عقل، والذي كتب على الصخرة لا يدل على الحصرة في هذه الثلاثة وإنما كتبت أسماء هؤلاء الثلاثة لجلالتهم وأنهم رؤساء الشهداء وأعيانهم فنسب المشهد إليهم ورؤوس الباقين معهم كما أشتهر المرقد الشريف الذي يلي رجلي الحسين (ع) بأسم علي الاكبر وباقي شهداء بني هاشم معه بالأتفاق. فإذن الحق مع ما نقش على ضريح هذا المشهد إذ لا معنى لدفن رؤوس هؤلاء الثلاثة في هذا الموضع وتبعيد غيرهم عنهم فإما أن تحكم بدفنهم هنا فأحكم بدفن الجميع، وإن قلت بالنقل فقل بنقل الجميع.
للمؤلف:
أقدارهم عظمت وجلت فأنتمت كل البلاد لفخرها ترجو ألسنا
حتى أدعت مثوى الرؤوس بأرضها مصر وأرض الشام كي تلق المنى
لكنما مثوى الرؤوس بكربلا حقاً وتزعمه البلاد تيمنا
لا بأس فالتذكار فخر خالد فلتعمر الأقطار فيه موطنا
من كان حياً أينما حييته رد التحية هاهنا أو هاهنا

مزار الكفين لأبي الفضل العباس

قد اُسس في كربلاء مشهدان أو مزاران حوالي صحن العباس بن أمير المؤمنين رقم على أحدهما مشهد الكف اليمنى وعلى الثاني مشهد الكف اليسرى، وهذا شيء توارثه الخلف على السلف وتراث مجد خلفه الماضي للباقي وليست هذه الآثار من المحدثة ولا من الأشياء التي لم تبتنى على اُسّ قديم بل هي سائرة مع بقية آثارهم وتتعاهدها يد العمران أن طرقها طول الزمان بالتضعضع أو أشرف بها على الأنهيار فإذن هي صحيحة الإسناد الفعلي لا القولي إذ كل جيل يتبع الجيل
(351)

السابق في أحترامها وتعاهدها بالعمارة والتنميق حتى تتصل بأول الأجيال التي اُشيدت بها مشاهدهم وقبابهم وهذا ما يسميه الناس بالسيرة العملية ويحتج بها الفقهاء على إثبات الأحكام الشرعية.
فأنا من هذه الناحية على ثقة وبقين ولكني أقف حيران عند الناحية الاُخرى لا أدري ماذا أوقول دفن الكفان في هذين الموضعين وأنا أستبعد ذلك ولعلي لا أرى مجالاً للظن بأن من دفن جثه العباس (ع) لم يلحق بها الكفين مع قرب محلهما منها ولا حجاب حتى يقال إنهما لم يريا، ولا حاجة للأعداء بحملهما حتى نظن أنهم حملوهما ثم اُعيدا للبدن كما حفظت على ذلك آثار كثيرة على هذا الطراز.
وإن هذا التذكار لحري به أبو الفضل وجدير أن يشاد لكفيه مشهدان وقد تتبعنا التاريخ فلم نجد من قطعت كفاه على اللواء غير أربعة رجال: ثلاثة مؤمنون وواحد مشرك. والمؤمنون أثنان من آل أبي طالب وواحد من بني عبد الدار. فالمشرك صواب عبد لآل عبد الدار. والمؤمنون مصعب بن عمير صاحب رسول الله (ص) من آل عبد الدار كان معه لواء النبي (ص) وجعفر بن أبي طالب المعروف بالطيار وأبو الفضل العباس حامل لواء الحسين (ع) وخذ قصصهم على الأختصار:

حديث صواب بعد قتل مواليه على لوائهم:

قال أبن هشام في سيرته(1): قال أبن إسحاق: وحدثني بعض أهل العلم أن اللواء لم يزل صريعاً حتى أخذته عمرة بنت علقمة الحارثية فرفعته لقريش فلا
1ـ سيرة أبن هشام 2/303.
(352)

ذؤابة وكان اللواء مع صواب غلام لأبي طلحة حبشي وكان آخر من أخذه منهم فقاتل به حتى قطعت يداه ثم برك عليه وأخذ اللواء بصدره وعنقه حتى قتل عليه وهو يقول: اللهم هل أعذرت، يقول: عذرت. فقال حسان بن ثابت في ذلك:
فخرتم باللواء وشر فخر لواء حين رد إلى صواب
جعلتم فخركم فيه بعيد والأم من يطأ عفر التراب
ظننتم والسفيه له ظنون وما أن ذاك من أمر الصواب
بأن جلادكم يوم التقينا بمكة بيعكم حر العياب
أقر العين إن عصبت يداه وما أن تعصبان على خفاف
ثم شعراً لحسان يذكر فيه الحارثية وحملها لواء قريش وهذه القصة يوم اُحد وقتله أمير المؤمنين (ع) وليس هذا موضع تفصيل القصة.

وأما مصعب بن عمير رضوان الله عليه:

فذكر الحافظ السيوطي في الخصائص الكبرى(1) قال: أخرج أبن سعد عن محمد بن شرحبيل العبدري قال: حمل مصعب بن عمير اللواء يوم اُحد فقطعت يده اليمنى فأخذ اللواء بيده اليسرى وهو يقول: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل)(2) الآية، ثم قطعت يده اليسرى فحنا على اللواء وضمه بعضديه إلى صدره وهو يقول: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل)الآية، ثم قتل فسقط اللواء، ألخ.
1ـ الخصائص الكبرى 1/ 215.
2ـ آل عمران: 144.
(353)

وأما جعفر الطيار:

ففي سيرة أبن هشام(1) في حديث غزوة مؤتة قال أبن هشام: وحدثني من أثق به من أهل الشام أن جعفر بن ابي طالب أخذ اللواء بيمينه فقطعت، فأخذ اللواء بشماله فقطعت، فاحتضنه بعضدية، قتل (رض) وهو ابن ثلاثة وثلاثين سنة فأثابه الله جناحين في الجنة يطير بهما حيث يشاء. ويقال: إن رجلاً من الروم ضربه يومئذِ ضربة قطعه بنصفين، ألخ.

أما أبو الفضل العباس بن أمير المؤمنين (ع):

فقد روى كثير من العلماء ذكر هذه القصة المحزنة والحادث المؤلم ومنهم أبن شهرآشوب ونصه من المناقب(2): كان العباس السقا قمر بني هاشم صاحب لواء الحسين (ع) وهو أكبر الإخوان مضى يطلب الماء فحملوا عليه وحمل عليهم وجعل يقول:
لا أرهب الموت إذا الموت رقا حتى اُوارى في المصاليت لقا
نفسي لنفس السيد الطهر وقا إني أنا العباس أغدو بالسقا
ولا أخاف الشر يوم الملتقى
ففرقهم فكمن له زيد بن رقاد الجهني من وراء نخلة وعاونه حكيم بن الطفيل السنبسي فضربه على يمينه فأخذ السيف بشماله وحمل عليهم وهو يرتجز:
والله إن قطعتموا يميني إني اُحامي أبداً عن ديني
وعن إمام صادق يقيني نجل النبي الطاهر الأمين
1ـ سيرة أبن هشام: ص215.
2ـ مناقب أبن شهرآشوب 4/972.
(354)

فقاتل حتى أضعفه فكمن له حكيم بن الطفيل الطائي من وراء نخلة فضربه على شماله فقال:
يانفس لا تخشي من الكفار وأبشري برحمة الجبار
مع النبي السيد المختار قد قطعوا ببغيهم يساري
فاصلهم يارب حر النار
فقتله الملعون بعمود من حديد فلما رآه الحسين (ع) مصروعاً على شط الفرات بكى، ألخ.
قد فصلنا القصة في شهادته (ع) وذكرنا حديث الصدوق عن الإمام زين العابدين أن الله تعالى جعل لعمه العباس كما جعل لجعفر جناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنة.
وعلى ما صرح به أرباب المقاتل من سقوط كل كف له (ع) تحت نخلة في ناحية من نواحي المسناة فإذاً المزاران المعروفان لها حوالي صحنه الشريف شيّدا على أساس هذا الحديث في شهادته (ع) حيث أن يده المينى قطعت وهو صادر من المشرعة طالباً للخيم كي يوصل الماء لعيال الحسين (ع) فعارضوه فقطع يده اليمنى زيد بن رقاد المذحجي ثم الجنبي. ولما قطعت تقدم إلى أخيه فعارضه أيضاً حكيم بن الطفيل الطائي السنبسي فقطع اليسرى ومذ أمنوا بقطع يديه صدوه بجماهيرهم المتكاثفة عن الوصول إلى الخيمة وأرجوه قليلاً إلى الوراء وهنا ضربوه بالعمود الحديد فسقط حيث مشهده الآن قرب مشهدي الكفين الشريفين كما حدثنا التاريخ ورسمه لنا الأثر الباقي إلى اليوم. وصفة المزارين كما يلي:

مزار الكف اليمنى:

في جنوب الصحن العباسي (ع) قريب من باب الصحن الشرقي وهو مشهد
(355)

ملصق بالجدار عند مفترق أربعة طرق حوله بعض حوانيت وعليه شباك نحاس صغير مقفل بقفل ونقش عليه بيتان بالفارسية نصها:
أفتاد دست راست خدايا زبيكرم بر دامن حسين برسان دست ديكرم
دست جبم بجاست اكر نسيت دست راست أما هزار حيف كه يك دست بي صداست
ولا تاريخ للشعر ولا لبناء المشهد، وعلى لوحه رسم كفين متقابلتين نقشتا بالقاشاني والطريق إليه أن تخرج من صحن العباس (ع) الواقع في ركن الصحن ويعرف بباب الرحبة فإذ خرجت منه أنعطفت إلى شارع على يمينك ملاصق لباب الصحن فتمر فيه مجتازاُ بشارع آخر ينفصل منه أيضاً على يمينك فتدعه وتمر في نفس الشارع الكبير الذي أنت فيه حتى تمر بشارع ثاني إلى يمينك ايضاً فتسلكه متجهاً إلى مدرسة البنات الأبتدائية المسمات بالعباسية حتى تنتهي إلى بقالين على منتصف الشارع ويقع المشهد الشريف خلف حائط دكان البقال الذي على يسارك في الركن بين شارعين وله طريق آخر على مشهد الكف اليسرى.

مزار الكف اليسرى:

في المشرق من الصحن الشريف في السوق الذي يحاذي باب القبلة ويعرف بسوق باب العباس الصغير وعلى جداره الكاشاني شباك من النحاس الأصفر المسمى (شبه وبرنج) منقوش في الكاشي أبيات شعر تنسب للشيخ محمد السراج هي هذه:
سل إذا ما شئت وأسمع وأعلم ثم خذ مني جواب المفهم
إن في هذا المقام أنقطعت يسرة العباس بحر الكرم
هاهنا ياصاح طاحت بعدما طاحت اليمنى بجنب العلقمي
إجر دمع العين وأبكيه أساً حق أن تبكي بدمع عن دم
(356)

ويظهر من الشعر لمن تأمله أن الموضعين اُشيد فيهما البناء تذكاراً لسقوطهما فيهما لا أنهما دفنا فيهما وهذا كله نقوله ونراه جلياً في الواقف على هذين المزارين يتذكر كيف قطعت يمنى العباس ويسراه وكيف ضم الباقي منهما عليا للواء. وإذا وقف على ضريحه المقدس ليذكر كيف فلقت هامته بعمود الحديد وكيف سقط على ضفاف العلقمي يفحص برجليه التراب فالواقف على مزار الكف اليمنى كأنه يرى ويشاهد بريق سيف الشقي زيد بن رقاد وحده المخالط لعضو أبي الفضل الأكرم، والواقف على مزار الكف اليسرى كأنه يلحظ بعينيه سيف التعيس حكيم بن الطفيل يطيح به ذاك العضو المشرف.
للمؤلف:
يمناك للجيران يمن وفي يسراك يسرى دائماً للنزيل
جئت لنهر العلقمي صائلاً كضيغم قد هاج من وسط غيل
ملكت نهر العلقمي عنوة يابطل العرب بحد الصقيل
ملأت بالرغم لهم قربة من مائه العذب الروي السليل
قصدك تسقى منه أهل الكسا وكل عطشان لطه سليل
فّتت أكباد بني المصطفى حر الظما كي تطفي منها الغليل
فأحتو شوك القوم بعداً لهم وهدت الأرض لعظم الصهيل
فالفوج يتلو الفوج في زحفهم وأنت كالضرغام بين الرعيل
حتى صبغت الأرض من هامهم وخضت بالأشقر ذاك المسيل
ويح أبن رقاد فماذا جنى بقطع يمناك بضب صقيل
وطاحت اليسرى التي يسرها عم بسيف المعتزي للطفيل
والرأس من عاموده قد جرا مع الدم المخ فأمسى يسيل
ورحت ظمئآن الحشا عاطشاً تسقى من الكوثر والسلسبيل
(357)

كل مزار لأبن حامي الحمى عميد جيش ابن النبي الجليل
فهو لمن لاذ به والتجى نعم الحمى للمحتمي والمقيل
من اُسرة الوحي وما مثلهم في سائر الخلق وعز المثيل
فالوحي والتنزيل في دورهم ينزل فيه دائماً جبرئيل
يهدي التحايا لهم دائماً من حضرة القدس العلي الجليل
الطريق إلى مشهد الكف اليسرى لأبي الفضل هو أن تخرج من باب صحن العباس الشريف في الجنوب الشرقي وهو في جهة القبلة على سمت باب الساعة فإذا خرجت من هذه الباب الصغيرة سرت قليلاً في شارع قصير يدخلك إلى سوق صغير يعرف بسوق العطارين فتجد هناك صف القصابين وقبل الوصول إليهم تقف عند باب دكان عطار يعرف بالسيد عباس فتجد المشهد المبارك خلف حائط دكانه وعليه رسم كف واحدة وصفتها صفراء طليت بالصبغ الأصفر المعروف بالبويه. وإذا سرت من هذا الطريق متجهاً إلى الجنوب الشرقي أو صلك إلى مشهد الكف اليمنى وهذا الوضع للمشهدين يفصح عما ذكره التاريخ أن العباس (ع) خرج من الفرات قاصداً مخيم الحسين (ع) فأعترضه زيد بن رقاد الجنبي فقطع يمينه فسار على قصده حاملاً سيفه بيساره فأعترضه حكيم بن الطفيل السنبسي فقطع يساره فسار على قصده فضرب بعامود الحديد فسقط في موضع مشهده المقدس.

المثوى العباس المقدس

والمرقد المنيف العامر بعناية الله تعالى وحراسته قد تلونا عليك صفحة من تاريخ عمارة المشهد الحسيني ويشاركه مرقد أخيه أبي الفضل في كثير منها وقد كانت خصوصيات أختص بها أبو الفضل كما أختص أخوه الحسين (ع) بهدايا
(358)

وتحف وألطاف وأمثال ذلك مما يلزمنا أن نقتضب عنواناً نخصصه بعمارة مشهد أبي الفضل وبعض ما أسداه الملوك والتجار الكبار من الخدمة له وخذ ملخصها:
في سنة 1032 من الهجرة النبوية بني الشاه طهماسب قبة العباس بالكاشي وجعل على صندوق الضريخ المقدس شباكاً من الحديد ونظم الرواق والصحن وبنى البهو أمام الباب المقدم للحرم وأهدى إلى مشهده الشريف فرشاً من صناعة الإيرانيين الممتازة وتطلق عليها العوام إسم الزل.
وفي سنة 1155 في عصر نادر الشاه الأفشاري نقشت بعض الاروقة بالبلور على نفقه نادر شاه وأهدى إلى حرم العباس هدايا وتحفاً.
وفي سنة 1117 زار العتبات المقدسة وزير نادر شاه فجدد صندوق الضريح وعمر الرواق واهدى ثريا للضياء ليوقد فيها الشمع في صحنه المطهر.
وفي عام 1136 أمر الشاه محمد بن ميرزا القاجاري بتبديل الشباك الحديدي بالفضي فصنع كما أمر.
وفي عام 1259 أحدث عمارة في المشهد الشريف العباسي سلطان أود الهندي وهو محمد علي شاه بن السلطان ماجد علي شاه.
وفي سنة 1216 بعد النكبة الموجعة والحداثة النكراء وهجوم الوهابية على كربلاء المقدسة وما أحدثوا فيها من شنائع الأعمال وفظائع الأعمال وتعديهم على الحرمين الشريفين بالتخريب ونهب الذخائر والنفائس والمجوهرات التي يعز وجودها عند عظماء السلاطين نهضت بالشاه فتح علي حميته وأقامته محبته الخالصة لأهل البيت فبنى قبة الحسين وصدر الأيوان بالذهب وجعل للضريح صندوقاً وشباكاً من الفضة وبنى قبة العباس بالكاشي البديع.
بنى الحاج شكر الله الأفشاري أيوان الطارمة التي لأبي الفضل بالذهب وكتب إسمه في صدر الأيوان بالذهب وذلك بمساعي الفقيه المرحوم الشيخ
(359)

زين العابدين المازندراني نزيل كربلاء المتوفى بها سنة 1309 وتاريخ التذهيب 1309.
ثم إن نصير الدولة ذهب منارة العباس وكان الصائغ يغش الطلاء الذهبي بالصفر ولما وقفوا على الحقيقة أستدعوا به فجيء به من بغداد إلى كربلاء فلما دخل صحن العباسي أضطرب وأسود وجهه ومات من الغد.
وإن التذهيب لإيوان الباب الأول لمدخل قبة العباس لملك لكناهور محمد شاه، وبناء القبة بالكاشاني الموجود الآن لمحمد صادق الأصفهاني وزاد في الصحن دوراً أشتراها وتسقيف الطارمة للسلطان عبد الحميد خان وجعل السيد مرتضى سادن الروضة العباسية باباً من الفضة ومن الباب المتوسط من الأبواب الثلاثة التي في الطارمة.
وفي سنة 1266 جاء تاجر زنجاني برخام ففرش الحضرة والصحن بذلك الرخام وجلب الصناع معه من إيران وكان التاجر يعرف بالحاج محمد حسين ويلقب بالحجاز باشي كما حدثني الخطيب الاُستاذ الشيخ علي بازي قال: طلب مني السيد حسن كليدار الروضة العباسية أن أنظم أبياتاً وفيها تاريخ ورود الرخام وأنتهاء العمل في سنة 1366 فنظمتها ومن خطّه نقلتها:
ذا رخام لم يشاهد مثله بل ولما يكتشفه من أحد
صبغة الله ومن أحسن من صبغة الله له صبغة يد
هو من إيران قد جاء به خيرة الحاج الهمام المعتمد
لقب (الحجار باشي) لما حاز من أيد حسام لا تعد
حقق الله أمانيه غداً وهنيئاً لفتى ينجوا بغد
من أخ السبط وآل المصطفى سوف يجزي بنجاح مطرد
فحسين فيه أرخت إلى بطل الطف أبي الفضل ورد
(360)

تاريخ عام شهادة الحسين والعباس (ع)

أتفق المؤرخون ولا تحتفل بمن شذ(1) أن شهادتهما (ع) عام 61 للهجرة عام 680 للميلاد، نص عليه الزركلي في الأعلام.
وقال أخطب خوارزم موفق بن أحمد نزيل مكة في مقتل الحسين (ع) (2): ذكر أبو علي السلامي عن البيهقي صاحب التاريخ أن السنة التي قتل فيها الحسين (ع) وهي سنة 61 سميت عام الحزن.
وقال أبن واضح اليعقوبي في تاريخه(3): كان مقتله ـ يعني الحسين (ع) ـ لعشر ليال خلون من المحرم سنة 61 وأختلفوا في اليوم فقالوا يوم السبت وقالوا يوم الإثنين وقالوا يوم الجمعة، وكان من شهور العجم في تشرين الأول.
قال الخوارزمي: وكانت الشمس يومئذٍ في الميزان 17 درجة و20 دقيقة، والقمر في الدلو 20 درجة و 20 دقيقة، وزحل في السرطان 19 درجة و20 دقيقة، والمشتري في الجدي 12 درجة و40 دقيقة، والزهرة في السنبلة 5 درجات و 50 دقيقة، إنتهى.
قال أبو الفرج علي بن الحسين الأصفهاني في مقاتل الطالبيين(4): كان مولد
1ـ شذ أبو نعيم فقال سنة 60، وأبن الكلبي فقال سنة 62 ذكر قوليهما الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد 1/ 142 وقال فيهما معاً: هذا وهم.
2ـ مقتل الحسين الخوارزمي 2/ 40 طبع النجف.
3ـ تاريخ اليعقوبي 2/ 218 طبع النجف، المطبعة الحيدرية.
4ـ مقاتل الطالبيين: ص31 ـ النجف، المطبعة الحيدرية.
(361)

الحسين (ع) لخمس خلون من شعبان سنة 4 وقتل يوم الجمعة لعشر خلون من المحرم سنة 61 من الهجرة وكان سنة يوم قتل 56 سنة وشهور. وقيل: أن مقتله كان يوم السبت، روي ذلك عن أبي نعيم الفضل بن دكين، والذي ذكرناه أولاً أصح. وأما ما تقوله العامة أنه قتل يوم الإثنين فباطل هو شيء قالوه بلا رواية.
وكان أول المحرم الذي قتل فيه الحسين (ع) يوم الأربعاء أخرجنا ذلك بالحساب الهندي من سائر الزيجات وإذا كان كذلك فليس يجوز أن يكون اليوم العاشر من المحرم الإثنين.
قال أبو الفرج: هذا دليل صحيح واضح تنضاف إليه الرواية ثم ذكر إسناداً إلى علي بن محمد المدائني عن أبي مخنف وعوانة بن الحكم ويزيد بن جعدية وغيرهم. وأما ما تعارفه العوام من أنه قتل يوم الإثنين فلا أصل له ولا حقيقة ولا وردت به رواية، ألخ.
وهذا قول مردود ودعوى ساقطة، هذا ثقة الإسلام الكليني (رحمة الله) في اُصول الكافي ذكر أنه يوم الإثنين جازماً به غير متردد فيه(1) والكليني أجل من أن يعول عن العامة وذلك النوبختي في فرق الشيعة(2). وهذه زيارة الحسين (ع) المعروفة بالمفجعة في بعض فقراتها ((المقتول يوم الإثنين)).
وقال العلامة الحلي (رحمه الله) في كتاب التحرير ونصه(3): الحسين بن علي بن أبي طالب (ع) الإمام الشهيد أحد سيدي شباب أهل الجنة ولد بالمدينة آخر شهر ربيع الأول سنة 3 من الهجرة وقبض (ع) بكربلاء من أرض العراق قتيلاً يوم الإثنين
1ـ اُنظر: اُصول الكافي: ص188.
2ـ فرق الشيعة: ص35 طبع النجف، المطبعة الحيدرية.
3ـ تحرير الأحكام: ص131.
(362)

وقيل الجمعة وقيل السبت عاشر المحرم قبل الزوال سنة 61 من الهجرة وله 58 سنة ألخ.
أما الطبرسي (رحمه الله) في إعلام الورى فقال كذلك ولكنه قدم السبت وأخر الجمعة وجعل الإثنين بعد السبت وكذلك أبن شهر آشوب ولكنه أخر الإثنين ووسط الجمعة.
وملا عبد الله في مقتل العوالم ذكر الجمعة والإثنين ولم يذكر السبت.
أما الفاضل المجلسي (رحمه الله) فروى عن ثقة الإسلام الكليني ونصه(1) بعد الإسناد عن جعفر بن عيسى: سألت الرضا (ع) عن صوم عاشوراء وما يقول الناس فيه، فقال: عن صوم أبن مرجانة تسألني، ذاك يوم صامه الأدعياء من آل زياد لقتل الحسين (ع) وهو يوم يتشأم به آل محمد (ص) ويتشأم به أهل الإسلام، واليوم الذي يتشام به أهل الإسلام لا صام ولا يتبرك به، ويوم الإثنين يوم نحس قبض الله عز وجل فيه نبيه (ص) وما اُصيب آل محمد (ص) إلا يوم الإثنين فتشأمنا به وتيبرك به عدونا. ويوم عاشوراء قتل الحسين (ع) ويتبرك به أبن مرجانة وتتشأم به آل محمد (ص) فمن صامهما أو تبرك بهما لقى الله تبارك وتعالى ممسوخ القلب وكان محشره مع الذين سنوا صومهما والتبرك بهما، إنتهى.
وهذا نص في أن مقتل الحسين (ع) يوم الإثنين ولنكتف بهذا من كلام الشيعة وبه يظهر غلط الأصبهاني صاحب المقاتل.
وهناك قول رابع أن يوم المقتل كان الأربعاء ومن هؤلاء من الشيعة السيد أبن طاوس روى في كتاب الإقبال عن الإمام جعفر الصادق (ع) رواية تصرح أنه كان يوم الأربعاء.
1ـ بحار الأنوار 10/ 214.
(363)

وأيضاً يوجد من يذكر أنه كان يوم الأحد ومن هؤلاء أبن عبد البر المالكي فإنه ذكر في الأستيعاب بعد أن ذكر القول بأنه يوم الجمعة ذكر قولاً أنه يوم الأحد.
وذكر أبن العماد الحنبلي في شذرات الذهب واليافعي في مرآة الجنان السبت والجمعة والأحد ووافقهم صاحب رياض الأحزان.
فقد ظهر لك أن الأقوال خمسة في تعيين يوم العاشر هل هو الجمعة كما جزم به أبو الفرج الأصفهاني وأبو الفرج أبن الجوزي في صفة الصفوة أم السبت كما جزم به آخرون أم الإثنين على نص الرواية وقول المشهور أم الأحد أم الاربعاء وفيه رواية؟ والذي ينبغي أن يرجح نظراً لكثرة القائل به هو يوم السبت وبه جزم أبو نعيم الفضل بن دكين حكاه عنه الخطيب البغدادي وأبو نعيم هذا شيعي وجزم به الشيخ المفيد (رحمه الله) في الإرشاد والشهيد الأول (رحمه الله) في الدروس والفاضل المجلسي في البحار وآخرون.
وأما التعويل على الطوالع النجومية واُسطرلابات المنجمين وأرقام الزيجات فليس بصحيح في نظر أهل الدين وغير معتبر عند المتشرعين. ومن المعلوم أن حساب السنة الشمسية لا يوافق حساب السنة القمرية التي عليها مدار تاريخ الإسلام وبها نظام أحكامه من مواقيت وأوقات وعدد وحدود وغيرها (يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج)(1) وغير سهل بل من العسير الصعب جداً طرح ما تساوى في معرفته البكي والذكي والعالم والجاهل والرجل والمرأة والطفل وهو حساب الأهلة التي ترى بالأبصار ويؤخذ بحساب لا يتمكن من معرفته إلا أفذاذ من الماهرين كالفلكيين وحساب السنين الشمسية والأهتداء إلى ما فيها من كسور وزيادات وتفاوت في أيام شهور وليست لها علامة لا تختلف عند حلولها كالعلامة في السنة القمرية وهي رؤية الهلال وقد أرشدنا الله تعالى إلى
1ـ البقرة: 189.
(364)

ما لا نحتاج معه إلى فحص وتنقيب وأغنانا بذلك عن تقليد العلماء بذاك الحساب الغامض في تكاليفنا وأحكامنا فحدد لنا الشهور في الآية السابقة بالأهلة كما حدد لنا الليل والنهار بقوله:(أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقُرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهوداً)(1).
فهذه الصلوات الليلية والنهارية قد عرفناها بدون حاجة إلى تقليد علماء بالأوقات ولا عرفاء بالحساب كما عرفنا تكليف صومنا في آية اُخرى: (وكلوا وأشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل) (2) فعرفنا أبتداء النهار بتمييز الابيض من الاسود وأنتهائه بالليل الذي هو ظلام محسوس فهذا هو النهار لا الساعة الثانية عشر الشمسية فإن معرفتها عسيرة جداً إلا على مستعين بالآلات كالساعة وهكذا أنتهاؤه في نصف الليل الشرعي أعسر وأشد صعوبة وتعقداً.
أما الشهور فلا يحتاج فيها من رأى الهلال أو قامت عنده البينة بظهوره إلى أكثر من عد أيام تبلغ الثلاثين أو تنقص يوماً حتى يفائه الهلال الآخر مبتدأ بحساب مستأنف حتى إكمال إثنى عشر يؤلف منها سنة فالبدوي والقروي والعامي والاُمي يساوي الحضري والمدني والكاتب والحساب في معرفتها حيث يضل قروي أهل الحساب وبدويهم واُميهم وعاميهم لا يدري متى تدخل الشهور الشمسية من أفرنجية وقبطية وسربانية وغيرها حتى يذل ويتوسل لسؤال العالمين بها وخاصة الاُمي لا تخفى صعوبتها عليه إذ ربما أستعان القارئ الجاهل بحساب المفكرات والتقاويم وإن تحمل مصرفاً قد يضر بحاله في شراء التقاويم والمفكرات خاصة بالفقراء وهم بما شرعه الإسلام في غنى وعافية وعزة.
1ـ الإسراء: 78.
2ـ البقرة: 187.
(365)

كربلاء القديمة والتعريف بقراها عند نزول الحسين (ع) بها

كربلاء الإسم الحائز الشهرة العظيمة التي طوت الأجيال ولفت العصور لقداستها بما حوته من جثمان سيد شباب أهل الجنة وظمنته من جسد خير فتيان المسلمين قاطبة سيد الشهداء وسبط رسول الله (ص) وريحانته الحسين بن علي (ع) هي في الأصل إسم لموضع خاص من مواضع هذه الأرض الواسعة الفسيحة غلب على الصقع بأسره وهو من دونها موضع قاحل أرضه جرداء لا نبات بها سوى الحلفاء وبعض الأدغال وليس فيها ماء في ذاك الوقت ولا سكان، وبهذا الموضع نزل الحسين (ع) أولاً ثم تركه ونزل المخيم المعروف بالخيمقة بلسان الفرس فإنهم أنزلوه به كرهاً أمتثالاً منهم لأمر اللعين أبن زياد في أن ينزلوه بالعراء على غير ماء ولا كلاء.
ولما علم منهم التصميم على قتله وأختبر الأرض فوجدها لا تصلح للحرب إذ أنها مكشوفة وليس له ملجأ ولا لأصحابه وعيالاته من شيء يعتصمون به من غارة العدو ورأى على قرب منه تلك التلاع الثلاث التي يمكن لو جعلها خلف ظهره أن يحتمى بها وقت المصاولة أرتحل عن منزله الأول ونزلها. وهذا الموضع الذي أرتاده أخيراً كان أحصن وأمنع من منزله الأول وبه أستشهد، وموضع نزوله لأول معروف لحد الآن وعوام أهل كربلاء من القرويين يعرفونه بأسم كربلة مفخماً ولأجل نزول الحسين (ع) به غلب أسمه على تلك المنطقة بأسرها فسميت بها عامة المواضع.
(366)

وقد ظهر لي بالسؤال من أهل تلك النواحي والنقل عن أهل الخبرة من أهل العلم أن بها موضعين كل واحد منهما يقال له كربلة: أحدهما ما وصفه لي بعض المطلعين أنه في بادية كربلاء يبعد عن البلدة مقدار ستة أميال تقريباً إلى الجنوب الشرقي من قرية الرزازة قرية أبن هذال أحد زعماء عنزة (أعنزة).
والثاني ما وصفه الميرزا النوري في كتاب نفس الرحمن ولفظه: وأما كربلاء فالمعروف عند أهل تلك النواحي أنها قطعة من الأرض الواقعة في جنب نهر يجري من قبل سور البلد يمر بمزار المعروف بابن حمزة منها بساتين ومزارع والبلد واقع بينهما، إنتهى.
يعني بين مزار أبن حمزة وكربلاء. ثم تحققنا من بعض الخبراء المطلعين من أهل البلد فقال: نعم كربلة (كربلاء مقاطعة على طريق السائر المتجه إلى بغداد مجاورة للوند مقاطعة سيد قاسم الرشتي)، إنتهى.
فعلى هذا يجوز أن تكون الأرض كلها من الوند إلى ما فوق الرزازة كلها كانت تسمى كربلاء وهو إسمها اليوم عند أهل البادية والقرويين وسميت به البلدة نفسها للمجاورة.

أشتقاق كربلاء:

بناء على أن تسميتها عربية وإنها ليست من تراث الأعاجم فلهم فيه كلام كثير وبعضه لم يغربل أما الأحاديث فترى أن كربلاء إسم مركب من كرب وبلاء وعلى ذلك جاء شعر الشريف الرضي أبي الحسين الموسوي (رحمه الله) في رثاء جده الحسين (ع) فقال:
كربلا لا زلت كرباً وبلا ما لقي عندك آل المصطفى
(367)

ويقول الصنوبري:
ياكربلاء خلقت من كر ب علي ومن بلاء
ويقول غيره:
ياكربلاء ياكربتي وزفرتي كم فيك من ساق ومن جمجمة
وعلى مسلك الشعراء ونصوص الأحاديث يظهر أن تسميتها حادثة سميت لأجل فادحة الحسين (ع) وأنه هو الذي سماها كذلك بقوله لما منع عن الرحيل عنها واُلزم بالنزول فيها: هذه أرض كرب وبلاء.
أما أهل اللغة فخذ بعض نصوصهم:
قال الحموي في معجم البلدان(1): كربلاء بالمد هو الموضع الذي قتل فيه الحسين بن علي (ع) في طرف البرية عند الكوفة، وأما أشتقاقه فالكربلة رخاوة في القدمين يقال جاء يمشي بكربلاء فيجوز أن مكون على أرض هذا الموضع رخاوة فسميت بذلك. ويقال: كربلت الحنطة إذا هززتها فيجوز على هذا أن تكون هذا الأرض منقاة من الحصا والدغل فسميت بذلك. والكربل إسم نبت الصفصاف فيجوز أن يكون هذا الصنف من النبت يكثر نبته هناك فسمي به.
وروي أن الحسين (ع) لما أنتهى إلى هذه الأرض قال لبعض أصحابه: ما تسمى هذه الأرض ـ وأشار إلى العقر ـ؟ فقال: إسمها العقر. فقال الحسين (ع): نعوذ بالله من العقر. ثم قال: ما أسم هذه التي نحن فيها؟ قالوا: كربلاء. قال: أرض كرب وبلاء. وأراد الخروج منها فمنع كما هو مذكور في مقتله حتى كان منه ما كان، ورثته زوجته عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل فقالت:
وا حسيناً فلا نسيت حسينا أقصدته أسنة الأعداء
1ـ معجم البلدان 7/329.
(368)

غادروه بكربلاء صريعاً لا سقي الغيث جانبي كربلاء
إنتهى. وذكر هاذين البيتين سبط أبن الجوزي في التذكرة كما قال ياقوت، وأنا أستريب بصحة ما ذكرا. ولما وقفت على كتاب الحسين (ع) لعلي جلال الحسيني وجدته قد سبقني إلى الأسترابة بعد عاتكة هذه في زوجات الحسين (ع) وعاتكة هذه بنت عم عمر بن الخطاب وهي اُخت سعيد بن زيد المشهور في الصحابة وكانت بارعة في الجمال، بديعة الظرف واللطافة، حلوة الشمائل، رخيمة الكلام، فتّانة الملامح، وكانت لا تستر وجهها للناظرين تتلهى به حتى تحتج لسفورها بقولها: إن الله وسمني بميسم جمال فأنا اُحب أن يرى الناس آثار نعمته، هذا معنى ما يحكى عنها في الاحتجاج ذكرها أبن عبد البر في الاستيعاب والعسقلاني في الإصابة وأبن الأثير في اُسد الغابة والحلبي في السيرة وآخرون وقالوا: إنها كانت تحت عبد الله أبن أبي بكر بن أبي قحافة وهو أول أزواجها، وقتل بالطائف فرثته بشعر منه:
فآليت لا تنفك عيني حزينة عليك ولا ينفك جلدي أغبرا
ورثت زوجها الثاني زيد بن الخطاب وهو أخو عمر وقتل باليمامة وقد تزوجها أول خلافة أبي بكر ثم تزوجها أخوه الخليفة عمر فقتله أبو لؤلؤة فرثته كذلك ثم تزوجها الزبير بن العوام فقتل يوم الجمل فرثته أيضاً ثم أمتنعت من التزويج وقالت: لو تزوجني أهل الأرض لقتلوا.
وقال بعض الظرفاء: من أحب الشهادة فليتزوج عاتكة بنت زيد.
وفيما ذكر أبن عبد البر والعسقلاني أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) خطبها بعد الزبير فأرسلت إليه أني لأظن بك يابن عم رسول الله (ص) عن القتل وفيما ذكره غيرهما أن الخاطب لها هو الحسن بن علي (ع) فكان الجوار ما مر.
ولم يذكرها أحد من علمائنا في أزواج سيدنا الحسين الشهيد (ع) ولكن
(369)

مؤرخي أهل السنة قد عدوها في أزواجه فيكون هو الزوج الخامس لها فرثته بما مر.
والسيد علي جلال في كتاب الحسين (ع) أنكر ذلك أشد الإنكار وأطال في النقض على القائلين به ومنه(1): رأيي أنه لا يحتمل أن يكون الحسين (ع) قد تزوجها لأنها تزوجت أربعة رجال كل منهم قتل عنها ويكون في الوقت الذي قيل أن الحسين (ع) قد تزوجها فيه سنها على اقل تقدير 53 سنة بمقتضى قول أخيها وبحساب مدة الرسالة وولاية الخلفاء الثلاثة ويكون الحسين (ع) قد تزوجها بعد أن كبرت وأعرض أبوه نفسه عنها وتزوجها وعنده بنت كسرى في شبابها وغير ذلك، إنتهى.
ومانع آخر لم يتفطّن له السيد علي جلال وهو أنها مخطوبة أبيه، والحسين (ع) في أعلا مراتب الأدب فلا يعقل أن يخطب مخطوبة أبيه. ومانع آخر أنها سافره متبذلة ونفس الحسين (ع) الأبي الغيور وشيمته اللافظة لكل دنيء محتقر تأبى له أن يتزوج من لا ترد طامح ولا تأنف من إرسال النظرات الدنسة إليها، هذا محال أن يكون في عقل الحسين (ع) ودينه.

الرجعة إلى كربلاء:

قال الفيروزآبادي في القاموس: الكربلة نبات له نور أحمر مشرق وبها ـ يعني كربلة ـ رخاوة القدمين والمشي في الطين والخوض في الماء والخلطة وتهذيب الحنطة وتنقيتها. والكربال ـ بالكسر ـ مندف القطن وبالضم كورة بفارس. وكربلاء موضع به قتل الحسين بن علي (ع)، ألخ.
1ـ كتاب الحسين (ع) 2/117.
(370)

وعلى قوله كربلة رخاوة القدمين وبعض هذه المعاني معروفة عند العوام اليوم فيقولون: فلان مكربل يريدون أنه غير منقح كما يقولون وجه مكربلة يريدون غير سمح ولا حسن السيماء، ويد مكربلة وقدم مكربلة يريدون فيه غلظ وطول بإفراط. ورجل مكربلة من البرد يريدون مشنجة أو أستغلظت من شدة البرودة خصوصاً إذا مشى على الثلج والكربول عندهم خثاء البقر إذا يبس في موضعه.
ومن الجائز الغريب أن تكون هذه الأرض كانت مرتعاً للابقار الوحشية قبل أن تسكن فيكون مجتمع أخثائها وهي الكرابيل. ويدل عليه أنها كانت تنتابها أسراب الظباء كما جاء في حديث عيسى بن مريم (ع) لما مر بها وأخذ من أبعار ظبائها فشمه وتركه في موضعه في الحديث الذي رواه المجلسي في البحار عن أبن عباس عن أمير المؤمنين علي (ع) والحديث طويل.
ويجوز أن يكون بعد أن عمرت القرى في كربلاء كان هذا الموضع أيضاً مجتمعاً للأبقار الأهلية تقصده في مرعاها.
وأحسن ما قيل إنها إسم من كر بمعنى رجع وبلاء، ومعنى كر البلاء رجوعه على هذه الاُمة بانتهاكها حرمة الرسول وفيه رفع عنهم البلاء فكر عليهم بقتل عترته، وتاريخ الحوادث المجتاحة لأهل الكوفة والشام يؤكد هذا المعنى تأكيداً لا مراء فيه.
للمؤلف:
لقد كر البلاء على أُمي فهل باق لها في الأرض حي
تلاشت واضمحلت بعد ملك تضخم شاده جور وغي
فقد طهرت بلاد الله منهم وليس يدوم في العدوان شيء
فسائل عن اُمية كل شعب أأحياء يجيبك من أمي
فلا تحسب حسين السبط ميتاً حسين في جميل الذكر حي
(371)

قال في كتاب كربلاي معلى في كلامه المتقدم في عمارة المشهد الحسيني: لم تكن كربلاء في العهد القديم تستحق الذكر وكانت قبل أن يفتحها المسلمون قرية حقيرة عليها مزارع وضياع لدهاقين من العجم، وكان سكانها أهل حراثة وزراعة وقلت كذلك إلى أن فتحها المسلمون في عهد عمر بن الخطاب سنة 14 من الهجرة وكانت الفاتح لها خالد بن عرفطة بأمر سعد بن أبي وقاص قائد جيوش المسلمين في حرب القادسية وقد صممت العرب أن يعلوها مركزاً للجيوش الإسلامية فلما رأوا وخامة هوائها وذبابها رحلوا عنها ونزلوا الكوفة. ولما رحلوا عنها قل شأنها وكادت تعفوا رسومها إلى أن حدثت الوقعة العظيمة التي أدهشت العالم الإسلامي وهي واقعة سيد الشهداء سنة 61 للهجرة فشاع ذكرها وأنتشر في الآفاق صيتها وأخذت في التقدم في أوائل الدولة العباسية، إلى آخر ما ذكر من مجابهتها الأخطار والكوارث وما عانته من نكبات وحوادث إلى يومنا هذا فتركناه لأنه يتعلق بتاريخ كربلاء في سائر أدوار عمرانها، وسيأتي كلام الشهرستاني في جوها ومناخها.
ليست كربلاء اليوم تشبه كربلاء القديمة لأن المحسنات الحديثة متواصلة في تحسين مناخها وتعديل طقسها ومكافحة الحشرات المؤذية خصوصاً البعوض والذباب، وكربلاء القديمة قائمة بطبعها معتمدة على مناخها الأصلي فكانت لذلك رديئة وبيئة الجو وخيمة المناخ والهواء والتربة يكثر فيها البعوض والبق والذباب وأتخذها العرب الفاتحون من المسلمين مركزاً حربياً بعد دحر الفرس في وقعة القادسية الشهيرة فكرهوا مناخها واستوبئوا طقسها وأستوخموا جوها فأرتادوا موضع الكوفة فاختطوها وجعلوها معسكراً لهم وأتخذوها مدينة حصينة فقلت لذلك أهمية كربلاء من الوجهة العسكرية ولم يبقى بها إلا الحراث والزراع وصاحب الشاة والبقرة من قطانها الاصليين، ومن أنضم إليهم من غزات العرب
(372)

الفاتحين ممن له رغبة في الزراعة وعمارة الأرض وتربية الماشية فعمرت فيها قرى ذات بساتين زيادة على ما فيها لأن مادة الري فيها غزيرة حيث يستقيها الفرات الأصغر المعروف بنهر العلقمي وهو شعبة من الفرات الأكبر وسيأتي ذكره.
أما كثرة الذباب في هذه المنطقة قديماً فقد قال الحمودي في معجم البلدان(1): نزل خالد عند فتحه الحيرة كربلاء فشكى إليه عبد الله بن وثيمة النصري الذبان، فقال:
لقد حسبت في كربلاء مطيتي وفي العين حتى عاد غثاً سمينها
إذا رحلت من منزل رجعت له لعمر أبهيا إنني لا أهينها
ويمنعها من ماء كل شريعة رفاق من الذباب زرق عيونها
إنتهى. هذا الذباب تعرفه عوام أهل البصرة بالزريجي لزرقة لونه ويكثر في وقت يعرف بالفويضة في آخر الخريف.

كربلاء بجميع قراها ملك الحسين (ع):

أشتراها الحسين (ع) حين نزلوه بكربلاء من أهلها وجعلها مدفناً له ولأصحابه وقفاً على شيعته وزواره.
قال فخر الدين الطريحي (رحمه الله) في مجمع البحرين(2): كربلاء موضع معروف وبها قبر الحسين بن علي (ع) روي أنه (ع) اشترى النواحي التي فيها قبره من أهل نينوى والغاضرية بستين ألف درهم وتصدق بها عليهم وشرط عليهم أن يرشدوا إلى قبره ويضيفوا من زاره ثلاثة أيام، إنتهى.
1ـ معجم البلدان 7/326.
2ـ مجمع البحرين: ص 514.
(373)

وهذا أمر معروف عند فقهاء الإمامية وقد رووه عن الأئمة الطاهرين (ع) فهم لا يترددون في صحته ولا يرتابون في وقوعه.

فضل كربلاء وشرفها بالحسين (ع):

إيراد الأحاديث الواردة في فضلها يحتاج إلى مؤلف خاص وترك إيراد البعض منها إجحاف بها فنحن لذلك نورد البعض محذوف الأسانيد. عقد ابن قولويه (رحمه الله) في كامل الزيارة فصلاً مسهباً فيه حديث زائدة العظيم ومنعني من إيراده طوله.
ومن أحاديثه(1): عن الإمام جعفر الصادق (ع) قال: زوروا كربلاء ولا تقطعوها فإن خير أولاد الأنبياء ضمنته. ألا وإن الملائكة زارت كربلاء ألف عام من قبل أن يسكنها جدي الحسين (ع) وما من ليلة تمض إلا وجبرئيل وميكائيل يزورانه فأجتهد يا يحى أن لا تفقد من ذاك الموطن، إنتهى.
يحيى رواي الحديث، ونزول جبرئيل (ع) صحيح، وما يروى من قوله لرسول الله (ص) هذا آخر هبوطي إلى الدنيا فقد كنت حاجتي فيها فمعناه واضح إنه نزول بالوحي حيث أنقطعت السفارة بموت خاتم الأنبياء محمد (ص) فلا وحي ينزل به، وينزل في غيره من الأوامر الإلهية كما دلت عليه الأحاديث المروية من الطريقين الشيعة والسنة بأتفاقهما على أنه ينزل مراراً منها أنه يرفع القرآن وأشياء ذكروها ليس هذا محلها، فلا ريب في نزول جبرائيل بغير الوحي.
وفيه(2): عن أمير المؤمنين (ع) قال: فقال رسول الله (ص): يقبر أبني بأرض يقال لها كربلاء هي البقعة التي كانت فيها قبة الإسلام التي نجى الله عليها المؤمنين الذين آمنوا مع نوح في الطوفان.
1ـ كامل الزيارة: ص269.
2ـ نفسه: ص269.
(374)

وفيه(1): عن الصادق (ع) قال: إن الله تبارك وتعالى فضل الأرضين والمياه بعضها على بعض فمنها ما تفاخرت ومنها ما بغت؛ فما من ماء ولا أرض إلا عوقبت لتركها التواضع لله تعالى حتى سلط المشركين على الكعبة وأرسل إلى زمزم ماءاً مالحاً حتى أفسد طعمه، وإن أرض كربلاء وماء الفرات أول أرض وأول ماء قدس الله تبارك وتعالى فبارك الله عليهما فقال لها: تكلمي بما فضلك الله فقد تفاخرت الأرضون والمياه بعضها على بعض. فقال: أنا أرض الله المقدسة المباركة؛ الشفاء في تربتي ومائي ولا فخر بل خاضعة ذليلة لمن فعل بي ذلك ولا فخر على من دوني بل شكراً لله؛ فأكرمها وزاد في تواضعها وشكرها لله بالحسين (ع) وأصحابه.
ثم قال أبو عبد الله (ع): من تواضع لله رفعه، ومن تكبر وضعه الله تعالى، إنتهى.
وفي أحاديث كثيرة ذكرها.
منها(2) ومضمون الأحاديث أنها ترفع بتربتها نورانية صافية فتجعل في أفضل روضة في الجنة وافضل مسكن وأنها مسكن النبيين وأنها تزهر بين رياض الجنة كالكوكب الدري يغشى نورها ابصار أهل الجنة، الحديث بطوله نقلنا بعضه بالمعنى. وأجاد خطيب كربلاء الشيخ محسن أبو الحب بقوله:
يا كربلاء لو لم تكوني بقعة ميمونة ما أخترت ذاك الطاهر الميمونا
يا كربلاء أصبحت محسود السما إذ صرت للعرش العظيم قرينا

الطف أو طف كربلاء:

هذا الطف يمتد إلى جهات اُخرى ويصدق على الصقع كله. وفي العراق طفان:
1ـ نفسه: ص271.
2ـ نفسه: ص 268.
(375)

طف الكوفة وطف البصرة. أما طف البصرة فيمتد من شرقي قرية الشعيبة وقبر أنس بن مالك حتى ينتهي بقرية الخميسية أو بليدة الخميسية الواقعة في بر الشامية بادية العراق والتي تقع إلى شرق جنوب سوق الشيوخ ويفصل بينهما مستنقع (هور) ويجف ماؤه في الصيف عند أنحسار الماء وهذا الطف تسميه عوام هذا العصر بالجفة، والجفة هي ضفاف هذا المستنقع العظيم الذي يمتد من البصرة إلى سوق الشيوخ أو الناصرية لواء المنتفك ولكن تسمية الجفة تنتهي قرب الخميسية.
وأما طف الكوفة وتسميه عوام هذا العصر بالطار فيمتد من قرية الشنافية أو بليدة الشنافية في بر الشامية ثم يمتد مجتازاً بالحيرة فالنجف الأشرف ويستمر مغرباً إلى عين التمر (شفاثة) ومن القطقطانة (والقطقطانة) بلسان العوام ينعطف إلى كربلاء.
قال ياقوت الحمودي في معجم البلدان(1): الطف بالفتح والطاء مشددة وهو في اللغة ما أشرف من أرض العرب على ريف العراق. قال الأصمعي: وإنما سمي طفاً لأنه دنى من الريف من قولهم ما طف لك وأستطف أي ما دنى وأمكن. قال أبو سعيد: سمي الطف لأنه مشرف على العراق من أطف على الشيء بمعنى أطل، والطف طف الفرات أي الشاطئ، والطف أرض من ضاحية الكوفة في طريق البرية فيها كان مقتل الحسين بن علي (ع) وهي أرض بادية قريبة من الريف فيها عدة عيون ماء جارية منها الصيد والقطقطانة والرهيمة وعين جمل وذوانها وهي عيون كانت للموكلين للمسالح التي كانت وراء خندق سابور الذي حفره بينه وبين العرب وغيرهم وذلك أن سابور أقطعهم أرضاً يعلمونها من غير أن يلزمهم خراجاً
1ـ معجم البلدان 6/51.
(376)

فلما كان يوم ذي قار ونصر الله العرب نبيه (ص) غلبت العرب على طائفة من تلك العيون وبقي بعضها في أيدي الأعاجم. ثم لما قدم المسلمون الحيرة وهزمت الأعاجم بعد ما طمت عامة ما كان في أيديها منها وبقي ما في أيدي العرب فاسلموا عليه وصار ما عمروه من الأرض عشراً، ولما أنقضى أمر القادسية والمدائن وقع ما جلا عنه الأعاجم من أرض تلك العيون للمسلمين وأقطعوه فصارت عشرية أيضاً. وكان مجري عيون الطف وأعراضها مجرى أعراص المدينة وقرى نجد، وكانت صدقاتها إلى عمال المدينة فلما ولي إسحاق أبن إبراهيم بن سعد للمتوكل ضمها إلى ما في يده فتولى عماله عشرها وصيرها سوادية فهي على ذلك إلى اليوم ثم أستخرجت فيها عيون إسلامية وسميت عين جمل لأن مات عندها، وسميت عين الصيد لكثرة السمك الذي كان بها.
قال أبو دهبل الجمحي يرثي الحسين بن علي (ع) ومن قتل معه بالطف:
مررت على ابيات آل محمد فلم أرها أمثالها يوم حلت
فلا يبعد الله الديار وأهلها وإن أصبحت منهم برغمي تخلت
ألا إن قتلى الطف من آل هاشم أذلت رقاب المسلمين فذلت
وما فارس الأشفين بعد مراسه وقد نهلت منه الرماح وعلت
وقال أيضاً:
تبيت سكاى من اُمية نوماً وبالطف قتلى ما ينام حميمها
وما أفسد الإسلام إلا عصابة تأمر نوكاها ودام نعيمها
فصارت قناة الدين في كف ظالم إذا أعوج منها جانب لا يقيمها
إنتهى كلامه ولم يذكر طف البصرة وذكره أبن عبد البر في الاستيعاب على
(377)

هامش الإصابة:(1): قال الحسن بن عثمان: مات أنس بن مالك في قصره بالطف على فرسخين من البصرة سنة 91 ودفن هناك ألخ.
ومثله ذكر غيره ولم يكن مقصوداً لنا بالبحث وإنما غرضنا ذكر طف كربلاء وهو الذي قتل عنده الحسين بن علي (ع) وهذا الطف الذي كرنا أنه ينحدر من مسامته قرية الشنافية أو من فوقها كما هو الظاهر من كلام ياقوت أي يكون محاذياً لقرية الخضر شرقي بلدة السماوة يمر بخط فيه تعاريج بهذه المفازة من البادية كما حدثني من رآه وعاينه وإنه إذا بلغ وادي سلام الذي هو بين عين التمر وقصر بني مقاتل أشرف على كربلاء ويقرب منها بمقدار مرحلة أو أكثر قليلاً، وعلى هذا يصدق حقيقة على كربلاء نفسها منزل الحسين (ع) الأول فإنه اقبل على هذا الخط حتى تجاوز قصر أبن مقاتل فأنعطف إلى كربلاء. وأما إذا قلنا إن الطف شاطئ الفرات فيصدق على منزل الحسين (ع) الثاني الذي أنتقل إليه لأجل لياقته للدفاع وبه قتل.
وعلى كلا المعنيين أو الموضعين فقد جمع الطف على طفوف وقد سارت شهرته بالحسين (ع) كما سارت شهرة كربلاء وأكثر منه الشعراء كما سمعت في شعر أبي دهبل وإن كانت الابيات الاُولى عند الجمهور إنها لسليمان بن قثة التيمي ونص عليها المبرد وغيره، وقد ذكر الطف اُم كلثوم بنت أمير المؤمنين (ع) في رثاء أخيها الحسين (ع) بقولها من أبيات:
ألا أبلغ رسول الله عنا بأنا قد فجعنا في أخينا
وإن رجالنا بالطف صرعى بلا دفن وقد ذبحوا البنينا
ورهطك يارسول الله أضحوا عرايا بالطفوف مسلبينا
1ـ الاستيعاب بهامش الإصابة 1/73.
(378)

وقالت اُختها الحوراء زينب الكبرى (ع) من أبيات:
على الطف السلام وساكنيه وروح الله في تلك القباب
نفوس قدست في الأرض قدساً وقد خلقت من النطف العذاب
مضاجع فتية عبدوا فناموا هجوداً في الفدافد والروابي
علتهم في مضاجعهم كعاب بأردان منعمة رطاب
وصيرت القبور لهم قصوراً مناخاً ذات أفنية رحاب
وقال السوسي شاعر أهل البيت:
أأنسى حسيناً بالطفوف مجدلاً ومن حوله الأطهار كالأنجم الزهر
أأنسى حسيناً يوم سير برأسه على الرمح مثل البدر في ليلة البدر
وقال العوني الشاعر فيهم:
فيا بضعة من فؤاد النبي بالطف أضحى كئيناً مهيلاً
ويا قطعة من فؤاد البتول بالطف ثلت فأضحت أكيلا
قتلت فأبكيت عين الرسول وأبكيت من رحمة جبرئيلا
وقال أبن جمال:
أرى الصبر يفنى والهموم تبيد وجسمي يبلى والسقام جديد
وذكرني بالنوح والحزن والبكا غريب بأكناف الطفوف فريد
عطاشى على شاطي الفرات فمالهم سبيل إلى قرب المياه ورود
لقد صبروا لا ضيع الله صبرهم إلى أن فنوا من حوله واُبيدوا
وقال الخليعي:
ما عذر مثلي يوم عاشورا إذا لم أبكي آل محمد وأنوح
أم كيف لا ابكي الحسين وقد غدا شلواً بأرض الطف وهو ذبيح
وقال السيد المرتضى:
(379)

إن يوم الطف يوماً كان للدين عصيبا
لم يدع للقلب مني في المسرات نصيبا
لعن الله رجالاً ملأوا الدينا عيوبا
سالموا عجزاً فلما قدورا شنوا الحروبا
طلبوا أوتار بدر عندنا ظلما وحوبا
وقال العلامة الطباطبائي بحر العلوم:
لهفي على الآل صرعى بالطفوف وما غير العليل بذاك اليوم سالمه
حزن طويل أبى أن ينجلي أبداً حتى يقوم بأمر الله قائمه
وهو كثير في شعر من رثاه من شعراء الإنس. وقد ورد في مراثيه من شعر شعراء الجن. حدث أبن قولويه في كامل الزيارة والشيخ الطوسي في الأمالي ـ ولفظه للأول(1) ـ: عن الميثمي قال: خمسة من أهل الكوفة أرادوا نصرة الحسين أبن علي (ع) فمروا بقرية يقال لها شاهي إذ أقبل عليهم رجلان شيخ وشاب فسلما عليهم، فقال الشيخ: أنا رجل من الجن وهذا ابن أخي أردنا نصرة هذا الرجل المظلوم. قال: فقال الشيخ الجني: قد رأيت رأياً. فقال الفتية ألإنسيون: وما هذا الرأي الذي رأيت؟ قال: رأيت أن أطير فآتيكم بخبر القوم فتذهبون على بصيرة.
فقالوا له: نعم ما رأيت. قال: فغاب يوم وليلة فلما كان من الغد فإذا هم بصوت يسمعونه ولا يرون الشخص وهو يقول:
والله ما جئتكم حتى بصرت به بالطف منعفر الخدين معفورا
وحوله فتية تدمى تحورهموا مثل المصابيح يملأن الدجى نورا
وقد حثثت قلوصي كي اُصادفهم من قبل أن يلاقوا الخرد الحورا
1ـ كامل الزيارة: ص93.
(380)

كان الحسين سراجاً يستضاء به الله يعلم أني لم اقل زورا
مجاوراً لرسول الله في غرف وللبتول وللطيار مسرورا
ومن شعر الجن ورواه في كامل الزيارة:
لمن الأبيات بالـــ ـطف على كره بنينه
تلك أبيات حسين يتجاوبن الرنينه
ويكفي هذا فإن الإكثار ملل، والإسهاب خلل، ومن التقط ملأ عيبته.

حائر الحسين (ع):

الحائر الحسيني وكثيراً ما يطلق على كربلاء بأسرها وكم نسبوا رجلاً من سكان كربلاء بالحائريين وهذا الحائر المقدس يختلف الفقهاء في تحديده ومقدار مسافته سعة وضيقاً. فمن الفقهاء من حدد الحائر بما ضمته جوانب قبته الشريفة من جوانب مرقده المقدس دون الأروقة والجوامع التي هي خارج القبة أي ما بين البابين الداخل والخارج وهي المعروفة بالحضرة الشريفة.
ومنهم من أدخل الأروقة والجوامع في الحائر دون الطارمة والصحن الشريف.
ومنهم من أدخل الصحن الشريف في حدود الحائر.
ومنهم تجاوز ذلك فادخل البلدة بأسرها في حدود الحائر.
ومنهم من لا ينتهي حتى يرى حد الحائر فرسخاً من كل جانب ولم ينتهي بعضهم في تحديده بدون خسمة وعشرين ميلاً من الجهات الأربعة، ويزيد بعضهم على هذا التحديد.
ومنشأ هذا الأختلاف هو أختلاف الروايات وسنذكر بعضها إن شاء الله.
ويترتب على هذا الأختلاف أحكام شرعية منها مسألة التبرك بطينه والأستشفاء بتربته والسجود عليها ومنها مسألة القصر والإتمام فإن الفقهاء أختلفوا في حكم
(381)

الصلاة في الحائر الحسيني كما هو مورد الروايات فافتى بعضهم بوجوب الإتمام في الحائر الحسيني والمشهور قالوا بالأستحباب. وأختلفوا فمنهم من رجح القصر ومنهم من رجح الإتمام مع القول بالتخيير. وذهب فريق إلى عدم الترجيح فهو يثبت التخيير فقط.
ومن المسائل الفقهية الراجعة للحائر المقدس حرمة نجاسة تلك التربة متصلة ومنفصل. وعلى قول من أتسع في تحديد الحائر تحريم الإبريق المعمول من طين كربلاء في غيرها من البلاد، أما فيها فيجوز لأنه يلزم من تحريمه الحرج والعسر وغير هذه من المسائل التي حررها الفقهاء في كتب الفقه.
أما الروايات في تحديد حائر الحسين فقد نبهناك إنها كثيرة ووعدناك بإيراد بعضها، فقد روى أبن قولويه في كامل الزيارة(1) عن الإمام الصادق (ع) قال: حرمة قبر الحسين (ع) فرسخ في فرسخ من أربع جوانبه.
وعنه (ع) (2) قال: حرم قبر الحسين (ع) خمس فراسخ من أربع جوانب القبر.
وعن إسحاق بن عمار قال: سمعت أبا عبد الله يعني الصادق (ع) ـ يقول: لموضع قبر الحسين (ع) حرمة معلومة من عرفها وأستجار بها اُجير. فقلت: صف لي موضعها جعلت فداك. قال: أمسح من موضع قبره اليوم فأمسح خمسة وعشرين ذراعاً من ناحية رجليه، وخمسة وعشرين ذراعأً مما يلي وجهه، وخمسة وعشرين ذراعاً من ناحية رأسه، وخمسة وعشرين ذراعاً من خلفه وموقع قبره منذ يوم دفن فيه روضة من رياض الجنة ومنه معراج يعرج فيه بأعمال زواره إلى السماء فليس ملك ولا نبي في السماوات إلا وهم يسألون الله أن
1ـ كامل الزيارة: ص271.
2ـ نفسه: ص272.
(382)

يأذن لهم في زيارة قبر الحسين (ع) ففوج ينزل وفوج يعرج.
وعن عبد الله بن سنان عنه (ع) قال: سمعته يقول: قبر الحسين (ع) عشرون ذراعاً في عشرين ذراعاً روضة من رياض الجنة.
وعنه (ع)(1): حرم قبر الحسين (ع) فرسخ في فرسخ في فرسخ في فرسخ.
والروايات بهذا كثيره. وأما روايات الإتمام فيه والاستشفاء فقد عدلنا عن ذكرها تمشياً مع الأختصار.

أشتقاق الحائر وسبب تسميته به:

أما التسمية والأشتقاق فقيل: إن إسم الحير كان قديماً جداً وهو موضع بكربلاء. وقيل: إسم حادث سمي به عند ظهور جور الملوك العباسيين على مرقده الأقدس فإن الرشيد والمتوكل أرادا حرث قبره (ع) وإجراء الماء عليه فمنعه الله تعالى فحارت البقر ودارت حوله ولم تصل إليه وحار الماء وأستدار على جوانبه ولم يصل إليه، ومستند هذا القول الأحاديث الكثيرة التي سنورد بعضها وهي تؤيد قول من حدد الحائر بما دار عليه حائط الحضرة الشريفة وأكتنفه سور القبة المقدسة ولا مانع من أجتماع السببين بأن يكون في الأصل حيراً ثم أستحار الماء حوله وحارت البقر في مجراها.

مسلك اللغويين والجغرافيين على مشربهم:

قال الفيروزآبادي في القاموس: حار الماء تردد، والحائر مجتع الماء وحوض يسيب إليه مسيل ماء الأمطار والمكان المطمئن والبستان كالحير وكربلاء كالحير وموضع بها، إنتهى.
1ـ نفسه: ص280.
(383)

وقال الحموي في معجم البلدان(1): الحائر بعد الألف ياء مكسورة وراء هو في الأصل حوض يصب إليه مسيل الماء من الأمطار سمي بذلك لأن الماء يتحير فيه يرجع في أقصاه إلى أدناه.
وقال الاصمعي: يقال للموضع المطمئن الوسط المرتفع الحروف حائراً وجمعه حوران وأكثر الناس يسمون الحائر الحير كما يقولون لعائشة عيشة.
والحائر قبر الحسين بن علي (ع).
قال أبو القاسم: هو الحائر إلا أنه لا يجمع له لأنه إسم لموضع قبر الحسين (ع).
فأما الحيران فجمع حائر وهو مستنقع ماء يتحير فيه يجيء ويذهب.
ثم ذكر ياقوت ما تسميه العرب بالحائر في بلادها ولا يهمنا ذكره.
قال السيد هبة الدين الشهرستاني في كتاب نهضة الحسين (ع)(2): ثم الحير ويسمى الحائر وهو اليوم موضع قبر الحسين (ع) إلى حدود رواق بقعته الشريفة أو إلى حدود الصحن وكان لهذا الحائر وهذه فسيحة بسلسة تلال محدودة وربوات تبدأ من الشمال الشرقي حيث منازة العبد متصلة بموضع باب السدرة في الشمال وهكذا إلى موضع باب الزينبية في جهة الجنوب وكانت هذه التلال المتقاربة تشكل للناظرين نصف دائرة على شكلة نون مدخلها الجبهة الشرقية حيث يتوجه منها الزائر إلى مثوى سيدنا العباس بن علي (ع) ويجد المنقبون حتى يومنا في أثافي البيوت المحدقة بقبر الحسين (ع) آثار أرتفاعها القديم في جهات الشمال والغرب ولا يجدون في الجهة الشرقية سوى تربة رخوة واطئة الأمر الذي يرشدوا العرفاء إلى أن وضعية هذه البقعة كانت منذ عصرها القديم واطئة من جهة
1ـ معجم البلدان 3/ 252.
2ـ نهضة الحسين (ع): ص66.
(384)

الشرق ورابية من جهة الشمال والغرب على شكل هلالي وفي هذا الشكل الهلالي حوصر ابن الزهراء (ع) في حربه حين قتل، إنتهى.
وقال فخر الدين الطريحي (رحمه الله) في مجمع البحرين (1): وفي الحديث ذكر الحائر وهو في الأصل مجتمع الماء ويراد به حائر الحسين (ع) وهو ما حواه سور المشهد الحسيني على مشرفه السلام، إنتهى.

مسلك الفقهاء من الشيعة الإمامية والسبب الحقيقي لتسمية الحائر:

قال المقدس الأردبيلي (رحمه الله) في مجمع الفائدة: وأما حرم الحسين (ع) فالظاهر أنه ليس بمعلوم إطلاقه على غير الحائر وهو ما درا عليه سور المشهد والحضرة على ما نقل من معنى اللغة وهو الموضع الذي يقف الماء فيه وكان في ذلك الموضع على ما نقل وقوف الماء الذي من معنى اللغة وهو الموضع أجرى عليه بعض الخوارج لأجل التخريب.
ونقل في المنتهى عن المفيد أن الشهداء كلهم في الحائر إلا العباس (ع) وهو يدل على عدم دخول سائل البلد في الحائر لا سور البلد. ثم ساق الكلام إلى الحكم الشرعي بالتقصير فيه ومثله قال ابن إدريس الحلي في السرائر.
وقال العلامة الكبير الشيخ جعفر كاشف الغطاء(2): الحائر الحسيني والمتيقن منه ما أحاط بالقبر الشريف من كل جانب من جوانبه بخمسة وعشرين ذراعاً باليد وتحديده بحائط سور الصحن الشريف وقد حصل فيه الآن تغيير وتحريف غير بعيد ويتخير فيها بين القصر والإتمام والأول أحوط والثاني أفضل، ألخ.
وليس المتيقن كما ذكر (رحمه الله) خسمة وعشرين ذراعاً بل المتيقن رواية العشرين
1ـ مجمع البحرين: ص 270.
2ـ ص 273.
(385)

لأنها مجمع الروايات كلها والأقوال أيضاً فتكون هي المتيقنة قطعاً وحسبنا هذا من كلام الفقهاء إذ جمعه يستدعي مؤلفاً خاصاً به ولكن الملخص من جميع الأقوال والذي يجب العمل بن على طبقه حكماً وتكليفاً وأحتياطاً الأقتصار على ما أحاط به سور القبة الشريفة وهي الحضرة الداخلية دون أروقتها وجوامعها في مسألة التخيير بين القصر والإتمام والاستشفاء في التربة الشريفة والتضرع والأبتهال في الدعاء الذي هو نص الحديث فيما أختص به الإمام الحسين (ع) أن الله أختصه بثلاث: جعل الإمامة في ذريته والشفاء في تربته وأستجابة الدعاء تحت قبته حديث مشهور ومعمول به عند الشيعة(1).
أما الحكم في غير التقصير والدعاء والأستشفاء فيمتد إلى ما أحاط به سور البلد فيجب صيانة تربته وحفظها من النجاسة خارج البلد وجواز السجود على كل طين من طين كربلاء من أي موضع أخذ منها فإن السجود عليه لا يخلو من فضل وينبغي أحترام البقعة إلى حدود فرسخ.

سبب التسمية بالحائر عند حملة الحديث:

فقد وردت بذلك روايات كثيرة رواها ثقاة العلماء ومنهم شيخ الطائفة الإمامية ورئيس الفرقة الجعفرية الإثنى عشرية أو جعفر محمد بن الحسن الطوسي فقد روى في كتاب الأمالي(2) عن محمد بن جعفر بن محمد بن فرج الرخجي قال:
1ـ وذكر محمد سليمان محفوظ مصري سني في كتاب أعجب ما رأيت 3/ 149: إن هذا الحديث مكتوب على المشهد الحسيني الذي في القاهرة من مصر وقد نظمه بعض من رثى الحسين (ع) بقوله:
له تربة فيها الشفاء وقبه يجاب بها الداعي إذا مسه الضر
وذرية درية منه تسعة أئمة حق لا ثمان ولا عشر
2ـ الأمالي : ص206.
(386)

حدثني أبي، عن عمه عمر بن فرج الرخجي قال: أنفذني المتوكل في تخريب قبر الحسين بن علي فصرت إلى الناحية فأمرت بالبقر فمر بها على القبور فمرت عليها كلها فلما بلغت قبر الحسين لم تمر عليه. قال عمي عمر بن فرج: فأخذت العصا بيدي فما زلت أضربها حتى تكسرت العصا في يدي فوالله ما جازت على قبره ولا تخطته.
قال لنا محمد بن جعفر: كان عمي عمر بن فرج شديد الأنحراف عن آل رسول الله (ص) فأنا أبرأ إلى الله تعالى منه، وكان جدي محمد بن فرج شديد المودة لهم رحمه الله ورضي عنه فأنا أتولاه لذلك وأفرح بولادته.
وذكر الشيخ أحاديثاً كثيرة كلها تصرح أن البقر تنساق معهم حتى إذا حاذت قبر الحسين (ع) جاءت عنه.
ومن الروايات التي ذكرها عن عبد الله بن اُذينة الطهوي قال: حججت سنة 347 فلما صدرت من الحج صرت إلى العراق فزرت أمير المؤمنين (ع) على خيفة من السلطان وزرته ثم توجهت إلى زيارة الحسين (ع) فإذا هو قد حرث أرضه ومخر فيها الماء وأرسلت الثيران والعوامل في الأرض فبعيني وبصري كنت أرى الثيران تساق في الأرض فتنساق لهم حتى إذا حاذت مكان القبر حادت عنه يميناً وشمالاً فتضرب بالعصا الضرب الشيديد فلا ينفع ذلك ولا تطأ القبر بوجه ولا سبب فما أمكنتني الزيارة فتوجهت إلى بغداد وأنا أقول ذلك.
تالله إن كانت اُمية قد أتت قتل أبن بنت نبيها مظلوما
فلقد أتاه بنو أبيه بمثلها هذا لعمرك قبره مهدوما
أسفوا أن لا يكونوا شايعوا في قتله فتتبعوه رميما
فلما قدمت بغداد سمعت الهائعة فقلت: ما الخبر؟ قالوا: سقط الطائر بقتل جعفر المتوكل فعجبت لذلك وقلت: لهي ليلة بليلة، إنتهى.
(387)

وذكر أحاديث اُخرى متقاربة الألفاظ متفقة المعنى في أن البقر والماء لم يصل إلى القبر المقدس. أما حديث زيد المجنون المصري فأطول ما يكون من الأحاديث وهو مشهور عن العلماء ذكره صاحب العوالم وصاحب رياض الأحزان والمجلسي في البحار(1) وغيرهم وفيه أنه خرج إلى قبر الحسين (ع) بعد دخوله الكوفة فلما وصل إلى قبر الحسين (ع) فإذا هوعلى حاله لم يتغير وقد هدموا بنيانه وكلما أجروا الماء عليه غار وحار وأستدار بقدرة العزيز الجبار ولم تصل قطرة واحدة إلى قبر الحسين (ع)، الحديث بطوله فراجعه.
والذي يفهمه المفكر ويعلمه علماً لا ظناً من كلمات أرباب النقل لهذه الحوادث الفظيعة على المرقد الحسيني أن الحائر الحسيني سمي حائراً لهذه الكرامات الظاهرة والمعجزات الباهرة التي ظهرت عنده حين أعتداء الفاجر الأثيم المتوكل عليه شبيه أبرهة الأثرم صاحب جيش الفيل وحبس الله بقر هذا الشقي كما حبس الله فيلة ذاك التعيس عن الكعبة فثلاثة تشبه ثلاثة: قبر الحسين (ع) يشبه الكعبة، والمتوكل يشبه أبا يكسوم الأثرم، وبقرة تشبه فيلة ذاك إذ الجميع تضرب الضرب الشديد لا تنبعث للكعبة والحائر لهذا إسم الحائر ظهر مع هذه الأفعال وشاع وإن كان قديماً كما يقال فقد يكون لكن لم يشتهر وإنما أشتهر بهذا الإسم لهذا العصر من هذه الجهة ولأجل هذه المنقبة العظيمة والدليل عليه أن عامة من رثاه لم يذكر الحائر وإنما ذكر كربلاء نينوى الطف الغاضرية ألخ.
نعم، جاء ذكر الحائر في الروايات والزيارات كزيارة الشهداء معه ((السلام على من كان في الحائر منكم)) ألخ. ومن الجائز أن تكون هذه الزيارة من تصنيف بعض العلماء لأن فيها ما لا يتفق مع التاريخ كقوله في القاسم بن الحسن وحبيب بن
1ـ مقتل العوالم: ص 247؛ رياض الأحزان: ص190؛ بحار الأنوار 10/298.
(388)

مظاهر أنهما لم يكونا في الحائر وهذا يبتنى على مسموع غير مرئي أن القاسم حملته بنو فزارة أخوال أخيه الحسن المثنى فدفنوه في القادسية. وأما حبيب إن صح هذا المرقد في الرواق الحسيني فهو في الحائر لا خارجاً عنه وإنما قلنا بتضييق دائرة الحائر في الاقتصار على محيط القبة الشريفة لأجل التخيير في الصلاة لمكان الاحتياط وإلا فدائرة الحائر كما عرفتها أوسع من ذلك حتى على أقل الروايات والأقوال وهو التحديد بعشرين ذراعاً. وأما على القول بأن إسم الحائر كان قديماً فلازمه أن تكون سعته أكثر من سعة الصحن الحسيني ليتسع لجمع سيل المياه لا أقل من شموله للدور التي حول الصحن خصوصاً على ما قرره هبة الدين في أن الحائر البقعة التي حوصر فيها أبن الزهراء (ع) وهي التي أحاطت بها التلال والروابي من جهاتها الثلاث فكونتها على شكل هلالي أو مثلث فمعلوم أنها أوسع من دائرة الصحن الشريف مرات لأنها تشتمل على منزل الحسين (ع) وهو المعروف بـ ((الخيمكاه)) أي الخيم لأنها في وسط التلال فأعرف ذلك وتيقنه.

نينوى والتعريف بها:

هي قرية من قرى كربلاء القديمة وكانت عامرة وقت نزول الحسين (ع) بكربلاء ولا يعتري الشك أو يختلف التشكيك فهم أحد في كونها أقرب القرى إلى مناخ ركب الحسين (ع) وأدناها من محط أثقاله يوم نزل كربلاء إن ألم بشيء من التاريخ والأثر لا كما ظنه البحاثة الشهير السيد العلامة هبة الدين الشهرستاني أنها سدة الهندية كما سنذكر كلامه قريباً وغريب من مثل هذا المنقب أن يقع في الغلط.
(389)

قال الحموي في معجم البلدان(1): نينوى ـ بكسر أوله وسكون ثانيه وفتح النون والواو بوزن الميطوي ـ وهي قرية يونس بن متّى بالموصل وبسواد الكوفة ناحية يقال لها نينوى منها كربلاء التي قتل بها الحسين (ع) ألخ. وهذا تصريح من ياقوت أن نينوى تشمل مصرع الحسين (ع).
اما هبة الدين فيقول في كتاب نهضة الحسين (ع)(2) في حكاية عمر بن سعد: وبالجملة: فلم يشعر بنفسه إلا قائداً جيشاً كثيفاً إلى حرب الحسين (ع) في نينوى إذ بها يلتقي الخط العراقي الإيراني بالخط العراقي الحجازي وهي المرحلة المشرفة على الأنبار فبلغه نزل الحسين (ع) قبله بيوم مع قائد المفرزة الحر الرياحي.
ثم قال(3): إن كربلاء إسم قديم مأثور في حديث الحسين (ع) وأبيه وجده (ص) ومفسر بالكرب والبلاء وإن كربلاء منحوتة من كور بابل العربية بمعنى مجموعة قرى بابلية منها نينوى القريبة من سدة الهندية ألخ.
وبالعزيز علينا أن نقف أزاء هذا البحاثة المتتبع والعلامة المحقق الكبير والاُستاذ الخطير المدقق المنقب عن الآثار، الماهر بإنتاج المعاني وأستثمارها بقوة عارضة وحدس صائب وفكرة ثاقبة فنجد أنفسنا واقفين أمامه موقف الاستغراب والتعجب بل موقف الإنكار والرد ولكن البحوث معارك الآراء وميادين صراع المدارك والأفكار حرة فلا تغل بأغلال التقاليد ولا تقيد بأقياد الأتباع ولا غضاضة على العلامة ولا غض من كرامة الباحث أن شذ قلمه أو شطحت كلماته فالجود يكبو والصارم ينبو. ولا يوجب بيان الحقيقة خدشاً في المؤلف ولا كشف الواقع
1ـ معجم البلدان 8/ 268.
2ـ نهضة الحسين (ع): ص62.
3ـ نفسه: ص66.
(390)

حطاً من قدر البحاثة فمقدرته في العلم والتنقيب والبحث والتحقيق محفوظة وكرامته مرعية لدينا ولدى غيرنا ولكن لكل من الباحثين الأخذ بما أوضحته له الدلائل وأداه إليه الفكر العميق وأبرزته مهارته الفنية بفكرته الدقيقة وهو معذور بعد إعمال الجد وبذل الجهود أخطأ أم أصاب.
نينوى إن قلنا أنها قريبة من سدة الهندية فهي تبعد عن كربلاء بما يقرب من عشرين ميلاً تقريباً والإشارة الواردة في سيرة الحسين (ع) عند نزوله بكربلاء في إشارته إليها بهذه التي يشار بها إلى القريب في مصطلح النحاة فهي تساوي الغاضرية إن لم تقرب عنها إلى مخيم الحسين (ع) وكذلك ورد في أحاديث الزيارة ما يدل على قربها وإن القاعدة المسلمة في علم النحو أن هذا وذا يشار بهما للمذكر القريب وهذه وذه يشار بها للمؤنّث القريب، وكثيراً ما تقول العرب من هذه المتكلمة؟ ومن هذه الواقعة؟ ومن هذه المارة؟ لمن تسمع الكلام ويرى شخصها، أما رؤية الشبح البعيد فيقولون: من تلك؟ ومن هاتيك؟ هذا ما يعرفه العرب في محاورتهم كما يشيرون بمثل ذلك للمعاني كقولهم: هذه عليك لا لك في إدلاء المخاطب بحجته وأمثالها كثير.
ثم لا يجوز العقل أن ينسب للحسين (ع) أنه طلب منهم الأرتحال عن كربلاء ليصير إلى السيدة الهندية التي هي بعيدة ومجتمع المارة ـ كما قال ـ فيراه الناس ويعطفوا عليه فيؤلف جمعاً بهدد به قواهم وهم قد منعوه أن ينزل الجنكنة او القنطرة البيضاء التي طبق عليها قديماً أرض الغاضرية فإنها تمتد من القنطرة البيضاء إلى خان العطيشي وهي اليوم أراضي الحسينية، وحيث نجزم بأن أراضي الغاضرية هي أراضي الحسينية الممتدة من الجنقنة إلى خان العطيشي فلا ريب أنا نجزم بأن نينوى من جهة قضاء الهندية (طويريج) لا سدة الهنديةلما ستعرف أن هناك مجتمع الزائرين من أهل الكوفة وطريق الكوفين لا شك بطويريج من حيث
(391)

طريق الماء او على ضفافه من النخيلة العباسية وأراضي ذي الكفل (الجفل) فلا محيص عن المرور بموضع طويريج إلى نينوى. أما طريق البادية فعلى الظهر ظهر الكوفة على مسامته النجف إلى موضع خان النصف فخان النخيلة فنينوى وعلى هذه الطرق الثلاثة لا معنى لذهابهم إلى سدة الهندية ليجتمعوا هناك ثم يعودوا منحدرين إلى كربلاء وما الفائدة في تكلف هذا العناء الشاق بقطع مسافة بعيدة ثم يعود منها على أثره قاطعاً لها برجوعه فكم يعاني المسافر براً من مشقة في ذهابه وإيابه وراكب السفائن كم يجاء به أخطاراً ثم يعود على الخط الذي مر به وربما أستخف بنا العقلاء لو قلنا أن من يقصد المحمودية يسير إلى جسر الخرّ ثم يعود إلى المحمودية كالمسافر من الديوانية والحلة وهو على هذا الخط فهل تجد سخرية تشبه هذه أو يقبل هذه المقالة عاقل؟
روى الشيخ الطوسي (رحمه الله) في كتاب الأمالي(1) بإسناده إلى القاسم بن أحمد بن معمر الكوفي وكان له علم بالسير وأيام الناس قال: بلغ المتوكل جعفر بن المعتصم أن أهل السواد يجتمعون بنينوى لزيارة قبر الحسين (ع) فيصير إلى قبره منهم خلق كثير، فأنفذ قائداً من قواده وضم إليه كتفاً من الجيش ليشعث قبر الحسين (ع) ويمنع الناس من زيارته والأجتماع إلى القبر. فخرج القائد إلى الطف وعمل بما أمر به وذلك في سنة 237 فثار أهل السواد به وأجتمعوا عليه وقالوا: لو قتلنا عن آخرنا لما امسك من بقي منا عن زيارته ورأوا من الدلائل ما حملهم على ما صنعوا. فكتب بالأمر إلى الحضرة فورد كتاب المتوكل بالكف عنهم والمسير إلى الكوفة والسواد مظهراً أن مسيره إليها في مصالح أهلها والأنكفاء إلى المصر.
1ـ الأمالي للطوسي: ص209.
(392)

فمضى الأمير على ذلك حتى كانت سنة 247 بلغ المتوكل أيضاً مصير الناس من أهل الكوفة والسواد إلى كربلاء إلى زيارة الحسين وأنه قد كثر جمعهم وصار لهم شوق، فأنفذ قائداً في جمع كثير من الجند فأمر منادياً ينادي: برئت الذمة ممن زار قبر الحسين ونبش القبر وحرث أرضه وأنقطع الناس وعمل على تتبع آل أبي طالب والشيعة رضي الله عنهم فقتل ولم يتم له ما قدر، إنتهى.
وروى أبن قولويه في كامل الزيارة(1) عن الثمالي عن ابي عبد الله الإمام الصادق (ع) قالك إذا أردت الوداع بعد فراغك من الزيارات فأكثر منها ما أستطعت وليكن مقامك بنينوى أو الغاضرية، ومتى أردت الزيارة فأغتسل وزر زورة الوداع ألخ.
ولا معنى أن يكلف الإمام زائر الحسين (ع) بالإقامة في سدة الهندية ليتمكن من إكثار الزيارة. إن المقيم بالسدة لا يستطيع أكثر من زيارة واحدة فكيف يستطيع الإكثار إلا أن تكون له إحدى الجياد من الخيل فقد يستطيع بها مرتين ولا يستطيع الأكثار الذي هو جمع وأقل الجمع ثلاث فإذن الحديث نص في أن الغاضرية قريبة من مرقد الحسين (ع) وهي كما قلنا الجنقنة على طريق القاصد إلى بغداد ونينوى تقابلها من باب البلدة على جهة القاصد إلى قضاء الهندية (طويريج) وكلا الموضعين قريب من البلدة ولا أظن أن أتساع عمارة البلدة في هذا العصر إلا أناه أتصلت بكلتا القريتين؛ فالزائر النازل في أحدهما يستطيع الإكثار من الزيارة.
وفي كامل الزيارة أيضاً (2) عن الإمام الصادق (ع) في الحديث المشتمل على آداب الزيارة وفيه: ثم أعبر الفرات فثم تأتي نينوى فتضع رجلك بها ولا تدهن
1ـ كامل الزيارة: ص254.
2ـ كامل الزيارة: ص225.
(393)

ولا تكتحل ولا تأكل اللحم ما دمت مقيماً ثم تأتي الشط بحذاء نخل القبر أول الليل وأغتسل وعليك الوقار، إلى آخر الحديث. فلينظر من يقول سدة الهندية كيف يضع ثقله بها ويستطيع الرجوع إليها مع الزيارة في أول الليل؟ وهل يقبل هذا من له أدنى التفات؟
وفي حديث الديزج الملعون ورواه الشيخ الطوسي (رحمه الله) في الأمالي(1): عن أبي بريرة الفضيل بن محمد بن عبد الحميد قال: دخلت على إبراهيم الديزج لعنه الله وكنت جاره أعوده في مرضه الذي مات فيه فوجدته بحال سوء وإذا هو كالمدهوش وعنده الطبيب، فسأله عن حاله، وكانت بيني وبينه خلطة واُنس يوجب الثقة بي والإنبساط إلين فكاتمني حاله وأشار إلى الطبيب، فشعر الطبيب بإشارته ولم يعرف عن حاله ما يصف له من الدواء ما يستعمله فقام فخرج وخلا الموضع، فسألته عن حاله، فقال: اُخبرك والله وأستغفر الله: إن المتوكل أمرني بالخروج إلى نينوى إلى قبر الحسين فأمرنا أن نكربه ونطمس أثر القبر فواقيت الناحية مساء ومعنا الفعلة والمرور والزكار معهم المساحي والمرور، فقدمت إلى غلماني وأصحابي أن يأخذوا الفعلة بخراب القبر وحرث أرضه فطرحت نفسي لما نالني من تعب السفر فنمت فذهب في النوم فإذا ضوضاء شديد وأصوات عالية وجعل الغلمان ينبهونني، فقمت وأنا فزع، فقلت لغلماني: ما شأنكم؟ قالو: أعجب شأن. قلت: ما ذاك؟ قالو: إن في موضع القبر قوماً قد حالوا بيننا وبين القبر وهم يرمونا مع ذلك بالنشاب.
فقمت معهم لأتبين الأمر فوجدته كما وصفوا وكان ذلك في أول الليل من ليالي البيض فقلت: إرموهم، فرموهم فعادت سهامنا إلينا فما سقط منها سهم إلا
1ـ الأمالي: للطوسي: ص208.
(394)

إلى صاحبه الذي رمى به فقتله.فأستوحشت لذلك وجزعت وأخذتني الحمى والقشعريرة ورحلت من القبر لوقتي ووطنت نفسي على أن يقتلني المتوكل لما لم أبلغ في القبر جميع ما تقدم به إلي.
قال أبو بريرة: فقلت له: قد كفيت ما تحذر من المتوكل قد قتل البارحة الاُولى وأعان عليه في قتله أبنه المنتصر. فقال لي: قد سمعت بذلك وقد نالني في جسمي ما لا أرجو معه البقاء.
قال أبو بريرة: كان هذا في أول النهار فما أمسى الديزج حتى مات.
قال أبن خنيس: قال الفضل: إن المنتصر سمع أباه يشتم فاطمة (ع) فسأل رجلاً من الناس عن ذلك، فقال له: قد وجب عليه القتل إلا أن قاتل أبيه لم يطل له عمر.
فقال: ما اُبالي إذا أطعت الله في قتله أن لا يطول لي عمر، فقتله وعاش بعده سبعة أشهر، إنتهى.
وحديث أبي بكر أبن عياش الكوفي الفقيه المشهور مولى بني أسد الذي يأتي ذكره في الغاضرية وفيه يقول: فصرت إلى نينوى وإن الرجل مضى به إلى القبر، الحديث الآتي. فهذه الأحاديث وغيرها مما لم تذكره واضحة الدلالة على كون نينوى بكربلاء نفسها لا بسدة الهندية وفي بعضها أنها مجتمع الزوار من أهل الكوفة وفي بعضها أمر الزوار بالكون بها أو بالغاضرية ليسهل زيارة القبر منهما وما ذاك إلا للقرب.
وحديث أبي بكر أبن عياش الآتي أنه خرج من قنطرة الكوفة حتى أنتهى إلى نينوى وعلى هذا فنينوى إن لم تكن باب بلدة كربلاء من ناحية طويريج فهي قريبة منها في الأراضي المعروفة بالسليمانية على مقدار ميلين أو أقل، وإن كان الراجح عندي أنها لم تبعد عن باب كربلاء الشرقي كثيراً.
(395)

وأما الدلالة عليها بحرف الإشارة التي هي للقريب فلا خلاف فيه حتى من كاتب النهضة فإنه قال(1): ثم قال للحر: دعنا ننزل هذه القرية ـ يعني نينوى ـ أو هذه ـ يعني الغاضرية ـ أو هذه ـ يعني شفية ـ . قال الحر: هذا رجل قد بعث عيناً علي، ألخ.
ولا شك أن الواقف في وهاد كربلاء اليوم لا يرى نخل سدة الهندية إلا بنظارة مكبرة (دربين) وهو من المخترعات الحديثة المفقودة في ذاك العصر. هب إنا نقول أن قوة بصر الإمام (ع) تنفذ إلى تلك الأعماق وتحيط بالأبعاد الشاسعة لكنه كيف يطلب من الحرب النزول في محل لا يراه وليس من الحر نظارة (تلسكوب) وهذا الشيخ شيخ الطائفة الشيعية أبو جعفر الطوسي فيما نقله عنه في معاني السبطين(2) يقول: إنها قرية إلى جنب حائر الحسين (ع). ونقله عنه النوري في نفس الرحمن ها هو نصه في كتاب الفهرست: حميد بن زياد من أهل نينوى قرية إلى جانب الحائر على ساكنه السلام، ألخ.
وهذا شيخنا الأعظم أبو عبد الله المفيد يصرح أن نزول الحسين (ع) بنفس نينوى وإن لم ينزل القرية العامرة وهذا نصه في الإرشاد(3): فلم يزالوا يتسايرون حتى أنتهوا إلى نينوى المكان الذي نزل به الحسين (ع) وتبعه عليه المجلسي وصاحب العوالم وغيرهما فأين الحائر عافاك الله من سدة الهندية، ومن كربلاء إلى سدة الهندية مرحلتان أكثر من عشرين ميلاً. ولولا أن الإكثار ملل والإسهاب خلل لأوردنا كثيراً من الشواهد التي تعين أن نينوى قرية على باب مدينة كربلاء إلى الجنوب الشرقي.
1ـ نهضة الحسين (ع): ص65.
2ـ معالي السبطين: ص178.
3ـ الإرشاد: ص238.
(396)

ونينوى لها ذكر في المراثي الحسينية. قال بعضهم:
ومذ أخذت في نينوى منهم النوى ولاح بها للغدر بعض العلائم
للمؤلف:
قف على نينوى وحي رباها بقعة شرفت فطاب ثراها
هيكل القدس جسم أكرم سبط ضمنته فقدست أرجاها
فأخرت فيه للضراح سمواً وبها الله كعبة البيت باها
قدست أرضها بما قد حوته فلها الفخر إذ حوت سبط طاها
فلتعش بابن أحمد ولتحيي فهي فيه قد بذت الأشباها
لم تزل حية بذكرى حسين كل جيل مردد ذكراها

الغاضرية من قرى كربلاء القديمة:

ومن القرى العامرة عند نزول الحسين (ع) بكربلاء وهي أقربها إلى منزل الحسين بعد نينوى وقد يراها بعض المحققين إنها أراضي الحسينية أو على مقربة من خان العطيشي مركز ناحية الحسينية الحالي ويعرفها البحاثة الشهرستاني بأراضي الحسينية يعني بها المقاربة لخان العطيشي لكنه أجزم أنها الأراضي الجنقنة فما دونها إلى بلدة كربلاء وقد صرح بذلك أبو حنيفة أحمد بن ثابت الدينوري وهو من علماء الجغرافية أنها بمقدار غلوة من منزل الحسين (ع) والغلوة رمية سهم.
قال في الأخبار الطوال(1): فقال الحسين (ع) للحر تقدم بنا قليلاً إلى هذه القربة التي هي منا على غلوة وهي الغاضرية أو هذه الاُخرى التي تسمى السقبة فنزل
1ـ الأخبار الطوال: ص250.
(397)

أحدهما. قال الحر: إن الأمير كتب إلي أن اُحلّك على غير ماء ولا بد من الأنتهاء إلى أمره. ألخ.
فهذا نص صريح في قربها من منزل الحسين (ع). والغلوة في لسان العرب رمية سهم. قال في القاموس: وكل مرماة غلوة. وقال في مجمع البحرين: وفي الحديث: الغلوة وهي بالفتح مقدار رمية سهم. وعن الليث: الفرسخ التام خمسة وعشرون غلوة. وعن أبي شجاع في خراجه لغلوة قدر ثلثمائة ذراع إلى أربعمائة والجمع غلوات ألخ.
فإن كانت الغلوة رمية سهم أو ثلثمائة ذراع فهي لا شك باب البلدة المعروف بباب الحسينية قرب مرقد سيدنا العباس بن أمير المؤمنين (ع). وأعتراض خيل أبن سعد لهم في الطريق لا يتفق مع هذا وعلى هذا فيمكن الجمع بأن يقال: أقرب حدود أراضي الغاضرية إلى منزل الحسين (ع) هو الغلوة وأقصاها ما يقارب خان العطيشي فمن المسنات مرقد العباس (ع) إلى القنطرة البيضاء إلى خان العطيشي ومركز القرية الأعظم يكون في وسط هذه الاراضي وإليه قصد حبيب بن مظاهر لما دعاهم لنصر الحسين (ع).
وهبة الدين الشهرستاني في النهضة(1) قال: ثم الغاضرية وتسمى اليوم أراضي الحسينية، إنتهى.
وهو مجمل وإجماله أجمل لكن الظاهر ما قلناه من أمتدادها.
قال الحمودي في معجم البلدان(2): الغاضرية بعد الألف ضاد معجمة منسوية إلى غاضرة من بني أسد وهي قرية من نواحي الكوفة قريبة من كربلاء ألخ.
1ـ نهضة الحسين (ع): ص66.
2ـ معجم البلدان 4/261.
(398)

وقال ابن عبد ربه في العقد الفريد(1): بنو غاضرة بن مالك بن سعد بن دودان أبن أسد، ومن بني غاضرة زر بن حبيش الفقيه، ومنهم الحسحاس بن هند الذي ينسب إليه عبد بني الحسحاس، إنتهى.
وهؤلاء غير غاضرة خزاعة، وإلى غاضرة الاسديين ينتسب أبو بكر أبن عياش الفقيه بالولاء وكان له خطر وتقدير عند الأمراء والولاة وهو الذي وعظ موسى بن عيسى العباسي لما جار على قبر الحسين بن علي (ع) وعظاً بالغاً ونص الحديث عن أمالي الشيخ الطوسي(2): عن يحيى بن عبد الحميد الحماني قال: خرجت أيام ولاية موسى بن عيسى الهاشمي الكوفة من منزلي فلقيني أبو بكر ابن عياش فقال: إمض بنا يا يحيى إلى هذا الظالم لنرده عن بغيه وكنت أجلّ أبابكر عن مراجعته وكان راكباً حماراً له، فكان يسير عليه وأنا أمشي مع ركابه، فلما صرنا عند الدار المعروفة بدار عبد الله بن جازم التفت إلي وقال: يابن الحماني! إنما جررتك معي وجشمتك أن تمشي خلفي لأسمعك ما أقول لهذا الطاغية. قال: فقلت: من هو يا أبابكر؟ فقال: هذا الفاجر الكافر موسى بن عيسى. فسكت عنه فمضى وأنا أتبعه حتى إذا صرنا إلى باب موسى بن عيسى وبصر به الحاجب وقد كان الناس ينزلون عند الرحبة فلم ينزل أبو بكر هناك وكان عليه يومئذٍ قميص وإزار وهو محلول الإزار.
قال: فدخل على حماره وناداني: تعال يابن الحمانيّ، فمنعني الحاجب فزجره أبو بكر وقال: أتمنعه يافاعل وهو معي؟ فتركني فما زال يسير على حماره حتى دخل الابواب فبصر بنا موسى وهو قاعد في صدر الأيوان على سريره
1ـ العقد الفريد 2/337.
2ـ الاُمالي للطوسي: ص203.
(399)

وبجنبي السرير رجال متسلحون وكذلك كانوا يصنعون، فلما أن رآه موسى رحب به وقربه وأقعده على سريره ومنعت أنا حين وصلت إلى الأيوان أن أتجاوزه. فلما استقر أبو بكر على السرير التفت إلي فرآني حيث أنا واقف فناداني: تعال ويحك، فصرت إليه ونعلي في رجلي وعلي قميص وإزار. فأجلسني بين يديه.
فألتفت إليه موسى فقال: هذا رجل تكلمنا فيه؟ قال: لا ولكن جئت به شاهداً عليك. قال: في ماذا؟ قال: إني رأيتك وما صنعت بهذا القبر. قال: أي قبر؟ قال: قبر الحسين بن علي بن فاطمة بنت رسول الله. وكان موسى قد وجه إليه من كربه وكرب جميع أرض الحائر وحرثها وزرع الزرع فيها. فأنتفخ موسى حتى كاد أن ينقد ثم قال: وما أنت وذاك؟
قال: إسمع حتى اُخبرك، إعلم أني رأيت في منامي كأني خرجت إلى قومي بني غاضرة فلما صرت بقنطرة الكوفة أعترضتني خنازير عشرة تريدني فأعانني الله برجل كنت أعرفه من بني أسد فدفعها عني فمضيت لوجهي، فلما صرت إلى شاهي ضللت الطريق فرأيت هناك عجوزاً فقالت لي: أين تريد أيها الشيخ؟ قلت: اُريد الغاضرية. فقالت لي: تنظر هذا الوادي فإنك إذا أتيت آخره أتضح لك الطريق. فمضيت وفعلت ذلك فلما صرت إلى نينوى إذا أنا بشيخ كبير جالس هناك، فقلت: من أين أيها الشيخ؟ فقال لي: أنا من أهل هذه القرية. فقلت: كم تعد من السنين؟ فقال: ما أحفظ ما مضى من سني عمري ولكن أبعد ذكري أني رأيت الحسين بن علي (ع) ومعه من أهله ومن معه يمنعون الماء الذي تراه وكان لا يمنع الكلاب والوحوش من شربه. فاستعظمت ذلك وقلت له: ويحك أنت رأيت هذا؟ قال: إي والذي سمك السماء لقد رأيت هذا أيها الشيخ وعاينته وأنت وأصحابك هم الذين يعينون على ما قد رأينا مما أقرح عيون المسلمين إن كان في الدنيا مسلم. فقلت: ويحك! وما هو؟ قال: حيث لم تنكرو ما أجرى
(400)