من أولاد العباس بن علي العباس بن الحسن بن عبيد الله بن العباس بن علي، قدم بغداد أيام هارون الرشيد وصحبه ثم صحب المأمون بعده وكان عالماً شاعراً فصيحاً، وتزعم العلوية أنه أشعر ولد أبي طالب.
دخل يومأً على المأمون فتكلم فاحسن، فقال له المأمون: والله إنك لتقول فتحسن، وتشهد فتزين، وتغيب فتؤمن.
جاء يوماً إلى باب المأمون فنظر إليه الحاجب ثم أطرق، فقال العباس: لو اُذن لنا لدخلنا ولو أعتذر إلينا لقبلنا، ولو صرفنا لا نصرفنا فأما النظر الشزر والإطراق والقزة فلا أدري ما هما، وأنشد:
وما عن رضا كان الحمار مطيتي ولكن من يمشي سيرضى بما ركب
فخجل الحاجب. قال: وقال يذكر إخاء أبي طالب لعبد الله والد النبي (ص):
إنا وإن رسول الله يجمعنا أب واُم وجد غير موصوم
جائت به وبنا من دون اُسرته غراه من نسل عمران بن مخزوم
فزنا بها دون من يدعي ليدركها قرابة من حواها غير مشهوم
رزقاً من الله أعطانا فضيلته والناس ما بين مرزوق ومحروم
المشهور المذعور، والغراء من نسل عمران بن مخزوم هي فاطمة والدة عبد الله وأبي طالب.
وقال المسعودي في مروج الذهب: وأحسن من كتاب الزبير بن بكار الكتاب
1ـ تذكرة خواص الاُمة: ص93.
(493)

الذي سمع من يحيى بن طاهر العلوي الحسيني بمدينة النبي (ص) وفي أنساب آل أبي طالب كتب كثيرة منها كتاب العباس من أولاد العباس بن علي (ع)، ألخ.
وقال الداودي في عمدة الطالب(1): أما العباس الخطيب وكان بليغاً فصيحاً شاعراً. قال أبو نصر البخاري: ما رؤي هاشمي أغضب لساناً منه، وكان مكيناً عند الرشيد فأعقب من أربعة رجال وهم أحمد وعبيد الله وعلي وعبد الله، كذا قال الشيخ العمري.
وذكر الفاضل المجلسي في بحاره(2) عن الخطيب لفظ التذكرة.
قال أبو نصر البخاري في سر السلسلة العلوية المخطوطة: العباس بن الحسن أبن عبيد الله كان معرباً بليغاً ما رؤي هاشمي أخطب منه وكان مكيناً عند الرشيد متوجهاً.
وقال أبو حيان التوحيدي في الإمتاع المؤانسة(3): قال أبو العيناء: سمعت العباس بن الحسن العلوي يصف كلام رجل فقال: كلامه سمح سهل، كان بينه وبين القلوب نسب، وبينه وبين الحياة سبب كأنما هو تحفة قادم ودواء مريض وواسطة قلادة.
وقال أبو بكر الخطيب في تاريخ بغداد(4) بعد النسب أبو الفضل أخو محمد وعبيد الله والفضل وحمزة بني الحسن وهو من أهل مدينة رسول الله (ص) قدم بغداد أيام هارون الرشيد وأقام في صحابته وصحب المأمون بعده وكان عالماً شاعراً فصيحاً ويزعم أكثر العلوية أنه أشعر ولد أبي طالب.
1ـ عمدة الطالب: ص336.
2ـ بحار الأنوار 9/ 700.
3ـ الإمتاع والمؤانسة 2/ 44.
4ـ تاريخ بغداد 12/ 126.
(494)

وعن أبي العباس العلوي: الفضل بن محمد بن الفضل قال: قال عمي العباس أبن الحسن بن عبيد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب: أعلم أن رأيك لا يتسع لكل شيء ففرغه للمهم، وإن مالك لا يغني الناس كلهم فخص به أهل الحق، وإن كرامتك لا تطيق العامة فتوخى بها أهل الفضل، وإن ليلك ونهارك لا يستوعبان حاجتك وإن دأبت فيهما فأحسن قسمتهما بين عملك ودعتك من ذلك فإن ما شغلك من رأيك غير المهم أرزأ بالمهم، وما صرفت من مالك في الباطل فقدته حين تريده للحق، وما عمدت من كرامتك إلى أهل النقص أضربك في العجز عن أهل الفضل، وما شغلك من ليلك ونهارك في غير الحاجة أزرى بك في الحاجة، ثم ذرك الابيات المتقدمة في أتصال نسبهم برسول الله (ص) دون بني العباس من حيث إخوة أبي طالب لعبدالله.
ثم قال(1): حدثني محمد بن إسماعيل: قال: دخل العباس بن الحسن العلوي العباسي على المأمون فتكلم فأحسن فقال له المأمون: ما علمتك إلا تقول فتحسن، وتشهد فتزين، وتغيب فتؤمن، ثم ذكر قصته مع حاجب المأمون وقد تقدمت.
وأما دسائس الخطيب التي يقصد بها الغض من أهل هذا البيت فهو ما ذكره في ترجمة يحيى صاحب الديلم(2) وهذا نصه: قال إدريس بن محمد بن يحيى: مات جدي يحيى بن عبد الله بن الحسن في حبس هارون الرشيد، قال جدي: وسمعت علي بن طاهر بن زيد يقول: لما توفي يحيى بن عبد الله وخرج بجنازته بعث الرشيد إلى رجل من العلويين يقال له العباس بن الحسن بن عبيد الله بن العباس
1ـ تاريخ بغداد 12/ 127.
2ـ نفسه 14/ 112.
(495)

أبن علي فقال: يقول لك أمير المؤمنين: صل على صاحبكم. فقال الرجل: ما كنت لاُصل على جيفة خرج منها روحها وأمير المؤمنين عليها ساخط، إنتهى.
وهذا ظاهر لمن تأمل أدنى تأمل وخاصة من عرف نصب الخطيب وأنحرافه عن أهل البيت وإن صحت هذه القضية ولا تصح فلا توجب قدحاً في الميت ولا في الحي لأنها وردت لضرب من السياسة لأن الرشيد يتحرى كشف ما في نفوس العويين بشدة فحصه عن نواياهم بأساليب من الدهاء والمكر والخديعة وهذا أحدهما، والعباس المذكور كان متيقضاً فطناً عارفاً فإن الرشيد ما أحال الصلاة عليه إلا ليكشف المخفي من سره أفي نفسه شيء من قتل هذا العلوي المظلوم الذي هو يحيى صاحب الديلم الذي قتله سيف غدر الرشيد بعد أن قيده بقيد الأمان الذي لا تفصم أقل حلقاته، وإلى الغدر أشار الحمداني:
ياجاهداً في مساويهم يكتمها غدر الرشيد ليحيى ليس ينكتم
وللعباس الخطيب مفتخراً ذكره العمري النسابة في المجدي:
وقالت قريش لنا مفخر رفيع على الناس لا ينكر
بنا تفخرون على غيرنا فأما علينا فلا تفخروا

{من أحفاد العباس بن أمير المؤمنين (ع)، العباس الخطيب}:

بغداد لطيفور(1): اُصيب المأمون بابنة له كان يجديها وجداً شديداً فجلس للناس وأمر أن يؤذن لمن دخل، فدخل عليه العباس بن الحسن العلوي فقال: يا أمير المؤمنين! إنا لم نأتك معزين ولكن أتيناك مقتدين.
قال: ودخل العباس بن الحسن على المأمون فقال: يا أمير المؤمنين! إن لساني
1ـ بغداد: ص51.
(496)

ينطق بمدحك غائباً، واُحبّ أن يتزيّد عنك حاضراً أفتأذن لي فأقول؟ قال: قل فإنك تقول فتحسن، وتشهد فتزين، وتغيب فتؤمن. فقال: يا أمير المؤمنين ! ما أقول بعد هذا فقد بلغت من مدحي ما لا أبلغه من مدحك.

{من أحفاد العباس بن أمير المؤمنين (ع)} عبيد الله الأمير بن الحسن بن عبيد الله أبن العباس الشهيد بكربلاء:

ذكره سبط والداودي في العمدة وغيرها وكان من أعيان الطالبيين ووجوههم ورجالهم المشهورين علماً وسخاء وفصاحة وشجاعة، وله عقيب في الكوفة.
وفي عمدة الطالب في موضع(1): كان قاضياً على الحرمين وأميرأً عليهما. وفي موضع آخر(2): وأما عبيد الله الأمير قاضي قضاة بن الحسن بن عبيد الله بن العباس فله عقب كثير، ثم ذكر عقبه.
وفي تاريخ الكوفة المنسوب للبراقي(3) ما لفظه: بنو إسماعيل بن عبد الله عبيد الله الأمير بن الحسن بن عبيد الله ابن العباس بن علي بن ابي طالب، إنتهى.
ولم يذكر لنا شيئاً من أمرهم ومن الذي ينتمي إليهم من سادة العراق في عصره.
قال الطبري في التاريخ(4): وولى المأمون صالح بن الرشيد البصرة، وولى عبيد الله بن الحسن بن عبيد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب الحرمين، وحج بالناس وفي هذه السنة عبيد الله.
1ـ عمدة الطالب: ص320.
2ـ نفسه: ص337.
3ـ تاريخ الكوفة: ص420.
4ـ تاريخ الطبري 10/ 255.
(497)

وذكر في موضع آخر(1): أنه حج بالناس وهو والي الحرمين.
وذكر الطبري أن ولايته بعد ولاية صالح بن الرشيد سنة 204.
وفي تاريخ أبن الأثير(2) حوادث سنة 204: ولى المأمون أبا عيسى أخاه الكوفة، وصالحاً أخاه البصرة، وأستعمل عبيدالله بن الحسن بن عبيد الله بن العباس بن علي بن ابي طالب على الحرمين، وحج بالناس عبيد الله.
وفي حوادث سنة 205: إنه ايضاً حج بالناس وهو أمير مكة والمدينة(3).
وفي حوادث سنة 206: إنه حج بالناس وهو أمير الحرمين.
وفي سنة 207 يذكر أن الذي حج بالناس أبو عيسى أبن الرشيد وعليه فإمارة عبيد الله على الحرمين ثلاث سنين.
قال أبو نصر البخري في سر السلسلة العلوية المخطوطة: ولاه المأمون مكة والمدينة وكان كبير القدر.
وقال أبو نصر أيضاً: عبيد الله بن الحسن يحمل عنه العلم ويروي عنه وكان يروي عن زيد بن علي وجعفر بن محمد (ع) وغيرهما من العلماء وبقي إلى ايام المأمون ووفد عليه بخرسان فولاه مكة والمدينة والبحرين جزيها وخراجها.
وقال الفضل بن سهل: ما رأيت عبيد الله مع أحد إلا رأيت له عليه بسطه وأقام الحج للناس ثلاث سنين، سنة أربع وسنة خمس وسنة ست، مات بالعراق في زمن المأمون، إنتهى.
وقال أبو بكر الخطيب في تاريخ بغداد(4) بعد النسب: من أهل مدينة
1ـ نفسه 10/ 257.
2ـ الكامل في التاريخ 6/ 147.
3ـ الكامل في التاريخ 6/149.
4ـ تاريخ بغداد 10/ 313.
(498)

رسول الله (ص) قدم بغداد غير مدة وولاه المأمون القضاء بالحجاز ثم عزله وببغداد كانت وفاته.
ثم قال بعد كلام: ولد الحسن بن عبيد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب العباسي كان في صاحبة هارون ومحمد لا بقية له واُمهما اُم ولد، وعبيد الله كان طاهر بن الحسين أستعمله على وفد أهل المدينة الذي أوفدهم العباس بن موسى أبن عيسى إلى المأمون بخرسان فزاده فيهم طاهر بن الحسين وأستعمله عليهم فلما شخص المأمون إلى بغداد ولاه المدينة ومكة وعك وقضائهن وكان عليها سنين ثم عزله عنها فقدم عليه بغداد فمات في زمن المأمون.
أخبرنا الحسن بن أبي بكر عن الحسن بن محمد بن يحيى العلوي قال: سمعت محمد بن يوسف الجعفري يقول: ما رأيت أحداً في مجلس كان أهيب ولا أهياً ولا أمرأ من عبيد الله بن الحسن.
ذكر محي الدين بن العربي في محاضرة الأبرار ومسامرة الأخبار(1) في حسن التلطف بالمكاتبة قال: ذكر إسماعيل بن أبي شاكر قال: لما أصاب أهل مكة السيل الذي شارف الجر ومات تحته خلق كثير، كتب عبيد الله بن الحسن العلوي وهو والي الحرمين إلى المأمون: يا أمير المؤمنين! إن أهل حرم الله وجيران بيته وآلاف مسجده وعمرة بلاده قد أستجروا بعز معروفك من سيل تراكم جريانه في هدم البنيان وقتل الرجال والنسوان وأجتياح الاُصول وجرف الأثقال حتى ما ترك طارفاً ولا تالداً للراجع إليها في مطعم ولا ملبس قد شغلهم طلب الغذاء عن الأستراحة إلى البكاء على الأمهات والأولاد والآباء والأجداد فأجرهم يا أمير المؤمنين بعطفك عليهم وإحسانك إليهم تجد الله مكافئك عنهم ومثيبك عن الشكر منهم.
1ـ محاضرة الأبرار ومسامرة الأخبار 2/ 15.
(499)

قال: فوجه المأمون إليهم بالأموال الكثيرة وكتب إلى عبيد الله: أما بعد فقد وصلت شكيتك لأهل حرم الله إلى أمير المؤمنين فبكاهم بقلب رحمته وأنجدهم بسبب نعمته وهو متبع لما أسلف إليهم بما يخلفه عليم عاجلاً وآخلاً، إن أذن الله في تثبيت نيته على عزمه. قال: فكان كتابه هذا اسر لأهل مكة من الأموال التي أنفذها إليهم، إنتهى.
وعلماؤنا الرجاليون لم يذكروه إلا الأسترآبادي مختصراً وناقلاً الشيخ الطوسي مقتصراً عليه من دون زيادة. ونصه: عبيد الله بن الحسن من أصحاب الصادق (ع) في رجال الشيخ.
قال ابن حزم الظاهري في جمهرة أنساب العرب (1): منهم عبيد الله بن الحسين أبن عبيد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب، ولي مكة والمدينة للمأمون وعمته نفيسة بنت عبيد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب هي اُم علي والعباس أبني عبد الله بن خالد، خرج علي المذكور بدمشق وهما أبنا عبد الله بن خالد بن يزيد أبن معاوية بن أبي سفيان بن حرب بن اُمية، ألخ.
ولعل الحسين هنا تحريف عن الحسن جاء من قبل النساخ.
بغداد لطيفور ما نصه(2): حدثني أبو الفضل بن محمد العلوي قال: لما قدم المأمون تلقاه عبيد الله بن العباس بن الحسن بن عبيد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب فقال: جعل الله قدومك يا أمير المؤمنين مفتاح رحمة لك ولمن قدمت عليه من رعيتك فقد اشرقت البلاد حين حللت بها وآنس الله بقربك أهلها ونصبت الرعية إليك أعينها، ومدت إلى الله فيك ولك أيدها لتصيب من مقدمك عدلاً يحييها، ومن نيل يدك فضلاً يغنيها.
1ـ جمهرة أنساب العرب: ص 60.
2ـ بغداد: ص12.
(500)