ودخلوا على يزيد فوضعوا الرأس بين يديه وحدثوه الحديث، قال: فسمعت دور الحديث هند بنت عبد الله بن عامر بن كريز وكانت تحت يزيد بن معاوية فتقنعت بثوبها وخرجت وقالت: ياأمير المؤمنين! هذا رأس الحسين بن فاطمة بنت رسول الله؟ قال: نعم فاعولي عليه وحدي على أبن بنت رسول الله وصريخة قريش عجل عليه أبن زياد فقتله قتله الله. ثم أذن للناس فدخلوا والرأس بين يديه ومع يزيد قضيب فهو ينكث به في ثغره، ثم قال: إن هذا وإيانا كما قال الحصين أبن الحمام المري:
نفلق هاماً نم رجال أحبة إلينا وهم كانوا أعق وأظلما
قال: فقال رجل من أصحاب رسول الله (ص) يقال له أبو برزة الأسلمي: أتنكت بقضيبك في ثغر الحسين؟! أما لقد أخذ قضيبك من ثغره ما أخذ لربما رأيت رسول الله يرشفه، أما إنك يا يزيد يتجيء يوم القيامة وإن أبن زياد شفيعك، ويجيء هذا يوم القيامة ومحمد (ص) شفيعه، ثم قام فولى، إنتهى.
وذكر مثل هذا وغيره أبن الأثير وآخرون من المؤرخين ونحن نورد كلام أبن كثير الدمشقي الشافعي فإنه أموي العقيدة، شديد في النصب والعدواة لآل محمد حتى تحرى إنكار القطعيّات ونسبها إلى وضع الشيعة بزعمه فلذلك أحكي عنه.
فذكر في البداية والنهاية(1) وحيث زيد بن أرقم عن الطبري وقال: رواه أيضاً أبو داود والطبراني.
وذكر أيضاً (2) حديث وضع الرأس بين يدي يزيد وتمثله بقول الحصين المري وشعر يحيى بن الحكم.
1ـ البداية والنهاية 8/190.
2ـ نفسه: ص191.
(301)

وقال(1): فضربة يزيد في صدر يحيى بن الحكم وقال: اُسكت.
وذكر حديث أبي برزة الأسلمي وحديث مروان وأخيه يحيى مع الكوفيين(2).
وروى حديث أبي برزة بصفة اُخرى (3) ولا نطيل بإعادة الكلام وتكثير النقل ملل.
1ـ نفسه: ص192.
2ـ نفسه: ص196.
3ـ نفسه: ص197.
(302)

المزارات للرأس الحسيني (ع)

هذه أعظم معركة للآراء وأفظع ملحمة جدلية طال فيها الجدل والخصام وكثر اللجاج بين نقله الآثار وأنا اُحررها مفصلة وإن طالت ثم أبدي رأيي في المسألة آخر البحث.

رأس الحسين (ع) في دمشق مدفون

ذهبت إلى هذا جماعة من المؤرخين وأختلفوا في موضعه فقال قوم في باب الفراديس، وآخرون في رحبة المسجد، وآخرون بسور البلد، وخذ نصوص هؤلاء:
قال ياقوت الحمري في معجم البلدان(1): وفي باب الفراديس مشهد الحسين أبن علي رضي الله عنهما، إنتهى.
وقال الحافظ أبن كثير الدمشقي(2): وأما رأس الحسين (رض) فالمشهور عند أهل التاريخ وأهل السيرة أنه بعث به أبن زياد إلى يزيد بن معاوية، ومن الناس من أنكر ذلك وعندي أن الأول أشهر والله أعلم، وذكر كلام أبن سعد سيأتي.
وقال: وذكر أبن أبي الدنيا من طريق عثمان بن عبد الرحمن عن محمد بن عمر أبن صالح ـ وهما ضعيفان ـ أن الرأس لم يزل في خزانة يزيد بن معاوية حتى
1ـ معجم البلدان 4/80.
2ـ البداية والنهاية 8/204.
(303)

توفي فأخذ من خزانته فكفن ودفن داخل باب الفراديس من مدينة دمشق.
قلت: ويعرف مكانه بمسجد الرأس اليوم داخل باب الفراديس.
(الثاني) وذكر أبن عساكر في تاريخه في ترجمة ريا خاضنة يزيد بن معاوية أن يزيد حين وضع رأس الحسين بين يديه تمثل بشعر أبن الزبعرى:
ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا جزع الخزرج من وقع الأسل
قال: ثم نصبه بدمشق ثلاثة أيام ثم وضع في خزائن السلاح حتى ان زمن سليمان بن عبد الملك جيء به إليه وقد بقي عظماً أبيض فكفنه وطيبه وصلى في مقبرة المسلمين، فلما جاءت المسودة ـ يعني بني العباس ـ نبشوه وأخذوه معهم.
وذكر أبن عساكر أن هذه المرأة بقيت بعد دولة بني اُمية وقد جاوزت المائة سنة والله أعلم، ألخ.
وقال الشبراوي الشافعي في الإتحاف بحب الاشراف(1): قال أبو الفضل: بعد أن وصل الرأس الشريف إلى دمشق وضع في طست بين يدي يزيد وصار يضرب ثناياه الشريفة بقضيب ثم أمر بصلبه فصلب ثلاثة أيام بدمشق وشكر لأبن زياد صنيعه وبالغ في إكرامه ورفعته حتى صار يدخل على نسائه، ثم ترك الرأس الشريف بعد صلبه في خزانة السلاح فلم يزل هناك حتى ولي سليمان بن عبد الملك فبعث إليه فجيء به وقد نحل وبقي عظماً أبيض فجعله في سقط وطيبه وجعل عليه كفناً وصلى عليه ودفنه في مقابر المسلمين بدمشق، فلما ولي عمر بن عبد العزيز بعث إلى خازن بيت السلاح يأمره أن يوجه إليه برأس الحسين بن علي رضي الله عنهما فأخبره أن سليمان بن عبد الملك أخذه وحمله في سفط وصلى
1ـ الإتحاف بحب الاشراف: ص23.
(304)

عليه ودفنه، فلما دخلت التيمورية إلى الشام سألوا عن موضع الرأس فنبشوه وأخذوه.
ثم قال(1): وحكي عن سليمان بن عبد الملك أنه رأى النبي (ص) وكان يكرمه فسأل الحسن البصري عن ذلك فقال: لعلك فعلت إلى أهل بيته معروفاً. فقال: إني وجدت رأس السيد الحسين (رض) في خزانة يزيد بن معاوية فكسوته خمسة أثواب من الديباج وصليت عليه في جماعة من أصحابي فقبرته، فقال الحسين البصري: إن النبي (ص) قد رضي عنك بسبب ذلك ألخ.
وهذا حكى ثلاثة أقوال هذا احدهما ويأتي منها في موضعه.
وحكى سبط أبن الجوزي في التذكرة خمسة أقوال منها(2): قال: الثالث: إنه بدمشق، حكى أبن أبي الدنيا قال: وجد رأس الحسين (ع) في خزانة يزيد بدمشق فكفنوه ودفنوه بباب الفراديس، وكذا ذكر البلاذري في تاريخه قال: هو بدمشق في دار الإمارة وكذا ذكر الواقدي ايضاً.
وقال أبن فضل الله العمري في مسالك الأبصار(3) ونورد كلامه هنا بطوله وإن كان بعضه ليس هذا موضعه، ونصه: مشهد الحسين بعسقلان كان رأسه بها فلما أخذها الفرنج نقل المسلمون الرأس إلى القاهرة ودفن بها في المشهد المعروف به خلف القصرين على زعم من قال ذلك والأغلب أنه لم يتجاوز دمشق لأنه إنما حمل إلى يزيد بن معاوية وكانت دمشق دار ملكه وملك بني اُمية ومن المحال أن يتجاوز الرأس المحمول إلى السلطان لغير حضرته وله بدمشق مشهد معروف داخل باب الفراديس وفي خارجه مكان الرأس على ما ذكروا وقد جاء في أخبار
1ـ الإتحاف بحب الأشراف: ص24.
2ـ تذكرة الخواص: ص151.
3ـ مسالك الأبصار: 1/219.
(305)

الدولة العباسية أنهم حملوا أعظم الحسين ورأسه إلى المدينة النبوية حتى دفنوه بقبر أخيه الحسن والمدى بعيد بين مقتل الحسين ومبنى مشهد عسقلان وفي هذا المشهد دفن رأس الكامل صاحب ميافارقين وفي ذلك قال أبن المهتار الكاتب:
أين غاز غزى وجاهد قوماً أثخنوا بالعراق والمشرقين
لم يشنه إن طيف بالرأس منه فله اُسوه برأس الحسين
وافق السبط في الشهادة والـــ دفن وقد حاز أجره مرتين
لم واروا في مشهد الرأس ذاك الـــــ رأس فأستعجبوا من الحالتين
وذكر أبو الفدا في تاريخه(1) هذا احد أقوال ثلاثة أنه في باب الفراديس.
وذكر القرماني في تاريخه(2) أقوالاً منها: والأصلح أنه دفن في جامع دمشق وأستمر جسده بكربلاء له مشهد عظيم يزار ويتبرك به.
والخوارزمي الحنفي في مقتله ذكر قصه سليمان بن عبد الملك وذكر ما ينافي السابقة في طلب عمر بن عبد العزيز للرأس وهذا نصه بعد رؤيا سليمان وقصته في دفن الرأس الشريف(3): فلما ولي عمر بن عبد العزيز بعث إلى المكان يطلب منه فأخبره بخبره فسأل عن الموضع الذي دفن فيه فنبشه وأخذه والله أعلم بما صنع به، والظاهر من دينه أنه بعثه إلى كربلاء فدفن مع جسده، إنتهى.
وذكر السيد عثمان مدوخ الحسيني الشافعي في العدل الشاهد: فالمشهور في زماننا أن اللرأس الشريف ثلاث مشاهد تزار: أولها المشهد بدمشق الذي فيه الرأس أولاً ثم المشهد بعسقلان بلد على البحر الأبيض قريب من غزة هاشم بالشام ـ يعني فلسطين ـ وقد نقل إليه الرأس الكريم من مشهد دمشق ثم المشهد
1ـ تاريخ أبو الفدا 1/ 191.
2ـ تاريخ القرماني: ص109.
3ـ مقتل الخوارزمي 2/76.
(306)

القاهري بمصر الذي نقل إليه الرأس الكريم من مشهد عسقلان وهو مستقر به الرأس الكريم إلى الآن، الخ.
وقال أبن بطوطة الرحالة الشهير المالكي في رحلته(1): وباب شرقي وهو أعظم أبواب المسجد ويسمى بباب جيرون وله دهليز عظيم يخرج منه إلى بلاط عظيم طويل أمامه خمسة أبواب لها ستة أعمدة طوال وفي جهة اليسار منه مشهد عظيم كان فيه رأس الحسين (ع).
وقال أبن جبير الرحالة المالكي في رحلته(2) بعد وصف باب جيرون: وفي وجه اليسار منه مشهد كبير حفيل كان فيه رأس الحسين بن علي رضي الله عنهما ثم نقل إلى القاهرة.
والحافظ المقريزي الشافعي في الخطط(3) يذكر دفن سليمان بن عبد الملك للرأس الشريف وأن بني العباس نبشوه وأخذوه.
والسيد علي جلال الحسني في كتاب الحسين(4): نقله قيلاً عن أبن الوردي وعن السمهودي في وفاء الوفا، والذي ذكره السمهودي(5) وهو ما حكيناه عن أبن أبي الدنيا.
ثم قال السيد علي جلال(6): وممن ذكر دفن الرأس بدمشق ياسين أبن مصطفى الفرضي في النبذة اللطيفة في المزارات الشريفة المزارات المشهورة للصحابة
1ـ رحلة أبن بطوطة 1/55.
2ـ رحلة أبن جبير: ص218.
3ـ الخطط 2/289.
4ـ كتاب الحسين (ع) 3/139.
5ـ وفاء الوفا 2/96.
6ـ كتاب الحسين (ع) 3/142.
(307)

بدمشق ونواحيها والمشهور منهم بتربة باب الفراديس المسمات بمرج أبي الدحداح إلا أن المسجد سمي مسجد الرأس داخل باب الفراديس في أصل جدار المحراب لهذا المسجد رأس الشهيد الملك الكامل وغربي المحراب المذكور في جدار طاقة على الطريق يقال أن رأس الحسين (رض) دفن بها، قال شيخنا النجم في إشاراته: لذا يقال له مشهد الحسين.
ومثل ذلك روى محمد بن قاسم بن يعقوب في كتاب روض الأخبار المنتخب من ربيع الأبرار المؤلف للسلطان سليمان بن السلطان سليم(1): قبر الحسين بن علي رضي الله عنهما بكربلاء ورأسه بالشام في مسجد دمشق على رأس اُسطوانة.
وذكر(2) في القول السابع: روى الذهبي في تاريخ الإسلام عن أبي كرب قال: كنت في القوم الذين وثبوا على الواليد بن يزيد وكنت فيمن نهب خزائنهم بدمشق فأخذت سفطاً وقلت فيه غنائي فركبت فرسي وجعلته بين يدي وخرجت من باب توما ففتحته فإذا بحريرة فيها رأس مكتوب عليه: هذا رأس الحسين، فحفرت له بسيفي ودفنته، إنتهى.
وعلى هذا نقف في النقل عن أهل السنة .
وذكر هذا القول الفاضل المجلسي في جملة أقوال نسبها إلى أهل السنة وذكر أن أحد أصحابنا لم يقل بها(3).
وذكر صاحب رياض الأحزان(4) هذا وتعقبه بقوله: ونحو هذا حكى آخر ولا يصغى إليه لوضوح فساده وكان الذي أثبته أراد به إلقاء الشبهة ليوهن بها أمر
1ـ روض الأخبار: ص48.
2ـ نفسه.
3ـ اُنظر: بحار الأنوار 10/228.
4ـ رياض الأحزان: ص39.
(308)

كربلاء وما يعتقد لاُمه المؤمنة من قصدها وزيارتها وسائر ما يتعلق بها دعاه إلى ذلك بغضه وعداوته، إنتهى.
سبحان الله ما أضعف حجة هذا القائل وأسخف ما جادل به الخصوم إن تكثير المشاهد والمزارات للأعضاء الشريفة لا يوهن أمر الجثمان الطاهر ولا ينقص فضل الجسد المقدس كما تنقص كثرة المساجد فضل الكعبة المشرفة فلكل واحد من المساجد حصة من الفضل والحرمة، وفضيلة الكعبة وحرمتها محفوظه وهي فوق الكل.
وأما رد هؤلاء القائلين بهذا فلا نحتاج إلى رده بأكثر من أضطرابهم ونقض بعضهم على بعض حتى زعم بعضهم كما سمعت أنه دفن بدمشق ثم نقل إلى عسقلان ومنها إلى القاهرة وهي دعوى مجردة لا دليل عنده ولا برهان، وهذا المشهد المشهور بالشام لا يبعد أن يكون موضع صلب الرأس الشريف لا موضع دفنه، وهنا كلام لعثمان مدوخ في العدل الشاهد(1).
1ـ قال في العدل الشاهد: كان قبل دفنه بعسقلان مدفوناً بدمشق الشام بمسجد صغير بالقرب من باب الفراديس وقد ظهرت أمارة صحيحة دلت على ذلك بعد سنة 1260 وأبتنى على ذلك شهرة ذلك المشهد بدمشق وهو مزار مشهور في وقتنا هذا، والذي أمر بإشهاره بعد ثبوت دفن الرأس الكريم فيه المرحوم المغفور له السلطان محمود خان المتوفى سنة 1279.
ثم قال بعد صفات: ومن الأمارات الدالة على صحة ذلك كله ما حصل في دمشق بعد سنة 1260 وذلك أن بعض العلماء عمد إلى مكان قديم قريب من باب الفراديس وشرع في هدمه ليجعله خزانة لحفظ الكتب فعثر على طاق في الجدار محكم السد بحجر كبير مكتوب عليه بالنقش في الحجر ما فهموا منه أن ذلك مشهد رأس الإمام الحسين السبط فرفعوا ذلك إلى والي الشام يومئذ فذهب ورأى ذلك بنفسه وأمرهم أن لا يحدثو في هذا شيئاً ثم رفع الأمر إلى المرحوم السلطان عبد المجيد خان أبن السلطان محمود خان فصدر أمره العالي بكشف هذا المكان بحضور جمهور من العلماء والاُمراء ووجوه الناس فاُحضروا إلى الشام ما أمر به السلطان وكشفوا هذا الحجر الذي عليه الكتابة فوجدوا فجوة خالية عن الدفن بعد أن رآها الحاضرون أمر بسدها كما كانت ورفع ذلك إلى المرحوم السلطان عبد المجيد خان خان فصدر مرسومه العالي بإعمال طوق من الفضة حوالي الحجر وكنت أعلم مقدار وزن الفظة وأظن أنه سبعة آلأف درهم والله أعلم بالحقيقة. وهذا الأمارة في هذا الزمان المتأخر دلت على صحة دفن الرأس الكريم بدمشق أولاً ثم بعد ثبوت ذلك راينا أنه مكث فيه مائة عام ثم ظهر بعد هذا المشهد مشهد عسقلان ألخ.
وهذا جهل مفرط فلم كان دلالة على نقله إلى القاهرة بمجرد خلوه ولم لا يدل على نقله إلى كربلاء كما ذكروا من نبش العباسية والتيمورية له وأعادوه إلى كربلاء؟ فالاستدلال بهذا على صحة النقل للقاهرة تحكم وعناد.
(309)

المشهد الثاني لرأس الحسين (ع) بالرقة

بلدة على الفرات هي ألآن في المملكة السورية وكانت سابقاً من جزيرة العراق ويسكنها الرشيد، أستطابة لهوائها، وكان يقطنها آل أبي معيط من بني اُمية وابتني هذا القول على هذه الشبهة.
قال سبط أبن الجوزي الحنفي في التذكرة(1): الرابع: إنه بمسجد الرقة على الفرات بالمدينة المشهورة ذكره عبد الله بن عمر الوارق في كتابه قال: لما حضر الرأس بين يدي يزيد بن معاوية قال: لأبعثنه لآل ابي معيط عن رأس عثمان وكانوا بالرقة فبعثه إليهم فدفنوه في بعض دورهم ثم اُدخلت تلك الدار في المسجد الجامع، قال: وهو إلى جانب سدرة هناك عليه شبيه النبل لا يذهب شتاء ولا صيفاً، ألخ.
وقال السيد علي جلال في كتاب الحسين (ع)(2): أختلف المؤرخون في موضع دفن راس الحسين (ع): فالإسماعيلية كثير من أهل السنة على أنه دفن بدمشق،
1ـ تذكرة الخواص: ص151.
2ـ كتاب الحسين (ع) 3/138.
(310)

ونقل منها إلى عسقلان، ومنها إلى القاهرة، وقيل: إنه مدفون بالمدينة، وقيل: بل بالرقة، ألخ.

المشهد الثالث لراس الحسين (ع) في عسقلان

عسقلان مدينة مشهورة في فلسطين على ساحل البحر الأبيض وحديث هذا المشهد يرتبط كثيراً بحديث المشهد القاهري كما نحكيه لك وهذه عقيدة سائدة على أهل السنة وخاصة الصوفية وعليها أيضاً الإسماعيلية من الشعية كما تسمعه في مشهد القاهرة.
قال الحافظ المقريزي الشافعي في الخطط(1): قال الفاضل محمد بن علي بن يوسف بن ميسر: وفي شعبان سنة 491 خرج الأفضل أبن أمير الجيوش بعساكر جمة إلى بيت المقدس وبه سكبان وإيلغازي ابنا أرتق في جماعة من أقاربهما ورجالهما وعساكر كثيرة من الأتراك فراسلهما الأفضل يلتمس منها تسليم القدس إليه بغير حرب فلم يجيباه لذلك فقاتل البلد ونصب عليها المجانيق وهدم منها جانباً فلم يجدا بداً من الإذعان له وسلماه إليه فخلع عليها وأطلقها وعاد في عساكره وقد ملك القدس فدخل عسقلان وكان بها مكان دارس فيه رأس الحسين أبن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما فأخرجه وعطره وحمله في سفط إلى أجل دار بها وعمر المشهد فلما تكامل حمل الأفضل الرأس الشريف على صدره وسعى به ماشياً إلى أن أحله في مقره وقيل: إن المشهد بعسقلان بناه أمير الجيوش بدر الجمالي وكمله أبنه الأفضل، إلى آخر ما يجيء في المشهد القاهري.
وقال عثمان مدوخ في العدل الشاهد: قال السيوطي في تاريخ الخلفاء: إن
1ـ الخطط 2/283.
(311)

الرأس الشريف نقل من مدفنه بقرب باب الفراديس من دمشق بعد ما مكث فيه مائة عام ومنها أنه أشتهر رأس الإمام الحسين (ع) بقلعة بعسقلان وهي قرية على البحر الأبيض قريبة من غزة هاشم من أرض فلسطين وهذا المشهد عمره أمير الجيوش بدر الجمالي بعد سنة 480 وعمره أبنه الأفضل شاه شاه أمير الجيوش بعد أن كشف البناء وأخرج الرأس الكريم ووضعها في أجل دار وبعد بناء المشهد أعاده إليه وذاك في سنة 491، ثم نذكر نقله إلى مصر كما يجيء.
وقال الشبلنجي الشافعي في نور الأبصار(1): وأختلفوا في رأس الحسين (رض) بعد مسيره إلى الشام إلى أين سار؟ وفي أي موضع أستقر؟ فذهبت طائفة إلى أن يزيد أمر أن يطاف به في البلاد فطيف به حتى انتهى عسقلان فدفنه أميرها بها ثم ذكر نقله إلى القاهرة.
وبهذا النص في رسالة إسعاف الراغبين للصبان الشافعي على هامش نور الأبصار(2) ونقتصر على هذا فإنه سيذكر في المشهد القاهري المشهور إلى اليوم.

المشهد الرابع لرأس الحسين (ع) مشهد القاهر المعزية

أو عاصمة مصر اليوم، وهذا المشهد من المشاهد المعظمة المشهورة عند الناس ويدين بصحة ذلك عامة الإسماعيلية من الشيعة وعامة الصوفية من أهل السنة بل أكثر أهل السنة على صحة هذا، المحققون منهم أنكروا ذلك كما تسمع، وهنا نتوسع في المقال وإن لم نتمكن من الأستيفاء لطول هذا البحث وكثرة الجدل والخصام بين النافي والمثبت حتى أدعى بعض المثبتين الإجماع عليه وأن كانت الدعوى باطلة.
1ـ نور الأبصار: ص120.
2ـ رسالة إسعاف الراغبين للصبان لاشافعي على هامش نور الأبصار: ص181.
(312)

قال السخاوي الحنفي في تحفة الأحباب(1) بعد ذكر القول في دفنه بالمدينة: وقال بعضهم: كانت ـ يعني الرأس الشريف ـ بعسقلان فلما أخذتها الفرنج نقلت إلى هذا المشهد ـ يعني القاهري ـ والله أعلم بالصواب.
وقيل: لما قتل الحسين بن علي رضي الله تبارك وتعالى عنهما بأرض كربلاء طيف برأسه وسير في البلاد إلا بأرض مصر فإن أهلها لم يمكنوهم من الدخول على تلك الحالة البشعة بل تلقوهم بمدينة الفرما وهي أول مدائن مصر وحملوهم في الهوادج وستروها بالستور وأوسعوا لهم في الكرامة وأنزلوهم خير الأماكن بمصر وآووهم زمناً وبنوا لموتاهم المشاهد وأتخذوها مزارات وجعلوا لهم أرزاقاً من أموالهم تقوم بهم، فكان أهل البيت يدعون لأهل مصر ويقولون: يا أهل مصر! نصرتمونا نصركم الله، وآويتمونا آواكم الله، وآمنتمونا آمنكم الله، وأعنتمونا أعانكم الله، وجعل لكم من كل مصيبة فرجاً ومن كل ضيق مخرجاً.
وهذا المشهد قيل إن الذي أنشأه بسبب رأس الحسين (ع) رضي تبارك وتعالى عنه هو الوزير طلائع بن رزيك ألخ.
وفي تعليقة محمود ربيع مدرس بالأزهر وحسن قاسم مدير مجلة هدى الإسلام عليه(2) ما نصه: لا نعرف خلافاً في مجيء الرأس الكريم إلى القاهرة فهذه جمهرة من شيوخ المؤرخين قد ذكرت مجيئه الكريم إلى هنا قود فصلنا أوجه الخلاف وأثبتنا مجيئه ثبوتاً لا مجال للشلك فيه في كتابنا تاريخ مشهد الحسين (ع) وهو مطبوع، وروينا في بحث آخر لنا نشر في مجلة الإسلام رواية شاهد عيان حضر مجيء الرأس الكريم إلى القاهرة، اُنظره، إنتهى.
1ـ تحفة الأحباب: ص94.
2ـ في صفحة 94.
(313)

وهذه جهالة وطموح المتجددين يوازن طموح الحصان الذي لم يرض كيف صح له الإجماع وقد خالفت جميع الإمامية وكثير من العلماء السنيين المحققين كالقرطبي وأبن كثير وآخرين ممن نسمعك أقوالهم، فدعنا من تهور المتجددين وأسمع ما نحرر.
قال سبط أبن الجوزي الحنفي في التذكرة(1): الخامس: إن الخلفاء الفاطميين نقلوه من باب الفراديس إلى عسقلان ثم نقلوه إلى القاهرة وهو فيها وله مشهد عظيم يزار وفي الجملة ففي أي مكان كان رأسه أو جسده فهو ساكن في القلوب والضمائر، قاطن في الأسرار والخواطر. أنشدنا بعض أشياخنا في هذا المعنى:
لا تطلبوا المولى الحسين بأرض شرق أو بغرب
ودعوا الجميع وعرجوا نحوي فمشهده بقلبي
إنتهى
وقال الحافظ المقريزي في الخطط متصلاً بما ذكرنا في مشهد عسقلان(2): وكان حمل الرأس إلى القاهرة من عسقلان ووصوله إليها في يوم الأحد ثامن جمادي الآخرة سنة 548، وكان الذي وصل بالرأس من عسقلان الأمير سيف المملكة تميم واليها كان القاضي المؤتمن بن مسكين مشارفها وحصل في القصر يوم الثلاثاء العاشر من جمادي الآخرة المذكور. ويذكر أن هذا الرأس الشريف لما اُخرج من المشهد بعسقلان وجد دمه لم يجف له ريح كريح المسك فقدم به الاُستاذ مكنون في عشاري من عشاريات الخدمة وأنزل به إلى الكافوري ثم حمل في السرداب إلى قصر الزمرد ثم دفن عند قبة الديلم بباب دهليز الخدمة فكان كل
1ـ تذكرة الخواص: ص151.
2ـ الخطط 3/284.
(314)

من يدخل الخدمة يقبل الأرض أمام القبر وكانوا ينحرون في ويوم عاشوراء عند القبر الإبل والبقر والغنم ويكثرون النوح والبكاء، ويسبون من قتل الحسين (ع) ولم يزالوا على ذلك حتى زالت دولتهم.
وقال أبن عبد الظاهر ـ مشهد الحسين ـ صلوات الله عليه قد ذكرنا أن طلائع بن رزيك المنعوت بالصالح كان قد قصد نقل الراس الشريف من عسقلان لما خاف عليها من الرنج وبنى جامعه خارج باب زويلة ليدفنه به ويفوز بهذا الفخار فغلبه أهل القصر على ذلك وقالوا: لا يكون ذلك إلا عندنا، فعمدوا إلى هذا المكان وبنوه له ونقلوا الرخام إليه وذلك في خلافة الفائز على يد طلائع في سنة 549.
وسمعت من يحكي حكاية يستدل بها على بعض شرف هذا الرأس الشريف الكريم المبارك وهي أن السلطان المالك الناصر (رحمه الله) لما أخذ هذا القصر وشيء إليه بخادم له قدر في الدولة المصرية وكان زمان القصر بيده وقيل له إنه يعرف الأموال التي بالقصر والدفائن فأخذ وسأل فلم يجب بشيء وتجاهل، فأمر صلاح الدين نوابه بتعذيبه فأخذه متولي العقوبة وجعل على رأسه خنافس وشد عليها قرمزية وقيل إن هذه أشد العقوبات وإن الإنسان لا يطيق الصبر عليها ساعة إلا تنقب دماغه وتقتله، ففعل به ذلك مراراً وهو لا يتأوه وتوجد الخنافس ميته فعجب من ذلك وأخضره وقال: هذا سر فيك ولا بد أن تعرفني به. فقال: والله ما سبب هذا إلا أني لما وصلت رأس الإمام الحسين حملتها، قال: وأي سر أعظم من هذا، وراجع في شأنه فعفا عنه، ثم ذكر من جعل فيه مدرسة.
ثم قال: وأحترق هذا المشهد في الأيام الصالحية في سنة بضع وأربعين وستمائة وكان الأمير جمال الدين بن يعمور نائباً عن الملك الصالح في القاهرة وسببه أن أحد خزان الشمع دخل ليأخذ شيئاً فسقطت منه شعلة فوق الأمير جمال الدين بنفسه حتى طفئ وأنشدته حينئذٍ وقلت:
(315)

قالوا تعصب للحسين ولم يزل بالنفس للهول الشديد معرضا
حتى أنضوى ضوء الحريق وأصبح المسود من تلك المخاوف أبيضاً
أرضى الإله بما أتى فكأنه بين الأنام لفضله موسى الرضا
إلى آخر ما ذكر. وأهل هذا القول كثيرون بل هو المشهور عندهم اليوم حتى أدعي الإجماع، ومن جملة الناصين عليه الشبلنجي والصبان وعثمان مدوخ وأحتج له بأدلة عديدة كلها لم تجده نفعاً.

صفة هذا المشهد:

عن الرحالة أبن حبير المالكي في رحلته ونصه(1): فأول ما نبدأ بذكره منها الآثار والمشاهد المباركة التي ببركتها يمسكها الله عز وجل، فمن ذلك المشهد العظيم الشأن الذي بمدينة القاهرة حيث رأس الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما وهو في تابوت فضة مدفون تحت الأرض قد بني عليه بنيان حفيل يقصر الوصف عنه ولا يحيط الإدراك به مجلل بأنواع الديباج، محفوف بأمثال العمد الكبار شمعاً أبيضاً، ومنه ما هو دون ذلك، وقد وضع أكثرها في أتوار فضة خالصة، ومنها مذهبة، وعلقت عليه قناديل فضة وحف أعلاه كله بأمثال التفافيح ذهباً في مصنع شبيه الروضة يقيد الأبصار حسناً وجمالاً، فيه أنواع الرخام المجزع الغريب الصنعة البديع الترصيع ما لا يتخيله المتخيلون ولا يحق أدنى وصفه الواصفون، والمدخل إلى هذه الروضة على مسجد على مثالها في التأنق والغرابة حيطانه كلها رخام على الصفة المذكورة، وعن يمين الروضة المذكورة وشمالها بنيان من كليهما المدخل إليها وهما أيضاً على تلك الصفة بعينها،
1ـ رحلة أبن جبير المالكي: ص12
(316)

والأستار البديعة من الديباج معلقة على الجميع.
ومن أعجب ما شاهدناه من دخولنا إلى هذا المسجد المبارك حجر موضع في الجدار الذي يستقبله الداخل شديد السواد والبصيص يصف الأشخاص كلها كأنه المرآة الصينية الحديثة الصقل وشاهدنا من أستلام الناس للقبر المبارك وإحداقهم به وأنكبابهم عليه وتمسحهم بالكسوة التي عليه وطوافهم حوله مزدحمين داعين باكين متوسلين إلى الله سبحانه وتعالى ببركة التربة المقدسة والمتضرعين بما يذيب الأكباد ويصدع الجماد والأمر فيه أعظم، ومرأى الحال أهول، نفعنا الله ببركة ذاك المشهد الكريم وإنما وقع الإلماع بنبذة من صفته مستدلاً على ما وراء ذلك إذ لا ينبغي لعاقل أن يتصدى لوصفه لأنه يقف موقف التقصير والعجز.
وبالجملة فما أظن في الوجود كله مصنعاً أحفل منه ولا مرأى من البناء أعجب ولا أبدع، قدس الله العضو الكريم الذي فيه بمنّه وكرمه، إنتهى.
ونقل محمد سليمان محفوظ في كتاب أعجب ما رأيت بعد كلام أبن جبير هذا ما نصه عن الخطط التوفيقية(1): الضريح الشريف في الخطط عيه مقصورة من الصفر الجيد الصنعة، بابها منها وفيه حلقتان من الفضة يعلوها قبة من الخشب وعلى القبر المبارك تابوت من الآبنوس مكسو الأستبرق الأحمر والمزخرف، وعليه خيش أصفر وأخضر مغطى بكشامير الفرمش، وعليه عمامة شريفة من الحرير الأخضر عليها كشمير فرمش أيضاً وبجوانبه أربعة عساكر من الفضة وداخل المقصورة شبكة من سلوك الحديد لزيادة الحفظ وبدائرة المقصورة والقبة ألواح بديعة فيها الخطوط المذهبة من الخط الثلثي والكوفي، ومنها ما هو لبعض الملوك العثمانيين ولها باب إلى الباب الأخضر وبابان إلى الجامع لكل منها
1ـ الخطط التوفيقية 3/149.
(317)

مصرعان من الخشب المصفح بصفائح الفضة المنقوشة، وبأعلى باب الجامع الغربي(قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى)(1) وبأعلى الباب الذي يلي المنبر ((الشفاء في تربته والإجابة تحت قبته والأئمة في ذريته)) وبينهما شباكان كبيران من النحاس الأصفر وعلى الجميع ستائر الجوخ الأخضر، وفوق ذلك ألواح فيها آيات قرآنية وأحاديث نبوية مثل ((حسين مني وأنا من حسين))، وأما القبة فإنها على بنائها العظيم القديم وهي كبيرة منقوش باطن أعلاها بالليقة الذهبية وجدرانها من الحجر الجيد المنحوت مكسوة بالرخام الملون إلى أكثر من قامتين وبها محراب يكتنفه عمودان من حجر السماق وللقبة أمام غير الجامع وفيها صندوق النذور.
إلى أن قال (2):

الشعائر الحسينية:

للسيد الحسين (ع) حضرتان في ليلة الثلاثاء ويوم السبت، ومولده من 11 ربيع الأول إلى غاية الشهر، كذا في الخطط.

المقام الحسيني بكربلاء:

في الخطط: له (ع) بمدينة كربلاء مقام جليل قبته مكسوة صفائح الذهب ومقصورته من الذهب المرصع بألماس وعليها سلسلة من الذهب معلقة بالقبة بطرفيها قطعة ياقوت مدلاة على التابوت كبيضة النعامة، وحول المقصورة 37 منارة من الذهب مرصعة باليواقيت كل واحدة كقامة الإنسان، وله خزانة أجتمع
1ـ الشورى: 23.
2ـ الخطط التوفيقية 3/150.
(318)

فيها سنة 1261 نحو 32 مليون من الطمان والطمان نصف جنية إنجليزي، وله جامع بقدر جامع طولون فيه جم غفير من طلبة العلم ولهم مرتبات كافية ويعيشون من الرزق الحسيني.
ثم ذكر للمشهد القاهري كرامات كثيرة وفي ضمنها رؤيا بزيارة النبي (ص) والصحابة لمشهد الحسين(ع) وشفاء الشيخ أبي الفضل نقيب الخلوتية من دائه الذي أعيى الأطباء بالحسين (ع) وذكر هو له كرامات شاهدها في نفسه وهي ستة كرامات ويذكر أن فيه مصحف كريم بالخط الكوفي منسوب إلى الإمام علي (ع) على رق غزال وطوله 35 سنتيماً وعرضه 20 وسمكه 35 وهو على اليمين وعلى اليسار مصحف كريم منسوب إلى سيدنا عثمان على رق غزال أيضاً طوله كعرضه 80 سنتيماً وسمكه متر وبين المصحفين قطعة من الخرقة النبوية المباركة وهي من قميص المصطفى وقطعة من عصاه الشريفة وهي الساج الآبنوس، وعلى اليسار المكحلة من الحجر الأخضر والمرود من الحديد وبينهما واسطة العقد ثلاث (شعرات من اللحية النبوية الشريفة)، هكذا ذكر عن الخطط التوفيقية لتوفيق باشا، وذكر بعدها لفظ الزيارة التي يزار بها المشهد وإذا شئت الزيادة اُطلبها من كتاب أعجب ما رأيت.
ويحكي لنا عثمان مدوخ قصة في نقل الرأس إلى القاهرة غير ما ذكره أولاً من نقله من عسقلان ونصها عن العدل الشاهد(1) وقد رأينا أقوالاً غير ذلك نذكر منها ما أشار إليه الشعراني في الطبقاة وذكر في كتب الزيارات وذلك أنه لما رجع جماعة يزيد إلى الشام ومعهم الباقون من آل البيت ومعهم الرأس الكريم خرج عليهم في طريقهم جماعة من أهل مدينة الفرما وهي مدينة قديمة على البحر
1ـ العدل الشاهد: ص35.
(219)

الأبيض بين دمياط والعريش كانت عامرة في مدة صدر الإسلام وكان لها عدد من المقاتلة لحفظها فلما أستشعرت بما وقع لآل البيت من الضنك والضيق وأنهم قد حملوا إلى يزيد في حالة أسر خرجوا عليهم وقاتلوهم أشد القتال وغلبوهم وأستخلصوا منهم آل البيت ومن معهم من أتباعهم وحملوهم في الهوادج العظيمة وأسبلوا عليهم الستور من الحرير ومشوا أمامهم حفاة مكشوفين الرؤوس بين أيديهم تأدباً حتى وصلوا مدينة الفسطاط فأستقبلهم العامل على الفسطاط ووجوه البلد وعظماؤها وأنزلوهم أكرم المنازل وأجروا عليهم الأرزاق الواسعة وكانوا يترددون على زيارتهم ويقومون بخدمتهم وكل من توفى أكرموه بدفنه في أحسن المواضع وأشهروا قبره ليزار. فهذا سبب أختلاف مواضع أضرحتهم لأنهم كانوا يدفنون من مات من أهل البيت في منزله فمواضع أضرحتهم الآن كانت منازل سكناهم قبل ودفنوا رأس الحسين السبط (ع) في هذا المشهد ألخ.
ثم ضعف هذا القول وقوى رأيه الأول في النقل من مشهد الفراديس إلى عسقلان إلى القاهرة وقد جزم بالنقل من عسقلان إلى القاهرة من المالكية الشعراني الصفوي في الطبقات وأبن بطوطة الرحالة في رحلته عند ذكر عسقلان والحمزاوي في مشارق الأنوار ونصّ الشعراني(1): وحملت رأسه إلى مصر ودفنت بالمشهد المشهور بها ومشى الناس أمامها حفاة من مدينة غزة إلى مصر تعظيماً لها (رض).
ويذكر الحمزاوي في مشارق الأنوار(2): قال المناوي في طبقاته: ذكر لي بعض أهل الكشف والشهود أنه حصل له أطلاع على دفن الحسين بكربلاء ثم ظهر بعد
1ـ الطبقات 1/ 23.
2ـ مشارق الأنوار : ص 142.
(320)

ذلك بالمشهد القاهري لأن حكم الحال في البرزخ حكم الإنسان الذي تدلى في تيار جار فيطفوا بعد ذلك في مكان آخر، ألخ.
والحمزاوي عن الأجهوري ييذكر تواتر ذلك عند أهل الكشف وله هنا كلام مطول نتركه لمؤلفه، وإذا عرفت دعواهم التواتر فنقل الأقوال ملل.

المعارضون لهم بالنفي البات:

منهم شافعية ومالكية وحنابلة، أما أبن تيمية فلا نعد لقوله قولاً معارضاً كما ذكر علي جلال الحسيني لأن أبن تيمية ما زال ينكر المتواترات فجحوده التطوف برأس الحسين (ع) كحجود الرضا بقتله وإنكاره حمل أهله اُسارى كإنكار الشمس اللائحة ومن تابعة كأبن كثير مثله لكنا نذكر قوله هنا للأعتبار بمقالات الملاحدة.
قال اليافعي الشافعي الصوفي في مرآة الجنان(1): وما ذكر أنه نقل إلى عسقلان أو القاهرة لا يصح وقد قتل الله تعالى قاتله صبراً ولقي حزناً طويلاً وذعراً، ووضع رأس الخبيث المذمم حيث وضع رأس الحسين الطيب المكرم.
وقال الشيخ محمد بن السيد درويش الحوت البيروتي في أسنى المطالب (2) بعد تمهيد ذكر أمكنة منسوبة للأنبياء وغيرهم لا تصح قال: ومنها المكان المشهور بالمشهد الحسيني بالقاهرة إذ ليس الحسين (رض) مدفوناً به بالإتفاق لأن القاهرة بناها عبد القاهر الفاطمي العبيدي ودولتهم كانت في القرن الرابع فلعل الفاطميين هم الذين عمروا المشهد الحسيني لأنهم عظموا أهل البيت ونسبوا أنفسهم إلى الحسين وهم كاذبون، أما جسم الحسين (رض) فبكربلاء من أرض العراق محل قتله وأما رأسه الشريف فقيل في المشهد ولم يصح لما علمت. وقيل: حمل رأسه إلى
1ـ مرآة الجنان: 1/ 136.
2ـ أسنى المطالب: ص292 طبع مصر.
(321)

الشام وجهزه يزيد بن معاوية وارسله إلى المدينة ليدفن عند أهله فدفن بقبة العباس عند اُمه وأخيه الحسن، وقيل: وضع يزيد رأس الحسين (ع) في قبر أبيه معاوية وقيل في المسجد على عمود وستره وقيل على سور البلد وستره والله أعلم.
وأما قول أهل الباطن أن الميت في البرزخ كالحجر في تيار الماء يريدون أنه ينتقل من مكان إلى مكان وأن الحسين نقل في البرزخ إلى المكان المشهور فهذا لا يثبت إلا بحجة صحيحة ولا حجة بذلك فلا يلتفت إليه، إنتهى.
وتعقبه السيد علي جلال في كتاب الحسين (ع) (1): وقول محمد بن الحوت حق في مطالبة أهل الباطن بالدليل على صحة ما يذهبون إليه من تنقل الميت من مكان إلى مكان وما سوى ذلك من أقواله فباطل إذ لم يدع أحد أن جسد الحسين مدفون بمصر ولا ظن أحد أن الرأس دفن بمصر عقب القتل ولا شك أن القاهرة المعزية أحدثها جوهر غلام المعز لدين الله أبي تميم معد بن المنصور إسماعيل لمولاه فلا يعبأ برأي محمد بن الحوت وجزمه بعدم صحة دفن الرأس الشريف بالمشهد المعروف بالقاهرة ألخ.
ومن المعارضين الإمام القرطبي المالكي صاحب التفسير المشهور والتذكرة ونصه في مختصرها للشعراني(2): قال القرطبي رحمه الله تعالى: وما ذكر من أنه دفن بعسقلان في المشهد المعروف بها أو بالقاهرة فهو شيء باطل لا يصح، إنتهى.
وهذا تعقبه الشعراني المالكي فقال: فقلت: قد ثبت أن طلائع بن رزيك الذي بني المشهد بالقاهرة نقل الرأس إلى هذا المشهد بعد أن بذل في نقلها نحو أربعين
1ـ كتاب الحسين (ع): ص149.
2ـ مختصر التذكرة: ص122.
(322)

ألف دينار وخرج هو وعسكره فتلقاه من خارج مصر حافياً مكشوف الرأس هو وعسكره وهي في برنس حرير أخضر في القبر الذي هو في المشهد موضوعة على كرسي من خشب الآبنوس ومفروش هناك نحو نصف أردب من الطيب كما أخبرني خادم المشهد، ثم أحتج برؤيا الثلبي الحشفي لرسول الله (ص).
ومن المعارضين الحافظ أبن كثير الدمشقي الشافعي ونصه في تاريخه(1): وأدعت الطائفة المسمون بالفاطميين الذين ملكوا الديار المصرية قبل سنة 400 إلى ما بعد سنة 660 أن رأس الحسين (ع) بعد سنة 500 وصل إلى الديار المصرية ودفنوه بها وبنو عليه المشهد المشهور به بمصر الذي يقال له تاج الحسين (ع) بعد سنة 500 وقد نص غير واحد من أئمة أهل العلم على أنه لا أصل لذلك وإنما أرادوا أن يروجوا بذلك بطلان ما أدعوه من النسب الشريف وهم في كل ذلك خونة كذبة وقد نص على ذلك القاضي الباقلاني وغير واحد من أئمة العلماء في دولتهم في حدود سنة 400.
قلت: والناس أكثرهم يروج عليهم مثل هذا فإنهم جاؤوا برأس فوضعوه في مكان هذا المسجد المذكور وقالوا هذا رأس الحسين فراج ذلك عليهم وأعتقدوا ذلك والله أعلم، إنتهى.
إن هذا المتهور الأحمق لقد شط بهواه وزاغ من قصد السبيل، إننا لا نجد مجانسة بين أدعاء الرأس وإثبات النسب فلو لم يوجد الرأس في مصل لا يدعي الفاطميون النسب هذا أزيغ واضح على أن الناقل للرأس لم يدعي الأنتساب إليه أتفاقاً فقول أبن كثير ولجاج صرف ثم قيمة قدح الباقلاني في نسب الفاطميين وما قدر أبن كثير في تهجمه، إن أبن كثير أقل من أن يعد قدحه قدحاً او يعتمد
1ـ البداية والنهاية 8/ 204.
(323)

على نقله، إن من زعم أن الجسد الشريف نقل من محل الشهادة فدفن بالمدينة كيف يعتمده المسلم ولا غرابة في إنكارهم نسب الفاطميين وقد أنكروا إرث جدتهم فاطمة الزهراء من أبيها رسول الله (ص) وقد شهدت لها ولادة رسول الله (ص) لها وشهد لها القرآن الكريم في آياته الكثيرة، ومن تجاسر على رد شهادة القرآن بالرأي والهوى كيف لا يتجاسر على إنكار نسب الفاطميين بالعصبية والغواية والأئمة الذين عناهم مثل أبن تيمية لا قيمة لهم في عالم إثبات الحقائق الجلية فلطالما أنكروا الضرويات المسلمة وجحدوا ما أتفق المسلمون على ثبوته، وكم تجاسروا على تكفير الاُمة بما أجمعت عليه من أحكام دينها وضروريات شرعها مدة ثمانية قرون.
ومن المعارضين بإنكار المشهد الحسيني في القاهرة علي القاري الحنفي فيما نقله عنه علي جلال في كتاب الحسين (ع)(1) وحيث أنه أحتج بأبن تيمية وعقيدته كعقيدة أبن كثير تيمية تركت قوله فراجعه إذا شئت.

المشهد الخامس لرأس سيد الشهداء الحسين بن علي (ع)

بالمدينة النبوية المنورة وهذا رأي جماعة من علماء التاريخ بين جازم ومتردد وأختلفوا في موضع دفنه في المدينة كما أختلفوا في صورة وصوله فقائل يقول أرسله يزيد فعمرو بن سعيد الأشدق مبشراً له بالفتح، وقائل يقول جمله من السبايا فلما وصلوا المدينة دفنوه، وإليك النصوص في هذا على غير ترتيب.
قال الشبلنجي الشافعي في نور الأبصار(2): وقيل: دفن بالبقيع عند اُمه وأخيه
1ـ كتاب الحسين (ع): ص147.
2ـ نور الأبصار: ص121.
(324)

الحسن وهو قول أبن بكار والعلاء الهمداني وغيرهما، وسنورد بقية كلامه.
وقال الصبان الشافعي في إسعاف الراغبين(1): وذهب آخرون منهم الزبير بن بكار والعلاء الهمداني إلى أنه حمل إلى أهله فكفن ودفن بالبقيع عند قبر اُمه وأخيه الحسن ألخ، ويأتي تتمة كلامه.
وقال عثمان مدوخ الحنفي في العدل الشاهد(2): وقال بعض المؤرخين أنهم سافروا به إلى المدينة ودفنوه بالبقيع ولم يعينوا موضع دفنه بالبقيع.
وقال الشبراوي الشافعي في الإتحاف (3): في شرح الهمزية لأبن حجر: قيل: إن يزيد أرسل برأس الحسين (ع) وثقله ومن بقي من أهله إلى المدينة فكفن رأسه ودفن عند قبر اُمه بقبة الحسن، ألخ.
وقال السخاوي الحنفي في تحفة الأحباب(4): فقال بعضهم إن رأس الحسين (ع) بالمدينة المشرفة.
وقال الخوارزمي الحنفي في مقتله(5): ذكر الإمام أبو العلاء الحافظ بإسناده عن مشائخه أن يزيد بن معاوية حين قدم عليه برأس الحسين وعياله بعث إلى المدينة فأقدم عليه عدة من موالي بني هاشم وضم إليهم عدة من موالي آل ابي سفيان ثم بعث بثقل الحسين ومن بقي من أهله معهم وجهلهم بكل شيء ولم يدع لهم حاجة بالمدينة إلا أمر لهم بها وبعث رأس الحسين (ع) إلى عمرو بن سعيد بن العاص وهو إذ ذاك عامله على المدينة فقال عمرو: وددت أنه لم يبعث به إلي، ثم
1ـ إسعاف الراغبين بهامش نور الأبصار: ص182.
2ـ العدل الشاهد: ص50.
3ـ الإتحاف بحب الاشراف: ص23.
4ـ تحفه الأحباب: ص94.
5ـ مقتل الخوارزمي 2/ 75 طبع النجف.
(325)

أمر عمرو برأس الحسين (ع) فكفن ودفن في البقيع عند قبر اُمه فاطمة (ع) الخ.
وقال السيد السمهودي الشافعي في وفاء الوفاء(1): وذكر محمد بن سعد أن يزيد أبن معاوية بعث برأس الحسين (ع) إلى عمرو بن سعيد بن العاص وكان عامله على المدينة فكفنه ودفنه بالبقيع عند قبر اُمه فاطمة بنت رسول الله (ص) لكن ذكر أبن أبي الدنيا أنهم وجدوا في خزانة ليزيد رأس الحسين (ع) فكفنوه ودفنوه بدمشق عند باب الفراديس وقيل غير ذلك.
وقال سبط أبن الجوزي في التذكرة في جملة الأقوال الخمسة التي ذكرها وفيها(2): الثاني: إنه دفن بالمدينة عند قبر اُمه فاطمة (ع) قاله أبن سعد قال: لما وصل إلى المدينة كان سعيد بن العاص(3) والياً عليها فوضعه بين يديه فأخذ بأرنبة أنفه ثم أمر به فكفن ودفن عند اُمه فاطمة (ع).
وذكر الشعبي أن مروان بن الحكم كان بالمدينة فأخذه وتركه بين يديه وتناول أرنبة أنفه وقال:
ياحبذا بردك في اليدين ولونك الأحمر في الخدين(4)
والله لكأني أنظر إلى أيام عثمان.
قال أبن الكلبي: سمع سعيد أو عمرو بن سعيد الضجة في دور بني هاشم فقال:
عجت نساء بني تميم عجة كعجيج نسوتنا غداة الأرنب(5)
1ـ وفاء الوفاء 2/96.
2ـ تذكرة الخواص: ص150.
3ـ سقط في النسخة هو عمرو بن سعيد.
4ـ زادها فيها غيره:
كأنما حف بوردتين ـــــــــ شفيت نفسي بدم الحسين
5ـ البيت لعمرو بن معد يكرب الزبيدي.
(326)

والرواية ((عجت نساء بني زياد)).
وروي أن مروان أنشد:
ضرب الدوسر فيهم ضربة أثبتت أوتاد ملك فأستقر
وذكر أبن كثير الشافعي في البداية والنهاية(1) قول أبن سعد في دفن الرأس الشريف بالبقيع.
وفي مختصر تذكرة القرطبي المالكي للشعراني المالكي(2) بعد حكاية قول أبي العلاء ما نصه: قال الإمام القرطبي: وهذا أصح ما قيل فيه وبه قال الزبير بن بكار الذي هو أعلم بالأنساب.
واليافعي الشافعي الصوفي في مرآة الجنان(3) ذكر رواية أبي العلاء وقال(4): هذا أصح ما قيل فيه، وكذلك قال الزبير بن بكار وأن الرأس حمل إلى المدينة.
وقال أبن العماد الحنبلي في شذرات الذهب(5): ولما تم قتله حمل رأسه وحرم بيته وزين العابدين معهم إلى دمشق كالسبايا قاتل الله فاعل ذلك وأخزاه ومن آمر به أو رضيه. قيل: قال لهم عند ذلك بعض الحاضرين: ويلكم إن لم تكونوا أتقياء في دينكم فكونوا أحراراً في دنياكم، والصحيح أن الرأس المكرم دفن بالبقيع إلى جنب اُمه فاطمة وذلك أن يزيد بعث به إلى عامله بالمدينة عمرو بن سعيد الاشدق فكفنه ودفنه.
1ـ البداية والنهاية 8/204.
2ـ مختصر تذكرة القرطبي: ص122.
3ـ مرآة الجنان 1/ 135.
4ـ نفسه: ص136.
5ـ شذات الذهب 1/67.
(327)

وقال أبو الفدا الحنفي في تاريخه(1): وأختلف في موضع رأس الحسين (ع) فقيل: جهز إلى المدينة ودفن عند اُمه إلى آخر ما ذكرناه سابقاً.
وذكرنا أيضاً قول ابن فضل الله العمري جازماً به ونقله عنه القرماني الحنفي في تاريخه(2) ونقله علي جلال الحسيني عن أبي الفدا وأبن الوردي في تاريخيهما(3).
ونقله ايضاً عن السخاوي والسمهودي ويقول(4): وممن روى أن الرأس دفن بالمدينة الإمام البخاري نقل أبن عروة الحنبلي في الكواكب الدراري في ترتيب مسند أحمد على أبواب البخاري ج41 في أثناء رسالة عن أبن تيمية روى البخاري في تاريخه أن رأس الحسين حمل إلى المدينة ودفن بها في البقيع عند قبر اُمه رضي الله عنهما وروى هذه الرواية محمد بن سعد في كتاب الطبقات الكبير ج 5 في ترجمة عمرو بن سعيد ص 176 ألخ.
وعلى هذا نتقصر من كلام أهل السنة وربما بعد لهم شاهداً قول من قال من المؤرخين أن حمل نساء الحسين (ع) كان من الشام إلى المدينة ولم ينصوا على رجوعهم من طريق العراق مثل أبن الاثير والطبري وأبي حنيفة الدينوري والشيخ المفيد وغيرهم.
ونص المفيد في الإرشاد(5): وأنفذ معهم في جملة النعمان بن بشير رسولاً تقدم إليه أن يسيرهم في الليل ويكونوا أمامه حيث لا يفوتون طرفه فإذا نزلوا أنتحى عنهم وتفرق هو وأصحابه حولهم كهيئة الحرس لهم وينزل منهم بحيث إن
1ـ تاريخ أبو الفدا/ 1/ 191.
2ـ تاريخ القرماني: ص109.
3ـ كتاب الحسين (ع): ص 139.
4ـ كتاب الحسين (ع): ص 143.
5ـ الإرشاد: ص263.
(328)

أراد إنسان من جماعتهم وضوء أو قضاء حاجة لم يحتشم فسار معهم في جملة النعمان ولم يزل ينازلهم في الطريق ويرافق بهم كما وصاه يزيد ويرعاهم حتى دخلوا المدينة، إنتهى.
لكن يعارض هذا ما صرح به هؤلاء جميعاً أن يزيد لم يبعث برأس الحسين (ع) إلى عمرو بن سعيد وإنما بعث أبن زياد إليه بشيراً بذلك فأطلب ذلك في الإرشاد وفي تاريخ الطبري(1) وغيرهما، وجميع ما تقدم نقلناه عن أهل السنة.
أما الشيعة فذكر أبن نما الحلي (رحمه الله) في مثير الأحزان(2): وأما الرأس الشريف فأختلف الناس فيه فقال قوم إن عمرو بن سعيد دفنه في المدينة ثم ذكر عن منصور بن جمهور حديث دفنه بالشام على يد سليمان بن عبد الملك دفنه في باب الفراديس عند البرج الثالث مما يلي المشرق وحدثني جماعة من أهل مصر أن مشهد الرأس عندهم يسمونه المشهد الكريم عليه من الذهب شيء كثير يقصدونه في المواسم ويزورونه ويزعمون أنه مدفون هناك. ثم ذكر عليه الرحمة القول الذي عليه المعول وسنذكره في موضعه.
وذكر هذه الأقوال المجلسي في البحار وقال إنها أقوال المخالفين وسيجيء أختياره في موضعه(3) وكذلك قال غيره من العلماء فهم ينقلونها ولا يعتمدونها.

المشهد السادس لرأس الحسين (ع) القائم بظهر النجف

يعرف اليوم بالحنانة وسبب تسميته بالحنانة لأمرين ذكرا:
أحدهما أن سبايا آل محمد لما اُوقفوا هنا صارت لهم جنة.
1ـ الإرشاد: ص263؛ تاريخ الطبري 6/268.
2ـ مثير الأحزان: ص54.
3ـ اُنظر: بحار الأنوار 10/ 228.
(329)

وثانيها أن أولاد أمير المؤمنين (ع) لما مروا بجنازته في هذا الوضع حنوا وبكوا.
وعلى كل حال فقد وجد فيه موضع يزار ويذكر أنه موضع رأس الحسين (ع) وفيه رواية ذكرها الإمامية في كتب الحديث.
روى ثقة الإسلام الكليني في الكافي(1) تحت عنوان ((موضع رأس الحسين (ع) )) بإسناده عن بريد بن عمر بن طلحة قال: قال لي أبو عبد الله (ع) ـ يعني الإمام الصادق ـ وهو بالحيرة: أما تريد ما وعدتك؟ قلت: بلى ـ يعني الذهاب إلى قبر أمير المؤمنين صوات الله عليه ـ قال: فركب وركب إسماعيل وركبت معهما حتى إذا جاز الثوبة(2) وكان بين الحيرة والنجف عند ذكوات بيض فنزل ونزل إسماعيل ونزلت معهما فصلى وصلى إسماعيل وصليت. فقال لإسماعيل: قم وسلم على جدك الحسين (ع). فقلت: جعلت فداك! أليس الحسين (ع) بكربلاء؟ قال: نعم ولكن لما حمل رأسه إلى الشام سرقه مولى لنا فدفنه بجنب أمير المؤمنين (ع).
وبإسناد آخر عن أبان بن تغلب قال: كنت مع أبي عبد الله (ع) ـ الصادق ـ فمر بظهر الكوفة فنزل فصلى ركعتين ثم تقدم قليلاً فصلى ركعتين ثم سار قليلاً فنزل فصلى ركعتين ثم قال: هذا موضع قبر أمير المؤمنين (ع)، فقالت: جعلت فداك! والموضعين اللذين صليت فيهما؟ قال: موضع رأس الحسين (ع) وموضع منزل القائم.
وروى شيخ الطائفة في التهذيب(3) بإسناده إلى مبارك الخباز قال: قال لي أبو عبد الله (ع) ـ الإمام الصادق ـ: أسرجوا البغل والحمار في وقت ما قدم وهو في
1ـ الكافي 2/ 321.
2ـ الثوبة تعرف بكميل، بها قبر كميل النخعي صاحب علي (ع) كانت سجناً للنعمان ثم صارت مقبرة لأهل الكوفة.
3ـ التهذيب 2/12.
(330)

الحيرة. قال: فركب وركبت حتى دخل الجرف ثم نزل فصلى ركعتين ثم تقدم قليلاً فصلى ركعتين اُخر ثم تقدم قليلاً فصلى ركعتين اُخر ثم ركب ورجع، فقلت: جعلت فداك! ما الأولتين والثانيتين والثالثتين؟ فقال: الركعتان الأوليتان موضع قبر أمير المؤمنين (ع) والركعتان الثانيتان موضع رأس الحسين (ع)، والثالثتان موضع منبر القائم (ع)، ثم ذكر الحديث الثاني مختصراً وفيه تصريح بالغري.
وذكر السيد أبن طاوس في فرحة الغري بعد حديث صفوان الذي يقول فيه تجوز القائم ـ يعني الحنانة ـ حديث أمره إسماعيل بالصلاة عند رأس جده الحسين (ع) كما رواه الكليني لكن قال: عن أبي الفرج السندي ثم ذكر حديث أبان أبن تغلب أيضاً(1) وحديث مبارك الخباز، وذكر حديث بريد(2) ورواه ايضاً عن عمر بن طلحة(3).
وهذه أحاديث معتمدة لا مجال لطعن فيها لأن الكافي والتهذيب من الكتب المعتمدة عند الشيعة وحكمها حكم الصحاح الستة عند أهل السنة، والكليني إذا قال عدة من أصحابنا لا يناقش في إسناد الرواية، وإن العدة هم جماعة من الثقاة المجمع على وثاقتهم كما نص عليه العلماء، وأحتجاج السيد أبن طاوس بهذه الروايات يكفينا وإن أمكن تخريج بعضها شاهداً للقول الآتي أنه عند رأس أبيه أمير المؤمنين (ع) وقد كان عند رأس أمير المؤمنين (ع) في المسجد المعروف بمسجد الكر قريباً من المحراب صخرة بالخط الكوفي قالوا إن هاهنا مدفن رأس الحسين (ع)، ويحتج له من أثبته بعض هذه الروايات المتقدمة.
1ـ فرحة الغري: ص21.
2ـ نفسه: ص24.
3ـ نفسه: ص25.
(331)

قال أبن شهر آشوب في المناقب(1): روى الكليني في ذلك روايتين أحدهما عن أبان بن تغلب عن الصادق (ع) أنه مدفون بجنب أمير المؤمنين (ع) والاُخرى عن يزيد بن عمر بن طلحة عن الصادق (ع) أنه مدفون بظهر الكوفة دون قبر أمير المؤمنين (ع).
ومثله قال ملا عبد الله في مقتل العوالم(2).
وقال العلامة المجلسي في البحار(3): وقد ورت أخبار كثيرة في أنه مدفون عند قبر أمير المؤمنين (ع) وسيأتي بعضها، والله أعلم، ثم ذكر الروايات المتقدمة (4) بإسناده عن يونس عن أبي عبد الله قال: إن الملعون عبيد الله بن زياد لعنه الله لما بعث برأس الحسين بن علي (ع) إلى الشام رد إلى الكوفة فقال: أخرجوه عنها لا يفتتن به أهلها فصيره الله عند أمير المؤمنين؛ فالرأس مع الجسد والجسد مع الرأس.
قوله ((فالرأس مع الجسد)) أي بعد ما دفن هناك ظاهراً اُلحق بالجسد بكربلاء أو صعد مع الجسد إلى السماء كما في بعض الأخبار، أو أن بدن أمير المؤمنين (ع) كالجسد لذلك الرأس وهما من نور واحد.
أقول: وقد روى غير ذلك من الأخبار في الكافي وفي التهذيب تدل على كون رأسه مدفون عند قبر والده، والله أعلم.
قال عبد الرحيم اليزدي في مصائب المعصومين(5): يظهر من أحاديث عديدة أنه دفن عند قبر أمير المؤمنين (ع) بالكوفة مثلما روي عن كامل الزيارة، وذكر
1ـ مناقب ابن شهر آشوب 4/ 82.
2ـ مقتل العوالم: ص110.
3ـ بحار الأنوار 10/ 227.
4ـ بحار الأنوار 10/237و 238.
5ـ مصائب المعصومين: ص323.
(332)

حيث إسماعيل الذي يقول بين الحيرة والنجف يعني الحنانة، ثم ذكر الرواية المتقدمة عن البحار المصرحة بأنه رد من الشام إلى عبيد الله بن زياد، ورواية أبان أبن تغلب، وفي إعادتها تطويل.
وقد أدركت جماعة من مقدسي العلماء لا يمرون عند رأس أمير المؤمنين بل إذا فرغوا من الزيارة رجعوا إلى جهة الرجلين حتى يأتوا الرأس من الناحية الاُخرى معللين أن المرور بين الرأسين خلاف الأدب.

المشهد السابع لرأس الحسين (ع) مع بدنة الشريف بكربلاء

هذا قول مشهور بني الإمامية وقال به كثير من علماء أهل السنة والجماعة، وقامت على أساس هذا الرأي معركة للأفكار هائلة، وثارت عجاجة شديدة، وأسباب هذا الصراع الجدلي والنزع الفكري اُمور:
أحدهما: تصريح أهل الضبط من المؤرخين أن السبايا والإمام زين العابدين (ع) ساروا من الشام إلى المدينة ودخلوها في العشرين من صفر، حتى أضطر بعض القائلين بهذا القول أن أدعى أنهم بعد دخلوهم المدينة بعثوا بالرؤوس إلى كربلاء بعد ذلك.
ثانيهما: دعوى المدعين أن زين العابدين (ع) مر بالعراق وأنزلها مع الجثث.
وعورض هذا الرأي بأن المدة اقصر من ذلك، والمسافة بين الشام والعراق بعيدة تستوعب أكثر من عشرين في الذهاب وعشرين في الإياب فأين مدة المكث بالكوفة والشام. وأضطر من دافع عن هذا أن يدعي المعجزة وقال: إن الإمام زين العابدين (ع) جاء بها ودفنها من باب المعجزة.
ثالثها: زعم اُناس أن جابر الأنصاري كان بالحجاز وما بلغ الخبر إلى الحجاز
(333)

إلابعد مدة فمتى بلغه الخبر ومتى وصل كربلاء بعد أربعين يوماً من شهادة الحسين (ع) والمسافة بينهما تستوعب أكثر من ثلاثين يوماً، ولم أجد لهذا جواباً، والظاهر أن جابر كان في العراق في البصرة لا في مكة ولهذا يقول الحسين (ع) في خطبته التي وعظ بها أهل الكوفة: ((سلوا جابر بن عبد الله وزيد بن أرقم وأنس بن مالك يخبروكم أنهم سمعوا هذه المقالة من جدي رسول الله (ص) يقولها إلى ولأخي الحسن (ع) ))، ولو لم يكن جابر بالعراق لما كان في إحالة السؤال عليه وجه ولا لقوله فيكم معنى.
رابعها: كيف يلتقي زين العابدين بجابر، وأبن زياد ما بعث بالسبايا حتى كاتب يزيد فمتى جاء الجواب ومتى ساروا في الطريق ذهاباً وإياباً في هذه المدة؟
وأضطر بعضهم أن يجيب بما لا يصح أن البريد يمكن أن يسير في ثلاث وأن جابر زار الأربعين وتأخر بالكوفة ثم معاود الزيارة وفي معاودته صادف مجيء زين العابدين (ع) وهذا جواب ركيك من ناحية أنه لا يمكن للبريد أن يصل الشام في ثلاثة أيام. ولو قال كانت المراسلة على الطير لكان أولى به.
وأما الجواب بأن جابر تأخر ولاقى الإمام زين العابدين (ع) كما أجاب به صاحب رياض الأحزان فمصادمة للنصوص المصرحة بأن الملاقات في الأربعين والذي يظهر لي أن الزيارة في الاربعين كانت لجابر خاصة كما رواها في بشارة المصطفى وقررها الأئمة (ع) ومرور زين العابدين (ع) بعد ذلك لدفن الرؤوس وكما اُجيب أنهم ساروا بهم سيراً حثيثاً بحيث كانوا يطوون المراحل فيسيرون المرحلتين وينزلون في الثالثة لأجل أتعابهم والمسرع يطوي المراحل فيقصر الطريق كما فعل خالد بن الوليد حين سار من العراق إلى تدمر خمسة أيام وعلى كل حال فخذ نصوص أهل السنة أولاً ثم نصوص الشيعة ثانياً.
(334)

(نصوص أهل السنة)

قال القزويني الشافعي في عجائب المخلوقات على هامش حياة الحيوان(1) في شهر صفر والعشرون منه ردت رأس الحسين (ع) إلى جثته، إنتهى.
وقال القرطبي المالكي كما في مختصرها للشعراني المالكي(2): وقال الإمامية: إن الرأس اُعيد إلى الجثة بكربلاء بعد أربعين يوماً.
وقال سبط أبن الجوزي الحنفي في التذكرة(3): وأختلفوا في الرأس على أقوال أشهرها أنه رُدّ إلى المدينة مع السبايا ثمّ رُدّ إلى الجسد بكربلاء فدفن بها، قاله هشام وغيره.
وقال الشبراوي الشافعي في الإتحاف(4): وقيل: اُعيد إلى الجثة بكربلاء بعد أربعين يومأً من قتله.
وقال عثمان مدوخ الحنفي في العدل الشاهد(5): قال بعض المؤرخين أنهم دفنوه بكربلاء مع الجثة الكريمة.
وقال الشبلنجي الشافعي في نور الابصار(6): ذهبت الإمامية إلى أنه اُعيد إلى الجثة فدفن بكربلاء بعد أربعين يوماً من المقتل، قال المناوي في طبقاته: ذكر لي بعض أهل الكشف والشهود أنه حصل له أطلاع على أنه دفن مع الجثة بكربلاء ثم
1ـ عجائب المخلوقات على هامش حياة الحيوان 1/115.
2ـ مختصر التذكرة: ص132.
3ـ تذكرة الخواص: ص150.
4ـ الإتحاف بحب الأشراف: ص23.
5ـ العدل الشاهد: ص50.
6ـ نور الأبصار: ص121.
(335)

ظهر الرأس بعد ذلك بالمشهد القاهري لأن حكم الحال في البرزخ حكم الإنسان الذي تدلى في تيار جار فيطفو بعد ذلك في مكان آخر، فلما كان الرأس منفصلاً طفى في هذا المحل بالمشهد الحسيني المصري، الخ.
ولولا أني اُريد أن تعرف مقدار سخف أهل التصوف وجهلهم ما حررت هذه الخرافة وسل هذا البليد لم طفى الرأس ولم تطفوا الجثة؟ ولما أختار القاهرة دون غيرها؟ ولم أختار هذا الموضع منها دون المقطم الذي هو عندكم أشرف بقعة؟ ثم ما دليلك أنه بقي ولم يطفوا في تيار البرزخ إلى موضع آخر في الغرب أو الشرق؟
وبهذا اللفظ وهذه الخرافة ذكر الصبان الشافعي في إسعاف الراغبين بهامشه(1).
وقال علي جلال في كتاب الحسين (ع) (2): والإمامية وبعض أهل السنة على أنه مدفون مع الجسد بكربلاء، ألخ.
وجعله عباس محمود العقاد قولاً من أقوال ستة(3).

نصوص الإمامية:

قال السيد جمال الدين بن طاوس في المهلوف على قتل الطفوف(4): فأما رأس الحسين (ع) فروي أنه اُعدي فدفن بكربلاء مع جسده الشريف وكان عمل الطائفة على هذا المعنى المشار إليه، الخ.
وقال أمين الدين الطبرسي في إعلام الورى(5): ذكر الأجل المرتضى (رض) في
1ـ إسعاف الراغبين بهامش نور الأبصار: ص182.
2ـ كتاب الحسين (ع): ص139.
3ـ اُنظر: أبا الشهداء: ص 198.
4ـ الملهوف على قتلى الطفوف: ص275.
5ـ إعلام الورى: ص 151.
(336)

بعض رسائله أن رأس الحسين بن علي (ع) رد إلى بدنه بكربلاء من الشام وضم إليه، والله أعلم.
وقال الشيخ أبن نما عليه الرحمة في مثير الأحزان(1): والذي عليه المعول من الأقوال أنه اُعدي إلى جسده بعد أن طيف به في البلاد ودفن معه، ألخ.
وقال الشهيد الجليل أبو علي الفتال (رحمه الله) في روضة الواعظين(2): إلى أن خرج علي بن الحسين (ع) بالنسوة ورد رأس الحسين (ع) إلى كربلاء.
وقال أبن شهر آشواب (رحمه الله) في المناقب(3): ذكر المرتضى في بعض مسائله أن رأس الحسين (ع) رد إلى بدنه بكربلاء من الشام وضم إليه، قال الطوسي: ومنه زيارة الأربعين.
ومثله في مقتل العوالم(4).
ونقل العلامة المجلسي في البحار أكثر هذه الأقوال وقال(5): والمشهور بين علمائنا الإمامية أنه دفن رأسه مع جسده، ردّه علي بن الحسين (ع).
وفي حديث المفضل المطول الذي رواه(6): ثم تنفس أبو عبد الله وقال: يا مفضل! إن بقاع الأرض تفاخرت ففخرت كعبة البيت الحرام على بقعة كربلاء فأوحى الله إليها أن أسكتي يا كعبة البيت الحرام ولا تفخري على كربلاء فإنها البقعة المباركة التي نودي موسى منها من الشجرة وإنها الربوة التي آوت إليها مريم
1ـ مثير الأحزان: ص53.
2ـ روضة الواعظين: ص265.
3ـ المناقب لأبن شهر آشوب: 4/ 82.
4ـ مقتل العوالم: ص110.
5ـ بحار الأنوار: 10/ 228.
6ـ بحار الأنوار: 13/ 206.
(337)

والمسيح، وأنها الدالية التي غسل فيها رأس الحسين (ع) وفيها غسلت مريم عيسى (ع) وأغتسلت من ولادتها، وإنها خير بقعة عرج رسول الله (ص) منها وقت غيبته، ولتكونن لشيعتنا فيها إلى ظهور قائمنا، إلى آخر الحديث الشريف.
وقال عبد الرحيم اليزدي في مصائب المعصومين بعد كلام المرتضى(1): ((وكان عمل الطائفة على هذا قال الطوسي ومنه زيارة الأربعين)) ونسب هذا القوال في العوالم إلى مشهور علمائنا ألخ.
وقال ملا محمد حسن القزويني في رياض الاحزان(2): إعلم أن المشهور أن السبب في فضل زيارة الحسين (ع) في هذا اليوم أن الإمام زين العابدين (ع) مع سائل أهل البيت في هذا اليوم بعد مراجعتهم من الشام ورد كربلاء وألحق رؤوس الشهداء المقدسة بأبدانهم الشريفة، وهذا كلام رواه عن الشيخ وذكر أنه أستبعده وأطال في التوجيهات الواهية بعد أن ذكر أن جماعة ومنهم الرضي القزويني في تظلم الزهراء ناقلاً ذلك عن المصباح أن ورود سبايا أهل البيت إلى المدينة في اليوم العشرين من صفر.
وهذا الارتباك لا حاجة له إذ قول من قال إنهم مشوا على طريق الحجاز من الشام معارض بقول من يقول إنهم عادوا إلى العراق ومنه مضوا إلى الحجاز، والترجيح لأهل هذا القول إذ يزيد أطلق لهم حرية أختيار الطريق فأختاروا المرور بكربلاء ليجددوا عهداً بالشهداء ويدفنوا الرؤوس مع الأبدان. وأما استبعاد المسافة وقصر الزمان فلا وجه له وهو تشكيك غير صحيح مبني على أوهام أنهم أقاما شهراً في الشام وعقدوا المآتم، كل هذا لم تقم عليه أدلة قاطعة وصورة الأمر
1ـ مصائب المعصومين: ص424.
2ـ رياض الأحزان: ص152.
(338)

أنهم وردوا الكوفة في اليوم الثاني عشر من المحرم وخرجوا من الكوفة في اليوم الخامس عشر وساروا سيراً حثيثاً فكانا يطوون المراحل حتى وصلوا الشام دون عشرة أيام وأقاموا بالشام ثمانية أيام وناحوا بها على الحسين (ع) وعقدوا المآتم وخرجوا في أول صفر أو في ثانيه فوردوا كربلاء في اليوم العشرين من صفر.
ونقل في رياض الأحزان (1) عن مؤلف حبيب السير الفارسي وقال: هو كتاب معتبر ومؤلفه خواند أمير أبن الأمير خان صاحب روضة الصفا شيعي المسلك إمامي المشرب خلاف أبيه فإنه يميل إلى التسنن، وكتب كتابه على وفق كتب العامة، وكتب أبنه كتابه على وفق كتب الخاصة رضوان الله عليهم، قال بالفارسية ما عربيته: فلما سمع يزيد أن الناس يلعنونه على قتل الحسين (ع) وسبي عترته غضب على الشمر ومن صحبه من اُمراء العراق وقال لهم: كنت ارضى من طاعتكم لي بدون قتل الحسين فلعن الله أبن مرجانة بقدومه على هذا الأمر الشنيع ثم أذن في أنصراف أهل البيت وهيأ أسباب سفرهم وجهزهم وسلم رؤوس الشهداء إليهم وأمر النعمان بن بشير الأنصاري بالمسير بهم إلى المدينة وضم إليه ثلاثين فارساً، فسار الإمام زين العابدين عليه التسليم والتكريم والحق الرؤوس بأبدان الشهداء في اليوم العشرين من صفر. ثم قال: أصح الروايات الذي هو مختار شيعة حيدر الكرار وعلماء الاخبار في باب مدفن رأس الحسين (ع) إنما هو هذا والملخص إدرك العترة لزيارة الحسين (ع) في كربلاء من منصرفهم من الشام إجمالاً، ألخ.
وأطال (رحمه الله) بالأوهام والخيالات الواهية ونيورد كل رواية وكل قول بدون تحقيق لمصدره ويتخيل له ضرباً من الأنتقاد ويولد له نوعاً من الجواب الركيك وكل ذلك
1ـ رياض الاحزان: ص155.
(339)

لا ينفع القارئ ولا يجدي السامع نفعاً، والتحقيق ما ذكرنا لك من سقوط الأعتراض بأستبعاد المسافة بين الكوفة ودمشق بما قلناه من أنهم ساروا من الكوفة إلى دمشق في الخامس عشر من المحرم وساروا بهم سيراً حثيثاً طووا فيه المنازل فكانت مدة سفرهم في الذهاب عشرة أيام لأن أبن زياد يحب تعجيل السرور ليزيد، وما يقال إنه كاتب يزيد في إرسالهم إليه فباطل لا يُصغى إليه، أبن زياد عارف بهوى يزيد ومحبته لهتك ستر آل محمد (ص) وإنما أنكر على أبن زياد بعد هيجان الرأي العام عليه وثورة فكرة محيطه ناقداً لأفعاله الشنيعة، وأقام السبي عند يزيد دون الاُسبوع وعجل تسريحهم خوفاً من الأنقلاب لأن مجيئهم على هذه الصفة أحدث رجة عظيمة في العواصم الشامية واضطربت عليه عاصمته أضطراباً شارف فيها حدوث ثورة وخشي من هذه الناحية فتقاً لا يرتق فعجل تسريحهم لتهدأ البلدة ويسكن جيشان ذلك الهيجان فسرحهم في أول صفر مخيراً لهم في أختيار السفر على أي طريق شاؤوا، فاختاروا طريق العراق لزيارة الشهداء فصادفوا جابر الأنصاري وقد أعلمناك أنه كان بالعراق حين قتل الحسين (ع) بالبصرة، وإذا تبين لك الحق لم تحوجنا إلى الإكثار من النقل.
ونلخص لك المطلب أن المزارات لرأس الحسين (ع) سبعة: ثلاثة بالعراق واثنان باشام وواحد بمصر وواحد بالمدينة؛ ففي العراق كربلاء والنجف والحنانة، وفي الشام الرقة ودمشق، أما عسقلان فقالوا نقل منها. وأمّا مصر فالقاهرة، وأما الحجاز فالبقيع من المدينة عند قبر الحسن السبط. فهذه هي المشاهد والمزارات للرأس الشريف رأس الحسين (ع).
أما الأقوال فمجموعها ستة عشر قولاً في دفن الرأس عرفتها مما ذكرنا وهذا تعدادها إجمالاً:
الأول: بكربلاء مع الجسد الشريف.
(340)

الثاني: عند رأس أبيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) بالنجف.
الثالث: بالقائم وهو الحنانة بين الكوفة والنجف وهو إلى النجف أقرب.
الرابع: بالكوفة ولا يعين موضعه منها.
الخامس: في بلدة الرقة على الفرات من توابع حكومة سوريا اليوم.
السادس: في باب الفراديس من دمشق وهو الباب الشرقي.
السابع: في قصر الإمارة الاموية بدمشق.
الثامن: في مسجد بني اُمية وموضعه معروف.
التاسع: خارج باب الفراديس لا يعين موضعه فيما حكي عن دول الإسلام للذهبي.
العاشر: في عسقلان من فلسطين على ساحل البحر الأبيض المتوسط.
الحادي عشر: في مصر في القاهرة.
الثاني عشر: نبشه بنو العباس من دمشق وأخذوه لا يعلم أين دفن كما قاله بعض من سمعت.
الثالث عشر: نبشه التيمورية تيمور لنك وأصحابه ولا يعلم أين دفن.
الرابع عشر: نبشه عمر بن عبد العزيز المرواني ولا يدري أين دفنه ويظن أنه أرجعه إلى بدنه.
الخامس عشر: إنه بالبقيع مع أخيه الحسن.
السادس عشر: إنه عند جده النبي لا يدري أين موضعه.
قال عبد الرحيم اليزدي في مصائب المعصومين(1) بعد حديث الأربعين الموكلين بالرأس الشريف وأن النبي (ص) قتلهم جميعاً، قال: قال: فأفتقد الرأس من
1ـ مصائب المعصومين: ص433.
(341)

تلك اللية فما عرف له خبر. أقول: أختلف علماؤنا في أن رأسه (ع) في أي مكان لأختلاف الأخبار الدالة عليه والذي يقتضيه هذا الخبر أن رأسه الشريف المبارك يكون عند رسول الله (ص) ولم يعلم أنه هل ألحقه ببدنه الطاهر أم لا، ألخ.
وقال عثمان مدوخ الحنفي في العدل الشاهد(1): وقال بعض المؤرخين: إنهم سافروا به إلى المدينة فدفنوه بالبقيع ولم يعينوا موضع دفنه بالبقيع. وقال بعضهم: إنهم أخذوا الرأس الكريم ودفنوه في موضع مجهول خوفاً عليه من حوادث الأعداء، وهذه الأقوال كلها مجردة من الأدلة والأمارات فعلى هذه الأقوال لا يكون لرأس الإمام الحسين (ع) مشهد مخصوص معلوم، ألخ.
فهذه مجموعة من الأقوال التي أقتصر السيد علي جلال على تسعة منها والعقاد على ستة.

الرأي القاطع في هذه النقول:

رأي علي جلال رأي متزلزل الفكرة والعقيدة معاً لذا يقول ما نصه في كتاب الحسين (ع)(2): أقول: تقصيت ما قيل قديماً وحديثاً في مكان الرأس الشريف ولم أر أختيار أحد هذه الأقوال لأن أدلتها جميعأً ليست قاطعة.
ثم يقول(3): ويظهر أن قول من ذهبوا إلى وجود الرأس الشريف بمشهد القاهرة أقرب إلى الصواب لما يؤيده من الأدلة وما فيه من التفصيل لولا أنه ينقصه الثبوت القطعي كغيره فإن دفن رأس الحسين بدمشق ونقله منها إلى عسقلان ومن عسقلان إلى القاهرة لم تثبت ثبوتاً تاماً، إنتهى.
1ـ العدل الشاهد: ص50.
2ـ كتاب الحسين (ع): ص149.
3ـ نفسه: ص150.
(342)

ومن الجلي لدى المتبحر أرتباك هذا الكتاب ولم يسبب عليه الارتباك إلا الجهل بالحقائق اللامعة ولا عدم العلم بالمظاهر الناصعة وإنما يمنعه من قول الحق موافقة الشيعة وإلا فالعقل يحكم أن النقل لا يكون إلا لغرض سياسي أو لغرض ديني؛ فإن كان نقل رأس الحسين (ع) لغرض ديني فيجب أن ينقل إلى المدينة لجوار جده رسول الله (ص) إذ تربته أشرف الترب وبقعته خير البقاع، وإن كان النقل إلى فلسطين يجب أن يكون النقل للقدس لا لعسقلان فإن القدس أشرف منه بالإجماع، وإن كان النقل للسياسة وإن بني اُمية خافوا من ناحيته أضطراباً فلا يجوز أن ينقلوه إلى عسقلان لقربها من العاصمة فلا بد أن ينقل إلى أقصى البلاد ليبعد عن العواصم التي توجد فيها الشيعة ويجب أن يخفى بحسب السياسة؛ فتصويب الحسيني لهذا الرأي من الغلط في الوجهتين السياسية والدينية.

رأي العقاد:

رأي جميل ومسلكه قريب من الصواب وأنا أستحسنه تقديراً لإحسان المحسن وهذا نصه بعد تعداد المشاهد الستة في كتابه الذي سمى أبو الشهداء(2): فالأمكان التي ذكرت بهذا الصدد ستة في ست مدن هي المدينة وكربلاء والرقة ودمشق وعسقلان والقاهرة وهي تدخل في بلاد الحجاز والعراق والشام وبيت المقدس والديار المصرية وتكاد تشتمل على مداخل العالم الإسلامي كله من وراء تلك الاقطار فإن لم تكن هي الأمكان التي دفن بها رأس الحسين فهي الأماكن التي تحيى بها ذكراه ولا مراء.
1ـ أبو الشهداء: ص197.
(343)

وللتاريخ أختلافات نسميها بالأختلافات اللفظية او العرضية لأن نتيجتها الجوهرية سواء بين جميع الاقوال ومنها الأختلاف على مدفن رأس الحسين (ع) فأيا كان الموضع الذي دفن به ذلك الرأس الشريف فهو في كل موضع أهل للتعظيم والتشريف وإنما أصبح الحسين بكرامة البطولة وكرامة الاُسرة النبوية معنى يحضره الرجل في صدره وهو قريب أو بعيد من قبره، وإن هذا المعنى لفي القاهرة وفي عسقلان وفي دمشق وفي الرقة وفي كربلاء وفي المدينة وفي تلك الأماكن سواء ويقل الاختلاف أو يسهل التجاوز عنه إلى آخره، هذا كلام جميل وتوجيه بديع.

رأي المؤلف في الرأس الشريف:

لا أراني أقف مع أهل هذه الأقوال موقف المجادل المخاصم سوى القائلين بتعمية الدفن ولا اُخاصم من قال في النجف أو الحنانة أو المدينة أو غيرها وإن ترجح عندي القول بإعادة الرأس المقدس إلى البدن الزاكي ترجيحاً بشرف بي على الجزم لكني لا اُنازع الطوائف التي ترجح لها القول بضد ما ترجح لدي إذا الأمر يبتني على عقيدة ونتيجة:
أما العقيدة فحياة الشهداء البرزخية لقوله تعالى: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون)(1) والحي يزور أي موضع شاء، فقولي إن رأس الحسين (ع) أتصل بجثمانه الكريم لا يمنع أن يزور المشاهد المنسوبة إليه في النجف والبقيع وغيرها، وحديث مر جعفر ـ يعني الطيار ـ في رعيل من الملائكة فسلم علي متفق عليه؛ فالحسين (ع) أولى من جعفر الطيار
1ـ آل عمران: 169.
(344)

وأجل، الأحاديث الكثيرة المتفق على صحّتها من أن اهل القبور يتزاورون في قبورهم والحسين (ع) سيدهم فلا يمنع أن يزور هذه الأمكنة والكرامات التي تذكر لهذه المشاهد لا أمنع صحتها لهذه العلة فالحي مختار في قصد أي الأمكنة شاء.
وأما النتيجة فلان الغرض من إشادة هذه المزارات وإظهار هذه المشاهد لهذا العضو الكريم إهداء التحية وإرسال السلام إلى روح الحسين الطاهرة والتوجه به إلى الله تعالى والتوسل إليه فيه وطلب شفاعته عن الله وهذا أينما كان يبلغه، وحديث أن الله ملائكة سياحين يبلغونني سلام اُمتي علي أينما كانوا يكفينا.
فكيف وقد دلت الأحاديث الكثيرة من طرقنا على هذا في الحسين (ع) خاصة ومنها حديث: زُر الحسين (ع) من قريب أدنى ومن بعيد أقصى، وليس هذا موضع إيراد الأحاديث فأطلبها من كتب المزارات كالبحار والوسائل والكافي والتهذيب ومزار أن قولويه وغيرها فالواقف بمشهد الرأس في النجف متى قال: السلام عليك يا أبا عبد الله فقد أبلغت ملائكة الله تعالى روح الحسين (ع) تلك التحية.
وقضية: أشهد أنك تسمع كلامي وترد جوابي لا تختص بموضع قبره المقدس فإذن الحسين (ع) في قلوب شيعته وفي أبصارهم وفي أسماعهم وسواء في ذلك كربلاء والنجف والمدينة وغيرها. قال الشاعر في محبوبته:
أسائل عنها الركب وهي مع الركب وأطلبها من ناظري وهي في قلبي
وقال المجنون:
لا تقل دارها بشرقي نجد كل نجد للعامرية دار
فلها منزل على كل أرض وعلى كل دمنة آثار
فالحسين في قلبي والحسين في بصري والحسين في سمعي كنت بالنجف أو كربلاء أو أي أرض، وكل مشهد شيد باسمه ومزار ذكر له فهو مشهد الذكر
(345)

والتعظيم ومزار التكرمة والتبجيل ومحل الإجلال لتلك الروح الطيبة والنفس المقدسة المطمئنة الراضية المرضية.
للمؤلف:
أي مثوى ترى لرأس الحسين غير قلبي وغير ناظر عيني
فاطلبنه من ناظري وقلبي فهي مثوى أبي الهداة حسين
وللمؤلف:
زر ما تشاء من المشاهد كلها للرأس رأس أبن النبي الأكرم
في كربلاء أو الغري وطيبة أو حيث شئت على أبن فاطم سلم
وأيقن بأن تحية تهدى له لا شك تبلغه باقصى موسم
من كان في شرق البلاد وغربها بمثابة الداني لمرقده السمي
فالسبط حي والكتاب دليلنا ونصوص سيدنا الرسول الأعظم
مثواك يابن المصطفى لا في الثرى بل في صميم القلب قلب المسلم
إني اُعظّم ذا الشعائر كلها إذ أنها لك يابن أحمد تنتمي
واُجدّد التذكار فيها معلناً وأشيد ذكراها بقلبي والفم
(346)

مزارات العباس الأربعة

مشهد رأسه الكريم

اُعلمك أن الخلاف السابق لم يجر في غير رأس الحسين (ع) ورؤوس بقية الشهداء ومنهم أبو الفضل العباس لا يجري فيهم هذا الخلاف وإنما يحصر الخلاف في مدافن رؤوسهم الشريفة في ثلاث مواضع: احدهما الشام، وثانيها بالمدينة حيث بعث يزيد بالرؤوس مع السبايا أو وحدها كما سمعت فدفنت بالبقيع، وثالثها وهو المشهور عند الإمامية أعادها زين العبادين (ع) فدفنها مع الأجساد الطاهرة في كربلاء، فكربلاء لهذه الهياكل القدسية ضمير أنفصال وأتصال، ومحور أفتراق وأجتماع، تفرقت فيها أعضاؤها بالسيوف وأجتمعت فيها تلك الاوصال، وأتصلت الرؤوس بالأبدان بعد الأنفصال.

ما جرى على رأس أبي الفضل العباس (ع):

ذكر سبط ابن الجوزي في التذكرة(1): حكى هشام بن محمد، عن القاسم بن الاصبغ المجاشعي قال: لما اُتي بالرؤوس إلى الكوفة إذا بفارس أحسن الناس وجهاً وقد علق في لبب فرسه راس غلام أمرد كأنه القمر ليلة تمامه والفرس تمرح فإذا طأطأ رأسه لحق الرأس بالأرض. فقلت له: رأس من هذا؟ فقال: رأس العباس أبن علي. قلت: ومن أنت؟ قال: حرملة بن الكاهل الأسدي. قال: ولبثت أياماً وإذا
1ـ تذكرة الخواص: ص159.
(347)

بحرملة وجهه أشد سواداً من القار، فقلت له: لقد رايتك يوم حملت الرأس وما في العرب أنضر وجهاً منك وما أرى اليوم أقبح ولا أسود وجهاً منك! فبكى وقال: والله منذ حملت الرأس إلى اليوم ما تمر علي ليلة إلا وإثنان يأخذان بضبعي ثم ينتهيان بي إلى النار تأجج فيدفعاني فيها وأنا أنكص فتسفعني كما ترى، ثم مات على أقبح حال، إنتهى.
وقد ذكرناها عن زرعة بن شريك ولا مانع من حصول ذلك لكل واحد منهما.
وإن حرملة بعد هذا التعذيب السماوي عذبه الختار لما قتله.
للمؤلف:
تعلق رأس عباس اُمي بجيد الخيل من حنق عليه
فتدخله إلى كوفان عمداً ويضربه الجواد بركبتيه
وذاك لأنها بالطف كانت بها حل الفنا من راحتيه
فلم تشفي برضخ الرأس منه ولا في قطعها كلتا يديه
وكم باءت اُمية بالمخازي وأخزى الخزي ما اجترمت إليه
بعد أن فعل الشقي برأس العباس (ع) ما سمعت أمر أبن زياد أن يرفع على قناة كسائر الرؤوس ويطاف به معها في السكك والشوارع، ثم ساروا بتلك الرؤوس جميعاً مرفوعة على الرماح حتى دخلوا الشام.
ذكر ملا حسن القزويني في رياض الأحزان عن المنتخب حديث سهل بن سعد ومن جملته(1) باباً عظيمة وقد دخلت فيها الأعلام والطبول فقالوا: الرأس يدخل من هذا الباب، فوقفت هناك وكلما تقدموا بالرأس كان أشد لفرحهم وأرتفعت أصواتهم وإذا برأس الحسين (ع) والنور يسطع منه كنور رسول الله (ص).
1ـ رياض الأحزان: ص104.
(348)

وفي الكامل في السقيفة قال سهل: أول رأيته من الرؤوس رأس العباس أبن علي فخلت أنه يضحك، ورأيت رأس الحسين (ع) في هيبة عظيمة مع نور يسطع منه سطوعاً عالياً بلحية مدورة قد خالطها الشيب وقد خضبت بالوسمة، أدعج العينين، أزج الحاجبين، أقنى الأنف، متبسماً إلى السماء، شاخصاً ببصره إلى نحو الاُفق، والريح تلعب بلحيته يميناً وشمالاً كأنه أبوه أمير المؤمنين (ع)، وكان على رمح عمر بن منذر الهمداني، وساق الحديث بطوله.
ويذكر(1) عن التبر المذاب عن الزهري أنه قال: لما جاءت الرؤوس كان يزيد لعنه الله على منظرة جيرون فأنشد:
لما بدت تلك الرؤوس وأشرقت تلك الشموس على ربا جيرون
صاح الغراب فقلت صح أو لا تصح فقد أقتضيت من النبي ديوني
ويذكر(2) عن نسخ المقتل المنسوب لأبي مخنف أن الرؤوس أدخلوها من باب الخيزران وأن رأس الحسين (ع) مع الشمر. قال: ثم أقبل من بعده رأس الحر أبن يزيد الرياحي وأقبل من بعده رأس العباس (ع) يحمله قشعم الجعفي لعنه الله، وأقبل من بعده رأس علي بن الحسين (ع) يحمله سنان بن أنس النخفي لعنه الله، واقبلت من بعده السبايا يقدمهم علي بن الحسين (ع)، ألخ.

مزار رأس أبي الفضل العباس (ع) بالشام:

قلنا: إن الخلاف في رؤوس شهداء كربلاء غير الحسين ينحصر في ثلاثة مواضع: بالمدينة وكربلاء وقد مضى ذكرهما في مشاهد رأس الحسين (ع) وبدمشق الشام.
1ـ رياض الأحزان: ص105.
2ـ نفسه: ص107.
(349)

ذكر السيد محسن الأمين العاملي الفاضل المعاصر في كتاب أعيان الشيعة تحت عنوان ((مشهد رؤوس العباس وعلي الأكبر وحبيب بن مظاهر بدمشق)) ونصه(1): رأيت بعد سنة 1321 في المقبرة المعروفة بمقبرة باب الصغير بدمشق مشهداً وضع فوق باب صخرة كتب عليها ما صورته: هذا مدفن رأس العباس بن علي ورأس علي بن الحسين الأكبر ورأس حبيب بن مظاهر ثم إنه هدم بعد ذلك بسنتين هذا المشهد واُعيد بناؤه واُزيلت هذه الصخرة وبني ضريح داخل المشهد ونقش عليه أسماء كثيرة لشهداء كربلاء ولكن الحقيقة أنه منسوب إلى الرؤوس الشريفة الثلاثة المقدم ذكرها بحسب ما كان موضوعاً على بابه كما مر. وهذا المشهد الظن يقوى بصحة نسبته لأن الرؤوس الشريفة بعد حملها إلى دمشق والطواف بها وأنتهاء غرض يزيد من إظهار الغلبة والتنكيل بأهلها والتشفي لا بد أن تدفن في إحدى المقابر فدفنت هذه الرؤوس الثلاثة في مقبرة باب الصغيرة وحفظ محل دفنها، والله أعلم، إنتهى.
ويناقش هذا السيد في أمرين:
أحدهما: قوة ظنه تصادم النصوص المصرحة بأن الرؤوس نقلت إلى المدينة ودفنت بالبقيع والنصوص المصرحة بأن الرؤوس الشريفة اُعيدت إلى الجثث بكربلاء ولا قيمة للظن في قبال النص فإذن هذا المشهد بني على أساس صلبها بهذا الموضع أو أنها دفنت إلى حين رجوع السبايا فنبشت واُعيدت إلى الجثث أو دفنت بالبقيع.
ثانيهما: حصر النسبة لهذه الرؤوس الثلاثة المقدسة لا مبرر له من نقل ولا من
1ـ أعيان الشيعة 4/ 209 قسم أ.
(350)