أبن زياد لعنه الله مهدور الدم في الشرع الإسلامي بل أعتقاد كثير أنه على ظاهر الإسلام وقد ولدت العصور المتأخرة بقرون عن مسلم بن عقيل أمثال أبن العربي المالكي والغزالي الشافعي وهما من العلماء فحكماء ليزيد وأبن زياد بالإسلام وحرما لعنهما مع أنتشار فسقهما في الآفاق وعرفه الغزالي وأبن العربي وغيرهما فكيف بعصر مسلم عصر الأختلاط.
فحمى سفير الحسين (ع) نفسه عن الوصمة وشرفه عن وسم الخداع والغدر والعدوان، وصان دعايته العالية عن التلبس بسفاسف الاُمور وأدانيها وإن ضحى نفسه بهذا الأمتناع وقتلها بهذه الإباية، وهل الموت إلا معشوق ذوي النفوس الحرة والهمم العالية ولتبقى على مرر الأيام ظلامتهم تنشر الذكرى على الأجيال وتردد الأغيار من الأحرار في محافل التذكار لمشيد نهضة التخلص من الأستعباد ومؤسسي مقاومة الأستعمار بأحرج الوسائل وهي التضحية الحية مدى الآماد.
أما السفارة السياسية المحضة والخالصة لمصالح الدنيا فأظهر أفرادها وكلاء الدول اليوم في البلاد الأجنبية وهم المخصصون لربط العلائق بين حكومة واُخرى، والموظفون لمصالح دولهم وحقوق رعاياهم في تلك البلاد وعلى أيديهم تجري المراجعات بين الحكومتين في الشؤون السلمية، وعلامة الفساد بين الدولتين سحب السفراء وغلق السفارة.
وأما الرابع من الأقسام الستة فمصاديقه كثيرة:
منها ما وقع في الحروب الدينية مثلما وقع بين رسول الله محمد (ص) وبين قريش في غزوة الحديبية وترددت السفراء بينه وبينهم فإنهم بعثوا إليه سيد الأحابيش وسيد يثقف وغيرهما فتمت بتلك السفارة الهدنة المعروفة بصلح الحديبية على شروط ذكرها علماء المغازي.
ومنها ما وقع في حرب صفين بين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) وبين
(51)

معاوية بن أبي سفيان فإنه قبل التحام الحرب بينهما ترددت السفراء بينهما وفي طليعتهم القراء فلم تنجح تلك السفارة حتى صبغت البسيطة بالدماء المسفوحة من هام الأبطال ونصبت جثث القتلى في ذلك المعترك المهول كالهضبات والتلال فلاذ جيش معاوية بنصب المصاحف على الرماح، ونادى مشيخة أهل الشام الله الله في البقية يا أهل الإسلام، فمشت السفراء عند ذلك بالمصالحة فتمت الهدنة على الشروط المدرجة في صحيفة الموادعة.
ومنها ما وقع بين الحسن بن علي (ع) وبين معاوية فبعد مناوشات بين الجيشين العراقي والشامي وظهر الفشل والنفاق في الجيش العراقي وتخاذل جند الحسن (ع) ونجمت فيهم الخيانة وبان الغدر ولم يكتفوا بذلك دون أن أغاروا على فسطاطه فأنتهبوه وضربوه في فخذه بخنجر وأنتزعوا مطرفه من على منكبه وهكذا شيم اللئام وسجايا الجنباء الأشرار فأضطر كما أضطر أبوه إلى عقد الهدنة بعد أن سفرت بينهما السفراء فتم الصلح على شروط يضبطها التأريخ وقاس بها معاوية بعد التمكن وصرح بنقضها معلنا.
للمؤلف:
فيابن أبي سفيان كم لك غدرة تناقلها الأجيال في الحفلات
وفى لك سبط المصطفى بعهوده وخنت ولم تنفك ذا غدرات
أبوك أبو سفيان أفجر فاجر وأنت أبنه أورثت شر صفات
وإن الزكي المجتبى شبه جده بأخلاقه الحسنى وخير سمات
نفا عنه شبين الريب سبط محمد وقست ولم تقلع عن الفجرات
وتخدع أوباشا لديك تجمعت من الطغم بالتعليل في الشبهات
فحسبك أن تنمى لهند وإنها لأكلة الأكباد بالشهوات
من النسوة اللاتي تعد فواجراً من السكر لا تنفك في النشوات
(52)

وحسب الزكي المجتبى أنه أنتمى لفاطمة الزهراء بنت هدات
لها امهات طهرها متيقن من الزاكيات النفس والخفرات
ألفن مقاصر الحجال صيانة ولم يخرجن كالنسوان مبتذلات
وفاطمة الزهراء سيد النسا مصونة وحي الله في الحجرات
وآباؤه هل تلقى مثل محمد ومثل علي خائض الغمرات
وعمر والعلى أو شيبة الحمد لم يكن كصخر وحرب دائم الهفوات
ومنها ما وقع بين الحسين بن علي (ع) وبين عمر بن سعد فإن السفراء مشت بينهما في عقد الصلح وإرادة إتمامه، ومن هؤلاء قرة بن قيس الحنظلي وحيث أن عمر بن سعد لم يكن حر الإرادة ولا مالكاً لسلطة التنفيذ بل كان مستعبداً للعبدين العبد الدعي أبن الدعي عبيد الله بن زياد توقف نجاح السفارة على مطالعة رأي الفاجر أبن مرجانة لذا بادر أمير القوة أبن سعد برفع طلبات الحسين (ع) إليه في تقرير قواعد السلم وقدم شروطه الكافلة بإتمام الصلح وحيث كان أبن زياد متهوراً لجوجاً جباراً عاتياً ولم يكن من رجال السياسة والدين والتدبير رفض كل أقتراح للحسين (ع) ورد كل طلب له وما أجاز غير قتله أو أسره أستسلاماً والأستسلام في نظر الحسين (ع) الأبي مستغرب لا يظن أن أحداً يسومه إياه أو يرومه منه لأنه أستعباد تأباه نفس الحسين الكريمة وهمته الشماء التي يتقاعس عن بلوغها النسر المحلق وكيف يسام الحسين (ع) الهوان وأنفه يرعف شمماً ويعطس إباء وحمية وتفادياً من المذلة وتفانياً وتهالكاً في سبيل العز والمجد فأختار الحرب عند ذلك على السلم وآثر المنية على الدنية، وحيث يقول في خطبته الحماسية المشهورة (ألا إن الدعي أبن الدعي قد ركز بين أثنتين: الذلة أو السلة وهيهات منا الذلة) الخطبة المعروفة، وحيث يقول مؤبنه الحماسي السيد حيدر الحلي:
(53)

طمعت أن تسومه القوم ضيماً وأبى الله والحسام الصنيع
كيف يلوي على الدنية جيداً لسوى الله ما لواه الخضوع
ويقول في مرثية اُخرى:
وسامته يركب إحدى أثنتين وقد صارت الحرب أسنانها
فإما يرى مذعنا أو تمو ت نفس أبي العز إعانها
فقال لها أعتصمي بالإبا فنفس الأبي وما زانها
إذا لم تجد غير ليس الهوان فبالموت ننزع جثمانها
ومنها ما وقع في الحروب السياسية المحضة التي أنشأها حب الاستيلاء والأستعمار وأثارها الاستبداد إرادة القهر والغلبة وكونها الشره والمطامع كما في الحروب الدولية الشرهة الجشعة وأهاجها التكالب على السلب والنهب بين القبائل وما شابه ذلك وقد أوردنا كثيراً من ذلك في السفارة من كتابنا ((السياسة العلوية)) تركناه هنا لأن هذا الكتاب لا يتسع للتفاصيل.

رأي البستاني في السفير والسفارة:

لا شك أن المتبحر في الفصل الطويل الذي عقده في دائرة المعارف لتحقيق معنى السفارة والسفير إنه أخذ السفر من أحد معنيين أقتصر عليها: أحدهما المصلح، وثانيهما الوكيل، وأنا أجد له عذراً مقبولاً وهو أن الرجل سياسي أكثر منه مؤرخاً، وتأليفه لا يعدو المشاريع الدولية والمنظمة السياسية فهو دائماً يحرر التطورات الدولية ويبرهن على مشاريع الحضارة عند الشعوب المتمدنة حسبما يقبله الفكر الجديد ويلائم الأذواق العصرية، وتروجه الطريقة الفنية المبتكرة عند المتمدينين من دول الحضارة الجديدة فلذا تراه يلم بآثارة الدول الاُولى وعاداتها القديمة إلماماً يسيراً ريثما يتهيأ له التعريج على مدارج الرقي والنهضة فيرتبط
(54)

وذلك التافه في نظره بالرائج من النظام الدولي الحديث فلذلك أقتصر من معاني السفير على الوكيل والمصلح بين القوم، ومنه السفير لوكيل دولة عند دولة اُخرى وقديماً كانت الدولة ترسلن سفراء لهن ويحددن لهم أجلاً محتوماً إذا أنقضى عاد إلى بلاده وبقيت هذه العادة إلى أوائل القرن السابع عشر للميلاد إذ صارت الدولة تعين السفراء إلى أجل غير محتوم وهذا ما جعل السفراء على رتبتين: سفير عادي أو سفير دائم موقت إلى آخر كلامه المطول.
ويشهد له ما ذكره نصر بن مزاحم في كتاب صفين أن مولانا أمير المؤمنين علي أبن أبي طالب (ع) لما أرسل جرير بن عبد الله بالبجلي إلى معاوية بن أبي سفيان وأهل الشام ليبايعوا له قال (ع): إني قد أرسلت جريراً وضربت له أجلاً لا يقيم بعده إلا عاصياً أو مخدوعاً ألخ.

أقسام السفراء الدولية ومهنتهم في عصور الحضارة:

قال حسن باشا فهمي في كتاب حقوق الدول(1): ولئن كانت القاعدة التي كانت مرعية الإجراء بين الدول من قديم هي عبارة عن إرسال سفراء موقتين لبعضهم البعض عند اللزوم لأجل ربط العلائق لكن قبل عصرين أتخذ الدول إرسال سفراء دائمين وهذ الاُصول الجديدة ظهرت للوجود بعد الحروب المشهورة بحروب الثلاثين سنة وعقد معاهدة وستفاليا سنة 1648م أنتجت تأسيس الموازنة الدولية باُوربا وكانت مأمورية السفراء فيما تقدم واسعة ومأذونيتهم مطلقة لكن لما ظهرت الوسائط التي سهلت أمر المخابرات مثل الغابور والسكك الحديدية والتلغرافات لم يعد يفوض إليهم أمر حسم المسائل المهمة من تلقاء أنفسهم بل
1ـ حقوق الدول: ص94.
(55)

إنهم بعد الأستئذان من دولهم يعملون بموجب ما يرد عليهم من التعليمات ولهذا لم تترقى مرتبة السفراء بمرور الزمان بل بالعكس قد تنازلت كثيراً فوق العادة سيما وإن تعميم اُصول إرسال السفراء الموقتين بعنوان سفير كبير فوق العادة لحل بعض المسائل المهمة وكذلك ظهور عادات مثل أجتماع الملوك مع بعضهم البعض أحياناً ومخابراتهم في مصالحهم بالذات ضيق دائرة مأذونية السفراء وزاد في تقييدهم ألخ.

شروط صلاحية السفير يستخرجها المؤلف من فحوى الكلمات:

لم أجد من حرر شروطاً معتبرة للسفير سوى أن بعض السفراء للدول إذا كان وزيراً مفوضا تطبق عليه شرائط الوزير ويمكننا من ملاحظة أحول السفراء في كل طور من أطور السفارة ونظراً لمناسبة منصبه وأرتباطه بالإدارة العليا أن نخترع له شرائطاً فتقول:
أما السفارة الربانية والمفوضية الإلهية بجميع أنواعها سواء كان السفير ملكاً روحانياً أو بشراً جسمانياً، نبياً كان أو وصياً إمام حق منصوصاً عليه نصاً جلياً لا يحوجنا إلى تحرير شرط فيه لأن الأنتخاب الإلهي والأختيار الرباني لا يقع إلأ على الأكمل والأصلح وإنما تعتبر الشروط فيمن دونهم في الرتبة من السفراء الدينيين والسياسين الذين يقع منهم الخطأ وتخشى غائلتهم وإن لم تكن فربما كان تقصيراً في تأدية الوظيفة أو فتوراً عن القيام بما اُنيط به إذ الإنسان معرض لكل هذه الاُمور.
أما السفير الديني ونعني به من نصبه النبي أو الإمام فشروطه المعتبرة فيه العلم والحلم والعقل والخبرة بأحكام الشريعة الإسلامية وسننها في الأقتصاديات والأجتماعيات والسياسيات والحنكة والتجربة والمعرفة بالأطوار والأوضاع
(56)

الداخلية والخارجية والفطانة لما يقع في المحاورات من النكت والدقائق والرموز والإشارات ومغزاها وما يراد منها وقوة الديانة لئلا يتجاوز العدل والبصيرة لئلا يرتاب في عند عروض الشبهة وطرء المجازفات الوهمية والمحافظة على ناموس الشرع وقانون الملة وقواعد الدين لئلا يسحق بعض موادها مجاملة للخصوم والكفائة فيما ندب له والدراية بمصالح الناس وسياسة الطبقات فإن لكل طبقة شكل من السياسة فما لا يخالف الشريعة ولا يمس كرامة الملة وقد أجتمعت هذه الشروط في السفراء الأربعة الذين هم نواب مولانا المهدي المنتظر عجل الله فرجه في الغيبة الصغرى عقيب وفاة أبيه الإمام الحسن العسكري (ع) وقد جد سلطان الوقت في طلبه وجرى من الجور الفظيع على آل محمد (ص) وعيال العسكري ما هو عظيم وفظيع وقد شرحته كتب الحديث فغيب سلام الله عليه شخصه عنهم واقام لشيعته نواباً عنه جعلهم سفراء بينه وبين الشيعة يخلف بعضهم بعضاً إلى تمام أربعة فوقعت الغيبة الكبرى وأنقطعت السفارة.
وأول هؤلاء السفراء رضوان الله عليهم أبو عمرو عثمان بن سعيد الأسدي السمان ولم أقف على نص صريح في عام وفاته ولكن مقتضى النص على وفاة ولده محمد بن عثمان وهو الثاني من السفراء في جمادي الثانية سنة 305أو 304 وبقي سفيراً 51 سنة وقد تلقى يوم وفاة أبيه عثمان بن سعيد فتكون وفاة السفير الأول على هذا سنة 254 أو 255 هـ.
السفير الثالث أبو القاسم الحسين بن روح النوبختي المتوفى سنة 326 هـ.
السفير الرابع أبو الحسن علي بن محمد السمري وهو آخرهم وتوفي سنة 329 هـ وبه أنقطعت السفارة بين الشيعة والإمام المنتظر عجل الله فرجه.
ومراقد هؤلاء السفراء في العاصمة العراقية بغداد كلهم في جانب الرصافة؛ أما عثمان بن سعيد ففي طريق القشلة، وأما أبو الحسن السمري ففي قيسارية البزازة،
(57)

وإما الحسين بن روح ففي سوق الشورجة، وأما محمد بن عثمان ففي محلة الشيخ وله محلة تنسب إليه يعرف بالإمام الخلاني.
وأما السفير السياسي المحض فتراعى فيه الشروط غير أن الحكومات الحرة في هذه العصور ألغت القوانين الشرعية وأبدلتها بالقوانين الوضعية في سائر الأديان فيراعي في سفيرهم العلم بمواد القانون الوضعي والمعرفة بأحكام الدستور التشريعي الدولي لا غير.

مكانة السفير عند الدول الحرة والاُمم المتمدنة:

كل من له إحاطة بسياسات الدول وأطلاع على أنظمتها يعرف عظمة هذا السفير وتقدير شخصيته وأن له حقوقاً قانونية خاصة تلزم مراعاتها ويجب عندهم أعتبارها، وكلما كانت الدولة أعظم فسفيرها أجل وأعظم فسموه منوط بسمو ملكه وعظمته مرتبطة بعظمة دولته.
قال البستاني في دائرة المعارف: لما كان السفير ينوب مناب ملكه وحكومته عند دول أجنبية كان شخصه محترماً لا يقرب بأذى أو إهانة إلا ويحسب ذلك تحاملاً على حكومته لذلك فهو معفي من الأحكام المحلية وهذا الإعفاء يشمل أعضائيته أيضاً فهم فيه سواء لا يقاضون ولا يحجر عليهم إلا بمصادقة، أما موقعة بالنظر إلى رعية حكومته في البلاد التي بعث إليها فيختلف بأحتلاف الدول فإن لكل دولة منها نظاماً تجري عليه وأمر تأتمر به، وقديماً كان السفير إذا أستجار به مذنب أعطاه الذمام وأعانه على حاجته ما وسعته القوة وكذلك إذا أذنب أحد رعيته وأقترف جناية قاضاه وأسرع في عقوبته لكن الأمر بخلاف ذلك في هذه الأيام فقد وضعت المعاهدات والمواثيق الدولية حدوداً لهذه الاُمور لا يمكن إغفالها.
(58)

وللسفير عظمة أيضاً وأحترام فإن السفير إذا جاء منزل وظيفته أطلع ناظر الخارجية على أوراق تعيينه وسأله الدخول على صاحب الأمر فيستأذن له الوزير في الدخول عليه في وقت يعينه هذا لقبوله حتى إذا أزف الوقت المعين أرسل الملك من يعتمده في إدخال السفير عليه وصحبته عربة ملوكية إعزازاً لمقام حكومة السفير الأجنبي فإن ما يبذله هذا الملك من الرقة والقرب من ذلك ليصادف مثله سفيره في البلاد التي كان منها السفير حتى يصل إلى القصر الملكي وهو في السدة الملوكية وإلى جانبه معتمد الملك ويسلم عليه العساكر وتعزف له الموسيقى وتجيبه الجميع بما ينبغي لمقام ملكيه من الإكرام والتبجيل ويخرج له بعض كبار الدولة إلى أسفل الشارع ويسير في معيته إلى حضرة الملك وهم جميعاً بالملابس الرسمية، وقد جرت العادة أن يجلس الملك في مثل هذه الزيارة في قاعة العرش فيدخل السفير عليه ويدفع كتاب تعيينه إليه فيأمر له الملك بالجلوس وعقيب هذه الزيارة يعود السفير مشمولاً بما سبق من التكريم.
ثم ذكر السفير الموقت وأنه ليس له هذه الإكرام وذكر أن وظيفة السفير فوق وظيفة المعتمد لأن للسفير حق الدخول على الملك بلا منة لأنها من الحقوق الدولية والمعتمد دخوله على الملك منة عليه لأنه ليس من حقوقه الدخول على الملك، وما في بقية كلامه من كثير فائدة.

مراتب السفراء المدنية:

قال حسين باشا فهمي في كتاب حقوق الدول(1) إن رسوم التشريفات المتعلقة بالسفراء قديماً كانت تنقسم إلى أصناف كثيرة وكانت درجاتها محدودة، وفي سنة
1ـ حقوق الدولة: ص95
(59)

1815م حيث عقدت المعاهدة الدولية في فينا فقد تقرر بها بعض القواعد الجديدة فصار أعتبار سفير البابا وسفراء الدول العظيمة من الدرجة الاُولى والسفراء المتوسطين من الدرجة الثانية ووكلائهم من الدرجة الثالثة ثم عقدت بعض معاهدات مخصوصة بين الدول بموجبها أحدث صنف آخر بأسم السفير المقيم وهو بين السفير المتوسط ووكيله وبذلك صار أصناف السفراء أربعة، وعلى هذا الترتيب يعد السفراء الكبار من الصنف الأول، والسفراء المتوسطون من الصنف الثاني، والسفراء المقيمون من الصنف الثالث، والوكلاء من الصنف الرابع.
ثم قال(1): إن الذات المقتدر أن يكون واسطة للمواصلة فيما بين دولتين حاملاً خطاب أعتماده حسب الاُصول ومراسلا من لدن الاُولى للثانية بغير مدة معينة يطلق عليه إسم سفير مستديم وخاطب الأعتماد وهو ورقة التوكيل التي تعطى للسفراء من الدول والذات الذي يرسل بنيشان أو بهدية أو لإجراء رسوم التبريك أو بمأمورية من مثل ذلك يسمى سفير موقت، ومثل هؤلاء الموقتين يرسلون من لدن الملوك لإجراء الرسوم بالذات لا دخل لهم في اُمور الدولة ما لم يكن اُعطي لهم من دولهم رخصة أو مأذونية بشأن ذلك.
ثم قال(2): إن السفراء الكبار هم بالذات تمثال الملوك ووكلاءهم عند الملك المعينين سفراء بمملكته، وللسفراء الكبار أيضاً الحق بطلب مواجهة الملك، رأساً وعليه فيمكن للسفير من الصنف الأول أن يذهب إلى سراي الملك ويطلب مقابلته رأساً، أما الملك فغير مجبور على قبوله في الحال حيث لو فرض وكان له
1ـ نفسه: ص96.
2ـ نفسه: ص97.
(60)

مانع فيمكنه أن يعتذر لكي لا يجوز له أن يستغني عن تعيين يوم وساعة لمواجهته.

شروط قبول السفير عند دولة اُخرى.

قال(1): ليس من الموافق للشرف والمصلحة أن ترسل دولة شخصاً حكم عليه بجناية أو أتهم بمأمورية سفير لدولة اُخرى فإذا كانت الدولة لا تراعي ذلك فيمكن للدولة الاُخرى أن تعتذر بحق عن قبوله وكذلك يجوز عدم قبول رجل أظهر العداوة والبغضاء ضد حكومة المملكة المرسل إليها سفيراً ألخ.
فتبين من كلامه هنا أن الشروط ثلاثة: الأول النزاهة عن أقتراف الجرائم، الثاني الإخلاص فإذا تولى السفارة لدولتين لم يخلص لواحدة منهما، الثالث الكياسة، فإن المتهور كمظهر العداوة لا يصلح بل لا يقبل.

حقوق السفراء القانونية:

قال(2): إنه بموجب حقوق الدولة يكون السفراء المتوسطون والسفراء المقيمون مأمورين بأسم حكومتهم التابعين لها عند الدولة الذين هم لديها يعني إنهم يعدون تمثالاً لدولهم لا لممالكهم، أما وكلاء المصالح فيكونون مأمورين لدى نظار الخارجية لا يمكن لسفير أو وكيل أن يتداخل في معاملات رسمية مالم يكن الأول قدم براءة نفسه والثاني سلم المحرر المشتمل على مأريته، وإذا أرادوا المداخلة بغير ذلك يكون للحكومة المحلية الحق في الأعتذار عن قبولهم.
إذا جلس ملك جديد على تخت مملكته يجب على السفراء الكبار أن يجددوا
1ـ نفسه ص92.
2ـ نفسه: ص98.
(61)

براآت التعيين وبالنظر لحقوق الدولة لا يكون السفراء المتوسطون ولا السفراء المقيمون مكلفين من مثل هذه الأحوال بتجديد البراءة إنما بالنسبة إلى المعاملات الجارية صار من العادة تجديدها، وكلامه مطول عميم الفائدة للسياسيين والرسميين لا للخطباء والذاكرين فلذلك أكتفينا بهذا.

بلوغ السفراء المحنكين غاياتهم:

ذكرى الصفدي الشافعي في شرح لامية العجم(1): إن الملك العزيز بن صلاح الدين الأيوبي لما أتى عمه العادل لقتاله ووصل بالعساكر إلى بلبيس ضاق به الأمر وأراد النفقة للجيوش فلم يكن عنده، فقيل له: إن القاضي الفاضل عنده من الأموال ما يقوم بما تريد، فقال: أستحي أن أطلب منه شيئاً فالزموه بطلبه، فلما علم بوصوله دخل إلى الحرم حياءاً منه، فتضرع القاضي الفاضل له حتى خرج إليه وحكى له القصة، فقا: كلما أنا فيه من نعمة فهو من صدقاتكم والمال عندي يكفي ما ترومه ولكن دعني أتوجه إلى العادل وأطلب منه الصلح فإن وافق فيها ونعمت وإلا فالنفقة قدامنا، ثم إن القاضي الفاضل توجه إلى الملك العادل فلم يزل يسحره بيانه ويفتل في ذروته والضارب بلسانه حتى رده راجعاً ولم يدخل مصر وكفى الله العزيز أمره تلك المرة.
وذكرى الراغب الأصفهاني في المحاضرات(2): إن يزيد بن معاوية بعث عبد الله الأشعري إلى أبن الزبير فقال له: إن أول أمرك كان حسناً فلا تفسده بآخره، فقال عبد الله بن الزبير: ليس ليزيد في عنقي بيعة، فقال له: لو كان عنقك بيعة كنت تفي بها؟ قال: إي والله، فالتفت إلى الناس فقال: معشر الناس! قد بايعتم ليزيد
1ـ شرح لامية العجم 1/44.
2ـ المحاضرات: 1/93.
(62)

وهو يأمركم بالرجوع عن بيعته وهو لا يرتضي الرجوع عنها، فقالوا لأبن الزبير: كيف رأيت هذا الخلع الخفي، إنتهى.
وهذا غور بعيد من شيطان مريد أسكت أبن الزبير المغفل وألقمه حجراً بالتمويه، وأبن الزبير يزعم وتزعم أهل السنة له أنه من فقهاء قريش وأحد العبادلة الأربعة، ومن أهل الجدل والخصومة فأعتبر أن بمثل هذا أعتبار، نعم دفع الفاسد بالأفسد، نصب له شركاً وأحتبله الباطل، إن الزبير قال: إن الفاسق لا يلزم عقد البيعة له، يرد عليه الشامي بمثله للحديث المشهور فيه يلحد بمكة رجل من قريش إسمه عبد الله عليه نصف عذاب أهل النار مضافاً إلى أعماله المشهورة فظن التخلص بهذا الجواب فوقع في الهوة وتردى في الحفرة وقد أجاب صلحاء الاُمة أن بيعة الفاسق باطلة فخلعوه وحاربوه فكانت وقعة الحرة المشهورة على حمار.
وحسبك من السفارة هذا المقدار وأطلب التفاصيل من كتابنا ((السياسة العلوية)).
وسفارة العباس بن أمير المؤمنين (ع) بين الحسين (ع) وبين شيعته وبينه وبين الأجانب كانت سفارة خاصة في أوقات معينه فهو سفير موقت لا سفير دائمي كمسلم بن عقيل، فمن سفارته ما قدمناه من أنه بعثه للجيش الزاحف عليه نهار التاسع فراجعه.
(63)

(العباس (ع) عميد العسكر الحسيني)

وكما أنه لا بدل له من دعاية يمثلها معتمد خبير مدرب يقوم بهذا وينظر في المصالح وينظم الاُمور السياسية خارج العصمة لا بد له أيضاً من جيش عسكري مدرب على أحسن نظام وأجود طراز في التثقيف والتمارين الحربية على الاُساليب والفنون لملائمة للعصر وإذا أضطر إلى تأليف جيش أحتاج إلى توظيف عميد له ولا بد أن يكون مثقفاً ماهراً في الفنون التمرينية والأساليب العسكرية، شجاعاً ثابت القلب ليحمي عسكره وجنده بثباته، محنكاً ذا تجارب وفكر ليحصنه بفكر، ورويته ويقويه بتجاربه وخبرته، ويتولى تقسيمه على المنهج الحربي حسبما تدعو إليه القواعد الحربية وتقتضيه النظم الفنية كتقسيمه إلى فرق فأفواج فكتائب فسرايا ففصائل إن كانت كبيراً، وإلى كتائب وفصائل إن كان صغيراً، ويخطط الخطط الدفاعية والهجومية وغير ذلك مما ستعرفه قريباً إن شاء الله.
وهذه الوظيفة أي وظيفة عميد العسكر كان يتلقاها العباس الأكبر أبن أمير المؤمنين عند أخيه الحسين بن عليّ (ع) وليس غيره لهذه الوظيفة عنده.

منزلة العميد في الجيش النظامي المتمدن:

والعميد في نظر الدولة الحرة والحكومات المتمدنة في هذه العصور رتبته الثالثة في الوزارة العسكرية أو زارة الدفاع لأن وزارة الدفاع يقدم فيها شخص الوزير أي وزير الدفاع ثم أركان الجيش ثم العميد ثم الفريق وهكذا كما ستسمعه قريباً إن شاء الله.
(64)

وإنما سمي عميداً لأنه عليه أعتماد الجيش وبه يثقفون في الملمات وفي الشدائد الحربية فهو بمنزلة عمود الخيمة وعماد البناء الذي عليه يعتمد السقف وتقوم الخيمة، أو لأن عليه أعتماد السلطان وعلى كل لا يكون عميداً للعسكر إلا من كان شجاعاً مقداماً من غير تهور ذا جرأة وثبات، خواضاً للغمرات، قذافاً بنفسه في الأهوال، والمتالف مع تحري الظفر والفور، ومجرباً خبيراً بفنون الحرب وأساليبها، محنكاً ذا مهارة فنية وثقافة حربية وخبرة تامة بشؤون الإقدام والإحجام والتقدم والتأخر ليقي نفسه وجيشه من العطب إن لم يكن مستميتأً فإن عميد الجيش ما دام في مركزه يخفق لواؤه على رأسه فالعساكر ثابتة في مراكزها على نظامها وترتيبها الذي رتبه فإذا زال عن مركزه ولم يكن أنسحاباً بأنتظام يعلم به القواد أو قتل ولم يقم مقامه نظيره أختل النظام وتبدد الجيش ونال العدو منه ما يريد ولهذا قال القائل وقد سُئل عن مالك الأشتر بعد موته: ما أقول بمن هزمت حياته أهل الشام، وهزم موته أهل العراق.

معنى العميد لغة:

قال في القاموس: والسيد كالعميد ورئيس العسكر.
وفي مجمع البحرين: وعميد القوم وعمودهم سيدهم ومنه قوله (ع): من عيمد هذا الجيش أي كبيرهم الذي إليه المرجع.
وقال الزمخشري في أساس البلاغة: وهو عميد قومه وعمود حيه أي قوامهم.
قالت اُخت حجر بن عدي الكندي:
فإن تهلك فكل عمود قوم من الدينا إلى هلك يصير
وفي المنجد: عميد القوم سيدهم وسندهم وظاهر في مقدم الجيش لأنهم يسندون أمرهم إليه ويستندون عليه كما يستند البناء على العمود.
(65)

ما تلفظه العوام ولا تعرف معناه:

وهو لفظه ((العجيد)) لمقدم الغزو ويلقبون العباس بن أمير المؤمنين (ع) بالعجيد وما اُدري ما يعنون بالعجيد أهو العقيد المصطلح عليه عند الدول المتمدنة الحديثة الذي هو دون العميد بمرتبتين، لا أظن أنهم يعرفون هذا الأصطلاح العسكري الجديد خصوصاً وقد عاشوا أزمنة الأتراك المشبعة بالألفاظ التركية كيوزباشي وبميباشي وأمثالهما أم يعنون به الرئيس كما هو في لغة الرب، هذا هو الأقرب لإصالة عدم النقل ولأن العامة يطلقونه على مقدم الغزو وقد عرفنا ذلك بكثرة خلطتنا للعشائر فعرفنا أنهم يسمون الرئيس الغازي ودليل الغازين منهم إذا دلهم على عدو لهم أو على محل تحصل لهم فيه (نهيبة ) غنيمة العجيد فيقولون فلان عجيد الغزو وفلان عجيد الرجبة وعجيد السرية، وتاه العجيد يعنون الدليل، في هذا الأخير.
ثم للعجيد عندهم شروط أحدهما ان يكون رئيساً، الثاني أن يكون شجاعاً ويطلقون عليه لفظ رجال زين، الثالث: أن يكون خبيراً بالطريق ودليلاً حاذقاً يسلك بهم على غير الجواد المسلوكة والطرق المألوفة خوفاً من الأنذار للمغزويين وحذراً من الطلب إذا كروا راجعين ولهم حكايات وأقاصيص في دلالة هؤلاء بالأهوار والبوادي يكاد يستريب الإنسان بصحة نقولهم كحكايات أقاصيص أهل الجاهلية عن لصوص العرب أمثال دعيميص الرمل العبدي وسليك بن السلكة السعدي وغيرهما من لصوص العرب وقطاع الطريق.
والعجيد عند الغازين من عوام العشائر اليوم هو الآمر والناهي فبأمره يقدمون، وبنهيه يحجمون، وأمره مطاع نافذ فيهم يتبعونه كما يتبع قطيع الغنم رعاته وفيهم بقية من الجاهلية وهو أنه المفضل والقاسم بينهم فله أن يختار من الغنيمة ومن
(66)

السلب والنهيبة الحلوب من البقر والإبل لنفسه دون حصته يسمونها رأس الجسمة (القسمة) فلا يقسمون حتى تعزل للعجيد وله أن يأخذ لولده أو لزوجته سهماً (حصة) وأن يكافي الغازية فربما كان للعجيد ثلث (النهيبة) الغنيمة تقريباً إلى آخر ما هو معروف عندهم وعند من أطلع على عاداتهم وسيرهم.
ويتبين أن المعنى العامي هو المعنى اللغوي وأن العجيد هو العميد، وأن عليه أعتماد الغازين سواء كان دليلاً فقط أو دليلاً ورئيساً معاً على أن العميد هو رئيس الجيش الأول، وربما كان عند العوام الرئيس الثاني إذا كان الرئيس العام يعني رئيس القبائل معهم فيقولون الشيخ سعدون السعدون وعجيد الجوارين أبن كبيح، وعجيد البدور شر شاب، وعجيد الغزي أبن حبيب وهكذا.

العميد عند الدول المتمدنة:

وظيفته وظيفة عسكرية متوسطة من وظائف الجيش العالية بين الركنية والفريقية.
في الدليل العراقي ما لفظه(1): نظام وزارة الدفاع على أن وزير الدفاع هو المرجع الأول في الوزارة والمسؤول عن إدارتها وحسن قيام جميع الضباط والموظفين والتابعين لها بواجباتهم قسم النظام المذكور في الدفاع إلى الشعبتين الرئيستين وهما 1ـ ديوان الوزارة، 2ـ مجلس الدفاع. يتألف ديوان الوزارة من: 1ـ سكرتير الوزارة، 2ـ المرافقية. ويتألف مجلس الدفاع من رئاسة أركان الجيش والدوائر الاُخرى في الوزارة، ويجتمع برئاسة أركان الجيش وعضوية كل من مدير الحركات ومدير الإدارة ومدير الميرة ومدير التموين والإعاشة، وبصفة
1ـ الدليل العراقي: ص426.
(67)

كونهم أعضاء أصليين في المجلس المذكور والمجلس يقوم بمساعدة الوزير في إدارة شؤون قوات الدفاع وبإسداء المشورة إليه عند نشوب الحرب، رئاسة أركان الجيش يتولى شؤونها، ورئيس أركان الجيش وهو من الاُمراء برتبة فريق والمرجع الأستشاري الأعلى في وزارة الدفاع وترتبط به شعبة الترجمة وشعبة الخريطة ومديرية الطيران العسكري والمدني.
ثم ذكر(1) مراتب القواد والضباط ورتبهم مرتبة هكذا الاُمراء المشير العميد الفريق وراتبه 75 دينا عراقي، أمير اللواء وراتبه 65 دينار عراقي، ثم القادة الزعيم راتبة 50 دينار عراقي، العقيد 42، المقدم 36، الرئيس الأول 30، الرئيس الثاني 26، الأعوان ملازم أول 21، ملازم ثاني 17 ألخ.
قد كتبنا في كتابنا ((السياسة العلوية)) فصلاً مطولاً ونافعأً جداً في القواد والقيادة وثمراتها وأساليبها ومراتب القواد وما قام به مهرة القواد من الأعمال الجليلة وأظهروه من الفنون العجيبة التي تدل على كفاءة ومقدرة بديعة وذكرنا فيه قواد جيش النبي (ص) وجيش أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) والخفاء وبعض قواد الدولتين الأموية والعباسية وغيرها من الدول وما قاموا به من الأعمال الجليلة في الحروب الطاحنة تركناه هنا للأختصار.
فالعباس الأكبر هو عميد عسكر الحسين (ع) مفاد ما دلت عليه الروايات الورادة في كتب المقاتل والتي أعتنى بضبطها علماء هذا الشأن وقد عبر عنها الحسين (ع) بقوله: أنت مجمع عددي والعلامة من عسكري، وقول العباس (ع) له لما أراد حمله إلى خيمة الشهداء: أنا مجمع عددك والعلامة من عسكرك، وقد تقدمت في الفصول السابقة وهي صريحة في إرادة العميد لأنه مجمع العسكر
1ـ الدليل العراقي: ص346.
(68)

والعلامة لهم لأنه حامل لوائهم والإشارة النظامية معه.
قال في معالي السبطين(1): كان لواء الحسين (ع) معه وكان أميراً وزيراً وسفيراً ألخ.
للمؤلف:
هو العميد لجيش السبط يوم دعا أنصاره جاهدوا الكفار في الدين
قوموا إلى الموت ذي رسل العداة لكم يعني السهام وحوطوا آل ياسين
فقام أنصاره الأفذاذ وأستبقوا للموت شوقاً إلى الولدان والعين
دعا العميد معي خلفي فأتبعه أصحابه الغر زحفاً للميادين
كأنما الحرب زفت في الجلاد لهم أبهى عروس من البيض الخواتين
ما مثل موقفهم بالطف معركة لا يوم اُحد ولا أيام صفين
سبعون شهم من الأبطال يرهبهم سبعون ألف من الشوس الملاعين
طعانهم بحراب السمر تحسبه أجناد كوفان فيها نفث طاعون
هبت بجيش أبن سعد الرجس زوبعة من عزمهم نسفته دون توهين
ورب عاصفة هوجاء قد قلعت ما حصنته البرايا أي تحصين
جدد لهم ذكريات المجد محتفلاً بمنتدى الفخر ممزوجاً بتأبين
مثل على مسرح العليا عميدهم تمثيل حي شعور راسخ الدين
وأروي لهم عزمه العالي وهمته بما يلذ ويحلو من أفانين
1ـ معالي السبطين: ص271.
(69)

الحاجب والمرافق

ومن وظائف العباس بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) الحجابة لأنه الحاجب والمرافق للحسين (ع) حيث أن الحسين (ع) كملك سياسي يحتاج إلى سفير وعميد للجيش لا بد له مما لا يستغني عنه ملك سياسي أو ديني وهو المرافق الخاص بأصطلاح المدنيين والحاجب بأصطلاح القدماء وإن لم يكن محتجباً حقيقة ليتولى شؤونه الخاصة ولا يفارقه في سفر ولا حضر، ولا في قيام ولا قعود لاُمور شتى إلا في شئونه النفسية وتلك الاُمور التي يلازمه لأجلها منها أن يتولى المدافعة عند إذا أراد أغتياله أحد أعدائه لأن من كان بهذا المنصب من العظمة وأرتفاع الشأن فلا ريب إنه بمعرض الخطر من ناحية الإغتيال السري والفتك العلني وقد علمت ما جرى للخليفتين عمر وعلي، وفي مولانا أمير المؤمنين يقول أبن عبدون في قصيدته:
فليتها إذ فدت عمراً بخارجة فدت علياً بما شائت من البشر
وتغزل عمر بن الوردي مشيراً إلى اغتيال الخليفة الثاني بقوله:
مر بنا مقرطق ووجهه يحكي القمر
قلت أبو لؤلؤة منه خذوا ثار عمر
ولولا أن معاوية تحصن بأسته لما نجى من سيف الخارجي وقد كفانا التأريخ تسجيل أسماء من وقع عليهم الأغتيال وعلقوا بحبال الفتك من عظماء الرجال فالمرافق في مثل هذه الحال يدافع عن صاحبه، وهذا أمير المؤمنين (ع) ودفاعه عن النبي (ص) يوم اُحد وحنين وقد فر عنه جميع الصحابة مشهور، وقول
(70)

النبي (ص) له في يوم اُحد: رد عني هذه الكتيبة وهذه الكتيبة، رواه الطبري والمفيد وغيرها.
وكما أنه يحتاجه لذلك يحتاجه إلى إرسال رسول أو إحضار شخص أو ما شاكله من المهمات الفوتية فيقوم الحاجب أو المرافق بمباشرة هذه الأعمال ولا بد فيه من الكفاءة والمعرفة والعقل والشجاعة والعلم واليقظة والبصيرة والإخلاص لمن ولاه ذلك هذه الوظيفة كان يتولاها أبو الفضل العباس بن أميرالمؤمنين (ع) عند أخيه الحسين (ع) لأجتماع هذه الصفات فيه وهي لا تحوجنا إلى تقديم الشاهد وأستدعاء الحجة للأتفاق على أن أخص بني هاشم بالحسين (ع) وأقربهم منه أخوة العباس الأكبر وأبنه علي الأكبر، والعباس (ع) أكثر مباشرة لأعمال الحسين (ع).

معنى المرافق لغة وعرفاً:

معنى المرافق قديماً وحديثاً ومعلوم أن المعنى اللغوي للمرافق هو الرفيق المصاحب ما دام في رفقته وصحبته فإذا فارقه زال الأسم عنه كما نص عليه صاحب القاموس وغيره وهذا المعنى هو المرتكز في أذهان العوام والسائد على أفهامهم لكن ذكر اللغويون للمرافق معناً قريب المأخذ ينطبق على ما نريد وهو أن المرافق الحاذق الماهر المتأني في حوائجه والطبيب الحاذق، ومن مجموع هذه المعاني أخذ صفة المرافق للملك عند المدنيين.

عدد المرافقين عند المدنيين:

المرافقون عند المدنيين ثلاثة وهم يرافقون الملك في تجوالاته الأسترواحية وأكتشافاته الأستطلاعية ويقومون بواجب الخدمات في البلاط الملكي ومنهم
(71)

من رئيس الديون الملكي ورئيس التشريفات يتألف مجلس الديوان الملكي.
قال في الدليل العراقي(1): يتألف البلاط الملكي: 1ـ الديوان الملكي، 2ـ الاُمناء والتشريفات، 3ـ مرافقي الملك.
1ـ الديوان الملكي: هو المرجع المختص بالشئون الرسمية بين صاحب الجلالة والحكومة ويتألف من رئيس الديوان وهو أكبر موظف في البلاط والمسئول عن شؤنه بوجه عام وعن الديوان بوجه خاص، وهو الواسطة لتبليغ الأوامر السنية وهو إضافة إلى ذلك سكرتير صاحب الجلالة الخاص معاون رئيس الديوان الملكي يقوم بمساعدة رئيس الديوان الملكي وينوب عنه في غيابه هنالك ملاحظه وكتاب آخرون مساعدون.
2ـ الاُمناء والتشريفات: رئيس التشريفات وهو المسئول عن تنظيم الحفلات والمراسيم والولائم الملكية وجيمع المقابلات الرسمية مع الحضرة الملكية مساعد رئيس التشريفات يقوم بمساعدة رئيس التشريفات ومعه بعض الكتاب المساعدون.
3ـ المرافقون: وهم ثلاثة يرافقون صاحب الجلالة في جميع تجوالاته وأسفاره وهم مسئولون عن محافظته وهو يوزعون أعمال الشرطة ورجال الأنضباط العسكريين الملحقين بالبلاط ألخ.
قد كان في العصور القديمة يتولى المقابلات الرسمية وعرض القضايا والمخابرات موظف واحد يطلقون عليه إسم الحاجب كرئيس الديوان اليوم، وله وظيفة المقابلات من قسم التشريفات وله أعوان ومساعدون، وأما البواب فهو الذي يلازم الباب برسم الخدمة، وبقية التشريفات يتولاها موظف خاص يطلقون
1ـ الدليل العراقي: ص15.
(72)

عليه إسم صاحب الطعام وصاحب المائدة وهو يرأس إدارة المطعم كما أن من يتولى أمر المشروبات يقال له الشرابي وصاحب الشراب، وصاحب الطعام هو رئيس الولائم الملوكية وأغذية الملك واطعمته بتنظيمه وتحت إدارته جميع الطباخين والطهات والقلائين والشرابين المختصين بشروبات الملك وإدارة الولائم والدعوات الملوكية تسمى دار الضيافة.
أما الحاجب فهو ومعاونه يرافقان الملك في تجوالاته وأسفاره ويلازمان بابه سفراً وحضراً ولا يفرقون بين الحاجب والمرافق وهو المسئول عن حفظ الملك فمتى أدخل أحداً بدون أمره أو دخل داخل لا يعلم به عوقب أشد العقوبة وجوزي بأوجع الجزاء.
وإذا عرفت وظيفة المرافق قديماً وحديثاً تعرف أن للحسين بن علي (ع) مرافقين فقط وهما أخوه أبو الفضل العباس وأبنه علي الأكبر فإنهما كانا يلازمان بابه ويمشيان في ركباه وإذا دخل على بعض الأمراء كانا معه كل ذك حفظاً له وحياطة له وقياماً بواجب أمره.
فقد تحدث المؤرخون وأرباب المقاتل في قصة دخول الحسين (ع) على الوليد بن عتبة والي يزيد على المدينة وقد دعاه ليلاً إلى بيعة الفاجر يزيد، وإن الحسين (ع) جمع فتيانه وجعلهم على باب الوليد.
ويتحدث اليزدي في مصائب المعصومين(1) في أخبار كربلاء قال: ثم أرسل الحسين (ع) إلى عمر بن سعد: إني اُريد أن اُكلمك فالقني الليلة بين عسكري وعسكرك، فخرج إليه أبن سعد في عشرين وخرج إليه الحسين (ع) في مثل ذاك، فلما ألتقيا أمر الحسين (ع) أصحابه فتنحوا عنه وبقي معه أخوه العباس وأبنه عليّ
1ـ مصائب المعصومين: ص224.
(73)

الأكبر، وأمر عمر بن سعد أصحابه فتنحوا عنه وبقي معه أبنه حفص وغلام له.
فقال له الحسين (ع) ويلك! أما تتقي الله الذي إليه معادك أتقاتلني وأنا أبن من قد علمت؟ دع هؤلاء القوم وكن معي فإنه أقرب لك إلى الله، فقال عمر بن سعد لعنه الله: أخاف أن تهدم داري! فقال له الحسين (ع) : أنا أبنيها لك. فقال: أخاف أن تؤخذ ضيعتي فقال الحسين (ع) أنا أخلف عليك خيراً منها من مالي بالحجاز.
فقال: لي عيال وأخاف عليهم من أبن زياد! ثم سكت ولم يجبه إلى شيء، فأنصرف عنه الحسين (ع) وهو يقول: مالك ذبحك الله على فراشك عاجلاً ولا غفر لك يوم حشرك فوالله إني لأرجو أن لا تأكل من بر العراق إلا يسيراً، فقال أبن سعد لعنه الله: في الشعير كفاية عن البر ـ مستهزءاً بذلك القول ـ ألخ.
للمؤلف:
أبا الفضل إن السبط سبط محمد مليك بني الدنيا وأنت المرافق
تقوم على أعتاب سدة بابه تبادر في حاجته وتسابق
ويوم أتى دار الوليد صحبته وحولك من عدنان غر غرانق
ويوم أبن سعد قمت والسيف مصلت على رأسه والسبط فيك لواثق
وإن شمرت عن ساقها الحرب عنوة وسالت كزخار السيوف فيالق
تسل رهيف الشفرتين وما أتقت مضاربه أدراعها واليلامق
وتترك أشتاتاً من الرعب صيدها فسيح الفضا فيما تراه مضائق
فلم تعطهم قواتهم قط قوة ولا نفعتهم سمرهم والبوارق
وفروا ولكن مثل حمر بقفرة لها القسور الدامي البراثن سائق
تكدست القتلى فكانت روابيا وبحر الدما فيه الخيول زوارق
وقايضهم بالحتف سيفك في الوغى لدى الضرب لكن النفوس وثائق
أصاعقة ذاك الحسام أم أنه شهاب هوى أنقضت وراه الصواعق
(74)

أبوك الذي لم تشهد الحرب مثله مغاربها تعنوا له والمشارق
فقد كان في فن الشجاعة معجزاً ومعجزه في كل هيجاء خارق
فبدر واُحد بل حنين وخيبر شواهد في أعجازه ومصادق
وصفين بل يوم الخريبة إذ أتى يسوق لظعن الأم بالشر سائق
وأنت أبنه تروي لنا حملاته وقد كان ما ترويه بالضرب صادق
تقد كما قد قد شطرين قرنه وقد هدرت للمعلمين شقاشق
تقط كما قط اليراع رقابهم وتبري كما تبري القداح مرافق
(75)

الحجابة والحاجب والعباس هو حاجب الحسين (ع)

وكما يحتاج الملك إلى السفير والعميد والمرافق في السفر ومقامات الخطر يحتاج إلى الحاجب ليقوم بعرض الكتب الواردة عليه من الآفاق ويأخذ الأجوبة منه فيدفعها إلى أربابها ويتناول من يده الرسائل فيسيرها إلى البلدان والنواحي النائية والدانية ويتولى أمر إدخال الواردين عليه من الآفاق من الوفود ورسل الملوك ورؤساء القبائل واُمراء الجيوش وقادة الجنود وولادة المدن واُمراء الخراج والجباة ومدراء الاستخبار وأصحاب الاسرار وعامة ذوي الحاجات وكل هذه الاُمور تناط قديماً بموظف يمسى بالحاجب وربما كان المرافق هو الحاجب، وربما كان غيره وهذا العنوان أي عنوان الحجابة من العناوين المهمة قديماً وقد طرأت عليه تطورات كثيرة وترقيات وتحسينات وأحياناً تفاجئه آفات سقوط فما زال بين طورين ضعف وقوة تتجاذبه قوتان هبوط وصعود أرتفاع وأنخفاض إلى أن وصل إلى هذا الزمان فأكتسب الحجابة دائرة كبرى وسمت بإدارة الديوان وإن نسخ إسم الحجابة لفظاً فقد ثبت معناه كما سمعت في المرافق.
ولأسباب التطورات على هذه الوظيفة ونظراً إلى كثرة التغيير والتبديل في مراسم هذه الوظيفة ووسام هذا المنصب المهم لزمنا إطلاق العنان للقلم ليجري في هذا الميدان مرحاً بين صفي الإطناب والإيجاز ونحن في كتابنا ((السياسة العلوية)) قد وفينا البحث فيها حقه وأختصرناه هنا لأن التطويل لا يناسب هذا الكتاب.
وأول مهم نلفت إليه أنظار القراء وننبه المطالعين عليه أن نسبة الحجاب
(76)

لرسول (ص) وأئمة أهل البيت النبوي (ع) وكذا حال الخليفتين أبي بكر وعمر وليست حقيقية بل هو شبه حجاب لأنهم لم يحتجبوا عن الناس إنما كانوا يختلطون بهم والبلاط الملكي في عهد النبي وأمير المؤمنين علي والخليفتين أبي بكر وعمر إنما هو المسجد الأعظم وهذه سيرهم تنطق بأختلاطهم بالناس ومجالستهم للعامة وأنهم يؤاكلون الفقراء ربما أفترش أحدهما عبائته ونام في المسجد وربما توسد ذراعه وأنضجع على التراب وكل هذه الأعمال مما تنفي عنهم أتخاذ الحجاب الحقيقي الذي أحدثته الجبروتية الأموية في الإسلام، وأول مؤسس له في الملة معاوية بن أبي سفيان.
أما ما يحكى في النوادر أنهم أتخذوا حجاباً إنما هو على أبواب بيوت الحرم خوفاً من الأبتذال وجرأة أوباش العرب من سلب الآداب من أهل البادية فقد يقتحم بيت الحرم الجافي والجلف من الأعراب مفاجأة تجرياً وجرياً مع عادة البدو الغلاظ أهل الشراسة والوعورة الذين لا يراعون حرمة ولا يدينون بأحترام كبير مهما بلغ في العظمة والشأنية، وأنى لأليف الضب ونديم اليربوع الأدب النفسي؟ وكيف لرعاة الإبل والشاة بالتهذيب الخلقي فربما يطرق الطارق من هؤلاء البلداء فيحصل ما لا تحتمله النفس الحرة ويقع ما تنفر منه الطباع البشرية العازفة عن نقائص الأفعال ورذائلها وقد لا تطيق الروح الكريمة صبراً على أمثال هذه الجلفيات المدنسة للإنسانية الكاملة وما لا تحمد مغبته وعاقبته من خرق سجاف الآذاب وتمزيق جلباب الأحترام.
كما حصل لرسول الله (ص) من وفد بني تميم فإن هؤلاء كانوا بدواً وحشيين وأعراباً سائحين في فيافيهم وبواديهم من الأضبة واليرابيع بعيدين عن كل أدب مدني وثقافة حضرية، وإن كانوا في منتهى الزعامة والشرف فوردوا وقت القائلة والنبي (ص) في بيت نسائه فجعلوا يدورون حول حجره ويطوف بها
(77)

ويصيحون: يا محمدّ! اُخرج إلينا لنفاخرك ولولا الحجاب لا قتحموا عليه حجر نسائه ودخلوا في ساعة خلوته، فذمهم الله تعالى بقوله: (إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون)(1) لم ينفي عنهم سبحانه وتعالى العقل الفطري بل هم عقلاء من هذه الوجهة ومن أعظم العقلاء وإنما نفي العقل المكتسب وهو المستفاد من التجارب والتمارين فلو انهم عقلوا ولو من باب الفحص والسؤال فضيلة هذا النبي وعظمته لما خاطبوه بذلك الخطاب الجافي البعيد عن سنن الآداب وليكن هذا على ذكر منك لما سنورده في هذا المبحث.

حقيقة الحجاب:


هي التستر عن الناظرين والترفع عن مخالطة الناس وهو ضد السفور والأبتذال بكل معنى لأن السفور البروز والظهور على حالة التكشف والأبتذال فالأحتجاب ضده وهو الأختفاء عن النظار وهو محمود في النساء مذموم في الرجال لأن العقائل عند العرب أعز من نفائس الأموال المثمنة التي تصان وتحفظ في صناديق الحديد كالجواهر الفريدة والعقود النفيسة ذات الأثمان الراقية فيقفل عليها بالأقفال الثقيلة ويرتج عليها أقوى رتاج بعد أن تستودع الخزائن الحريزة، أما الرجال فكالأسلحة أحسن حالاتها حين تشهر وأفضل أوقاتها حين تظهر من أوعيتها وتستل من أغمادها والحجاب مفهوم بسيط.

معنى الحجاب لغة:


قال الفيروزآبادي في القاموس: حجبه حجباً وحجاباً ستره وقد أحتجب والحاجب البواب جمع حجبة والحجاب ما أحتجب به.
1ـ الحجرات: 4.
(78)

وقال الفيومي في المصباح: حجبه حجاباً في باب قتل معنه، ومنه قيل للستر حجاباً لأنه يمنع المشاهدة، وقيل للبواب حاجب لأنه يمنع من الدخول، والأصل في الحجاب جسم حائل بين جسدين وقد استعمل في المعاني فقيل: العجز حجاب بين الإنسان ومراده، والمعصية حجاب بين العبد وربه ألخ.
أما الشريف الجرجاني الحنفي فذكره معناه اللغوي والشرعي والصوفي فقال في التعريفات(1): الحجب في اللغة المنع، وفي الاصطلاح (يعني أصطلاح الفقهاء) منع شخص معين عن ميراثه إما كله أو بعضه بوجود شخص آخر، ويسمى الأول حجب حرمان، والثاني حجب نقصان، الحجاب كلما يستر الملوك وهو عند أهل الحق (يعني أهل التصوف) أنطباع الصور الكونية في القلب المانعة لقبول تجلي الحق، إنتهى.
ونحن لا نريد ذكر الحقيقة الشرعية والصوفية.

الحجاب عند الملوك:

قد عرفت في المرافق أن الحجابة وظيفة ولهذا تحتاج إلى تفسيرها لتعرف محلها عند الملوك.
قال أحمد بن أبي الربيع في سلوك المالك(2): وأما الحاجب فهو واسطة بين الملك وبين من يريد لقائه ليرتب الناس بين يدي الملك كما يليق بمجلسه ألخ.

بيان وإيضاح للحاجب:

كان العصر الجاهلي وصدر الإسلام لا يعرف الحجاب إلا بما عرفناك ولما
1ـ التعريفات: ص56.
2ـ سلوك المالك في تدبير الممالك: ص40.
(79)

أحدثه الأمويون تقليداً للقياصرة والأكاسرة كان في أوله بسيطاً لأنه كان يسمى حاجباً وبواباً معاً ثم تطورا وأرتقى إلى مرتبة أعظم من ذلك فصار يرأس البوابين والبواب هو الفراش في اصطلاح الحكومات الجديدة ففرقوا بين البواب والحاجب فأختص البواب بمن يلازم الباب وهو الفراش، وأختص الحاجب بمن يتوسط في الإذن بين الملك ومن يريد مواجهته ويأمر وينهي وتيصرف في مهمات البلاط فهو رئيس الديوان الملكي ثم ترقى في بعض الدول والحكومات الإسلامية في القرون الوسطى فاُطلق عليه لقب وزير.
قال أبن خلدون المالكي في المقدمة (1) في توزيع الدولة المروانية بالأندلس (أسبانيا) للوزارة أنواع أتخذوا لكل نوع منها وزيراً وأفردوا للتردد بينهم وبين الخليفة وأحداً منهم أرتفع عنهم بمباشرة السلطان في كل وقت فأرتفع مجلسه عن مجلسهم وخصوه بأسم الحاجب ولم يزل الشأن هذا إلى آخر دولتهم فأرتفعت خطة الحاجب ومرتبته على سائر الرتب حتى صار ملوك الطوائف ينتحلون لقبها فأكثرهم يومئذ يسمى الحاجب.
ثم ذكر أمر الدولتين الدولة الفاطمية ودولة الموحدين وأنهم أهملوه أولاً ثم رجعوا إلى خطة الأمويين أخيراً، وإن الموحدين أختصوا بأسم الوزير لمن يحجب الملك في مجلسه ويقف بالوفود والداخلين على السلطان عند الحدود في تحيتهم وخطابهم والآداب التي تلزم في الكون بين يديه ورفعوا خطة الحاجب عنه ما شاؤوا ولم يزل الشأن إلى هذا العهد ـ يعني زمانه ـ.
قال: وأما في دولة الترك بالمشرق ـ يعني العثمانية ـ والجراكسة فيسمون هذا الذي يقف بالناس على حدود الآداب في اللقاء والتحية في مجالس السلطان والتقدم بالوفود بين يديه الدويدار.
1ـ مقدمة أبن خلدون: ص399.
(80)

وقال(1): قدمنا أن هذا اللقب كان مخصوصاً في الدولة الأموية والعباسية بمن يحجب السلطان عن العامة ويغلق بابه دونهم ويفتحه لهم على قدره في مواقيته وكانت هذه منزلة يومئذ من الخطط مرؤسة لها إذ الوزير متصرف فيها بما يراه وهكذا كانت سائر ايام بني العباس إلى هذا العهد بمصر فهي مرؤوسة لصاحب الخطة العليا المسمى بالنائب.
وأما في الدولة الأمويه في الأندلس فكان الحجابة لمن يحجب السلطان من الخاصة والعامة ويكون واسطة بينه وبين الوزارء فمن دونهم فكانت في دولتهم رفيعة غاية وجاء الأستبداد على الدولة أختص المستبد بأسم الحجابة لشرفها، وجاء من بعدهم ملوك الطوائف فلم يتركوا لقبها وكانوا يعدونه شرفاً لهم.
ثم لم يكن في دولة المغرب وأفريقية ذكر لهذا الأسم للبدواة التي كانت فيهم وربما يوجد في دولة العبيديين بمصر عند أستعظامها وحفاوتها إلا أنه قليل.
ولما جاءت دولة الموحدين لم يستكمل فيها الحضارة الباعثة إلى أنتحال الألقاب فلم يكن عندهم من الرئيسات إلا الوزير ولم يكن إسم الحاجب معروفاً في دولتهم.
وأما دولة بني أبي حفص بأفريقة فأحتاج سلطانهم لأتساع المملكة وكثرة المرتزقين إلى قهرمان خاص بداره في أحواله يجريها على قدرها وترتيبها من رزق وعطاء وكسوة ونفقة في المطابخ والأصطبلات وغيرها، وحصر الذخيرة وتنفيذ ما يحتاج إليه في ذلك على أهل الجباية فحصوه بأسم الحاجب وربما أصاروا إليه كتابة العلامة على السجلات إذا كان يحسن الكتابة واستمر الأمر على ذلك وحجب السلطان نفسه من الناس فصار هذا الحاجب واسطة بين السلطان
1ـ نفسه: ص200.
(81)

وأهل الرتب كلهم ثم جمع له أخر الدولة السيف والحرب ثم الرأي والمشورة فصارت هذه الخطة أرفع الرتب وأوعبها للخطط.
ثم جاء الأستبداد والحجر مدة بعد السلطان الثاني عشر منهم ثم أستبد بعد ذلك حفيده السلطان أبو العباس علي على نفسه وأذهب آثار الحجر والاستبداد بإذهاب خطة الحجاب التي كانت سلماً إليه ثم باشر اُموره كلها بنفسه من غير أستعانة بأحد، والأمر على ذلك لهذا العهد.
فإما دولة زناتة بالمغرب وأعظمها دولة بني مرين فلا اثر لا سم الحاجب عندهم، وأما باب السلطان وحجبه عن العامة فهي رتبة سمي عندهم صاحبها المزدار ومعناه المقدم على الجنادرة والمتصرفين بباب السلطان في تنفيذ أوامره وتصريف عقوباته وإنزال سطواته وحفظ المعتقلين في سجونه والعريف عليهم في ذلك، فالباب له وأخذ الناس بالوقوف عند الحدود في دار العامة راجع إليه، فكانت وزارة صغرى.
وأما دولة بني عبد الواد فلا أثر عندهم لشيء من هذه الألقاب لبداوة دولتهم وإنما يخصون بأسم الحاجب في بعض الأحوال منقذ الخاص عند السلطان في داره كما كان في دولة بني أبي حفص لأنهم في تبعتها والقائمين بدعوتها.
وأما دولة الترك بمصر فأسم الحاجب عندهم موضوع لحاكم من أهل الشوكة وهم الترك فينفذ الأحكام في المدينة وهم متعددون وهذه الوظيفة دون وظيفة النيابة التي لها الحكم في الدولة وفي العامة على الإطلاق، وللحاجب الحكم فقط في طبقات العامة والجند عند الترافع إليه وإجبار من أبى الأنقياد وطورهم من طور النيابة، والوزير في دولة الترك هو صاحب جباية الأموال في الدولة على أختلاف أصنافها وله مع ذلك التولية والعزل في سائر العمال المباشرين لهذه الجباية، إنتهى ملخصاً.
(82)

شروط الحاجب عند من يعتبر الحجابة:

قال أحمد بن أبي الربيع في سلوك المالك(1): وصفته ان يكون فهماً ذا خلق واسع ومنطق بارع، وأن يكون طويلاً جسيماً وسيماً لتروع العيون هيبته وهيئته، وأن يكون ذا عقل وحكمة يدلانه على صواب ما يأتي ويذر، وينبغي أن يكون لا مكفهراً ولا سهلاً، لين الأنقياد، ويجب عليه أن يعرف مراتب الداخلين على الملك فينزلهم منازلهم، وينبغي له في الإذن عند جلوس الملك ولا يطلقه عند خلوته، ويجب أن يعرف سير الملوك وقواعدهم وخاصة الملك وعامته ليعرف عذر من تأخر منهم ليجب السلطان إن سأل عنه، وليأمر من يسير بين يدي الملك فيبعدهم من ركابه، وليمنع العوام من التعرض لركابه بالقصص، ويأمر بأخذها منهم، ويجب عليه مراعاة الوزير والأمتثال لأمره لأنه المشار إليه دونه، وينبغي أن يعرف أخبار الملك في كل وقت ويوصل إليه الأخبار، وليأمر البوابين بإنهاء ما يرد عليهم لئلاّ يخفى من دار الملك شيء، وليعرف الأوقات التي يجلس فيها الملك والأوقات التي يكون فيها في خلوته، وينبغي له أن يراعي خواص الملك ويكرمهم ويعرف مواضعهم ولا يفسح لأحد بالدخول عليه إلا بإذنه ولو كان ولداً، إنتهى.
ولا تعتبر هذه الشروط في عصورنا هذه بل حسبه أن يكون خريجاً من أحد الكليات الحقوقيه وعالماً بالقانون الوضعي وعارفاً بالسياسة مهما كانت أخلاقه شرسة وطباعه فظة ومعاملته سيئة، وسواء كان قصيراً نحيفاً أو جسيماً ضخماً كل ذلك سواء.
1ـ سلوك المالك في تدبير الممالك: ص101.
(83)

أسباب الحجاب ودواعيه في نظر المؤلف:

هي كثيرة جداً: منها: التكبر والانفة من مخالطة الناس وخصوصاً العامة والضعفاء وأكثر ما يكون هذا في الولاة والاُمراء الشامخين برتبهم ووظائفهم.
ومنها: الخوف من الأغتيال إما فتكاً عليناً أو تحيلاً بما جر إلى التلف، وأكثر ما يكون هذا في عظماء الملوك خصوصاً الكثير الأعداء وصاحب السطوة الجبار والمحتل لبلاد أجنبية.
ومنها: مخافة الإنفاق والبذل على الوافدين والسائلين من ذوي الحاجة الماسة والضرر والبؤس وهذا كثير من طبقات الملوك والاُمراء والوزراء وسائر الموظفين الكبار والمتمولين من التجار والرؤساء بل وحتى في بعض الفقهاء في هذه الأزمنة وسبب ذلك في الجميع أمران أقواهما الشح والبخل وأضعفهما العوز وقلة ذات اليد فيستحي من الظهور الذي يقرن به الأعتذار السمج في نظر الكريم لكن الأعتذار المحمود في مثل هذه الحال خير من التواري الذي يجر إلى صاحبه نسبة البخل والنبز بالتكبر.
ومنها: الضجر والتبرم بكثبرة الأشغال ومباشرة الأعمال وأكثر ما يكون هذا في الوزراء ومن داناهم في الرتبة والمنصب.
ومنها: حب الأنفراد والعزلة ويقع هذا السببين محبة الفراغ لأجل التفكير في سعادة الدينا في التمتع بالعلوم والتزود من الحكم والآداب ومراجعة السير الملوكية وكتب السياسة والأخلاق وسعادة الدين بالتفرغ للعبادة وقراءة القرآن وتلاوته وقراءة الأدعية والأذكار والتفقّه في الدين ومطالعة التفاسير والحديث وامثالهما. وأهل هذين الصنفين جماعة من الملوك السعداء من أهل الدنيا
(84)

كالحكماء والفلاسفة، ومن أهل الدين الجادون المجتهدون في تحصيل الرتب الأخروية فإنهم يقصدون التخلي والأنفراد بأنفسهم عن مخالطه العامة بتحصيل ما به سعادة الآخرة.
ويرسم لك الحقيقة مصورة كتمثال حسي ملموس خلواة أمير المؤمنين على أبن ابي طالب (ع) التي يختارها لنفسه ويجب أن تكون ليلاً حسبما حدث به أبو الدارداء من ناحية تضرعه وأبتهاله عند شويحطات بني النجار وأنه تأخذه الغشية التي لم يشك أبو الدرداء له معها الموت، وما تحدث به ضراء الضبائي في مجلس معاوية وقد سأله أن يصفه فأخبره أنه رآه في خلوته الليلية يتململ تململ السليم، وكما تحدث كميل بن زياد الذي أقتفى أثره في الخلوة التي أختار لها الجبانة (المقابر) ليناجي ربه وينادم الأموات، وكذلك تحدث أبن عباس فعاد من بركة تلك الخلوة بعلم كثيرة، وكما تحدث نوف البكالي إذ رآه يرمق السماء بطرفه في الليل الدامس ليعتبر الكواكب والنجوم المتقلبة في مشارقها ومغاربها طلوعاً وأفولاً ويتخذ من ذلك دليلاً على الفناء وعدم البقاء فصبت تلك الفكرة المباركة على نوف شؤبوباً من الرحمة بالتفكر والأعتبار.
أو محبة الفراغ لأجل قضاء الأوطار وإعطاء النفس شهوتها من التمتع بالمسكرات والأغاني والمطربات وقد تسمى هذه الخلاعة وهذا العزف مدنية وحضارة فالملاهي والراقصات معادن الفجور التي تلقب لديهم بالآنسات تستوعب من وقت الملك والوزير ومن دونهما الثمين فيستوعب ساعات أو ليالي وأياماً وأكثر أهل هذه الخلاعة يختلطون بالناس سوى الملوك يختصون المجالس وينفردون في أوقات الطرب إلا مع أمثالهم لأن هذا الصنف كثيراً أهله، جم رائده، من أهل الترف والرفاهية في العيش، والقسم المنحط من هؤلاء ينغمس في الفجور ونيهمك في الفساد خصوصاً أبناء التجار والملاكين وأصاغر الموظفين
(85)

ويترفع عنه أكابر الملوك والوزراء ويأنفون من ذا ولكن يرون التلهي ترويحاً للأنفس ويتخذونه دليلاً على الأريحية.
ومنها: محبة الظلم والجور فيحتجب خوفاً أنت ترفع إليه قصص المظالم فيحتاج إلى ردها وخذ بعض الشواهد لما ذكرنا:
منها ما قاله أبو الفرج أبن الجوزي الحنبلي في تلبيس(1) وذكر اُموراً ثلاثة قال: الثالث أنه يخوفهم الأعداء ويأمر بتشديد الحجاب فلا يصل إليهم أهل المظالم ويتواني من جعل بصدد رفع المظالم.
وقال الابشيهي الشافعي في المستطرف(2): كان خالد بن عبد الله القسري يقول لحاجبه: إذا أخذت مجلسي فلا تحجبن عني أحداً فإن الوالي لا يحتجب إلا لثلاث: عيب يكره أن يطلع عليه أحد، أو ريبة يخاف أن تظهر لأحد، أو بخل يكره معه أن يسأل شيئاً.
ثم قال بعد كلام: وقف رجل من خراسان بباب أبي دلف العجلي حيناً فلم يؤذن له فكتب رقعة وتلطف في وصولها إليه، وفيها:
إذا كان الكريم له حجاب فما فضل الكريم على اللئيم
فأجابه أبو دلف بقوله:
إذا كان الكريم قليل مال ولم يعذر تعلل بالحجاب
وأبواب الملوك محجبات فلا تستنكرن حجاب بابي
وقال محمود الوراق كما ذكره أبن أبي الحديد في الشرح(3):
إذا أعتصم الوالي بإغلاق بابه ورد ذوي الحاجات دون حجابه
1ـ تلبيس أبليس: ص132.
2ـ المستطرف 1/92.
3ـ شرح نهج البلاغة 4/143.
(86)

ظنت به إحدى ثلاث وربما رجمت بظن واقع بصوابه
أقول به مس من العي ظاهر ففي إذنه للناس إظهار ما به
فإن لم يكن عي اللسان فغالب من البخل يحمي ماله عن طلابه
وإن لم يكن ذا ولا ذا فريبة يكتمها مستورة في ثيابه
قال الراغب الأصفهاني الشافعي في المحاضرات(1): قيل يحجب الوالي لسوء فيه أو لبخل منه، ثم أنشد:
والستر دون الفاحشات ولا يلقاك دون الخير من ستر

أول من أسس الحجاب وسنه في الإسلام:

لا خفاء أن الحجاب من آثار الأكاسرة والقياصرة وكانت شدة الحجاب في ملوك التبابعة في العرب كما ذكرنا في كتابنا ((الميزان الراجح)) وكتابنا ((السياسة العلوية)) في ترجمة ذي الكلاع الحميري أن رجلاً من همدان أقام ببابه سنة لا يصل إليه وإنما سرى إليهم من ملوك الأعاجم، أما الإسلام فبعيد عن هذه العادات الجبارة، منزه عن هذا التعاظم الخيلائي الممقوت، ومصون عن هذه السجايا الماحقة لسنة الرأفة والحنان والرقة والعطف، فقد قامت الشريعة الإسلامية بمقاومة الجبروتية والكبرياء وإبادة الزهو والخيلاء، ونهضت بمكافحة كل سنة جبارة وتغيير كل عادة جائرة عن القصد القويم ونهج العدل المستقيم.
فقد كان سيد الأنبياء وخاتم المرسلين يمشي في الأسواق ويجالس الفقراء والمساكين ويقف للضعيف والارملة، وعلم (ص) ان هذه السيرة السهلة المعتدله ذات الرأفة والحنان واللطف والشفقة ستنقلب إلى جبروتية وكبرياء وتباذخ
1ـ المحاضرات 1/101.
(87)

وتعاظم، وتسير ملوك بني امُية سير كسرى وقيصر فنهى عن ذلك نهياً متتابعاً وقال أقوالاً مشهورة تناقلها الفريقان الشيعة والسنة في التهديد والوعيد لمن أحتجب عن الاُمة وأغلق بابه دونها فمن فعل ذلك فهو كسروي التبعية لا محمدي التابعية.
وأختلف الناس في أول من أحدث الحجاب في ألإسلام فقيل عمر بن الخطاب وحاجبه يرفأ مولاه، وهذا قول ضعيف لا نحفل به لأن المعلوم من سيرة عمر بن الخطاب الأبتذال والأختلاط بالناس فقد كان يتلقى الركبان يسألهم عن الغزات فلا تفرق الرسل بينه وبين أفراد العامه وكم رسول قال له الخبر تسمعه عند أمير المؤمنين فيسير ورائه مهرولاً وكان يفترش مرقعته وينام في المسجد ويحمل درته ويسير في الطرقات وحده، ولما جيء بالهرمزان أحد ملوك الفرس وجده نائماً في المسجد مفترشاً عبائته المرقعة، ومن كانت هذه حالته كيف يكون محتجباً، وما قيل أن حاجيه يرفأ كما قيل حاجب علي (ع) قنبر مولاه إنما يعنون الخادم المختص الذي يقف أمامه وفي بابه لقضاء حاجاته فأشبه الحاجب واُطلق عليه.
وقيل: أول من أحدث الحجاب في الإسلام عثمان بن عفان، وقيل معاوية بن أبي سفيان، وأصوب الأقوال هو المتوسط لأن معاوية أقتدى بعثمان وأقتفى أثره وما قيل أحدثه لما ضربه الخارجي فوهم لم يحدثه ذلك الوقت إنما شدده فالذي أحدث المقصور والحجاب في الصلاة هو عثمان عقيب أغتيال عمر بن الخطاب.
قال حجة الإسلام أبو حامد الغزالي الشافعي في سر العالمين(1): روى أبو هريرة قال: لما فتح عمر بن الخطاب مدينة القدس وأمر فيها عبد الله بن مسعود أتيته مهاجراً فدخلت عليه فلم أرى له حاجباً ولا بواباً فسألته عن ذلك، فقال: سيظهر عثمان ثم تسمعون بمنزلها.
1ـ سر العالمين: ص35.
(88)

وقال جلال الدين السيوطي الشافعي في تاريخ الخلفاء(1) في أوليات عثمان أبن عفان: أول من أتخذ صاحب شرطة، وأول من أتخذ المقصورة في المسجدة خوفاً أن يصيبه ما أصاب عمر.
وقال أبن أبي الحديد المعتزلي الحنفي في الشرح(2) وأبن عبد ربه المالكي في العقد الفريد(3): وقف أبو سفيان بباب عثمان بن عفان وقد أشتغل ببعض مصالح المسلمين فحجب فقال له رجل وأراد أن يغريه، فقال: يا أبا سفيان! ما كنت أرى أن تقف بباب مضري فيحجبك! فقال أبو سفيان: لا عدمت من قومي من أقف ببابه فيحجبني.
قال أبن خلدون المالكي في المقدمة(4): وأما مدافعة ذوي الحاجات عن أبوابهم فكان محضوراً في الشريعة فلم يفعلوه، فلما أنقلبت الخلافة إلى الملك وجاءت رسول السلطان وألقابه كان أول شيء بدأ به من الدول شأن الباب وسده دون الجمهور بما كانوا يخشون على أنفسهم في أغتيال الخوارج كما وقع بعمر وعلي ومعاوية وعمرو بن العاص وغيرهم مع ما في فتحه من أزدحام الناس عليهم وشغلهم بهم عن المهامات فأقعدوا من يقوم لهم بذلك وسموه الحاجب.
وقد جاء أن عبد الملك بن مروان لما ولى حاجبه قال له: قد وليتك حجابة بابي إلا عن ثلاث: المؤذن للصلاة فإنه داعي الله، وصاحب البريد فإنه أمر ما جاء به، وصاحب الطعام لئلا يفسد.
1ـ تاريخ الخلفاء: ص111.
2ـ 4/143.
3ـالعقد الفريد 4/143.
4ـ مقدمة أبن خلدون: ص198.
(89)

قال أبن أبي الحديد في الشرح(1): حجب معاوية أبا الدرداء، فقيل لأبي الدرداء: حجبك معاوية، فقال: من يغشى أبواب الملوك يهن أو يكرم، ومن صادف باباً مغلقاً عليه وجد إلى جانبه باباً مفتوحاً، إن الله إن سئل أعطى، وإن دعي أجاب، وإن كان معاوية قد أحتجب فرب معاوية لم يحتجب، إنتهى، وذكرها أبن عبد ربه في العقد الفريد، والراغب في المحاضرات.
وفي المستطرف(2): أستأذن سعد بن مالك (هو أبن أبي وقاص) على معاوية فحجب فتهتف بالبكاء فأتى إليه الناس وفيهم كعب، فقالوا: ما يبكيك ياسعد؟ فقال: كيف لا أبكي وقد ذهب الأعلام من أصحاب رسول الله (ص) ومعاوية يلعب بهذه الاُمة، قال كعب: إبك فإن في الجنة قصر من ذهب يقال له عدن، أهله الصديقون والشهداء وأنا أرجو أن تكون منهم، إنتهى.
كعب في هذه القصة هو كعب الأخبار.
وفي المتسطرف أيضاً: قال عمرو بن مرة الجهيني لمعاوية: سمعت رسول الله (ص) يقول: ما من أمير يغلق بابه دون ذوي الحاجات والخلة والمسألة إلا وأغلقت أبواب السماوات دون حاجته وخلته ومسألته.
دعوى لبعض الكتاب مزيفة بزعم أن النبي (ص) ومن بعده من الخلفاء قد أستعملوا الحجاب يريد يثبت أن هذا العمل الجبار سنة وهذا البغيض البعيد من الرحمة يراه حضارة إسلامية يتزلف إلى اُمراء وقته ويباهت الغرب بما أنتقده من إهمال الإسلام لاُمور مدينة وقد أخطأ من حيث ظن أنه أصاب، ونحن قد بينا أنه كان للنبي (ص) ولأمير المؤمنين علي (ع) وللخليفتين السابقين خدم خاصة
1ـ شرح نهج البلاغة 4/143.
2ـ المستطرف 1/193.
(90)

يشبهون الحجاب لا أنهم حجاب حقيقة وقد عرفناك مشيهم في الأسواق منفردين وأختلاطهم بالناس وما كان يصنعه رسول الله (ص) والخليفة عمر بن الخطاب.
وأما حال أمير المؤمنين (ع) فمعروفة وأنه كان يمشي في الأسواق يحمل الدرة كأنه أعرابي ويقف على البزاز ويساومه في ثوب الكرباس، ويقف على التمارين وغيرهم يأمر بأرجاح الوزن وحسن المعاملة وينهاهم عن النجش، هكذا كانت حاله مدة الخلافته قد روى ذلك ثقات العلماء، وقد كان يدخل عليه الداخل بغير أستئذان كما ورد ذلك في حديث الثقفي وغيره.
فهذا الكاتب الماهر بل الفقيه المفتي قد أخطأ خطئاً فاضحاً وعثر عثرة لا تقال ولا تستقال وهو الشيخ محمد بخيت المطبعي المفتي بالديار المصرية وهذا لفظه في كتابه حقيقة الإسلام واُصول الحكم(1): في حجاب النبي (ص) قد ثبت أن أنيس أبن مالك كان حاجب النبي (ص) رواه مسلم عن جابر وعن عمر، وهكذا للخلفاء الأربعة حجاب فكان حاجب أبي بكر شديداً مولاه، وقيل سريق مولاه، وحجب لعمر مولاه يرفأ وكان يرفأ حاجب عمر يدعو صهيباً وبلالاً وخباباً وعماراً وسلمان قبل الناس ويدخل الناس بعدهم على مراتبهم حتى تمعر وجه الأقرع بن حابس وعيينه بن حصن وحكيم ورجال من أجلة قريش وسادات العرب، فلما رأى سهيل بن عمرو ذلك وكان فيهم قال: لم تمعر ألوانكم؟ دعوا ودعينا فأسرعوا وأبطئنا، فلئن حسدتموهم على باب عمر وجفانه لما أعد لهم في الجنة أكثر فليطل حسدكم.
هذا كلامه بلفظه وقد أفتضح هذا الكاتب الماهر والفقيه المفتي بهذا الأستدلال
1ـ حقيقة الإسلام واُصول الحكم: ص130.
(91)

الركيك أفتضاح العفيف بين السكارى حيث لم يكن أنس بن مالك حاجباً للنبي (ص) ولم يمسه أحد من علماء الحديث والتأريخ حاجباً وإنما إسمه إلى اليوم الخادم وقد صرحت الأحاديث الصحيحة أنه خادم النبي (ص) إلا أن يريد المطبعي أن يسمى الأغوات (المخاصي) خدام الكعبة حجاب الكعبة تسمية يصطلح عليها هو نفسه ولا مشاحة في الأصطلاح لكنه غير الحاجب المصطلح عليه، وسواء فرقنا بين الحاجب والبواب كما هو الحق أم وحدنا بينهما إنما يكون ذلك لدار الإمارة أو القصر الملكي البلاط قاعدة الحكم وليست للنبي (ص) وأبي بكر وعمر وعلي (ع) دار إمارة، إنما هو لعثمان فقط، وبلاط الحكم عندهم الجامع الأعظم.
وهذه دكة القضاء في جامع الكوفة معروفة إلى اليوم وهي التي كان يقضي عندها أمير المؤمنين عليّ (ع)، ولما أنصرف من حرب الجمل إلى الكوفة قالوا له: إنزل قصر الإمارة، فقال: قصر الخبال لا تنزلونيه، فنزل على أبن اُخته جعدة بن هبيرة المخزومي وكانت محكمته الجامع الأعظم لا يخالف في ذلك مؤرخ، فأول من شيد البلاط وبنى القصر الملكي للحكم وأنفق عليه أموالاً طائلة من بيت مال المسلمين هو عثمان وكانت هذه أحد الأسباب التي نقمها عليه الصحابة والمسلمون وعابوها عليه وأنكروها منه لأنها نفقه باهضة ولا تخلو عن أمرين مجمع على تحريمها إن كانت من ماله كما زعمه المتعصب له فهو إسراف محرم بنص القرآن والسنة وإجماع الاُمة، وإن كان من مال المسلمين فأشد حرمه لأنه غصب وخيانة وجناية على المسلمين وهذا الأستبداد ومخالفة سيرة من تقدمه هيأت أسباب الثورة عليه فأعقبها قتله.
أما كون النبي (ص) لا يأذن لأحد عليه فذاك حيث يكون مع نسائه وفي دار عائلته التي ضرب الله تعالى عليها الحجاب وهذا موضع وجب الحجاب فيه شرعاً
(92)

لقوله تعالى: (وإذا سألتموهن متاعاً فسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن)(1) وعقلا فإن فيه صوناً للعرض عن الابتذال وحفظاً له عن الهتك وقمعأً لطماح السفيه الذي يستخفه طيش الصبا ونزق نزوة الشباب وكسراً لتهور الأعراب والبداة الذين لا أدب لهم ولا تحفظ عن الإخلال بواجب الأحترام وقد تحدث نقلة الحديث عن الكلابي الذي دخل عليه قبل ضرب الحجاب وجعل يلحظ عائشة ويقول: يا محمد! إن لي زوجتين جميلتين ألا أنزل لك عن واحدة منهما تتزوجها بدلاً عن هذه الحميراء؟!
وإذا نظرت إلى أبطاء الثلاثة من أصحابه وهم من أجلة الصحابة عن الخروج وإطالتهم الجلوس يتحدثون حتى ألموه وأغضبوه فأغفلوا كل أدب ديني ووضعي رسمه لهم الدين والعقل وضيعوا واجب الأحترام له وخرقوا سياج الحرمة حتى أنزل الله فيهم ولهي النهي عن الجلوس عند النبي (ص) في دار حرمه إلا ريثما يأكلون طعام الوليمة غير متوانين في الخروج ولا متلبثين بعد الأكل ولو ريثما ينظرون الأواني وصرح لهم إن تلك الجلسة الطويله كانت تؤذي النبي (ص) فدلت هذه الآيات على صلف هؤلاء مع كونهم من قدماء الصحابة وأعيان المهاجرين.
وإذا صدر هذا من مثل هؤلاء فما ظنك بالأعراب والبدو وحديث العهد بالإسلام أو المؤلف والمستسلم كرهاً فالحجاب في مثل هذا الموضع واجب شرعاً وعقلاً وليس الجهة التي نحن بصددها ويريدها هذا المفتي وهي حجب الرجل العظيم شخصه عن رعيته فإن كان أنس حاجباً كما يدعي كذباً فهو حاجب في دار الحرم لا دار الحكم.
1ـ الأحزاب: 53.
(93)

وكذلك كان عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنين (ع) وقد تحدث الثقفي أنه دخل عليه ولم يجد على بابه أحداُ، راجع القصة في ذخائر العقبي والرياض النضرة للمحب الطبري الشافعي وغيرهما.
وكذلك الخليفتان أبو بكر وعمر قد يحجبان الناس في دار الحرم وما نقله من القرشيين مع سلمان وأصحابه فذاك حيث يكون عمر في دار حرمه لا في دار حكمه وقد علم كل أحد أن دار حكمهما المسجد.
وإذا سمى مثل هذا حجاباً فكل إنسان له حاجب إذ لا يخلو أحد من الناس من حاجب عند القيلولة والأستراحة وخلو المرء بزوجته ولو بأن يغلق بابه فإن الرجل إذا خلا بنفسه ترك التقيد وكذلك العائلة إذا آمنت النظار تبذلت، وهنا يحكم العقل بلزوم هذا الحجاب تحفظا وصوناً كما حكم الشرع بذلك واستئذان الخدام والأولاد على مواليهم وآبائهم قبل بلوغهم الحلم في وقت الخلوة من الأدب الديني المطابق لحكم العقل الصحيح فقد ورد الحث عليه في السنة النبوية وندب إليه كتاب الله تعالى في ثلاث مواضع هي مظنة الأبتذال سماها عورات، فقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحيث تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض)(1) الآية الشريفة. وهذه الأوقات الثلاثة هي مظنة التبذل أوقات خلوة الرجل بأهله، وفي بعض هذه الأوقات يعني وقت القيلولة والأستراحة كان وفد بني تميم يطوف بحجر النبي (ص) ويهتف: اُخرج إلينا يامحمد لنفاخرك، فأنزل الله تعالى: ( إن الذين ينادونك من وراء الحجرات
1ـ النور: 58.
(94)

أكثرهم لا يعقلون)(1) يعني حجر نسائه ( ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيراً لهم)(2) فأين الحاجب ليكفهم ويردعهم؟ وأين الحجاب ممن يخرج إلى الوفد ويظهر للقاصدين ويجلسهم في المجالس العامة والأندية المحتشدة ويفاخر من أراد مفاخرته؟ ولو كان محجوباً لما قال ((حتى تخرج إليهم) بل قال: حتى تأذن لهم، إلا أن يدعي المطبعي أنه أعرف بمواقع الخطاب من القرآن المجيد فقد دلت هذه الآية الشريفة على نفي الحجاب عن رسول الله (ص).
ولو أثبت المدعي دليلاً وأتى بحجة لنظرنا فيها ولكنه ساق الدعوى فأحتج بها مجازفة والأستدلال بعين الدعوى مصادرة، وأين الحجاب ممن بني له في مسجده صفة يجتمع بها الفقراء وهم بين الأربعمائة إلى الثمنمائة على أختلاف القولين وكلهم يتحدثون بمجالسته لهم وتحدثه معهم فيسليهم ويصبرهم مرة ويسعفهم ويعينهم مرة اُخرى، وفي الحالين يلاطفهم ويوءنسهم ويأكل معهم أحياناً رفعاً لما في أنفسهم من كسر الفاقة وأهتضام الفقر، وقد ملأ أبو هريرة حجة أهل السنة المطولات من الكتب بنقل أمثال ما ذكرنا.
لكن هؤلاء المتجددون من مزيج المصريين الأقباط (المتفرنجين) يريدون أن يثبتوا كل طريقة رومانية وشريعة يونانية محقها الشرع الإسلامي ومحاها الدين المحمدي بأن يجعلوا لها أصلاً في الشريعة بظنهم القاصر أن المدينة الجديدة تسري مع شريعة الإسلام جنباً لجنب، وتساير حضارة الغرب الممقوتة في كل أتجاهاتها المخلة بمجد الإنسانية والعقل والدين فيريدون أن يجعلوا تخيلات الغربيين وأوهام الأفرنجيين التي تحبذها مدنيتهم وتدعوا إليها حضارتهم
1ـ الحجرات 4.
2ـ الحجرات 5.
(95)

ووسموها بألقاب فارغة كالحضارة والحرية والمدنية فزعموا أنها مقتبسة من دين الإسلام دين الله القويم الذي هو منزه عن كثير من هذه العادات القبيحة كأحتجاب الرجال وسفور النساء فجاهلية الغرب شر من جاهلية الشرق العربي قبل الإسلام وإن سميت تلك حضارة وهذه جاهلية.
فالشريعة الإسلامية والسنة المحمدية مصونة بقداستها عن مثل هذه الأوهام والخيالات مدنية الإسلام وحضارة الشرع وحرية الدين تبع لنصوص الشرع في عزائمه ورخصه لا مطلقة طبقاً لأفكار المتجددين وتشهيات العصريين، نعم حجابة النبي (ص) مختص بين نسائه كما في آية (فسألوهن من وراء حجاب)(1) والمراد بالحجاب فيها ملازمة الخدر وإسدال الستور لا إقامة البواب والحجاب حتى في هذه الصورة.
وسبب نزول هذه الآية الشريفة في ضرب الحجاب على نساء النبي (ص) ما ذكره البرهان الحلبي الشافعي في سيرته(2) في حديث تزويج رسول الله (ص) بزينب بنت جحش من قصة يقول فيها: فأولم رسول الله (ص) بما لم يولم به على نسائه ذبح شاة وأطعم فخرج الناس وبقي رجال يتحدثون في البيت بعد الطعام فشق ذلك على رسول الله (ص) ففي البخاري جعل النبي (ص) يخرج ثم يرجع وهم يتحدثون. قال أنس وكان النبي (ص) شديد الحياء فخرج فطلبها إلى حجرة عائشة فاُخبر أن القوم قد خرجوا فرجع حتى وضع رجله في أسكفة البيت داخله واُخرى خارجه وأرخى الستر بينه وبينها فنزلت آية الحجاب.
قال في الكشاف: هي أدب الله به الثقلاء.
1ـ الأحزاب: 53.
2ـ السير الحلبية 2/227.
(96)

وفي مسلم: عن عائشة قال: خرجت سودة بعد ما ضرب عليها الحجاب تقضي حاجتها بالمناصع محل كان أزواج النبي (ص) يخرجن إليه بالليل للتبرز وكانت أمرأة جسيمة فرآها عمر بن الخطاب فقال: ياسودة واله ما تخفين علينا فأنظري كيف تخرجين، فانكفأت راجعة ورسول الله (ص) في بيتي يتعشى وفي يده عرق فدخلت فقالت: يارسول الله! إني خرجت فقال لي عمر كذا وكذا، فأوحى الله إليه وإن العرق في يده ما وضعه فقال: إنه قد أذن لكن تخرجن لحاجتكن ألخ.
وهؤلاء الثلاثة الثقلاء مصرح بأسمائهم في الأحاديث ورواها بعض أهل السنة ولكني لا أشتهي ذكرهم، أما قصة عمر بن الخطاب في حجب القرشيين فقد كانت في وليمة والدار لا تتسع لجميعهم وقد جاءت أحاديث كثيرة في أن النبي (ص) في كثير من الولائم كان يأمر أنساً وغيره من الخدام بإدخال عشرة وليست دور الصحابة كقصور ملوكنا اليوم الحديقة وحدها تكفي لمائة صحابي أن يتخذوها دوراً لسكناهم فقد كانت دار الواحد منهم ما تتسع لعياله فإن زاد بيت يعني غرفة هدموه لأنهم لا يبنون ما لا يسكنون، فدار السلطان عمر لا تزيد على دور رعيته فلا تتسع لدخول المدعويين إلا مرتبين، فرتبهم على فضيلة الإسلام لا على شرف الأحساب وهذا صريح قول سهيل بن عمرو العامري القرشي لئن حسدتموهم على جفان عمر.
ثم القصص الاتفاقية والنادرة لا تعد أصلاً ولا يستدل بها على ملازمة الحجاب، ثم إن لعمر مجلس خاص في داره ومنزل نسائه يجتمع إليه فيه الصحابة من المهاجرين فيأمر خادمه بإدخال أهل السابقة من المسلمين ويؤخر أشراف قريش أهل الزهو والخيلاء ليذلل من جماحهم ويروض طماحهم ولم يقتصر على تقديمهم في الدخول على قريش بل يجعل لهم صدر المجلس
(97)

ويصغي إليهم بمسامعه وإذا سبق القرشي مسلماً قديم الإسلام محقراً في نظر قريش أخر القرشي وقدم ذلك المسلم، وهذا غرض سياسي له غور بعدي وقعر عميق لا يسبره عقل المطبعي وأمثاله، إنه يثير الحماس في نفوس الآنفين وذوي النخوة والكبرياء من تقديم من يعدونهم عبيداً وخدماً لهم فيرغبوا في الجهاد ليحصلوا درجة هؤلاء التي فاتتهم من إبطائهم عن الدخول في الإسلام فأثرت هذه السياسة في الوقت وطلب إليه الحارث بن هشام وعكرمة بن أبي جهل المخزوميان وسهيل بن عمرو والعامري وغيرهم أن يسيرهم إلى الشام فسيرهم فلم يرجع منهم إلا نفر يسير وقتل سهيل وعكرمة والحارث، أهذا هو الأحتجاب الملوكي حتى يستدل به المطبعي إنها لبلادة.

ذم الحجاب للرجال:

الأحاديث في ذمه كثيرة رواها حفاظ الفريقين وقد مر بعضها ومنها من طريق الشيعة ما رواه ثقة الإسلام الكليني (رحمه الله) في اُصول الكافي(1) عن الإمام الصادق (ع) قال: أيما مؤمن كان بينه وبين مؤمن حجاب ضرب الله عز وجل بينه وبين الجنة سبعين ألف سور، ما بين السور إلى السور مسيرة ألف عام.
ومن طريق أهل السنة الإسحاقي الشافعي في تاريخه(2) قال : روى الإمام أحمد في مسنده والترمذي وذكر عن عمرو بن مرة ما تقدم قال: وعن أبن عبّاس قال: خطبنا رسول الله (ص) فقال: أيها الناس! من ولي منكم عملاً فحجب بابه عن ذوي الحاجة من المسلمين حجبه الله يوم القيامة أن يلج الجنة فليس شيء أحب إلى الله من قضاء حوائج المسلمين ألخ.
1ـ اًصول الكافي: ص361.
2ـ تاريخ الإسحاقي: ص 188.
(98)

وقال أبو الفرج أبن الجوزي الحنبلي في تلبيس(1): روى أبو مريم الاسدي عن النبي (ص) قال: من ولآه الله شيئاً من أمر المسلمين فأحتجب دون حاجتهم وخلتهم أحتجب الله دون حاجته وفقره.
أما الآثار فكثيرة منها ما رواه في المستطرف(2) قال ميمون بن مهران: كنت عند عمر بن عبد العزيز فقال لحاجبه: من بالباب؟ قال رجل أناخ راحلته يزعم أنه من ولد بلال مؤذن رسول الله (ص)، فأذن له أن يدخل، فلما دخل قال: حدثني أبي أنه مع رسول الله (ص) يقول: من ولي شيئاً من اُمور المسلمين ثم حجب حجبه الله يوم القيامة، فقال عمر لحاجبه: إلزم بيتك فما رؤي على بابه عبد ذلك حاجب، إنتهى، وهذا حديث وأثر.

سهولة الحجاب وشدته وطبقات الحجاب:

ربما كان بعض المولك سهل الحجاب وفي الحقيقة يكون كأنه حاجب نفسه بنفسه وإنما أقام شخصاً باباب وسماه حاجباً ليظهر اُبهة الملك وعظمة السلطان، ومنهم من كان شديد الحجاب والغاية عنده في التشديد نزاهة النفس الملوكية عن الأختلاط بمن هو دونها ذهاباً بنفسه في البذخ والتعاظم أن لا يرى له كفواً في مملكته فيتخذه نديماً أو جليساً محدثاً وهذا خلق وعر وطبع شرس.
يذكر عن جذيمة الأبرش المعروف بالوضاح أنه كان ينادم الكواكب ذهاباً بنفسه أنه ليس له نظير حتى ينادمه ولا كفؤ فيجالسه.
ومنهم من يشدد الحجاب لا ستهتاره بالفواجر والفجور من المعازف والمطربات والمشروبات الروحية فلا يمر عليه وقت إلا وهو منغمس في لذة
1ـ تلبيس إبليس: ص132.
2ـ المستطرف 1/92.
(99)

طرب أو نشوة سكرة او معتنقاً أمرداً أو محتضناً مومسة أو راقصاً ثملاً أو مائساً سكراً وهذا خلق يتصف به كثير من بني اُمية وبني العباس؛ فمن الأمويين يزيد بن معاوية وهو المعروف عند أهل زمانه بيزيد الفجور، يزيد الخمور، منادم الفهود، المسابق على القرود لأنه كان يلعب بالكلاب والفهود ويسابق في الحلبة بقرد يسمى أبا قش على أتان وحشية، وهناك حكايات كثيرة أستوفيناها في كتابنا ((السياسة العلوية)).
منها ما ذكره البيهقي الشافعي في المحاسن والمساوي (1): قيل: شرب يزيد بن معاوية ذات يوم وعنده الأخطل فيما ثمل قال: أخطل! أهجني ولا تفحش، فأنشأ يقول:
ألا أسلم سلمت أبا خالد وحياك ربك بالعنقز
وروى عظامك بالخندريس قبيل الممات ولم تعجز
أكلت الدجاج فأفنيتها فهل في الخنابيص من مغمز
ودينك حقاً كدين الحما ر بل أنت أكفر من هرمز
فرفع يده ولطمه وقال: يابن اللخناء! ما بكل هذا أمرتك.
وقال الدمير الشافعي في حياة الحيوان(2): قد درب قرد ليزيد على ركوب الحمار وسابق به مع الخيل وفيه يقول يزيد لما سبق بأتان ركبها فارساً:
من مبلغ القرد الذي سبقت به جواد أمير المؤمنين أتان
تمسك أبا قش بها إن ركبتها فليس عليها إن هلكت ضمان
إنتهى، ذكرناها بصورة أوسع من هذه في ترجمة يزيد بن معاوية وذكرنا الأبيات كلها.
1ـ المحاسن والمساوي 1/204.
2ـ حياة الحيوان 2/ 212.
(100)