بطل العلقمي


العبّاس الأكبر بن الإمام علي بن أبي طالب (ع)


الجزء الثالث


تأليف

العلامة الشيخ عبد الواحد المظفر


{بطل العلقمي ـ ج3}
* المؤلف: الشيخ عبد الواحد المظفر
*الناشر: أنتشارات المكتبة الحيدرية
* عدد المطبوع: 1000 دورة، 3 مجلدات
* سنة الطبع 1383 ـ 1425 هـ
* الطبعة: الأولى
* عدد الصفحات 671 صفحة وزيري
* المطبعة: شريعت
* السعر: 12000 تومان ثمن الدورة



مقدمة المؤلف
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على محمد وآله الغر الميامين

هذا الجزء الثالث من كتاب بطل العلقمي حياة العباس الأكبر أبن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) وهنا ندخل خطط الحرب في كربلاء ونتعرف الأنظمة الحربية قديماً وحديثاً، ونعرف ما للعباس (ع) من منزلة رفيعة ومحل سامي عند أخيه الحسين (ع) ومراتبه التي له عنده وهي من المراتب الراقية في عصور الحضارة والتمدن الحديث، ونرى مشاهد قتاله في كربلاء ونقرأ تأبين العظماء للعظماء، وتأبين الإخوه للإخوة، ونمثل كراماته الباهرة، ونفرق بين الكرامة والمعجزة وبين المعجزة والسحر والأختراع، ونزور مشاهد رأس الحسين (ع) ومزاراته المشهورة تأريخياً والمعروف منها إلى اليوم في المدن الإسلامية ومزارات رأس أبي الفضل العباس (ع) وعددها، ومزارات بعض أعضائه الطاهرة كما هي معروفة إلى اليوم.
ونعرف أي هي كربلاء القديمة وأين الغاضرية ونينوى وأمثالهما من البقاع المذكورة في التاريخ عند ذكر فاجعة الطف العظمى، ثم نتلو أناشيداً من تأبين العباس الأكبر (ع) ومراثيه ونعرف القارئ بأسماء بنيه وعددهم وأحفاده وأنسابهم، ونذكر المشاهير منهم على سبيل الإيجاز ليدرس القراء في هذا الجزء دوساً من
(3)

التاريخ والنسب، ويقرأ فصولاً من الجغرفيا والفلسفة والأدب، ونسأل الله المعونة ونطلب منه التوفيق والتسديد بمنه ونتوسل إليه بشرف الحسين وجده وأبيه وأمه وإخوته وبنيه أن يرحمنا في الدنيا والآخرة إنه حميد مجيد آمين.
المؤلف
عبد الواحد بن الشيخ مظفر النجفي
(4)

قصيدة للمؤلف
بدم الشهادة لا بحبر خط في غرر المعالي للتحرر أسطرا
عباس نهضته الوحيدة منهج للناهضين ومن يروم تحررا
قد باع أغلى ما لديه على العلا هي نفسه وبها المفاخر قد شرى
هو مصلح من مصلحين ومرشد من مرشدين وفيهموا صلح الورى
والدين دين العدل حقاً دينهم والحق مثل الصبح لما أسفر
دين الهداية لا الغواية دينهم ما كان هذا الدين ديناً مفترى
ضربوا خراطيم الغواة وأرجعوا ما زاغ للإسلام فأعتدل السرى
لكن أمية لم يرقها كسرهم هبلاً ولا آساف في أم القرى
كتمت نواياها لحقن دمائها وجميع من رام النفاق تسترا
خافوا سيوف محمد ووصيه إذ كن يمطرن النجيح الأحمرا
أخفوا تحرقهم حذاراً إذ رأوا هبلاً كانية الزجاج مكسرا
حتى إذا أمتلكوا الخلافة عنوة ونزوا على الأعواد أبدوا المنكرا
فتكشفت أستارهم مذ أعلنت أسرارهم بغض النبي مكبرا
وأعانهم من لم يشايع أحمدا إلا رياء أو نفاق أو مرا
حتى يقول الساخطون لدينه ما كان وحي ذاك قول مفترى
فتجمعوا وتحزبوا وتعاقدوا أن لا يلي أمر الخلافة حيدرا
لم يكفهم غصب الوصي حقوقه وله الخلافة بالنصوص بلا مرا
حتى رموا قلب الزكي بشربة للسم ذاب بها الحشا فتفسرا
ثم أستجاشوا للحسين بكربلاء ملئى الفضا جنداً عليه وعسكرا
ذادوه من ماء الفرات وورده مهر اُمه عند يذاد تجبرا
قتلوه عطشاناً وأجروا خيلهم عدواً عليه وغادروه بالعرا
(5)

منزلة أبي الفضل العبّاس عند أخيه الحسين (ع)

هي منزلة عظيمة جداً فإن للمنزلة حيثيات وأعتبارات توجب أرتفاعها وتقتضي عظمتها: منها الأخوة والصحبة وهي أدناها، ومنها الفضل أو كمالات الشخص ومحاسن أخلاقه، ومنها الطاعة وغير ذلك:
فمن حيث الاُخوة والخدمة والإخلاص والمحبة وكمال الأدب فقد عرفت ذلك من الجزء الثاني وكذلك قد مضى ذكر خصاله الحميدة وسجاياه الفاضلة مما يوجب مزيد الرغبة في المتصف بها وتؤكد له القبول عند العظماء وذوء الشأنيه والمقدرة من الأقرباء فأكدت هذه الشمائل والأوصاف الممتازة في نفس سيد الشهداء الحسين (ع) محبة أخيه العبّاس الأكبر (ع) وأوجبت تقديمه على من سواه من الأصفياء والمخلصين وسائر الأحباء المتهالكين في محبته بالتفادي العظيم والتضحية الكريمة فضلاً عن بقية الأشقاء الكرام.
فإذا أنضمت هذه الفضائل المكتسبة إلى سجاياه المبرزة في جبلته وطبعه كالإبا والفروسية والسخاء والمقتبسة له من الهداة البررة أهل العصمة نحو العلم والبصيرة والتقوى والمروة والوفاء والصلاح والعفة وغير ذلك تجزم من غير شك ولا أرتياب أن للعباس عند أخيه الحسين السبط (ع) مكانة مكينة ومرتبة سامية ومحل رفيع؛ لأن الفضل يعرفه ذو الفضل فتعرف أن أختصاصه به أعظم أختصاص لا من ناحية الإخاء فقط بل من وجهة الفضائل، ولم يزل سير العقلاء ورأي حلماء العرب تفضيل مثل هذا الإخ على من سواه وتقديمه على غيره
(6)

حسبما أتجهت به وجهه الفضائل الجمة والسجايا الفذة الغزيرة.
وكم تجد في تاريخ العرب ممن فقد أخاً كريماً وشقيقاً ماجداً فدام أليف الحسرة واللوعة لمضاضة فقد ذلك العزيز المبجل مصاحباً البكاء والنياحة، أليف اللهفة والحرقة لأفتقاد ذاك الراحل المقدر، وقصة أبي المغوار ومالك بن مر سجلها التاريخ.
وأبو المغوار بن سعد بن عمرو بن عقبة أو علقمه بن عوف بن وداعة الغنوي أحد بني سالم من عبيد بن سعد بن كعب بن حلان، وأسم أبي المغوار هرم أو شبيب ـ على ما ذكره السيوطي في المزهر ـ وكان لصاً فاتكاً وبطلاً فارساً جريئاً مقداماً، وجواداً متلافاً، ولما اُصيب رثاه أخوه كعب ويقال أبن عمه سهم والمشهور أنها لأخيه كعب، وقد رثاه بمراثي متعددة من أجل مراثي العرب ومنها البائية المشهورة ذكر منها المرزباني أبياتاً قليلة وذكر أكثرها أبن عبد ربه في العقد الفريد وهي قوله:
قالت أمامة ما لجسمك شاحباً كأنك يحميك الطعام طبيب
فقلت نحول من خطوب تتابعت علي كبار والزمان مريب
لعمري لئن كانت أصابت منية أخي فالمنايا للرجال شعوب
فإني لباكيه وإني لصادق عليه وبعض القائلين كذوب
أخي ما أخي لا فاحش عند بيته ولا وزاع عند اللقاء هيوب
أخ كان يكفيني وكان يعينني على نائبات الدهر حين تنوب
هو العسل الماذي ليناً وشيمة وليث إذا لاقى الرجال قطوب
هوت أمه ما يبعث الصبح غازياً وماذا يؤدي الليل حين يؤب
كعالية الرمح الرديني لم يكن إذا أبتدر الخير الرجال يخيب
وداع دعايا من يجيب إلى الندا فلم يستجبه عند ذاك مجيب
(7)

فقلت أدع لخري وأرفع الصوت ثانياً لعل أبا المغوار منك قريب
يجبك كما قد كان يفعل إنه بأمثالها رحب الذراع أريب
وحدثتماني إنما الموت في القرى فكيف وهاذي هضبة وكثيب
فلو كانت الموتى تباع أشتريته بما لم تكن عنه النفوس تطيب
بعيني أو يمنا يدي وخلتي أنا الغانم الجذلان حين يؤوب
لقد أفسد الموت الحياة وقد أتى على يومه خلق إلي حبيب
أتى دون حلو العيش حتى أمرة قطوب على آثارهن نكوب
فوالله لا أنساه ما ذر شارق وما أهتز في فرع الأراك قضيب
فإن تكن الأيام أحسن مرة إلي فقد عادت لهن ذنوب
ورثاه أيضاً بقوله:
يمين أمرء آلى وليس بكاذب وما في يمين بثها صادق وزر
لئن كان أمسى أبن المغوار ثاوياً بربد لنعم المرء غيبة القبر
هو المرء للمعروف والدين والندا ومسعر حرب لا كهام ولا غمر
أنام ونادى أهله فتحملوا وصرحت الأسباب وأختلف النجر
فأي فتى غادرتموا في بيوتكم إذا هي أمست لون آفاقها حمر
إذا الشول أمست وهي حدب ظهورها عجافاً ولم يسمع لفحل لها هدر
كثير رماد القدر يغشي إنائه إذا نودي الأيسار وأحتضر الجزر
فتى كان يغلي اللحم نيئاً ولحمه رخيص بكفيه إذا نزل القدر
منها:
إذا القوم أسروا ليلهم ثم أصبحوا غداً وهو ما فيه سقاط ولا فتر
وإن خشعت أبصارهم وتضائلت من الأين جلا مثلما ينظر الصقر
وإن جارة حلت وبانت وفي بها فبانت ولم يهتك لجارته ستر
(8)

عفيف عن السوآت مالتبست به صليب فما يلفى بعود له كسر
سلكت سبيل العالمين فما لهم وراء الذي لا قيت معدى ولا قصر
وكل أمرء يوماً ملاق حمامه وإن بانت الدعوى وطال به العمر
وأمّا مالك بن مر وأبن حري على المشهور الحنطلي التميمي فقد أستشهد بصفين مع مولانا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع)، أمّا نصر بن مزاحم فقال أبن مر، ونصه(1): عن أبي الصلت بن خارجة: إن تميماً لما ذهبت تنهزم ناداهم مالك بن مر النهشلي: ضاع الضراب اليوم والذي أنا له وسائر القوم عبد يابني تميم. فقالوا: ألا ترى الناس قد أنهزموا؟! فقال هلم: أفراراً وأعتذاراً؟ قال له بنوا تميم: أفتنادي بنداء الجاهلية، إن هذا لا يحل. قال: فالفرار ويحكم أقبح، إن لم تقاتلوا على الدين واليقين فقاتلوا على الأحساب، ثم أقبل يقاتل وهو يقول:
إن تميماً أخلفت عنك أبن مر وقد أراهم وهم الحي الصبر
فإن تخيموا أو تفروا لا أفر
وأتفق العسقلاني مع أبن قتيبة على أنه أبن حري(2) ذكره في الإصابة في موضعين(3) في ترجمته وفي أخيه نهشل، وهذا لفظه: نهشل أبن حري بن ضمر أبن جابر بن قطن بن نهشل بن دارم بن مالك بن حنظلة بن زيد مناة بن تميم. قال المرزباني: شامي شريف مشهور مخضرع، بقي إلى أيام معاوية وكان مع علي (ع) في حروبه وقتل أخوه مالك بصفين وهو يومئذ رئيس بني حنظلة وكانت رايتهم
1ـ وقعة صفين: 135.
ـ والجمع ممكن لأن كثيراً من العرب من له إسمان وثلاثة كعبد الله بن الصمة فارس هوزان وسلمى نزال المضيق العامري كل واحد منهما ثلاثة، وضمرة الثاني جد مالك له إسمان: ضمرة وشقه، ومالك هو أبن مر وحري.
3ـ الإصابة 3/486 و 3/586.
(9)

معه، ورثاه نهشل بمراثي كثيرة منها قوله من قصيدة:
وهون وجدي عن خليلي أنني إذا شئت لا قيت أمرءاً مات صاحبه
ومن يرى بالأقوام يوماً يرى به معيرة يوم لا توارى كواكبه
قال: وأبه شاعر شريف، وجده ضمرة سيد ضخم الشرف، وجد جده ضمرة شاعر شريف فارس وكان من خير بيوت بني دارم، إنتهى.
وسقط من كتابه ضمرة الثاني وهو ضمرة بن ضمرة فأثبته فإنّه في ترجمة مالك مذكور: ضمرة بن ضمرة، وكذلك أبن قتيبة في الشعر والشعراء(1) أسقط ضمرة الثاني، وكلام الإصابة يدل على تكراره فإنّه قال: وكان إسم جده ضمرة شقة ودخل على النعمان فقال: من أنت؟ فقال: شقة بن ضمرة، فقال: تسمع بالمعيدي لا أن تراه، فقال: أبيت اللعن إنما المرء بأصغريه: قلبه ولسانه؛ إن نطق نطق بيان، وإن قاتل قاتل بجنان، قال: أنت ضمرة بن ضمرة يريد: إنك كأبيك ألخ، وكذلك قال الميداني في مجمع الأمثال وغيره فإثبات ضمرة بن ضمرة متعين.
ومن شعر نهشل الذي ذكره أبن قتيبة في الشعراء قوله:
إنا بنو نهشل لا تدعي لأب عنه ولا هو بالأبناء يشرينا
وحيث أنه خارج عن غرضنا ندعه لمن رواه، فمن رثائه لأخيه مالك ورواه نصر بن مزاحم:
تطاول هذا الليل ما كاد ينجلي كليل تمام ما يريد صراما
فبت لذكري مالك بكآبة أؤرق من بعد العشي نياما
أبا جزعي في مالك غير ذكره فلا تعذليني إن جزعت أماما
سأبكي أخي ما دام صوت حمامة يؤرق من وادي البطاح حماما
1ـ الشعر والشعراء: ص242.
(10)

وأبعث أنواحاً عليه بسحرة وتذرف عيناي الدموع سجاما
وأدع سراة الحي يبكون مالكاً وأبعث نواحاً يلتدمن قياما
يقلن ثوى رب السماحة والندى وذو عزة بأبي لها فتضاما
وفارس خيل لا تساير خليه إذا أضطرمت ناد العدو ضراما
وأحي عن الفحشاء من ذات كلة يرى ما يهاب الصالحون حراما
وأجرأ من ليث بخفان مخدر وأمضي إذا رام الرجال صداما
فلا يرجون ذو أمة بعد مالك ولا جار إلا المنشقاة علاما
وقل لهموا لا يرحلوا الأدم بعده ولا يرفعوا نحو الجياد لجاما
ورثاه بقوله:
أبكي الفتى الأبيض البهلول شبهه عند النداء فلا نكسا ولا جزعا
أبكي على مالك الأضياف إذ نزلوا عند الشتاء فعز الرسل فانجدعا
ولم يجد لقراهم غير مربعة من العشار يرجى تحتها ربعا
أهوى لها السيف ردأ وهي راتعة فأوهن السيف عظم الساق فانقطعا
فجائهم بعد رقد الحي أطيبها وقد كفى منهموا من غار وأضطجعا
يا فارس الروع يوم الروع قد علموا وصاحب العزم لا نكساً ولا طبعا
ومدرك النيل في الأعداء يطلبه فإن طلبت بنيل عنده منعا
قالوا أخوك أتى الناعي بمصرعه فارتاع قلبي غداة البين وأنصدعا
ثم أرعوى القلب شيئاً بعد طيرته والنفس تعلم أن قد أيقنت وجعا
لم يكن هذان العربيان ممن أمضت بهما مصيبته فقد الأخ الشقيق الفائق الممتاز بخصاله وحدهما ولا مستهما لوعة فراق الحميم المبجل دون غيرهما بل هناك رجال كثير من رجال العرب قد مستهم تلك اللوعة الممضة وذاقوا تلك الجرعة المرة فأحتسوا صابها المر الممزوج بذعاف ممعر فندبوا إخوتهم أشجى
(11)

ندبة وأستعبروا لفقدهم بعبرة لاذعة، واستشعروا الحزن والوجد لإجلهم؛ فمنهم من أخرجه الجزع عن سمت الوقار، ومنهم تدرع الصبر ولبس جلباب التجلد وإن عظمت المصيبة وأمضت الفادحة كفا للعاطفة الجامحة وزما لهما بزمام الوقار، والجاماً لها بما ندبت إليه الشريعة الغراء المحمدية من الصبر الجميل أحتساباً بالأجر المضاعف وخلوداً إلى ما يرومه الشرف من التمادح بالسلوة وإن جل الفادح وعظمت الرزية.
فهذا سيد الشهداء قدوة الصابرين وإمام المتجلدين الحسين بن علي (ع) ينفض يده من تراب قبر الزكي المؤتمن أبي محمد الحسن (ع) ويفيض عينه سجلاً أو سجلين فيقوم قائماً على قبره حزيناً مكتئباً فيقول:
أأدهن رأسي أم تطيب مجالسي وخدك معفور وأنت سليب
وأستمتع الدنيا بشيء أحبه ألا كل ما أدنى إليك حبيب
فما زلت أبكي ما تغنت حمامة عليك وما هبت صبا وجنوب
وما هملت عيني من الدمع قطرة وما أخضر في دوح الحجاز قضيب
بكائي طويل والدموع غزيرة وأنت بعيد والمزار قريب
غيرب وأطراف البيوت تحوطه ألا كل من تحت التراب غريب
فلا يفرح الباقي خلاف الذي مضى وكل فتى للموت فيه نصيب
وليس حريب من اُصيب بماله ولكن من وارى أخاه حريب
ولم تزل العرب مجبولة على نياحة الإخوة النبلاء الذين جمعوا محاسن الأخلاق وحازوا مرايا الحمد وتقمصوا الفضيلة وخلعوا الرذيلة ولكن من لم يكن كالحسين (ع) الوقور في القدرة على إمساك العاطفة والتسلط على قهر القوة النفسية الجياشة الطائشة فهو يذهب في الجزع كل مذهب ويرد من الهلع كل مورد، ويجري في غلوائه مطلق العنان بدون حد إلى غير أمد وغاية، ويذهب في
(12)

أفانين الحزن لغير تجديد ونهاية فقد دوت في التاريخ العربي صرخة مهلل على أخيه كليب وائل، ورن صدى نوح صخر بن الشريد على أخيه معاوية، وشاعت أناشيد دريد بن الصمة على شقيقه عبد الله وغير هؤلاء، ومن أشراف العرب وزعمائهم حتى هبت العاصفة النكراء بجزيرة العرب يد الخلافة فأطاحت أسطوانة مد آل يربوع وهدمت ركن شرفهم وقلعت دعام عزهم القوي مالك بن نويرة غدراً فدوت صرخة أخيه متمم بن نويرة في أرجاء الجزيرة العربية وحتى همست في اُذن الخلافة وإن تصاممت وقد أخرجت هذه الفادحة متمماً عن شعوره وأذهلته عن أحساسه وإن لم تصل به درجة الجنون فكان كلما مر بقبر بكاه وإن لم يعرف المرموس فيه ولم يدري ما قصته حتى عيب بذلك وليم فيه فأجاب فوراً بقوله:
وقالوا أتبكي كل قبر وجدته لميت ثوب بين اللوى فالدكادك
فقلت لهم إن الأسى يبعث الأسى دعوني فهذا كله قبر مالك
وحيث كنا قد أفردنا لمالك بن نويرة كتاباً جمعنا فيه ما وصل إلينا من مراثي أخيه متمم له تركنا ذكرها هنا ونورد العينية التي ماها الأصمعي وأن سلام وأبن عبد ربه وغيرهم أم المراثي برواية المفضل في مختاره من شعر العرب الذي أختاره للمهدي العباسي أبن المنصور الدوانيقي وتعرف هذه المجموعة بالمفضليات، وهذا نص عينية متمم بن نويرة(1) في رثاء مالك أخيه:
لعمري وما دهري بتأبين هالك ولا جزع مما أصاب وأوجعا
لقد كفن المنهال تحت ردائه فتى غير مبطان العشيات أروعا
ولا برم تهدي النساء لعرسه إذا القشع من حس الشتاء تضعضعا
1ـ المفضليات 1/31.
(13)

لبيباً أعان اللب منه سماحة حصيباً إذا ما راكب الجدب أوضعا
تراه كصدر السيف تهتز للندى إذا لم تجد عند أمرء السوء مطمعا
ويوماً إذا ما كظك الخصم إن يكن نصيرك منهم لا تكن أنت أضيعا
وإن تلقه في الشرب لا تلقي فاحشاً على الكأس ذاقا ذروة متزبعاً(1)
وإن ضرس الغز والرجال رأيته أخا الحرب صدقاً في اللقاء سميدعا
وما كان واقافا إذ الخيل أحجمت ولا طائشاًَ عند اللقاء مدقعا(2)
ولا بكهام سيفه عن عدوه إذا هو لا قى حاسراً أو مقنعاً
فعيني هلا تبكيان لمالك إذا أذرت الريح الكثيب المرفعا
وللشرب فأبكي مالكاً ولبهمة شديد نواحيه على من تشجعا
وضيف إذا أرغى طروقاً بعيره وعان ثوى في القد حتى تكنعا(3)
وأرملة تمشي بأشعث محثل كفرخ الحباري ريشه قد تمزعا
إذا أبتدرت القوم القداح وأوقدت لهم ناراً يسار كفى من تضجعا
إذا أبتدر الأيسار لم يلفى مالك على الفرث يحمي اللحم أن يتمزعا
أبى الصبر آيات أراها وإنني إرى كل حبل بعد حبلك أقطعا
وأبى متى ما أدع بأسمك لم تجب وكنت جديراً أن تجيب وتسمعا
وعشانا بخير في الحياة وقبلنا أصاب المنايا رهط كسرى وتُبعا
وكنا كندماني جذيمة حقبة من الدهر حتى قيل لن يتصدعا
فلما تفرقنا كأني ومالكاً لطول أجتماع لم نبت ليلة معا
فإن تكن الأيام فرقن بيننا فقد بان محموداً أخي حين ودعا
1ـ تزبع: تغيظ وعربد وساء خلقه؛ قاله في القاموس.
2ـ المدقع: الهارب والمسرع؛ قاله في القاموس.
3ـ كنع: يبس وتشنج؛ قاله في القاموس.
(14)

أقول وقد طار السنا في ربابه وجون يسح الماء حتى تريعا
سقى الله أرضاً قبر مالك ذهاب الغوادي المدجنات فأمرعا
وآثر سبل الواديين بديمة ترشح وسيما من النبت خروعا
فتجتمع الأسدام من حول شارع فروى جبال القريتين فضلفعا
فو الله ما أسقى البلاد لحبها ولكنني أسقى الحبيب المودعا
تحيته مني وإن كان نائياً وأمسى تراباً فوقه القاع بلقعا
تقول أبنة العمرى مالك بعد ما أراك حديثا ناعم البال أقزعا
فقلت لها طول الأسا إذ سألتني ولوعة حزن تترك الوجه أسفعا
وفقد بني أم تداعوا فلم أكن خلافهموا إن أستكين وأضرعا
ولكنني أمضي على ذاك مقدماً إذا بعض من يلقي الحروب تكعكعا
وغيرني ما نال قيساً ومالكاً وعمراً وجزاً بالمشقر ألمعا
وما غال ندماني يزيد وليتني نميلته بالمال والأهل أجمعا
وإني وإن هازلتني قد أصابني من البث ما يبكي الحزين المفجعا
ولست إذا ما الدهر أحدث نكبة ورزء أبزوار القرائب أخضعا
فعيدك أن لا تسمعيني ملامة ولا تنكئي قرح الفؤاد فيبجعا
فقصرك إني قد شهدت فلم أجد بكفي عنهم للمنية مدفعا
فلا فرحاً إن كنت يوماً بغبطة ولا جزعاً مما أصاب فأوجعا
فلو أن ما ألقى أصاب متالعاً أو الركن من سلمى إذاً لتضعضعا
وما وجد أظئار ثلاث رواتم أصبن مجرا من حوار ومصرعا
يذكرن ذا البث الحزين ببثه إذا حنت الاُولى سجعن لها معا
إذا شارف منهن قامت فرجعت حنيناً فأبكى شجوها البرك أجمعا
بأوجد مني يوم قام بمالك مناد بصير بالعراق فأسمعا
(15)

ألم تأت أخبار المحل سراتكم فيغضب منكم كل من كان موجعا
بمشمته إن صادف الحتف مالكاً ومشهده ما قد رأى ثم ضيعا
وآثرت هدماً باليا وسوية وجئت بها تدوي بريداً مقزعا
فلا تفرحن يوماً بنفسك إنني أرى الموت وقاعاً على من تشجعا
لعلك يوماً أن تلم ملمة عليك من اللائي يد عنك أجدعا
نعيت أمرءاً لو كان لحمك عنده لآواه مجموعاً له او ممزعا
فلا يهنئي الواشين مقتل مالك فقد آب شانيه إياباً فودعا
إنتهى، وله عينية اُخرى وأختارها المفضل أيضاً منها هذه الابيات:
لعمري لنعم المرء يطرف ضيفه إذا بان من ليل التمام هزيع
بذول لما في رحله غير رمحه إذا أبرز الخور الروائع جوع
إذا الشمس أضحت في السماء كأنها من المحل حصن قد علاه ردوع
وله مراثي كثيرة اُطلبها من كتابنا ((فارس ذل الخمار مالك بن نويرة)).
وللأخ بحسب الفطرة والأرتكاز الجبلي وقع ومحل يوحي بأختياره وأنتخابه من سائر طبقات الأرحام، فقد أورد في الرياض الخزعلية قصة وإن عدها المتجددون اُسطورة وساء كانت واقعية صحيحة أو خيالية عن تمثيل قصصى فإنها تفيد صحة الأختيار الفطري والأنتخاب الجبلي بمراجعة الشعور والألتفات إلى الوجدان، ونصها(1):
إن الضحاك بن قيس كان ملكاً من أحسن الملوك سيرة وأصفاهم سريرة فتزيا له إبليس لعنه الله بصورة آدمي ودخل عليه فزعم أنه يجيد طبخ الأطعمة فضمه الملك إلى نفسه ووكله على طعامه وصار كل يوم يهيئ له من أطائب الأطمعة
1ـ الرياض الخزعلية 1/311.
(16)

ولذائذ الأعذية ما يعجز عنه غيره، فلما أعجب المالك فعله قال له يوماً: إقترح على ما تريد لاُكافئك على ما أسديته إليّ. فقال له إبليس لعنه الله: تمنيت عليك أن اُقبل كتفيك، فأعجبه ذلك وأجابه وحسر عن بدنه ثيابه فقبل لوحي كتفيه وفر من بين يديه، فخرج من موضع قبلته سلعتان كأنهما حيتان، فلما علم أنه إبليس لعنه الله قال: قد قتلتنا فما دواهما يالعين؟ قال أدمغة الآدميين، فمد الملك يد الفتك ولأجل الأدمغة أستعمل السفك، فضج الناس من ذلك وبعده وقع الأتفاق على أن يقترع فمن وقعت عليه القرعة ذبح وأخذ دماغه وغذى به الحيتان.
ففي بعض الأدوار خرجت القرعة على ثلاثة أنفار فاُخذوا وحُبسوا لوقت الحاجة فوقفت للضحاك أمرأة وضيئة وأستغاثت وقالت: ثلاثة أنفار من دار لا صبر لي عنهم ولا قرار، حاشى السلطان يرضى بهذا العدوان، ولدي كبدي وزوجي معتمدي وأخي عضدي والكل مسجون ليسقى كأس المنون. فرق لها الضحاك وقال: لا يعمهم الهلاك فأختاري واحداً من ثلاث: فقالت: أختار أخي، فسألها الضحاك عن سبب أختيارها لأخيها دون ولدها وابي بنيها، فقالت: إني مرغوبة وللأزواج مطلوبة فإن راح زوجي فعنه بدل، وإذا حصل الزوج وجد الولد وحصل، فتهيا الغرض وحصل العوض، وأما الأخ الشقيق فما عنه عوض في التحقيق لأن أبوينا ماتا وفاتا وصارا تحت الأرض رفاتا فهذا ما أدت إليه أفكاري ووقع عليه أختياري. فأستحسن الضحاك منها هذا الكلام ووهبها الثلاثة ومع زيادة الإنعام، إنتهى.
وهذا الضحاك يعرفه التاريخ بالعربي صاحب الحيتين والتأريخ الفارسي بالأزدهاق البيوراسب(1).
1ـ نظير قصة هذه المرأة ما ذكره الحافظ السيوطي في الكنز المدفون ص 50: قيل لأمرأة: أسر الحجاج زوجها وأبنها وأخاها: أختاري أيهم شئت؟ فقالت: الأخ فإن الزوج موجود، والإبن مولود، والأخ مفقود، فقال الحجاج: قد عفوت عنهم بحسن كلامها فلولا هي من نسب ما نطقت بهذا الكلام، إنتهى.
(17)

وهذه الأمرأة العاقلة والاُنثى الحازمة أدركت بفطنتها ما يعجز عن إدراكه بعض من لهم لحى وشوارب، وقد علل الشاعر العربي أن الأخ لا يخلف كما قالت هذه المرأة وليس هو تحت قدرة المكتسب بخلاف المال فإنه إذا ذهب يعاد بالأكتساب، ويسترجع بالكد والتحصيل وغيرها من الأسباب فلذلك قال:
يمضي أخوك فلا تلقى له خلفاً والمال بعد ذهاب الأصل مكتسب
وعد لقمان الحكيم مصيبة الأخ من قواصم الظهر ما أحتسب ما عداه من مصائب الأقارب غنيمة من أعظم الغنائم، فقد قرأنا في أخباره إنه قدم من سفر له طويل فلقي غلاماً له في بعض الطريق فقال له: ياغلام! ما فعل أبي؟ قال: مات، قال: ملكت أمري. قال: ما فعلت زوجتي؟ قال: ماتت، قال: جدد فراشي. قال: ما فعلت اُمي؟ قال: ماتت، قال: أسترحت من عقوقها، ما فعلت اُختي؟ قال: ماتت؟ قال: سترت عورتي، ما فعل ولدي؟ قال: مات، قال: يجيء غيره. قال: ما فعل أخي؟ قال: مات، قال لقمان: الآن أنكسر ظهري، إنتهى. وقد قال هذه الكلمة بعينها سيد الشهداء أبو عبد الله الحسين (ع) حين وقف على أخيه العباس (ع).
في أسرار الشهادة(1): في حديث فأتاه الحسين كالصقر إذا أنحدر على فريسته ففرقهم يميناً وشمالاً بعد أن قتل من المعروفين سبعين رجلاً فجاء نحو العباس (ع) وهو ينادي: وا أخاه! وا عباساه! الآن أنكسر ظهري وقلت حيلتي، ثم أنحنى عليه ليحمله ففتح العباس (ع) عينيه فرأى أخاه الحسين (ع) يريد أن يحمله فقال له: إلى أين تريد يا أخي؟ فقال: إلى الخيمة، فقال: يا أخي! بحق جدك
1ـ أسرار الشهادة: ص321.
(18)

رسول الله (ص) عليك أن لا تحمليني، دعني في مكاني هذا، فقال (ع) لماذا؟ قال: لأني مستح من أبنتك سكينة وقد وعدتها بالماء ولم آتها به، والثاني إني كبش كتيبتك ومجمع عددك فإذا رآني أصحابك وأنا مقتول فربما يقل عزمهم، فقال الحسين (ع): جزيت عن أخيك خيراً حيث نصرته حياً وميتاً، قال: فوضعه على مكانه ورجع إلى الخيمة يكفكف دموعه بكمه، فلما رأوه مقبلاً أتت إليه أبنته سكينة ولزمت عنان جواده وقالت: ياابتاه! هل لك علم بعمي العباس؟ أراه أبطاً وقد أوعدني بالماء وليس له عادة أن يخلف وعده، فهل شرب ماءاً وبل غليله ونسى ما ورائه؟ أم هو يجاهد الأعداء؟ فعندها بكى الحسين (ع) وقال: يابنتاه! إن عمك العباس قد قتل وبلغت روحه الجنان، فلما سمعت زينب (ع) صرخت ونادت: وا أخاه! وا عباساه! وا قله ناصراه! وا ضيعتنا بعدك! فقال لها الحسين (ع): إي والله وا ضيعتنا بعده! وإنقطاع ظهراه! فجعلت النساء يبكين ويندبن عليه، وبكى الحسين (ع) معهن ألخ.
وفي مصائب المعصومين(1): فأنقلب عن فرسه وصاح إلى أخيه الحسين (ع): أدركني، فقال الحسين (ع): الآن أنكسر ظهري وقلت حيلتي، فلما أتاه رآه صريعاً على شاطئ الفرات، فبكى ومثله في مقتل العوالم(2).
وقد رثاه بذلك الشعراء حاكين مقالة الحسين، فمنها قول بعضهم:
فمشى إليه السبط ينعاه كسرت الآ ن ظهري يا أخي ومعيني
والسيد جعفر الحلي قال:
ما خلت بعدك ان تشل سوادي وتكف باصرتي وظهري يقصم
1ـ مصائب المعصومين: ص360.
2ـ عوالم العلوم: ص95.
(19)

وحقيق أن يكون فقد الأخ الكريم من قواصم الظهر لأنه العضد والساعد والناصر والمساعد، والعدة للحرب، والسلاح للكفاح، لم يرض العربي الصميم بأن يعد الأخ عوناً فقط ولا مسعداً فحسب بل ترقى وعده مع ذلك عدة للنوائب وسلاحاً للخطوب، وإن الوحيد المنفرد من الإخوة كالأعزل الذي لا سلاح له وهو في خطة الحرب وحومة ميدان القتال، فقال:
أخاك أخاك إن من لا أخاً له كساع إلى الهيجا بغير سلاح
بيد أن مطمح الأنظار ومحط أفكار النبلاء من الإخوة من كان مستكملاً للصفات الجميلة ومستجمعاً للكمالات، ومن تتبع أحوال الرجال وسبر مزاياهم لم يجد نظيراً للعباس بن أميرالمؤمنين (ع) فإن له أكمل منزلة ورقى بمزاياه الرتبة العليا ونال الدرجة السامية، وما سطر في الجزء السابق من محاسنه ليبرهن على أنه الأسمى في أندية الفخار رتبة، والأعلى في صف المقدمين مرتبة، وكرسيه الأول في قاعات المفاخر، وله الصدر في منتدى الفضائل، ولذلك أذرى عليه الحسين (ع) وهو الصبور عبرته ورقرق وهو المتجلد دمعته أمام أعين الشامتين وبمرأى من الكاشحين، ومن دونه رتبة قد قال:
وتجلدي للشامتين اُريهموا إني لريب الدهر لا أتضعضع
فما أرخص الحسين (ع) عليه دمعته الغالية إلا لعظمته، ولا بذل عبرته النفيسة إلا وهو أنفس شيء يعده الإنسان المحترم، وقد كان (ع) اولى من الحمداني بقوله:
لقد كنت أولى منك بالدمع حسرة ولكن دمعي في الحوادث غالي
وصبر الحسين (ع) وتجلده في كل مأساة وفادحة ونكبة مؤلمة مما لا يصل إليه الواصل ولا تستطيع تلمسه يد المتناول، وقد قيل فيه:
لله درك ياصبور على الأذى ولأنت أقدر قادر يتخلص
(20)

لكن جلالة الفقيد وعظمة الراحل أجرت تلك العبرات العزيزة وأرسلت تلك الدمعة الغالية كما أجرت مدامع سيد الكائنات رسول الله (ص) أصبر الخلق على المصائب وأجلدهم عند صدمات النوائب مصيبة عمه حمزة يوم اُحد، ومصيبة أبن عمه جعفر يوم مؤتة؛ فمن بكاء رسول (ص) على عمه حمزة وأبن عمه جعفر، وبكاء الحسين (ع) على أخيه العبّاس عرفنا أن لهؤلاء الشهداء الثلاثة رتبة عالية ومحل سامي، وقد وقف رسول الله على عمه حمزة وأبنه بكلمات لاذعة وألفاظ موجعة تأخذ من القلب مأخذها وتجيء في التأبين إن شاء الله.
والحسين (ع) أبن العباس (ع) بكلمات محزنة يحترق بلذعتها القلب وتجري بسماعها الدمعة الحارة، منها ما رواه في أسرار الشهادة(1) بقوله: وفي رواية اُخرى: فضربه رجل منهم بعمود حديد ففلق هامته وأنصرع عفيراً على الأرض يخور بدمه وهو ينادي: يا أبا عبد الله! عليك مني السلام. فلما سمع الإمام قال: وا أخاه! وا عباساه! وا مهجة قلباه! ـ إلى أن قال: ـ فبكى بكاء شديداً حتى بكى جميع من كان حاضراً، وقال (ع): جزاك الله مع أخ خيراً لقد جاهدت في الله حق جهاده، وزاد الطريحي في المنتخب يعد هذه الألفاظ: يعز علي والله فراقك، وإنه اُغمي عليه من شدة البكاء وقد عرفت أنه غير ملوم لأن المفقود عظيم.
وما زالت قاعدة الفلاسفة وأشراف العرب إذا وقف الواقف منهم على جنازة رئيس أو مر على قبر زعيم ألقى كلمات التأبين التي تعلق بالخاطر وتؤثر بالقلب الرقيق أثراً وتأخذ من النفس مأخذها وهي وإن أختلفت أساليبها فلفلسفي يتحرى كلمات الوعظ، والعربي يختار ألفاظ التقريض لكنها بمجموعها تقال
1ـ أسرار الشهادة: ص323.
(21)

تنويها بذي الشأنية والسمو وتلقى أمام نعش أو ضريح نابغة مشهور كما تأبين الفلاسفة للأسكندر(1).

تأبين النبي (ص) لعمه حمزة بن عبد المطلب:

قال الحلبي الشافعي في سيرته(2) بعد ذكر شهادة حمزة (ع): فجاء رسول الله (ص) نحو عمه حمزة فوجده ببطن الوادي قد بقر بطنه ومثل به فجدع أنفه واُذناه، فنظر رسول الله (ص) إلى شيء لم ينظر إلى شيء قط كان أوجع لقلبه منه وقال: لن اُصاب بمثلك ما وقفت موقفاً أغيظ لي من هذا، وقال (ص): رحمة الله عليك فإنك كنت ما علمتك فعولاً للخيرات، وصولاً للرحم، أما والله لأقتلن بسبعين من قريش.
ثم ذكر(3) عن أبن مسعود (رض): ما رأينا رسول الله (ص) باكياً أشد من بكاه على عمه حمزة (رض) وضعه في القبلة ثم وقف على جنازته وأنتصب حتى نشق أي شهق حتى بلغ به الغشي يقول: ياعم رسول الله وأسد الله وأسد رسول الله! يا حمزة يافاعل الخيرات! ياحمزة ياكاشف الكربات! ياحمزة ياذاب يا مانع عن وجه رسول الله ألخ.
للمؤلف:
لئن بكى حمزة شجواً وأبنه محمد يوم اُحد ظاهر الكمد
وقال يا فاعل الخيرات أجمعها وكاشف الكرب عني كشف مجتهد
فذا أبو الفضل يوم الطف أبنه بحرقة سبط هادي الخلق للرشد
1ـ راجع مروج الذهب 1/180.
2ـ السيرة الحلبية 3/ 295.
3ـ السيرة الحلبية 3/260.
(22)

وحمزة الخير إن اُذناه قد جدعت وأنفه قطعت في كف ذي نكد
فذا أبو الفضل سهم الكفر قد نبتت بالعين منه وطارت منه كل يد
ومخ يافوخه قد سال مختلطاً مع النجيع لضرب الرأس بالعمد
فإن اُصيب رسول الله في اُحد يعمه حمزة الهدار كالأسد
فسبطه فاقد بالطف خير أخ وفلذة للحشا أسماه بالولد
وإخوة وبنين لا شبيه لهم حتى الرضيع قضى في سهم ذي نكد
يوم الطفوف فلا تحكيه فاجعة من الفواجح أو حلت على أحد

تأبين النبي (ص) لولده إبراهيم (ع):

يذكر الحلبي في سيرته(1) في حديثه قال: لما أحتضر إبراهيم (ع) جاء (ص) فوجده في حجر اُمه فأخذه وجعله في حجره وقال: يا إبراهيم! إنا لن نغني عنك من الله شيئاً، ثم ذرفت عيناه وقال: إنا بك يا إبراهيم لمحزونون، تبكي العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب، ولولا أنه وعد صادق وموعود جامع إن الآخر منا يتبع الأول وجدنا عليك يا إبراهيم شديداً ما وجده، ولولا أنه أمر حق ووعد صدق وأنها سبيل مأتية لحزنا عليك حزناً شديداً. و(2) ذكر أنه لما مات كان (ص) مستقبلاً للجبل فقال: ياجبل! لو كان بك مثل ما بي لهدك ولكن إنا لله وإنا اليه راجعون، إنتهى.
للمؤلف:
فإن كان ما بالمصطفى سيد الورى بصم الرواسي هدها وهي الشم
1ـ السيرة الحلبية 3/347.
2ـ نفسه 3/348.
(23)

على فقد إبراهيم فلذة قلبه وقد مات حتف الأنف ما مسه كلم
فما حال سبط المصطفى يوم كربلاء وكم قد هوى في الترب من آله نجم
وكل تسيل النفس منه على الضبا وما مرضته ظئره لا ولا أُم
فذا وزعته المشرفية في الوغى وذا شك منه النحر في حجره السهم
وكلتاهما يقضي ولم يسقي شربة من الماء حيث الماء تروى به البهم

تأبين الحسين لأخيه الحسن (ع):

في تأريخ الحافظ أبن عساكر الشافعي(1): وقف الحسين (ع) على قبر أخيه لما مات فقال: رحمك الله أبا محمد أن كنت ناصراً للحق وتؤثر الله عند مداحض الباطل في مكان التقية بحسن الروية، وتستشف جليل معاظم الدينا بعين حاذرة، وتقبض عليها بيد طاهرة، وتردع ما يريده أعداؤك بأيسر المؤونة عليك، وأنت أبن سلالة النبوة ورضيع لسان الحكمة، فإلى روح وريحان وجنة نعيم، فأعظم الله لنا ولكم الأجر عليه ووهب لنا ولكم السلوة وحسن الأساة عليه ألخ.

تأبين محمد بن الحنفية لأخيه الحسن (ع):

فأبن عساكر يذكره عقيب كلام الحسين(2)وأبن عبد ربه في العقد الفريد(3) ونصهما: وقف محمد بن الحنفية يؤبن الحسن الزكي (ع) فخنقته العبرة ثم نطق فقال: يرحمك الله أبا محمد فلئن عزت حياتك فقد هدت وفاتك، ولنعم الروح روح ضمه بدنك، ولنعم البدن بدن ضمه كفنك، وكيف لا تكون كذلك وأنت بقية
1ـ تاريخ مدينة دمشق 4/337.
2ـ نفسه 4/227.
3ـ العقد الفريد 2/163.
(24)

ولد الأنبياء وسليل الهدى وخامس أهل الكسا، غذتك أكف الحق وربيت في حجر الإسلام، فطبت حياً وطبت ميتاً، وأن كانت أنفسنا غير طيبة بفراقك ولا شاكة في الخيار لك، إنتهى.
وفي مفتاح الأفكار للشيخ أحمد مفتاح مدرس الإنشاء بقسم العلمين العربي بالمبتديان(1): رحمك الله يا أبا محمد فلئن عزت حياتك لقد هدت وفاتك ولنعم الروح روح تضمنه بدنك، ولنعم الجسد جسد تضمنه كفنك، ولنعم الكفن كفن تضمنه لحدك، وكيف لا تكون كذلك وأنت سليل الهدى وخامس أصحاب الكسا وخلف أهل التقى، جدك النبي المصطفى، وأبوك عليّ المرتضى، وأمك فاطمة الزهراء، وعمك جعفر الطيار في جنة المأوى، غذتك أكف الحق، وربيت في حجر الإسلام ورضعت ثدي الإيمان، فطبت حياً وطبت ميتاً، فلئن كانت الأنفس غير طيبة بفراقك أنها غير شاكة أن قد خير لك وأنت وأخاك لسيد شباب أهل الجنة، فعليك يا أبا محمد منا السلام.

تأبين فاطمة الزهراء (ع) لأبيها رسول الله (ص):

عن أنس قال: لما فرغنا من دفن رسول الله (ص) أقبلت علي فاطمة (ع) فقالت: يا أنس! كيف طابت أنفسكم أن تحثوا على وجه رسول الله (ص) التراب؟ ثم بكت ونادت: يا أباتاه! أجاب رباً دعاه، يا أبتاه! من ربه أدناه، يا أبتاه! إلى جبرائيل أنعاه، يا أبتاه! جنة الفردوس مأواه، ثم سكتت فما زادت شيئاً.

تأبين أمير المؤمنين (ع) لخباب بن الأرت:

وخباب بن الأرت من قدماء الصحابة أسلم بعد ستة نفر فهو سادس الإسلام
1ـ مفتاح الأفكار 1/148.
(25)

لا كما يقال من أنه سعد بن أبي وقاص، وخباب ممن عذب في الله وشهد مع أمير المؤمنين (ع) وتوفي قبل رجوع أمير المؤمنين (ع) من صفين بثمانية أيام ودفن بظهر الكوفة (النجف) فوقف (ع) على قبره وقد دفن بالظهر فقال: رحم الله خباباً لقد اسلم راغباً وجاهد طائعاً وعاش مجاهداً وابُتلي في جسمه أحوالاً ولن يضيع الله أجر من أحسن عملاً.

تأبين أمير المؤمنين عليّ (ع) لفاطمة الزهراء (ع):

لما فرغ من دفنها (ع) هاج به الحزن فالتفت إلى قبر رسول الله (ص) وقال: السلام عليك يارسول الله عني وعن أبنتك النازلة في جوارك، السريعة اللحاق بك، قل يارسول الله عن صفيتك صبري ودق عنها تجلدي إلا أن لي في التأسي بعظيم فرقتك وفادح مصيبتك موضع تعز، فلقد وسدتك في ملحودة قبرك وفاضت بين صدري ونحري نفسك فإنا لله وإنا إليه راجعون، قد أسترجعت الوديعة واُخذت الرهينة، فأما حزني فسرمد، وأما ليلي فمسهد إلى أن يختار الله لي دارك التي أنت فيها مقيم، وستنبئك أبنتك بتظافر اُمتك على هضمها فاحفها السؤال وأستخبرها الحال، هذا ولم يطل العهد ولم يخلق منك الذكر والسلام عليكما سلام مودع لا قال ولا سئم، إن أنصرف فلا عن ملالة، وإن أقم فلا عن سوء ظن بما وعد الله الصابرين، إنتهى عن نهج البلاغة، وتروى بألفاظ هي أطول من هذا ونقلها تطويل.

تأبين الخضر لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع):

رحمك الله يا أبا الحسن، الزيارة المعروفة في ليلة إحدى وعشرين من شهر رمضان فأطلبها من كتب الزيارات.
(26)

تأبين فرغانة للأحنف:

هي فرغانة بنت أوس بن حجر شاعر بني تميم في الجاهليه والأحنف بن قيس التميمي أحد بني سعد الحليم المشهور ذكرها المبرد في الكامل والجاحظ في البيان والتبيين(1) ونصه: قامت فرغانة بنت أوس بن حجر على قبر الأحنف بن قيس وهي على راحلة فقالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، رحمك أبا بحر من مجن في جنن، ومدرج في كفن، فو الذي ابتلانا بفقدك وبلغنا يوم موتك لقد عشت حميداً ومت فقيداً، ولقد كنت عظيم الحلم، فاضل السلم، رفيع العماد، واري الزناد، منيع الحريم، سليم الأديم، وإن كنت في المحافل لشريفاً، وعلى الأرامل لعطوفاً، ومن الناس لقريباً، وفيهم لغريباً، وإن كنت لمسوداً، وإلى الخلفاء لموفداً، وإن كانوا لقومك مستمعين، ولرأيك لمتبعين، ثم أنصرفت، إنتهى.

تأبين جبار بن سلمى نزال المضيق لأن عمه عامر بن الطفيل:

قد ترجمنا لهؤلاء في الجزء الأول من هذا الكتاب وهذا التأبين ذكره المبرد في الكامل والميداني في مجمع الأمثال(2) ولفظه: مر جبار بن سلمى بن مالك بن جعفر بن كلاب بقبر عامر بن الطفيل وقد كان غاب عن موته فقال: ما هذه الأنصاب؟ فقالوا: نصبناها على قبر عامر بن الطفيل، فقال: ضيقتم على أبي علي وأفضلتم منه فضلاً كبيراً، ثم وقف على قبره وقال: أنعم ظلاماً أبا علي لقد كنت تشن الغارة وتحمي الجارة، سريعاً إلى المولى بوعدك بطيئاً عنه بوعيدك، وكنت لا تضل حتى يضل النجم، ولا تهاب حتى يهاب السيل، ولا تعطش حتى يعطش
1ـ البيان والتبيين 2/241.
2ـ مجمع الأمثال 2/22.
(27)

البعير، وكنت والله خير ما كنت تكون حين لا تظن نفس بنفس خيراً، ثم ألتفت إليهم وقال: فهلاً جعلتم قبر أبي علي ميلاً في ميل؟! إنتهى.

تأبين النجاشي الحارثي:

وهو شاعر أهل العراق في حرب صفين. قال المبرد في الكامل(1): رغبة الآمل وقف رجل على قبر النجاشي فترحم وقال: لولا إن القول لا يحيط بما فيك والوصف يقصر دونك لأطنبت بل لأسهبت، ثم عقر ناقته على قبره وقال:
عقرت على قبر النجاشي ناقتي بأبيض عضب أخلصته صياقلة
على قبر من لو أنني مت قبله لهانت عليه عند قبري رواحله

تأبين بني اُميه لعبد الله الجواد بن جعفر الطيار:

قال أبو الفرج في الأغاني(2): الأصمعي عن الجعفري قال: لما مات عبد الله بن جعفر شهده، أهل المدينة كلهم وإنما كان عبد الله بن جعفر مأوى المساكين وملجأ الضعفاء فما تنظر إلى ذي حجى إلا رأيته مستعبراً قد أظهر الهلع والجزع، فلما فرغوا من دفنه قام عمرو بن عثمان يعني أبن عفان فوقف على شفير القبر فقال: رحمك الله يابن جعفر إن كنت لرحمك واصلاً، ولأهل الشر لمبغضاً، ولأهل الرياسة لقالياً، ولقد كنت فيما بيني وبينك كما قد الأعشى:
رعيت الذي قد كان بيني وبينكم من الود حتى غيبتني المقابر
فرحمك الله يوم ولدت ويوم كنت رجلاً ويوم مت ويوم تبعث حياً، والله لئن كانت هاشم اُصيبت بك لقد عم قريشاً كلها هلك فما أظن أن يرى بعدك مثلك.
1ـ الكامل للمبرد 8/344.
2ـ الأغاني 11/66.
(28)

فقام عمرو بن سعيد الأشدق فقال: لا إله إلا الله الذي برأ الأرض ومن عليها وإليه ترجعون، ما كان أحلى العيش بك يابن جعفر وما أسمج ما أصبح بعدك لو كانت عيني دامعة على أحد لدمعت عليك، كان والله حديثك غير مشوب بكذب، وودك غير ممزوج بكدر.
فوثب أبن المغيرة أبن نوفل ولم يثبت الأصمعي أسمه فقال: ياعمرو! بمن تعرض بمزج الود وشوب الحديث أفبابني فاطمة (ع) فهما والله خير منك ومنه؟! فقال: على رسلك يالكع أردت أن اُدخلك معهم، هيهات لست هناك والله لو مت أنت ومات أبوك ما مدحت ولا ذممت فتكلم بما شئت فلم تجد لك مجيباً، فحُجز بينهما وأنصرفوا، إنتهى.
لن يترك الأشدق جبار بني اُميه عدواته للحسن والحسين (ع) وهو القائل عند قتل الحسين (ع) شامتاً برسول الله (ص): يامحمد! يوم بيوم الحفض المجور، واعية كواعية عثمان وتمثل:
عجت نساء بني زياد عجة كعجيج نسوتنا غداة الأرنب
اُصيبت أعرابية بابنها وهي حاجة فلما دفنته قامت على قبره وقالت: والله يا بني لقد غذوتك رضيعاً، وفقدتك سريعاً، وكأن لم يكن بين الحالين مدة ألتذ بعيشك فيها فأصبحت بعد النضارة والغضارة ورونق الحياة والتنسم في طيب روحها تحت أطباق الثرى جسداً ورفاتاً سحيقاً صعيدأً جرزاً، بُني! لقد سحبت الدينا عليك أذيال الفنا، وأسكنتك دار البلا، ورمتني بعدك نكبة الردى، أي بني! لقد أسفر لي عن وجه الدينا صباح داج ظلامه.
ثم قالت: أي رب منك العدل ومن خلقك الجور، وهبته لي قرة عين تمتعني به كثيراً بل سلبتنيه وشيكاً ثم أمرتني بالصبر ووعدتني عليه الأجر فصدقت وعدك ورضيت قضائك فرحم الله من ترحم على من أستودعته الردم ووسدته الثرى،
(29)

اللهم أرحم غربته وآنس وحشته وأستر عورته يوم تكشف الهنات والسوءات.
فلما أرادت الرجوع إلى أهلها قالت: أي بني! إني قد تزودت لسفري فليت شعري ما زادك لبعد طريقك ويم معادك، اللهم إني أسألك له الرضا برضائي عنه، ثم قالت: أستودعك من أستودعنيك في أحشائي جنيناً وأثكل الوالدات ما أمض حرارة قلوبهن وأقلق مضاجعهن وأطول ليلهن وأقصر نهارهن وأقل اُنسهن وأشد وحشتهن وأبعدهن من السرور وأقربهن من الأحزان، إنتهى.

تأبين أبي ذر الغفاري لولده ذر:

روى الثقة الجليل عليّ بن إبراهيم القمي في تفسيره من قصة مطولة تشرح قصة طرد عثمان لأبي ذر من المدينة إلى الربذة قال: ومات أبنه ذر بها فوقف على قبره فقال: رحمك الله يا ذر لقد كنت حسن الخلق، باراً بالوالدين، وما علي في موتك في غضاضة، وما لي إلى غير الله من حاجة وقد شغلني الأهتمام لك عن الأهتمام بك، ولولا هول المطلع لأحببت أن أكون مكانك فليت شعري ما قالوا لك وما قلت لهم، ثم قال: اللهم إنك قد فرضت لك عليه حقاً وفضرت لي عليه حقاً فإني قد وهبت ما فرضت لي عليه من الحقوق فهب له ما فرضت له عليه من الحقوق فإنك أولى بالحق وأكرم مني ألخ.

تأبين الحجاج الثقفي لأخيه محمد وأبنه محمد وقد هلكا جميعاً في يوم واحد:

ونذكر قصص هؤلاء لأن في الحديث (الحكمة ضالة المؤمن) عند الفاسق يأخذها حيث وجدت أو ما هذا معناه.
في مفتاح الأفكار(1): وخطب الحجاج حين اُصيب بولده وأخيه: أيها الناس!
1ـ مفتاح الأفكار 1/189.
(30)

محمدان في يوم واحد، أما والله لقد كنت اُحب أنهما معي في الدنيا مع ما أرجو لهما من ثواب الله في الآخرة، وأيم الله ليوشكن الباقي منا ومنكم أن يفنى والجديد منا ومنكم أن يبلى، والحي منا ومنكم أن يموت، وإن تدال الأرض منا كما أدلنا منها فتأكل لحومنا وتشرب من دمائنا كما مشينا على ظهرها وأكلنا من ثمارها وشربنا من مائها ثم يكون كما قال الله تعالى (ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون) (1) ثم تمثل بهذين البيتين:
عزائي نبي الله عن كل ميت وحسبي ثواب الله عن كل هالك
إذا ما لقيت الله عني راضياً فإن سرور النفس فيما هنالك
إنتهى، وبم عدو الله يلقى الله عنه راضياً؟ أبإحراق بيته الحرام وهدمه لحياطنه حين رماه بالمنجنيق؟ أم بقتله أولياء الله والفقهاء والزهاد؟ أم لحسبه النساء مع الرجال وغير ذلك من الفضائع التي أرتكبها؟

تأبين عمر بن عبد العزيز المرواني لأنبه عبد الملك:

هلك أبنه عبد الملك وكان له خير عضد وكان عوناً له على رد مظلم بني اُميه يشجعه على الإقدام في الإنصاف منهم.
قال الجاحظ في البيان والتبيين(2): عن زياد بن حسان إنه شهد عمر بن عبد العزيز حين دفنه أبنه عبد الملك فلما سوى عليه قبره بالأرض وجعلوا على قبره خشبتين من زيتون أحدهما عند رأسه والاُخرى عند رجليه ثم جعل قبره بينه وبين القبلة وأستوى قاعداً وأحاط به الناس قال: رحمك الله يابني فقد كنت براً بأبيك وما زلت مذ وهبك الله لي بك مسروراً ولا والله ما كنت مسروراً بك
1ـ يس: 51.
2ـ البيان والتبيين 2/270.
(31)

ولا أرجى لحظي من الله فيك منذ وضعتك في الموضع الذي صيرك الله إليه فغفر الله لك ذنبك وجازاك بأحسن عملك وتجاوز عن يسئاتك ورحم الله كل شافع يشفع لك بخير من شاهد وغائب، رضينا بقضاء الله وسلمنا لأمره فالحمد لله رب العالمين، إنتهى.

تأبين الحوراء زينب بنت أمير المؤمنين لأخيها الحسين (ع):

وقد مروا بهن على جثث القتلى حيث جعلوا طريقهم على المعركة ليضاعفوا الأحزان على مخدرات الوحي والرسالة.
ذكر الدربندي في أسرار الشهادة(1) والسيد أبن طاوس في الملهوف(2) والطبري المؤرخ وأختصرها وهذا نص المختصر في تأريخه(3): عن قرة بن قيس الحنظلي قال: نظرت إلى تلك النسوة لما مررن بحسين وأهله وولده صحن ولطمن وجوههن. قال: فأعترضتهن على فرس فما رأيت منظراً من نسوة قط كان أحسن من منظر رأيته منهن ذلك والله لهن أحسن من مهى يبرين فما نسيت من الأشياء لا أنسى قول زينب أبنة فاطمة (ع) حين مرت بأخيها الحسين (ع) صريعاً وهي تقول: يامحمداه! يامحمداه! صلى عليك ملائكة السماء، هذا حسين بالعراء، مزمل بالدماء، مقطع الأعضاء، يامحمداه! وبناتك سبايا، وذريتك مقتلة تسفي عليها الصبا. قال: فأبكت والله كل عدو وصديق، إنتهى.
أماالدربندي فلفظه في مرور الحرم على مصارع الشهداء من آل الرسول (ص): إعلم إن المستفاد من أخذ جامع الأخبار والروايات هو أن مرور النساء على
1ـ أسرارا الشهادة: ص467.
2ـ الملهوف: ص262.
3ـ تاريخ الطبري 6/ 262.
(32)

مصارع الشهداء كان في اليوم الحادي عشر من المحرم بعد الزوال لأن ذلك الوقت كان وقت أرتحال عمر بن سعد لعنه الله مع عسكره من كربلاء إلى الكوفة ثم قد أختلفت أقوال أصحاب المقاتل في أن ذلك المرور هل كان بلطب من النساء والتماسهن ذلك أو كان ذلك عدواة وعناداً من أبن سعد؟ فأكثر أصحاب المقاتل قد صاروا إلى ألأول والبعض منهم إلى الثاني.
فقال السيد في الملهوف: ثم أخرجوا الحرم من الخيمة واشعلوا فيها النار فخرجن حواسر مسلبات حافيات باكيات يمشين سبايا في أسر الذلة، فقلن: بحق الله إلا ما مررتم بنا على مصرع الحسين(ع)، فلما نظر النسوة إلى القتلى صحن وضربن وجوههن، قال الراوي: فو الله لا أنسى زينب بنت عليّ (ع) وهي تندب الحسين (ع) وتنادي بصوت حزين وقلب كئيب: يامحمداه! صلى عليك مليك السماء هذا حسين مزمل بالدماء، مقطع الأعضاء، وبناتك سبايا، إلى الله المشتكى وإلى محمد المصطفى وإلى علي المرتضى وإلى حمزة سيد الشهداء، يا محمداه! هذا حسين بالعراء تسفي عليه الصبا، قتيل أولاد البغايا، ياحزناه! يا كرباه! اليوم مات جدي محمد رسول الله، يا أصحاب محمد! هؤلاء ذرية المصطفى يساقون سوق السبايا.
وفي رواية: يامحمد! بناتك سبايا وذريتك مقتلة تسفي عليها ريح الصبا، هذا حسين محزوز الرأس من القفا، مسلوب العمامة والردا، بأبي من عسكره يوم الأثنين نهبا، بأبي من فسطاطه مقطع العرى، بأبي من لا غائب فيرجى ولا جريح فيداوى، بأبي من نفسي له الفدا، بابي المهموم حتى قضى، بأبي العطشان حتى مضى، بأبي من شيبته تقطر بالدما، بأبي من جده رسول الله إله السما، بأبي من هو سبط نبي الهدى، بأبي أبن محمد المصطفى، بأبي أبن خديجة الكبرى، بأبي أبن علي المرتضى، بأبي أبن فاطمة الزهراء سيد النساء، بأبي أبن من ردت له
(33)

الشمس حتى صلى، قال الراوي: فأبكت كل عدو وصديق.
ثم إن سكينة أعتنقت جسد أبيها فأجتمع إليها عدة من الأعراب حتى جروها عنه.
هذا ما في الملهوف، وأما ما في بعض الكتب المعتبرة فهو ما روي عن عبد الله أبن أويس عن أبيه أنهم جاؤوا بالنساء عناداً وعبروا بهن على مصارع القتلى من آل الرسول فلما رأت أم كلثوم أخاها الحسين (ع) تسفي عليه الرياح وهو مكبوب ومسلوب وقعت من أعلى البعير إلى الأرض وأحتضنت أخاها وهي تقول ببكاء وعويل: يارسول الله! اُنظر إلى جسد ولدك ملقى على الأرض بغير دفن، كفنه الرمل السافي عليه، وغسله الدم الجاري من وريديه، وهؤلاء أهل بيته يساقون اُسارى في أسر الذل ليس لهم من يمانع عنهم، ورؤوس أولاده مع رأسه الشريف على الرماح كالأقمار، يامحمد المصطفى! هذه بناتك سبايا وذريتك مقتلة.
فما زالت تقول هذا القول حتى أبكت كل صديق وعدو حتى رأينا دموع الخيل تتقاطر على حوافرها، وساروا بها وهي باكية حزينة لا ترقى لها دمعة ولا تبطل لها عبرة.
ثم ذكر(1) ما لفظه: روى بعضهم أنه كان للحسين (ع) بنت صغيرة وكانت بين تلك السبايا جالسة حول أبيها قابضة على كتفه وكفه في حضنها فتارة تشم كتفه وتارة تضع أصابعه على فؤادها وتارة على عينها وتأخذ من دمه الشريف وتخضب شعرها ووجهها وهي تقول: وا أبتاه! قتلك أقر عيون الشامتين وسر المعاندين، يا أبا عبد الله! ألبستني بنو اُمية ثوب اليتم على صغر سني، يا أبتاه! إذا أظلم الليل من يحمي حماي، يا أباتاه! اُنظر إلى رؤوسنا المكشوفة وإلى أكبادنا الملهوفة وإلى عمتي المضروبة وإلى اُمي المسحوبة.
1ـ أسرار الشهادة: ص468.
(34)

قال فذرفت عند ندبتها العيون، فأتاهم زجر اللعين وقال: إن الأمير نادى مناديه بالرحيل فهلموا وأركبو، فأتت البنت إلى السائق اللعين فوقعت بين يديه وقالت: ياهذا! سألتلك بالله وجدي رسول الله (ص) أنتم اليوم تقيمون أو ترحلون؟ قال: بل راحلون، قالت: ياهذا! إذا عزمتم على الرحيل سيروا بهذه النسوة وأتركوني عند والدي فإني صغيرة السن ولا أستطيع الركوب فأتركوني عند والدي أبكي عليه فإذا مت عنده سقط عنكم ذمامي ودمي، فدفعها عنه وأبعدها منه.
فلاذت بأبيها سيد الشهداء روحي له الفداء وأستجارت به فأتى إليها وجذبها من عند أبهيا فقالت له: ياهذا! إن لي أخاً صغيراً فدعني اودعه، فأمهلها فتخطت خطوات قليلة لأنه كان قريباً من أبيه (ع) فلما وقعت عيناها عليه تحسرت ثم إنها لثمته لثمات متتابعات ثم أجلسته ووضعته في حضنها وجعلت فيها على نحره الشريف ونادت: ياأخي! لو خيروني بني المقام عندك أو الرحيل عنك لا خترت المقام ولو أن السباع تأكل لحمي فها أنا راحلة عنك غير جافية لك، وهذه نياق الرحيل تتجاذبنا على المسير قد أتونا بها مهزولة لا موطئة ولا مرحولة، وناقتي يا أخي مع هزلها صعبة الأنقياد فلا أدري أين يريد بنا أهل العناد فأقرأ جدي علي المرتضى وجدتي فاطمة الزهراء عني السلام وقل لهما: اُختي شاكية إليكما حالها قد خرموا اُذنيها وفصموا خلخالها، ثم إنها وضعت فمها على شفتيه وقبلت خديه فأتاها السائق اللعين فجذبها عنه وأركبها قهراً، فلما ركبت الناقة التفتت إلى أبيها وقالت: يا أبة! ودعتك الله السميع العليم وأقرؤك السلام ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، إنتهى.
للمؤلف:
إنما هذه اليتيمة أشجت كل قلب بندبة وعويل
حين مروا بها بجسم أبيها حوله خير فتية وكهول
(35)

أعولت عنده وقالت دعوني عنده لا اُحب عنه رحيلي
أتركوني أبكي أبي وشقيقي نور عيني عسى أبل غليلي
ولو أن السباع تأكل من لحمي لا اُبالي في قرب خير سليل
أنهضوها عن جسم والدها الــ ـبر بضرب السياط والتنكيل
ثم لاذت به وما رحموها شر قوم وعصبة وقبيل
فإستغاثت بالسبط وهو صريع بدموع دفاقة كسيول
أبتا ما ترى صنيع عداكم سلبوني من بعد قرطي حجولي
كلما مررت بهذه الحادثة يتفتت كبدي لوعة وينصدع قلبي حرقة، إنها ولا اُغالي لو قلت من القصص المروعة والحكايات المحزنة التي تثير اللوعة وتبعث الشجا وتستدر الدمعة وتستدعي العبرة ولعل مستغرباً يستغرب مثل هذه القصة ويعدها من ضروب الاقاصيص، أما الشكاك والمنحرف فندعه وعقيلته السخيفة التي قادته إلى التشكيل في مسلمات التأريخ وقطعياته، أما غير هذه المتعجرف وسوى هذا المتطرف إذ يرتاب فيها من ناحية صدور هذه البلاغة ووقوع هذه الإبانة العجيبة الأسلوب من طفلة صغيرة السن فلا ريب أن هذه المستريب جاهل بأهل البيت النبوي وما خصهم الله به من الذكاء الفطري وجبلهم عليه من الإفصاح.
للمؤلف:
إن كانت الطفلة في سنها صغيرة فالعقل منها كبير
لأنها تنمى إلى دوحة فيحاء تزهو وسط روض نضير
فروعها خير شباب الورى وحيدر الأصل وطاها البشير
أوراقها تزهو وأغصانها تسبق إذ تسقى بخير وخير
ينمو به الفرع ويزهو كما تزهو النباتات بماء نمير
بيان هذي البنت إرث لها من صاحب الإسرا أتى والغدير
(36)

من يستحق التأبين عند الناس:

لا ريب أن التأبين وهو تعداد محاسن الميت كماعرفوه إنما يستحقه العظيم من الناس لشرفه وسؤدده ولأعماله الصالحة ولمآثره الجميلة أو لأن له منزلة عظيمة من المحبة في قلب المؤبن فعند ذلك يلقي كلمات التوجع ويفوه بألفاظ التأسف ويظهر التفجع له.
ومن هنا تعرف إن للعباس (ع) عند أخيه الحسين (ع) أعظم المنازل وأسمى المراتب لمحبته إياه ولفرط إعجابه به لا من حيث الأخوة وإن كانت بعض المقتضي للمحبة بل من حيث الأعمال الصالحة والمآثر الكريمة والطباع الفاضلة والسجايا المحمودة، وإنه أعظم من ضحى نفسه أمامه وفاداه، وإنه أشدهم همة في المحامات عنه وأفضلهم شجاعة وأكثرهم براً وألفاظاً به، وأسرعهم قياماً بخدمته وأحسنهم إيثاراً له ومناصحة، فتلك الأسباب وغيرها أبنه بما سمعت وإلا فقد تسمع كمية من استشهد مع الحسين (ع) من إخوته ولعل عددهم يزيد على خمسة عشر وكل واحد منهم كان حبيباً إليه فما سمعنا أنه بكى على واحد منهم أو قال عند قتله: الآن أنكسر ظهري وقلت حيلتي وشمت بي عدوي على ما ذكره السيد هبة الدين الشهرستاني في النهضة الحسينية(1).
والفقيد الذي يوجب أفتقاده شماتة الأعداء وذهول الرئيس الحازم عن تدبير الحيلة في المصلحة الحربية المهمة في مقابلة العدو المتكالب لفقيد عظيم ومنزلته لا تقاس بها منزلة ورتبته لا ندانيها رتبة، وقد دل دلالة واضحة أن أثره في حياته كان كبيراً حتى يكون أهلاً لئن يوصف بهذه الأوصاف وإنما يشمت العدو بفقد
النهضة الحسينية: ص106
(37)

من يعد فقده كسراً في عدوه ووهناً عظيماً في ناحية خصمه.
ولست أستريب أن هذه الكلمات الثلاثة من سيد الشهداء وردت لبيان فضيلة العباس (ع) وكشف حقيقته المخفية على الجاهلين بقدره، وإن له منزلة عظيمة بل هي أعظم منازل الشهداء معه وأرفعها وأعلاها وهو مع ذلك فقد كان باب الحسين كما كان أمير المؤمنين علي أبوه باب رسول الله (ص) ومنزلته منه تلك المنزلة، فقد كان رسول الله (ص) يعد علياً (ع) لكل عظيمة ويدعوه عند كل نازلة ويختصه ويحبوه ويكرمه، وكذلك كان أبو الفضل العباس (ع) عند الحسين (ع) يعده لكل عظيمة ويدعوه لكل نازلة كما سمعت من حديث رد العسكر الزاحف إليه يوم التاسع وبعثه لجلب الماء من الفرات وأنتدابه لا ستنقاذ أصحابه الذين أقتطعهم جيش عمر بن سعد.
قال هبة الدين الشهرستاني في نهضة الحسين (ع)(1): كان الحسين (ع) مستميتاً ومستميت كل من كان معه، وكانت أنفسهم الشريفة متشربة من كأس التضحية وريانة من معين التفادي، وفي مقدمة هؤلاء أبو الفضل أكبر إخوة الحسين (ع) الممتاز في الكمال والجمال، وقمر بني هاشم، وحامل راية الحسين (ع)، وعقيد آماله في المحافظة على رحله وعياله لذلك شق على الحسين (ع) إن يأذن له بالبراز إلى الأعداء ألخ.
للمؤلف:
قل لأبي الفضل عليه السلام شبل علي الطهر مولى الأنام
فدتك نفسي ونفيسي معاً يابن إمام وأخاً للإمام
نلت على رغم العدى رتبة مقامها في العز أسمى مقام
1ـ نهضة الحسين : ص 104.
(38)

قد كنت باب أبن نبي الهدى وركن جيش السبط عند الخصام
والجيش بالركن كما حققوا يقوي إذا أتقن عقد النظام
وتحمل الراية قدامه تضرب بالسيف وجوه الطغام
نظمت بالرمح الكلي طاعناً وناثراً بالسيف أيد وهام
تنفض كالصقر ولكنما صيدك صيد القوم دون الحمام
أوصلت فالليث سطى مغضباً مستبدل الأنياب حد الحسام
فلا يلام السبط لما مضى محدوب الظهر يؤم الخيام
إن الأخ الناصح فقدانه ليقصم الظهر أشد أنقصام
لو سيم بالدنيا لما باعه ومن سمى الأقران أنى يسام
وإن من كنت له ناصراً يابن علي أبداً لن يضام
(39)

الوضائف السامية التي للعباس الأكبر عند الإمام الحسين (ع)

وهذه الوظائف التي نلم بها هي من أعظم الوظائف في عصر الحضارة والمدينة والتي تلحظها الدول الحرة والممالك الراقية بعين الأحترام والتبجيل بما لها من عناية وما لها من ميزة خاصة، فالشخص الذي يحظى بواحدة من هذه الوظائف يكون له الكرسي الأول في صف كراسي أعيان الدولة ويقابله عاهل الأمة مقابلة التشريف ويختصه بالعناية الزائدة فما ظنك بمن حظى بهذه الوظائف الأربعة وحازها كلها وحمل أوسمتها أجمع ذاك من لا يقاس به إنسان في شعبه واُمته.
وحيث كان الحسين بن علي (ع) ملك الدنيا والآخرة وسلطانها بعد جده وأبيه وأخيه عليهم الصلاة والسلام من الوجهتين السياسيتين: سياسة الآخرة والدنيا؛ فالسياسة الدينية فيهما واحدة من جهة أتجاهها أتجاهاً مستقيماً حقيقاً على معدل واحد من حيث النظام والتشكيل الذي يقتضيه حفظ النظام العسكري وإن أختلفت المقاصد والأغراض وتباينت الغايات والأهداف.
فالملك السياسي الدنيوي غايته وهدفه أستقامة الملك ومقصده سلامة الدولة والسلطنة وحفظ كيانها وتركيز سيطرتها وتعميم نفوذها الخارجي الاستعماري.
والملك السياسي الديني مقصده الأسمى وغرضه الوحيد حفظ نظام الدين وغايته حماية الملة وحراسة الشريعة عن التغيير والتبديل وتوسيع نطاق الدعوة إليه بأساليبه السلمية إلا أن تضطره الظروف إلى أتخاذ وسائل الحرب.
(40)

(العباس (ع) سفير الحسين (ع))

وحيث كان الهدف واحد والمنحى واحد وهو المحافظة على بقاء النظام وحفظه لأجل أستدامة السلطة الحكومية التي يتوصل بها إلى إشادة ما قصد له دينياً كان المقصود أو دنياوياً لا بد له حينئذ من دعاية لأجل جذب النفوس إليه بواسطة السفارة أو من ينوب عن تلك الدولة، ولا يقوم بهذه الوظيفة المهمة إلا رجل مثقف محنك ذا تجربة ومهرة فنية قد درس السياسة درساً متقناً وألم بالعلوم إلماماً كافياً مع كونه شديد الإخلاص لدينه وأميره ووطنياً قحاً متفانياً في ترقي دولته وحكومته إن كان سياسياً دنياويا صرفا عاقلا حكيماً يمثل أميره وإمامه تمثيلاً بديعاً ويصوره بأحسن تصوير على كلا الحالين وبدون فرق بين المصلح الديني والأمير السياسي المحض وهو المعبر عنه السفير أو وزير الخارجية أو القنصل، إذ ربما تجتمع هذه الألقاب وربما تنفرد كما ستعرف.
أما قدماء العرب من المسلمين فيطلقون عليه إسم الوالي الخاص أحياناً والوكيل والداعي أحياناً ويعنون به نائب الخليفة والسلطان عند الحكومات الأجنبية أو في داخلية البلاد للاُمور الخاصة، وقد يكون مثلاً لأمته وشعبه وسفيراً عن حكومته خارج المملكة وهو بهذا الأسم وربما أطلقوا عليه إسم الرسول.
وهذه الوظيفة بأي معانيها اُخذت وبأي سميتها سفارة أو نيابة أو ولاية كانت لمسلم بن عقيل بن أبي طالب (ع) فإنه كان نائب الحسين (ع) في الكوفة وسفيره عند أهل العراق.
(41)

وقد يكون السفير سفيراً في المسائل الخاصة ما بين الملك وشعبه أو بينه وبين دولة أجنبية ويحدد له الملك تلك المسألة الخاصة تحديداً لا تجاوزه فيحمل إليهم رسائله وخطاباته المتضمنة لإرادته ويطلعه على أسراره وهذه الوظيفة كانت للعباس بن علي (ع)، ومن المهم في هذا المقام التعريف بالسفارة ما هي ولأي شيء تراد ومحلها عند الدولة الحرة والحكومات المتمدنة وحيث إنا كتبنا في كتابنا السياسة العلوية فصلا مطولاً في السفارة نختصره هنا ونورد ما يحتاج إليه القارئ.

معرفة السفارة وأول تسميتها بهذا:

هذه تسمية إسلامية وأول من سماها بذلك كتاب الله القرآن المجيد فإنه أول من عرف الواسطة بين شخص وآخر وأدى الرسالة إلى آخر سفيراً فقال تعالى في صفة الملائكة: (في صحف مكرمةٍ* مرفوعة مطهرةٍ* بأيدي سفرةٍ* كرام بررةٍ)(1) ثم تلته السنة النبوية كما جاء في الحديث الشريف أن النبي (ص) عرف جبرائيل (ع) أمين الوحي أنه سفير الوحي ولم تكن الاُمم ولا العرب تعرف هذا الأسم إنما كانوا يعرفونه بالرسول والواسطة وأمثال ذلك.

أشتقاق السفارة:

حيث أن هذا اللفظ مادة عربية مستعملة في معنى الإيضاح أشتق منها هذا لمناسبة بينهما لأن السفير يوضح مقاصد منتدبة وتلك المادة إما تكون هي ألإسفار إذ يقال أسفر الصبح إذا وضح او من السفور وهو رفع الحجاب، يقال: أمرأة سافرة يعني واضحة المنظر لا يسترها حجاب ولا نقاب، وتسمية الملائكة سفراء بهذين المعنيين صحيح إما لأنهم أسفروا للحق بنزولهم على الأنبياء بالوحي فأوضحوه
1ـ عبس: 13 ـ 16.
(42)

لهم أو لأنهم رفعوا نقاب الشك وقناع التشكيك عن وجه الشرائع المنزلة من الله على الأنبياء فقد أظهر والحق وأبرزوه، واُطلق على الواسطة الوساطة بين اثنين أو نوعين في مشروع ديني أو سياسي معتبر والملائكة وسطاء بين الخالق والمخلوق في تبليغ الأحكام على الخالق تعالى إلى مخلوقاته وقد ذكرنا معنى سفارة الملائكة في كتانا ((السياسة العلوية)) فأطلبه إن أردت الإحاطة به.

كيف أشتقت السفارة من المعنى اللغوي؟

قال الفيومي في المصباح المنير(1): سفرت الشمس طلعت سفراً من باب ضرب، وسفرت بين القوم أسفر بينهم ـ بالكسر ـ أصلحت فأنا سافر وسفير.
وقيل: الوكيل ونحوه سفير، والجمع سفراء، وكأنه مأخوذ من قولهم سفرت الشيء سفراً من باب ضرب إذا كشفته وأوضحته لأنه يوضح ما ينوب فيه ويكشفه، وسفرت المرأة سفوراً كشفت وجهها فهي سافر، وأسفر الصبح إسفاراً أضاء، وأسفر الوجه إذا علاه جمال.
وقال أبن الأثير في النهاية(2) في الحديث الماهر بالقرآن مثل السفرة وهم الملائكة جمع سافر، والسافر في الأصل الكاتب سمي به لأنه يبين الشيء ويوضحه ومنه قوله تعالى (بأيدي سفرةٍ)
وفي القاموس: سفر الصبح يسفر أضاء وأشرق كأسفر، والحرب ولت والمرأة كشفت عن وجهها فهي سافر، وسفر بين القوم أصلح يسفر ويسفر سفراً وسفارة وسفارة فهو سفير، وقال بعد كلام: والسفراء الكتبة جمع سافر، والملائكة يحصون الأعمال.
1ـ المصباح المنير 1/173.
2ـ النهاية 3/164.
(43)

وفي مجمع البحرين(1): السفر: ـ بالكسر ـ الكتاب يسفر عن الحقائق، والسفير الرسول بين القوم يزيل ما بينهم من الوحشة، والسفارة ـ بالكسر ـ الرسالة فالرسول والملائكة والكتب مشتركة في كونها سافرة عن القوم بما أشبته عليهم.
وفي الحديث: حق إمامك عليك في صلاتك بأن تعلم أنه تقلد السفارة أي الرسالة بينك وبين ربك، إنتهى.
يريد أن إمام الجماعة واسطة بين المأموم وربه، وقد قال الفقهاء: إنه يحتمل صلاة المأموين ويضمن الخلل الواقع في الصلاة ما عدى الإخلال بالطهارة.

معاني السفير:

يتحصل لنا من مجموع الأقوال أن للسفير ستة معان:
أحدها: إن السفير هو الرسول وهو واسطة التبليغ.
الثاني: إن السفير هو الوكيل وهو النائب في أمر خاص أو عام.
الثالث: إن السفير هو الكاتب المختص بوظيفة المخصص لشأن مهم.
الرابع: المصلح وهو الساعي وفي إخماد ثورة أو تسكين مشاغبات بين عشيرتين أو حكومتين أو شعب وحكومة.
الخامس: المفسر المتكفل بيان ما أشكل من الاُمور الغمضة وإيضاح المواد المبهمة من الاحكام الشرعية والحقوقية السياسية الكاشف عن دقائقها ومخبآتها وخفاياها كشفاً مقبولاً.
السادس: الشخص البارز بصورة ترفع التلبيس والظاهر بصفة تزيل التشكيك كالصبح المسفر بما يزيل الشك عن إقبال طلوع الشمس، ومن هذا القسم
1ـ مجمع البحرين: ص304.
(44)

الملائكة الذين ينزلون بالوحي الإلهي من الله تعالى على الأنبياء فإنهم يبرزون لهم بحقائق منكشفة توجب القطع والعلم اليقيني بأنهم ملائكة صالحون من ملائكة الله تعالى واُمنائه على وحيه وإيحائه قد أستودعهم سر وحيه وأختصهم بالسفارة بينه وبين الأنبياء بحيث تزول الأسترابة ويحصل اليقين بأنهم هم وليسوا من المبلسين على أرباب الكهانة المتلبسين بالشيطنة المستولين بوساوسهم على كثير من الإنس كما ينبئ عن ذلك صفة نزول الوحي على رسول الله (ص) أول ما نزل عليه جبرائيل (ع) وما قاله رسول الله (ص) لخديجة اُم المؤمنين وما قاله بن نوفل لخديجة (ع) لما سألته عما أخبرها به رسول الله (ص) فقال ورقة: أمتحنيه فإذا دخل عليه الملك فليخبرك وأكشفي عن رأسك فإن ثبت فهو شيطان وإن توارى فهو ملك، ففعلت فلم يره رسول الله (ص) فأخبرت ورقة بذلك فقال: أبشري فإنه يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى وعيسى (ع) والقصة بطولها في سيرة النبي (ص).
وكما أن من هذا القسم سفرة الوحي الإلهي وهم الملائكة كان من القسم الثالث الملائكة الكتبة أو الكرام الكاتبون الذين يكتبون الأرزاق والأعمال والآجال وما يتجدد من أوامر وما يكون في المستقبل من حوادث.
ومن القسم الخامس أئمة الهدى وهم الإثنى عشر من ألإمام عليّ بن أبي طالب (ع) إلى الإمام الثاني عشر المهدي المنتظر عجل الله فرجه وأوصياء الأنبياء وسائر حفظة النواميس الإلهية ومبيني مشكلات الشرائع المقدسة لعامة المكلفين من حيث أنهم مستودعوا الشرع الأقدس ومستحفظوا الأسرار.
ومن القسم الثاني الملائكة الكروبيون او زعماء النوع الروحاني والجسم الشفاف النوراني وهم الرؤساء الأربعة جبرائيل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل فكل واحد منهم كان وكيلاً خاصاً على اُمور خصصه لها الباري تعالى ووظائف
(45)

وظفه لها وعينه للقيام بها وهذه الاُمور مبسوطة في كتب الحديث والتفسير فراجعها، ومن هذا القسم من النوع الإنساني الجثماني الكثيف سفراء الدول اليوم لاُمور خاصة ورسل الملوك السابقين كما يقال: أرسل الخليفة إلى ملك الروم رسولاً أو بالعكس.
أما القسم الأول فيقسم هكذا فيقال الرسول مرة يكون روحانياً ملكاً كما يقال لجبرئيل رسول الله إلى الأنبياء والرسل على جهة العموم، وميكائيل وإسرافيل في اُمور خاصة يرسلهم الله تعالى إلى بعض المرسلين وقد قال الشاعر في شعره المعمى:
شهدت بأن الله ليس بخالق وأن رسول الله ليس من البشر
وأن علياً لم يكن بأبن عمه ومن شك في هذا المقال فقد كفر
توضيح الرمز في هذا المعمى: الخالق هنا البالي فيقول: الله ليس ببالي من باب خلق الثواب إذا بلى، ورسول الله وهو جبرائيل ليس من البشر، وعلي لم يكن بأبن عم جبرائيل (ع).
ومرة يكون الرسول بشرياً جسمانياً وهو نوعان: رسول من الخالق إلى المخلوق، وهم الرسل من الأنبياء، ورسول من مخلوق إلى مخلوق وهذا نوعان: رسول في نشر الدعاية الإلهية بإرسال الرسول إياه وبعثه له بتنصيص منه عليه بأختياره له برايه وفكرته أو بواسطة الوحي إليه في إرساله كما يقال: رسل عيسى (ع) إلى أهل إنطاكية وقد حكى الله ذلك بقوله: (إذ أرسلنا إليهم أثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالو إنا إليكم مرسلون)(1) والرسل الذين لم يوح بإرسالهم كرسل النبي (ص) إلى ملوك الأطراف لدعايتهم إلى دين الإسلام كهرقل وكسرى والنجاشي والمقوقس وأمثالهم.
1ـ يس: 14.
(46)

وفرق بين هؤلاء وبين من كان أختيارهم بالوحي أن الذين أختارهم الرأي هم على ما عليه لا فضيلة لهم إلا بالمجاهدة والإخلاص للمرسل والنصح للدين والذي يختاره الوحي ملحق بالنبوة أو له منصب النبوة الخاصة فهم كالأوصياء للأنبياء فإن الأوصياء سفراء بين النبيين وبين اُممهم في حال حياتهم كما قال رسول الله (ص) في عزل أبي بكر عن تبليغ براءة: لا يؤدي عني إلا علي أو أنا، وبعد وفاتهم فالأئمة الإثنى عشر الذين نص على إمامتهم وأقامهم بعده للاُمة أعلاماً وجعلهم مناراً للمسترشدين وهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) وأحد عشر من ولده بينهم رسول الله (ص) بقوله: الأئمة بعدي إثنى عشر كلهم من قريش، وفي لفظ ((الأوصياء)) ما رواه جابر بن سمرة وغيره ودل عليهم بأحاديث الثقلين قائلاً: إنهم مع القرآن لن يفترقا، وقوله: لا تعلموهم فإنهم أعلم منكم، وقوله: عليّ مع الحق والحق مع علي وغيرها، وقد تحدى علي (ع) الناس معلناً: سلوني قبل أن تفقدوني، لم يجمع لجنة من الصحابة لأخذ الفتيا منهم ولم يقل أقيلوني، ولم يقل لولا.
ثم إن هناك أقوال صادقتها أفعال كقوله (ص): عليّ مني ولا يؤدي عني إلا رجل مني، وليس الغرض من هذا وأمثاله مما جرى مجراه مجرد القول الوارد مورد الأمتنان والتفضل فحسب بل المراد أن تلك النفس الزاكية الطيبة الصافية المصفاة كنفس النبي القدسية الممتلئة صفاء ونوراً في أهليتها وقابليتها، وأصرح من الجميع قوله (ص): أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي الذي لم يستثني من منازل هارون إلا النبوة فباقي الصفات ثابتة له.
ومنها السفارة بين الخالق والمخلوق وإن كان المقام متفاوتاً في التربية بأن كانت سفارة النبي (ص) بواسطة الوحي بجميع أنواعه فهي أجل وأكمل، وسفارة وصيه بواسطته وبواسطة الإلهمام الذي هو نوع من الوحي وهو أدق مراتب الوحي
(47)

ويقال لمن أتصف به المحدث والملهم ومنشأه صفاء النفس القدسية المجلوة بجلاء الحق والمصقول بصقال الحقيقة وطهارتها ونزاهتها عن دنس المأثم أفاظتا عليها العناية الإلهية سجالاً من الإفاضات العالية ولها من حيث كمال صفائها وصقلها التام أتصال بالعالم الأعلى وإن شئت أن تختصر فتقول: السفير محمد (ص) ونائب السفير علي (ع).
وأما الرسول من بشر إلى بشر لغير الدعاية الدينية بل لتمهيد القواعد السياسية ولدعوة سلمية أو لربط علائق ودية بني حكومتين وشعبين وضبط شؤون الدولة والمناقشة في أنظمة المملكة وتقرير الحقوق الدولية والمطالبة بما لها من الرسميات من أوسمة وأمتيازات أو لتأكيد رابطة السلام وتوطيد الأمن بين دولتين أو دول لمطالعة القوانين المسنونة جديداً ولها علاقة ببلاد السفير ومساس بشعبه وحكومته في سياستها الخارجية وهذا وأمثاله كثير من الاُمم قديمها وحديثها وهو ف الاُمم القديمة وإن لم يرتبط كما هو اليوم بنظام قانون ومشروع دستور مدني لكنه مقرر على اُصول يطالعها الرسول دارسة بما يرسمه المرسل أو يشافهه بما يريد لا يعدوه وهذا لا يقع تحت الضبط لكثرته كرسل ملوك بني اُمية إلى من عاصرهم من الملوك، وكرسلهم إلى قواد جيوشهم واُمراء ثغورهم وكذلك من تلاهم من ملوك بني العباس والفاطميين وغيرهم.
أما الثاني من الأقسام الثمانية فيتصور أيضاً على جهتين: أحدهما دينية والاُخرى دنيوية وقد تجمعهما معاً سياسة واحدة يقصد بها الأمرين جميعاً؛ فالسفارة الدينية الصرفة كإرسال رسول الله (ص) جعفر بن أبي طالب (ع) مع مهاجرة المسلمين إلى الحبشة لدعاية النجاشي ملك الحبشة إلى دين الإسلام، وكإرساله (ص) مصعب بن عمير العبدري إلى المدينة لنشر دعاية الإسلام فيها مع أسعد بن زرارة الخزرجي فأسفرت تلك السفارة عن أعظم النتائج بإسلام زعماء
(48)

الأنصار الأوس والخزرج مثل سعد بن معاذ الأوسي الأشهلي وسعد بن عبادة الخزرجي الساعدي وأمثالهما وهما اللذان سمع الهاتف يهتف بمكة:
فإن يسلم السعدان يمسي محمد بيثر لا يخشى خلاف مخالف
فيا سعد سعد الأوس كن أنت ناصر ويا سعد سعد الخزرجين الغطارف
أجيبا إلى داعي الهدى وتبوءا من الله في الفردوس زلفة عارف
وكإرسال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) إلى اليمن فأسفرت رسالته عن نتائج صالحة للإسلام، أسلمت همدان كلها في يوم واحد، وأسلمت مذحج والقبائل بعد مناوشات أعقبتها العاقبة الحميدة ورجع مولانا أمير المؤمنين (ع) ظافراً حميداً.
أما السفارة التي تجمع الجهتين الدينية السياسية فمثلها إرسال الحسين (ع) لأبن عمه مسلم بن عقيل إلى الكوفة رسولاً ينشر الدعاية إلى أهل البيت النبوي المضطهد تحت ضغط أحكام الجائرين وسلطة الجبارين من بني اُمية وينشر الدعاية إلى التعاليم الإسلامية الدينية التي سحقتها حكومة الأستبداد الأموي الصارم ويبث الدعاية إلى إقامة العدل وقمع العدوان الذي يقوم به عمال تلك الدولة الفاخرة، فقام بتعاليم تشبه أن تكون جديدة أو تظن جديدة لما ألفته الاُمة من سنن فرعونية وأنظمة هرقلية لأن الآثار النبوية وسننها العادلة قد محيت ودرست إلا من أفراد في غاية الندرة والقلة قد حافظوا على ديانتهم المحافظة المرضية.
ومن الوجهة السياسية إنه (ع) يتألف الزعماء كما تألفهم جده رسول الله (ص) ويتودد الأشراف الذين رسخوا على حب الإثرة والاستبداد وأعتقدوا محبة العاجل التافه وأنفوا من الرضوخ للحق لما زعموا أن فيه هضماً لكرامتهم وثلماً لسدة مجدهم فهو يتألفهم بما لا حرج عليه به في الدين ولم تحضره عليه الشريعة
(49)

الغراء كما تألف النبي (ص) قريشاً وزعماء العرب فلم يخرج (ع) في سيره عن خطة الإصلاح ولم يتجاوز مراسم الشرع الأقدس قيد شعرة فلذلك تراه لم يتخذ الفرصة غنيمة وإن حسب الجاهل أن تفويتها من قلة التدبير وعدم الخبرة بالسياسة وفقد المهارة والمقدرة على الإدارة، كل هذا النقد من سخافة الرأي وركة العقل أن يقول من الوهن والضعف إضاعة الحزم في الفتك بأبن زياد وقتله غيلة عندما دخل بيت هاني والمنع من الهجوم على قصر الإمارة والأقتحام حيث أمكن الأقتحام وكل هذه فرص قد أضاعها بعد أن مكنته من عدوه فلم يظفر بمثلها، هكذا يتخيل القادح القريب الغور المحدود الفكر، ولو كان محنكاً ذا تجارب وسبر غور الوقائع وتفطن لما يدركه الحازم بذكائه وإن لم يشرحه شرحاً مفصلاً علم إنه غير خفي على سفير الحسين (ع) وممثل سلطانه في تلك العاصمة الإسلامية المهمة وأن نتائج الظفر العاجل وأسباب الغلبة الفعلية قد تكاملت وإن التفوق والرجحان الوقتي قد لاحت إشاراته ودلائله لكنه (ع) نظار في العواقب بثاقب فكرة مستقبل بفطنته ما تتمخض به الأيام من اُحدوثة فهو يأبى لما لمحته عقيلته الصادقة ولمسه تفكيره الصائب أرتكاب الخطط الذميمة ويأنف من أقتحام العقبات المشرفة على الفضيحة وعار الأبد ويأنف له الشمم الهاشمي والأنفة العلوية نيل كل ذميم ممقوت لأن هذين الفعلين قد أقترنا بالغدر والجور في قتل الضعفاء ومن لا ذنب له من الصيبة والنساء الذين تحصن بهم وبهن أبن زياد واُناس حسبهم في القصر خوفاً منهم والجيش الظافر لا تؤمن معرته ويخاف بطشه وكم فيه من شباب طائش وكهل حاد النكاية شديد النقمة.
فنتكب عن تلك الخطة وسلك النهج القويم المعتدل لئلاً يقال فيه وفي الحسين (ع) أنهما طلاب دنيا وبغاة سلطنة وملك لا طلاب حق ودين وإلا لما أرتكب هذا الي نهت عند شريعة الإسلام وهجنته العقلاء وليس كل الناس يعلم
(50)