في سائر الحروب الدينيّة ليسوا كذلك لأنّ الشهداء مع رسول الله (ص) لم يظهر منهم ما ظهر من أولئك من الإقدام على المنيّة والاقتحام على الموت مع علمهم أنُهم لو تركوا لكانوا من مأمن ومنعة وموقفهم في صفّ الحسين (ع) لا يمنّيهم بالسلامة ولا يبشرّهم بالحيات أبداً، وأصحاب النبيّ (ص) دلائل الظفر عندهم لائحة وأمارات الغلب بهم واضحة والقرآن يخبرهم بذلك كما في بدر وخبير: (وّإَذْ يّعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتْينْ أَنَّهَا لَكُمْ)(1) و(وَعَدَكُمُ اللّه مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا)(2) والنبي (ص) يخبرهم بحسن العاقبة وسلامة النفس والظفر ومع ذلك يقولون: (وَّما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً)(3) فأين هؤلاء ممّن أذن لهم الحسين (ع) بالأنصراف وأخبرهم أنُهم يقتلون جميعاً فيقولون لو كانت الدنيا لنا باقية وكنّا فيها مخلّدين لآثرنا النهوض معك على الإقامة فيها، هؤلاء وأبيك جوهر الرجال ولباب الفضيلة.

المرتبة الثانية:

الإيثار بالقوت وهذا كثير جاهليّة وإسلاماً، فقد آثر حاتم الطائيّ بقوته وبات طاوياً وصنع غيره مثل صنعه من عرب الجاهليّة.
أمّا في الإسلام فقد آثر أهل بيت الرسول بأقواتهم وباتوا طاوين ثلاثاً فنزلت سورة ((هل أتى)) مدحاً وآية (ويؤثرون))، وآثر أمير المؤمنين (ع) أصحابه مراراُ عديدة كالمقداد وعمّار وغيرهما، وآثر أبو ذر رسول الله (ص) بالماء العذب مع شدّة عطشه، وآثر جماعة من الصحابة بعضهم بعضاً وهم صرعى بالماء مع شدّة
1ـ الأنفال: 7.
2ـ الفتح: 20
3ـ الأحزاب: 12.
(351)

العطش حتّى ماتوا كلّهم عطاشى، وحديث صاع التمر مشهور عند المحدّثين فإنّه طاف أربعين بيتأً ورجع إلى صاحبه كلّ واحد يؤثر به صديقه.
وآثر أبو الفضل العبّاس بن أمير المؤمنين أخاه الحسين (ع) بالماء فلم يشربه مع كونه شديد الظمأ فمات عطشاناّ.
ولكلّ إنسان دليلان هاديان يرشدانه إلى الفضائل ويدلاّنه على المحاسن والكمالات وهما العلم والعقل:
وأمّا العلم فدليل إلى كلّ ما ثبت في الشريعة الإسلاميّة حسنة وحثّ الشارع المقدّس على فعله ورغّب على الإتيان به ترغيباً مؤكّداً ودلّ عليه دلالة واضحة وهذا ما تسمّيه المتشرّعة بالمستحبّ المؤكد.
وأمّا العقل فدليله إلى ما أستحسنه العقلاء وترجّح عند النبلاء أرتكابه وفضل العقل الإتيان به على الترك تفضيلاً محسوساً يدركه كلّ عاقل بأدنى التفات وأقلّ فكره ورؤية لما يراه من تمادح العقلاء وتنويههم فيه وإطراء المتّصف به إطراء بليغاً وبالغاً أقصى درجة الأستحسان وهذا من الشعور العربيّ والأحساس المختصّ بأهل اللسان الفصيح دون سائر الاُمم والشعوب ولم ينكروا فضيلته ولم يشكوا في رجحانه وقد عبّر الاُصوليّون عنه بالحسن العقليّ.
وحيث تكامل لأبي الفضل العبّاس بن أمير المؤمنين (ع) دليلاه وتوافق عنده مرشداه هجما به على الفضيلة النبيلة وأرشداه إلى أختيار الفعلة الحميدة وهي الإيثار بنفسه وعلى نفسه وهذه الفضيلة المعروفة في فضائل أسلافه السادات الأماجد الذين آثروا بنفوسهم وعلى نفوسهم مراراً عديدة وقد نزل القرآن المجيد في مدحهم آيات وسور تتلى في المحاريب وعلى الأعواد وتذاع في المسارح والأندية والمجتمعات وحيث أنّ بعض مؤلّفي الرسائل ممّن عاصرناه قد غاب عنه دليلاه ظلّ به مرشداه اللذان هما العلم والعقل تخيّل أنّ ذلك الإيثار الذي
(352)

وقع من أبى الفضل العبّاس (ع) في كربلاء كان قبيحاً وظنّه نقصاً بل حراماً في سليقته العوجاء وقد قيل:
فكم من عائب قولاً صحيحاً وآفته من الفهم السقيم
ولنا رسالة في الردّ عليه مخطوطة.

الدلالة على رجحان الإيثار:

لا شكّ في رجحانه الشرعيّ لقوله تعالى في معرض المدح للمؤثرين (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أّنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شَحَّ نَفْسِهِ فِأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)(1) فإثبت سبحانه الإيثار مع الخصاصة وهي شدّة الحاجة ثمّ قرن الفلاح بترك الشحّ الذي تشتدّ حاجتها إليه، ومن توقّى هذا الشحّ في الخصاصة وهو الإيثار فقد أفلح عند الله وهذه الآية نزلت في أهل البيت (ع) وهم أهل الكساء عليّ وفاطمة والحسن والحسين رغم ما زعمه بعض أهل الحديث أنّها نزلت في الأنصار فآل محمّد (ص) نزل بهم ضيف وليس عندهم غير ما يكفيه فقدّموه له وأطفئوا السراج لئلاّ يراهم ولا شيء عندهم وباتوا طاوين.
وقال تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكيِناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً)(2) إلى آخر السورة وهي مع أتفاق المفسّرين أنّها نزلت في عليّ وفاطمة والحسن والحسين (ع) ظاهرة في مدح الإيثار لا تفاقهم أنّهم باتوا ثلاثاً طاوين وأطعموا هذه الأصناف الثلاثة وذلك في نذر الحسن والحسين (ع) لمّا مرضا.
أمّا الأحاديث فكثيرة جدّاُ منها من طريق الشيعة ما رواه الصدوق القمّيّ (رحمه الله) في
1ـ الحشر: 9.
2ـ الإنسان: 8.
(353)

الفقيه(1) قال: قال الصادق (ع): خياركم سمحائكم، وشراركم بخلائكم، ومن خالص الإيمان البرّ بالإخوان والسعي في حوائجهم، وإنّ البارّ بالإخوان ليحبهّ الرحمن وفي ذلك مرغمة للشيطان وتزحزح عن النيران ودخول الجنان.
ثمّ قال لجميل(2): أخبر بهذا غرر أصحابك، قلت: جعلت فداك! من غرر أصحابي؟ قال: هم البارّون بالإخوان في العسر واليسر.
ثمّ قال: ياجميل! أمّا إنّ صاحب الكثير يهون عليه ذلك وقد مدح الله عزّ وجلّ في كتابه صاحب القليل فقال:(وّيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) إنتهى وهو كثير.
ومن طرق أهل السنّة ما رواه الغزّاليّ الشافعيّ في إحياء العلوم(3): قال النبيّ (ص): أيّما أمرئ أشتهى شهوة فردّ شهوته وآثر على نفسه غفر الله له، إنتهى وهو كثير أيضاً والإكثار من النقل تطويل.

القسم الأوّل من الإيثار:

وهو الإيثار بالنفس وهو أفضل قسمي الإيثار وقال أبو تمام الطائيّ:
يجود بالنفس إذ ظنّ الجواد بها والجود بالنفس أقصى غاية الجود
فمن الذين آثروا أنفسهم حاتم بن عبد الله الطائيّ وذلك أنّه مرّ في بلاد عنزة وهو لا يعرف فعرفه أسير في أيديهم فناداه: يا أبا سفانة قتلني الأسر والقمّل فتصدّق عَلَيّ، فقال: ويحك! قد أسأت إليّ إذ نوّهت بي في غير بلاد قومي، ثمّ جاء إلى العنزيّين فقال: ضعوا رجلي مكان رجله في القيد وأطلقوه، ففعلوا فبقي
1ـ من لا يحضره الفقيه: ص132.
2ـ هو جميل بن درّاج من ثقات أصحاب الصادق (ع).
3ـ إحياء العلوم 2/223.
(354)

حاتم مدّة أسيراً في أيديهم حتّى بلغ قومه الخبر فبعثوا لفدائه إلى العنزيّين فأطلقوه وقصّته مشهورة في التاريخ وهي فعلة كريمة لها عظمتها في عالم الإنسانيّة إلاّ أنَها دون بذل النفس كما فعل غيره من العرب.

كعب بن مامة الأياديّ أشهر العرب في الإيثار بالنفس:

قصّته بلفظ الميدانيّ في مجمع الأمثال(1) قال: ومن حديثه إنّه خرج في ركب فيهم رجل من النمر بن قاسط فظلّوا فتصافنوا ماءهم وهو أن يطرح في القعب حصاه ثمّ يصب فيه الماء بقدر ما يغمس الحصاة وتلك الحصاة هي المقلة فيشرب كلّ إنسان بقدر واحد فقعدوا للشرب فإنتهى إلى كعب فأبصر النمريّ يحدّ النظر إليه فآثره بمائه وقال للساقيّ: إسق أخاك النمريّ فشرب النمريّ نصيب كعب ذلك اليوم من الماء ثمّ نزلوا من الغد المنزل الآخر فتصافنوا بقيّة مائهم فنظر النمريّ كنظره أمس وأرتحل القوم وقالوا لكعب: أرتحل فلم تكن له قوّة للنهوض وكانوا قد قربوا من الماء، فقيل له: ردّ كعب إنّك وارد فعجز عن الجواب فلمّا أيسوا منه خيّلوا عليه بثوب يمنعه من السبع أن يأكله وتركوه في مكانه، فقال أبوه مامة يرثيه:
ما كان من سوقة أشفى على ظمأ خمراً بماء إذا ناجودها براد
من أبن مامة كعب حين عيّ به ردّ المنيّة إلاّ حرّة وقدا
أوفى على الماء ثمّ قيل له ردّ كعب إنّك ورّاد فما وردا
إنتهى
وفيه قال أبو تمام بيته المتقدّم، وقال فيه وفي حاتم الطائيّ:
كعب وحاتم اللذان تقاسما خطط العلا من طارف وتليد
1ـ مجمع الأمثال 1/123.
(355)

هذا الذي خلف السحاب ومات ذا في الجهد ميتة خضرم صنديد
إلاّ يكن فيها الشهيد فقومه لا يسمحون به بألف شهيد
للمؤلّف يفنّد رأى أبي تمام:
فربّ شهيد فاق كعب بن مامة بأفعال مشكور الفعال حميد
وأصبح في الإيثار بالنفس مفرداً فهل مثل هذا كائن بوجود
فدع ذكر كعب واذكرن شبل حيدر أبا الفضل من يدعى بصاحب جود
لقد ورد الماء الفرات فعافه وقال لنفسي الموت خير ورود
إذا لم يذق سبط النبيّ معينه وأطعمه لم أرع حقّ عهودي

سماك بن عمرو العامليّ

قصّته عن الميدانيّ(1) في قولهم: (أتطلب أثراً بعد عين) قال الباهليّ: أوّل من قال ذلك مالك بن عمرو والعامليّ وذلك أنّ بعض ملوك غسّان كان يطلب في عاملة ذحلاً فأخذ منهم رجلين يقال لهما مالك وسماك أبنا عمرو فأحتبسهما عنده زماناً ثمّ دعاهما وقال: إنّي قاتل أحدكما فأيّكما أقتل؟ فجعل كلّ واحد منهما يقول: أقتليني مكان أخي، فلمّا رأى ذلك قتل سماكاً وخلّى سبيل مالك، فقال سماك حين ظنّ أنه مقتول:
إلا من شجت ليلة عامده كما أبد ليلة واحده
فأبلغ قضاعة إن جئتهم وخصّ سرات بني ساعده
وأبلغ نزاراً على نأيها بأنّ الرماح هي العائده
وأقسم لو قتلوا مالكاً لكنت لهم حيّة راصده
برأس سبيل على مرقب ويوماً على طرق وارده
فاُمّ سماك فلا تجزعي فللموت ما تلد الوالده
(356)

فأنصرف مالك إلى قومه فلبث فيهم زماناً ثمّ إنّ ركباً مرّوا واحدهم يتغنّي:
فأقسم لو قتلوا مالكاً لكنت لهم حيّة راصده
فسمعت اُمّ سماك فقالت: يامالك! قبّح الله الحياة بعد سماك، اُخرج في الطلب بأخيك فخرج في الطلب فلقي قاتل أخيه يسير في ناس من قومه فقال: من أحسّ لي الجمل الأحمر؟ فقالوا له وقد عرفوه: يامالك! لك مائة من الإبل وكفّ، فقال: لا أطلب أثراً بعد عين، فذهب مثلاً، ثم حمل على قاتل أخيه فقتله فقال في ذلك:
يا راكباً بلغن ولا تدعا بني قمير وإن همّوا جزعوا
فليجدّوا مثلما وجدت فقد كنت حزيناً ومسّني جزع
لا أسمع اللهو في الحديث ولا ينفعني في الفراش مضطجع
لأوجد ثكلي كما وجدت ولا وجد عجول أضلها ربع
ولا كبير أضلّ ناقته يوم توافى الحجيج واجتمعوا
ينظر في أوجه الركاب فلا يعرف شيئاً والوجه ملتمع
جلّلته صارم الحديد كالـلمح وفيه سفاسق لمع
بين ضمير وباب جلق في ثوبه من دمائه رقع
أضرّ به بادياً نواجذه يدعو صداه والرأس منصدع
بني قمير قتلت سيّدكم فاليوم لا رنّة ولا جزع
فاليوم قمنا على السواء فإن تجروا فدهري ودهركم جرع
آنتهى وتشبه هذه القصّة ذبح ولدي مسلم بن عقيل وقد ذكرناها في كتابنا ((المستدرك على مقاتل الطالبيّين)) وفي كتابنا ((أعلام النهضة الحسينيّة)) ولكنّهما ذبحا معاً بخلاف هذين فإنّه نجى واحد منهما.
(357)

المؤثرون بأنفسهم في الإسلام:

سيّدهم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع) فإنّه آثر رسول الله (ص) بحياته وفداه بنفسه وإيثاره أفضل كلّ إيثار في الدنيا فلا كعب ولا غيره نظيره لأنّ أمير المؤمنين عليّ بن ابي طالب (ع) باهى الله به ملائكته وأنزل فيه قرآناً يّتلى في المحاريب قوله تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللّهِ)(1) وقصّة مبيت أمير المؤمنين (ع) على فراش رسول الله (ص) ليلة الهجرة مشهورة عند علماء التاريخ فقد رواها من علماء أهل السنّة مفتى الشافعيّة دحلان في سيرته على هامش الحلبيّة(2) والبرهان الحلبيّ الشافعيّ في سيرته ((إنسان العيون))(3) وأبو جعفر الطبريّ أحد أئمّة المذاهب في التاريخ(4) وعبد الملك بن هشام المالكيّ في سيرته (5)، والسمهوديّ الشافعيّ في وفاء الوفا التاريخ المدينة المنوّرة(6)، وأبن الصباغ المالكيّ في الفصول المهمّة(7)، وأبن طلحة الشافعيّ في مطالب السئول (8)، وسبط أبن الجوزيّ الحنفيّ في تذكرة خواص الاُمّة(9) وأبو حامد الغزّاليّ الشافعيّ بحجّة الإسلام وغيرهم كثير.
1ـ البقرة: 207.
2ـ سيرة زيني دحلان بهامش السيرة الحلبيّة 1/335.
3ـ السيرة الحلبيّة 2/28.
4ـ تاريخ الطبريّ 2/243.
5ـ سيرة أبن هشام 2/67.
6ـ وفاء الوفا 1/168.
7ـ الفصول المهمّة: ص32.
8ـ مطالب السئول: ص35.
9ـ تذكرة الخواصّ: 21.
(358)

ولفظ الغزّاليّ في إحياء علوم الدين(1): وبات عليّ على فراش رسول الله (ص) يفديه بنفسه ويؤثره بالحياة فأوحى الله إلى جبرئيل وميكائيل (ع): إنّي قد آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما أطول من عمر الآخر فأيّكما يؤثر صاحبه بالحياة؟ فأختار كلاهما الحياة وأحبّاها فأوحى إليهما: أفلا كنتما مثل عليّ بن أبي طالب (ع) آخيت بينه وبين نبيّ محمّد (ص) فبات على فراشه يفديه بنفسه ويؤثر بالحياة، إهبطا إلى الأرض فأحفظاه من عدوّه، فكان جبرئيل (ع) عند رأسه وميكائيل عند رجليه وجبرئيل (ع) يقول: بخّ بخّ من مثلك يابن أبي طالب والله تعالى يباهي بك الملائكة، فأنزل الله تعالى(وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللّهِ واللَّهُ رَؤُوفٌ بِالعِبادِ).
قال السبط بعد أن نقل مثل هذا بعينه: عن تفسير الثعلبيّ عن أبن عبّاس قال: أوّل من شرى نفسه أبتغاء مرضاة الله عليّ بن أبي طالب (ع).
قال أبن عبّاس: وأنشدني أمير المؤمنين (ع) شعراً قاله تلك الليلة:
وقيت بنفسي خير من وطأ الثرى ومن طاف بالبيت العتيق وبالحجر
وبات رسول الله في الغار آمناً فنجّاه ذو الطول العليّ من المكر
وبتُّ اُراعيهم وما يثبتونني وقد وطنت نفسي على القتل والأسر
إنتهى وللمأمون الخليفة العبّاسيّ أحتجاج على المخالفين يفضّل فيه مولانا أمير المؤمنين (ع) ولا نذكر المحاججة بطولها وإنّما نذكر هذا المقام الخاصّ ورواها لنا من الشيعة الصدوق القمّيّ في عيون أخبار الرضا، ومن السنّة أبن عبد ربّه المالكيّ القرطبيّ في العقد الفريد وعنه ننقل لأنّه أبلغ في الحجّة على الخصم
1ـ إحياء علوم الدين 2/223.
(359)

قال(1): في أحتجاج المأمون على إصحاق بن إبراهيم بن إسماعيل بن حمّاد بن زيد قال: يا إسحاق! من أفضل من كان معه في الغار أم من نام على فراشه ووقاه بنفسه حتّى تمّ لرسول الله (ص) ما أراد من الهجرة وإنّ الله تبارك وتعالى أمر رسوله أن يأمر عليّاً بالنوم على فراشه وبأن يقي رسول الله بنفسه فأمره رسول الله (ص) بذلك فبكى عليّ، فقال له رسول الله (ص): ما يبكيك ياعليّ أجزعاً من الموت؟ قالك لا والذي بعثك بالحقّ يارسول الله ولكن خوفاً عليك أفتسلم يارسول الله؟ قال: نعم، فقال: سمعاً وطاعة وطيبة نفس بالفداء لك يارسول الله ثمّ أتى مضجعه فأضطجع وتسجّى بثوبه وجاء المشركون من قريش فخفوا به لا يشكّون أنّه رسول الله (ص) وقد أجمعوا أن يضربه من كلّ بطن من بطون قريش رجل ضربة بالسيف لئلاّ يطلب الهاشميّون بطناً من البطون بدمه وعليّ (ع) يسمع ما القوم فيه من إتلاف نفسه ولم يدعه ذلك إلى الجزع كما جزع صاحبه في الغار ولم يزل عليّ (ع) صابراً محتسباً فبعث الله ملائكته فمنعته من قريش حتّى أصبح فلمّا أصبح قام فنظروا إليه فقالوا: أين محمّد؟ قال: وما علمي بمحمّد أين هو! قالوا: فلا نراك إلاّ مغروراً بنفسك منذ ليلتنا فلم يزل على أفضل ما بدأ به يزيد ولا ينقص حتّى قبضه الله إليه ألخ.
وحديث المبيت على الفراش من أشهر الأحاديث وهو متواتر بمعناه وقد بات أمير المؤمنين (ع) على فراش النبيّ (ص) يقيه بنفسه مرّتين: مرّة في الشعب في حياة أبي طالب ومرّة ليلة الهجرة، وأنظر القصّتين تفصيلاً في مختار العيون والمحاسن تأليف الشيخ المفيد وأختيار السيّد المرتضى وتدوال الشعراء نقل المبيت على الفراش فأكثروا من النظم فراجع مناقب أبن شهر آشوب.
1ـ العقد الفريد/3/90.
(360)

وللمؤلّف:
أمن بات مثلوج الفؤاد مكانه عليه قريش الغدر سلّت مواضيها
فنام قرير العين في الدار هادئاً وضوضا قريش تستجيش حواليها
كمن بات في الغار المنيع عيونه من الخوف قرحن الدموع مآقيها
يقول له خير النبيّن لا تخف ولا تخش إنّ الله ذي العرش كافيها
فلم تطمئنّ النفس عن جيشانها ولا القلب عن دقّاته هادئاً فيها
ولو كان من أهل الشجاعة والتقى لواسى رسول الله أحمد هاديها

نادرة عجيبة في الإيثار:

ذكر الأبشيهيّ في المستطرف(1) قال: حكى أبو محمّد الأزديّ قال: لمّا أحترق المسجد بمرو ظنّ المسلمون أنّ النصارى أحرقوه فأحرقوا خاناتهم فقبض السلطان على جماعة من الذين أحرقوا لخانات وكتب رقاعاً فيها الجلد والقطع والقتل ونثرها عليهم فمن وقع عليه رقعه فعل به ما فيها فوقعت رقعة فيها القتل في يد رجل، فقال: والله ما كنت اُبالي لولا اُمّ لي. قال: وكان بجنبه بعض الفتيان فقال له: في رقعتي الجلد فليس لي اُمّ فخذ أنت رقعتي وأعطني رقعتك، ففعل، فقتل ذلك الفتى وتخلّص الرجل، إنتهى..
وأوردها الوطواط في غرر النصائح الواضحة(2) وقال: إنّ القصّة كانت بمصر ولعلّه الأقرب..
وذكر قصّة أبن المقفّع وعبد الحميد الكاتب وذكرها الجهشياريّ في كتاب الوزراء وأنّ كلّ واحد منهما آثر صاحبه بالقتل فقتل عبد الحميد وهذه القصص إنّما نذكرها أستئناساً للقارئ وليست من موضع بحثنا فخذها من مصادرها.
1ـ المستطرف 1/157.
1ـ غرر النصائح الواضحة: ص26.
(361)

إيثار أنصار الحسين بن عليّ (ع) له:

هو الإيثار المحمود وكلّ واحد منهم قد آثر الحسين (ع) بنفسه وفداه بروحه لو نفع الإيثار وقبلت الفدية فهذا سعيد بن عبد الله الحنفيّ وقف هدفاً للسلاح دونه وهو يصلّي ببقيّة أصحابه صلاة الخوف والحنفيّ يتلقّى كلّ طعنة بصدره وكلّ ضربة بنحره حتّى قتل..
قال أبو جعفر الطبريّ في التاريخ(1): ثمّ صلّوا الظهر صلّى بهم الحسين صلاة الخوف ثمّ أقتتلوا بعد الظهر فاشتدّ قتالهم ووصل إلى الحسين فأستقدم الحنفيّ أمامه فأستهدف لهم وهم يرمونه بالنبل يميناً وشمالاً قائماً بين يديه فما زال يرمي حتّى سقط ألخ..
وقال السيّد أبن طاوس في الملهوف(2): وجد فيه ثلاثة عشر سهماً سوى ما به من ضرب السيوف وطعن الرماح، ألخ.
قال أبو جعفر الطبري(3) فلمّا رأى أصحاب الحسين إنّهم قد كثروا وإنّهم لا يقدرون أن يمنعوا حسيناً ولا أنفسهم تنافسوا في أن يقتلوا بين يديه فجاء عبد الله وعبد الرحمن أبنا عزرة الفغاريّان فقالا: يا أبا عبد الله! عليك السلام، حازنا العدوّ إليك فأحببنا أن نُقتل بين يديك نمنعك وندفع عنك، فقال: مرحباً بكما اُدنوا منّي، فدنوا منه فجعلا يقاتلان قريباً منه واحدهما يقول:
قد علمت حّقاً بنو غفار وخندف بعد بني نزار
لنضربنّ معشر الفجّار بكلّ عضب صارم بتّار
1ـ تاريخ الطبري 6/252.
2ـ الملهوف: ص 91.
3ـ تاريخ الطبريّ 6/253.
(362)

ياقوم ذودو عن بني الأحرار بالمشرفيّ والقنا الخطّار
قال: وجاء الفتيان الجابريّان سيف بن الحارث بن سريع ومالك بن عبد بن سريع وهما أبنا عمّ وأخوان لاُمّ فأتيا حسيناً فدنوا منه وهما يبكيان، فقال: أي أبني أخي ما يبكيكما فوالله إنّي لأرجو أن تكونا بعد ساعة قريري عين. فقالا: جعلنا الله فداك لا والله ما أنفسنا نبكي ولكن نبكي عليك نراك قد اُحيط بك ولا نقدر على أن نمنعك. فقال: جزاكما الله أحسن جزاء المتّقين..
وقال(1): قال عابس بن أبي شبيب الشاكريّ: يا أبا عبد الله! أما والله ما أمسى على ظهر الأرض قريب أو بعيد أعزّ عَلَيّ ولا أحبّ إليّ منك ولو قدرت أن أدفع عنك الضيم والقتل بشيء أعزّ عَلَيّ من نفسي ودمي لفعلته، السلام عليك يا أبا عبد الله أشهدك أنّي على هداك وهدى أبيك، ثمّ مشى بالسيف مصلتاً نحوهم وبه ضربة على جبينه ألخ..
فهؤلاء الأعلام من العلماء والفطاحل العظماء من الفقهاء قد أحبّوا أن يجمعوا إلى فضيلة الشهادة فضيلة زيارة الحسين (ع) وفضيلة البكاء عليه وفضيلة الأهتمام له فقد ورد في الحديث عن المعصومين (ع) أنّ نفس المهموم لنا أهل البيت عبادة أو ما هذا معناه..

القسم الثاني من الإيثار:

وهو من آثر على نفسه لا بنفسه وهذا كثير في عرب الجاهليّة وهو من شعار سمحائهم وكانوا يمتدحون به ويفتخرون كما قال عروة الصعاليك وهو عروة بن الورد العبسيّ قاله المبرّد. وفي قول أبن عبد ربّه أنّ رجلاً من عبس خاطبه بهذا الشعر ولعلّه أثبت:
1ـ تاريخ الطبريّ 6/254.
(363)

لا تشتمنيّ يابن ورد فإنّني تعود على مالي الحقوق العوائد
ومن يؤثر الحقّ الدؤوب تكن له خصاصة جسم وهو طيّان ماجد
وإنّي أمرئ عافي إنائي شركة وأنت أمرئ عافي إنائك واحد
أقسم نفسي في نفوس كثيرة وأحسو زلال الماء والماء بارد
ويعني بتقسيم نفسه في النفوس الكثيرة تقسيم زاده على الناس ويبيت طاوياً لإيثاره لهم بزاده ويستطعم الماء البادر.
وقل حبال الكلبيّ وذكره الآمديّ في المؤتلف والمختلف:
لا تعذليني في نفضي وفي فرشي إن تعذليني تشكيني وتؤذيني
فساهميني في مالي ولا تدعي خلقاً يربيك إنّ الله يغنيني
حسبي إذا أحتملوا أن يحملوا ثقلي وملؤ كفّي عند الجهد يكفيني
إن مات هزّلاً عديّ من سماحته أو خلد الغسّ في قومي فلوميني
قال: الغسّ اللئيم وعديّ في بني كلب كان يذبح كلّ يوم خمسي شاة يطعمها من يرد عليه.
وقال عنترة الفوارس العبسيّ في معلّقته:
ولقد أبيت على الطوى وأضلّه حتّى أنال به كريم المطعم
وقال آخر:
لولا أتقاء الردا نزّهت أنملتي عن أن تهمّ بمطعوم ومشروب

حاتم بن عبد الله الطائيّ:

ذكر الميدانيّ في مجمع الأمثال(1) بعد قصّة الأسير عند العنزيّين قال: ومن حديثه أنّ ماوية أمرة حاتم حدّثت أنّ الناس أصابتهم سنة أذهبت الخفّ والخلف
1ـ مجمع الأمثال 1/123.
(364)

فبتنا ليلة بأشدّ الجوع وأخذ حاتم عديّاً وأخذت سفانة فعلّلناهما حتّى ناما فأخذ يعلّلني بالحديث لأنام فرققت له لما به من الجهد فأمسكت عن كلامه لينام ويظنّ أنّي نائمة، فقال لي: أنمت مراراً فلم أجبه فسكت ونظر من وراء الخباء فإذا شيء قد أقبل فرفع رأسه فإذا أمرأة فقالت: يا أبا سفانة! أتيتك من عند صبية جياع، فقال: أحضريني صبيانك فوالله لاُشبعهنّم، قالت: فقمت مسرعة فقلت: بماذا يا حاتم فوالله ما نام صبيانك من الجوع إلاّ بالتعليل فقام إلى فرسه ثمّ أجّج ناراً ودفع إليها شفرة وقال: أشتوي وكلي وأطعمي صبيانك وقال لي: أيقظي صبييك فأيقظتهما ثمّ قال: والله أنّ هذا للؤم وإنّ أهل الصرم حالهم كحالكم فجعل يأتي الصرم بيتاً وبيتاً ويقول: عليكم النار فأجتعوا وأكلوا وتقنّع بكسائه وقعد ناحية حتّى لم يوجد من الفرس على الأرض قليل ولا كثير ولم يذق منه شيئاً، إنتهى.
وغير الميدانيّ يقول هذه القصّة عن النوار زوجة حاتم اُم أبنيه عدي وسفانة وماوية بنت عفزر اُم أبنه عبد الله وكان كلّ واحدة منهنّ تلومه في الجود فيقول للنوار:
مهلاً نوار أقلّي اللوم والعذلا ولا تقولي لشيء فات ما فعلا
يرى البخيل سبيل الجود واحدة إنّ الكرم يرى في ماله سبلا
ويقول لماوية من قصيدة رنّانة:
أماوي إنّ المال غاد ورائح ويبقى من المال الأحاديث والذكر
أماوي أمّا مانع فمبيّن وإمّا عطاء لا ينهنهه الرجز
وحكايات الجاهليّة كثيرة.

المؤثرون في الإسلام:

إنّ الإسلام آستنا رافقة بكلّ فضيلة وأشرقت سماؤه بكلّ خلّة كريمة وذلك أنّ
(365)

عصر الجاهليّة المظلم لم تكن العرب فيه تعرف ما تأتي وما تذر من محاسن الأخلاق ومساويها إلاّ ما جذبها إليه الطبع وقادتها له الفطرة فهي طوع ما جبلت عليه نفوسها من السجايا وما أرتكز في طبائعها فهي تفعل ما تفعل وتذر ما تذر رضوخاً للجسيّة وأنقياداً للغريزة ولها من المعرفة مقدار ما دلّتها عليه العقول السليمة وأرشدتها إليه الأفكار التي لها بعض الإصابة في عالم العقل النظريّ وليست لها ميزة العلم ولا معرفة الأستدلال وليس لها علم بما يترتّب عليه الثواب من صالح الأعمال والعقوبة على مساويها وكانت لا تدين بالجزاء ولا تقرّ بالمعاد لأنّها عاشت في فيافيها العميقة ودرجت في فجاجها السحيقة تحترش الضباب واليرابيع جاهلة بكلّ ما توحيه إرادة جبّار السماوات من الإصلاح لأهل الأرض وتفيضه من إفاضات رضوانه على العالم البشريّ من أنواع الوحي لإصلاح هذا النوع الإنسانيّ وتشريعه موادّ قوانينه المدنّية وقضايا دستوره الإجتماعيّة الكافلة بصلاح المعاد والمعاش جميعاً وهم كانوا أيضاً بمعزل عن كافّة العلوم العقليّة التي بها سعادة البشر في الحياة الأجتماعيّة لاهين بحديث الغول والسعلاة، مشغولين بذبح الضبّ اليربوع والعضاة همّتهم شنّ الغارات والظعن والتنقّل في فيافي الفلوات فلذلك تجد أكثرهم بعيداً عن الرحمن لأهل جنسه شديد التعدّي عليهم فالقسوة والغلظة مرتكزة في طباعهم فيتبجّح قائلهم بقوله:
يبكي علينا ولا نبك على أحد لنحن أغلظ إلباداً من الإبل
فذبح إنسان عندهم وذبح يربوع سواء إلاّ القليل من عقلائهم الناطقين بالحكمة من أهل التمييز والمعرفة أمثال قسّ بن ساعدة وعامر بن الضرب وأكثم أبن صيفيّ وغيرهم فلم يزالوا كذلك ونفوسهم الحرّة ترشدهم إلى الخصال الحميدة وعقولهم السليمة تدلّهم على أختيار محاسن الشيم والأخلاق كما حكينا لك بعض ذلك.
(366)

إلى أن شرق نور الملّة المحمّديّة وأضاء فجر الشريعة الأحمديّة اللمّاع وملئت أشعّته المتألّقة أفاق الجزيرة العربيّة بل آفاق العالم كلّه وطبّق نوره الكون بأسره فسنّ نبيّنا محمّد (ص) أنظمة التهذيب وشرع قوانين التأديب النفسيّ الحيّ وقرّر التعاليم الحرّة التي هي اُسس المدنيّة المختارة في هذه العصور والأزمنة عصور الثقافة والتهذيب الملقّبة بعصور النور.
ولا يجهل فضيلة الإسلام وفضله على المدنيّة الحديثة وحقّه العظيم على الإنسانيّة إلاّ معاند عظيم التمرّد شديد التعنّت أو أعوج السليقة أو لا معرفة عنده بما شرعه شارع الإسلام فكان مع نصّ القرآن على مدح الإيثار أوّل من ندب إليه قولاً وفعلاً ورغب فيه سيّدنا ونبيّنا محمّد (ص) وأهل بيته: أمّا القول فما حرّرناه سابقاً يكفيك، وأمّا الفعل فقد أتّفق العلماء أنّ رسول الله (ص) كان يقسم ما عنده من الأقوات بين الفقراء من أهل الخصاصة من غيرهم ويبيت طاوياً وكثيراً ما كان يربط حَجَر المجاعة على بطنه وقد نعتت في الكتب السماويّة المنزلة على غيره بالإيثار.
قال الغزّاليّ في الإحياء(1): قال سهل بن عبد الله: قال موسى (ع): ياربّ أرني بعض درجات محمّد واُمّته. فقال: ياموسى! إنّك لا تطيق ولكن اُريك منزلة من منازله جليلة عظيمة فضّلته بها عليك وعلى جميع خلقي، قال: فكشف له عن ملكوت السماوات فنظر إلى منزلة كادت أن تتلف نفسه من أنوارها وقربها من الله تعالى، فقال: ياربّ! بماذا بلغت به إلى هذه الكرامة؟ فقال: بخلق أختصصته به من بينهم وهو الإيثار. ياموسى! لا يأتيني أحد منهم قد عمل به وقتاً من عمره إلاّ أستحييت من محاسبته وبوّأته من جنّتي حيث يشاء.
1ـ إحياء العلوم 2/223.
(367)

أمّا إيثار أهل بيته فكثير:

ومنه ما كان سبباً لنزول هل أتى، روى الكنجيّ الشافعيّ في كفاية الطالب(1) والشبلنجيّ الشافعيّ في نور الأبصار(2) نقلاً عن مسامرات الشيخ الأكبر وهي كذلك عند الشيخ الأكبر محي الدين بن العربيّ في محاضرات الأبرار ومسامرات الأخيار(3) وسبط أبن الجوزيّ الحنفي ّ في تذكر خواص الاُمّة وغيرهم من اهل السنّة ورواها الشيعة أيضاً والألفاظ وإن تقاربت لكنّها لسبط أبن الجوزيّ لأشتماله على فائدة وهي الردّ على من زعم أنّ الحديث موضوع قال بعد أن ذكر له طريقين على أبي صالح عن أبن عبّاس وعن مجاهد عن أبن عبّاس قال في قوله تعالى(يُوفُونَ بِالنَّذْرِ)(4) الآية قال: مرضى الحسن والحسين (ع) فعادهما رسول الله (ص) ومعه أبو بكر وعمر وعادهما عامّة العرب فقالوا: يا أبا الحسن لو نذرت على ولديك نذراً فكلّ نذر لا يكون له وفاء فليس بشيء. فقال عليّ (ع): لله عَلَيّ إن برأ ولداي ممّا هبما صمت لله ثلاثة ايّام وقالت فاطمة (ع) كذلك وقالت جارية يقال لها فضّة كذلك فألبس الله الغلامين العافية وليس عند آل محمّد (ص) قليل ولا كثير، فأنطلق عليّ (ع) إلى شمعون بن حانا اليهودي فأستقرض منه ثلاثة آصع من شعير فجاء بها إلى فاطمة (ع) فقامت إلى صاع فصحنته وخبزته خمسة أقراص لكلّ واحد منهم قرص
1ـ كفاية الطالب: ص201.
2ـ نور الأبصار: ص101.
3ـ محاضرات الأبرار ومسامرات الأخيار 1/83.
4ـ الإنسان: 7.
(368)

وصلّى عليّ (ع) المغرب مع النبيّ (ص) ثمّ أتى المنزل فوضع الطعام بين أيديهم فجاء سائل أو مسكين فوقف على الباب وقال: السلام عليكم يا أهل بيت محمّد، مسكين من مساكين المسلمين أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنّة فسمعه عليّ (ع) فقال:
فاطم فيك المجد واليقين يابنت طاها وهو الأمين
هذا الفقير البائس المسكين قد قام بالباب له حنين
يشكو إلى الله ويستكين يشكو إلنا الهائم الحزين
كلّ أمرئ بكسبه رهين وفاعل الخيرات يستبين
وللبخيل مواقف مهين تهوي به لقعرها سجّين
شرابه الحميم والغسلين
فقالت فاطمة (ع):
أطعمه ولا اُبالي الساعة أرجو إذا أشبعت ذا مجاعة
أن الحق الأخيار والجماعه وأسكن الخلد ولي شفاعه
قال: فأعطوه الطعام ومكثوا يومهم وليلتهم لم يذوقوا إلاّ الماء القراح، ولمّا كان اليوم الثاني طحنت فاطمة (ع) صاعاً من الشعير وصنعت منه خمسة أقراص وصلّى عليّ (ع) المغرب مع النبي (ص) وجاء إلى المنزل، فأتلى يتيم فوقف على الباب فقال: السلام عليكم يا أهل بيت محمّد يتيم من أولاد المهاجرين أستشهد والدي فأطعموني ممّا رزقكم الله أطعمكم الله من موائد الجنّة، فقال عليّ (ع):
فاطم بنت السيّد الكريم بنت نبيّ ماجد رحيم
قد جاءنا الله بذا اليتيم قد حرم الخلد على اللئيم
يحمل في الحشر إلى الجحيم يسقى من الصديد والحميم
ومن يجود اليوم في نعيم يسقى من الرحيم والتسنيم
(369)

فقالت فاطمة (ع):
إنّي لأعطيه ولا اُبالي واُؤثر الله على عيالي
أمسوا جياعاً وهموا أشبالي
فرفعوا الطعام وناولوه إيّاه ثمّ أصبحوا في الثالث كذلك، فلمّا كان اليوم الثالث طحنت فاطمة (ع) باقي الشعير وصنعته وجاء عليّ (ع) بعد المغرب فجاء أسير فوقف على الباب وقال: السلام عليكم يا أهل بيت محمّد أسير محتاج تأسرونا ولا تطعمونا، أطعمونا من فضل ما رزقكم الله، فسمعه عليّ (ع) فقال:
فاطم يابنت النبيّ أحمد بنت نبيّ سيّد مسوّد
مُنّي على أسيرنا المقيّد من يطعم اليوم يجده في غد
عند العليّ الماجد الممجّد من يزرع الخير فسوف يحصد
فقالت فاطمة (ع):
لم يبق عندي اليوم غير صاع قد مجلت كفّي مع الذراع
وأبناي والله من الجياع أبوهما للخير ذو أصطناع
ثّم رفعوا الطعام فأعطوه الأسير فلمّا كان اليوم الرابع دخل عليّ (ع) على النبي (ص) يحمل أبنيه كالفرخين فلمّا رآهما رسول الله (ص) قال: واين أبنتي؟ قال: في محرابها، فقام رسول الله (ص) فدخل عليها فرآها قد لصق بطنها بظهرها وغارت عيناها من شدّة الجوع، فقال النبيّ (ص): واغوثاه! يالله آل محمّد يموتون جوعاً، فهبط الأمين جبرئيل وهو يقول: (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ) الآية.
فإن قيل: قد أخرج جدّك هذا الحديث في المضوعات ثمّ ذكر إسناده عند جّده وقال: قال جدّك قد نزّه الله ذينك الفصيحين عن هذا الشعر الركيك فهذا على عادة العرب في الرجز والخبب كقول القائل:
*والله لولا الله ما أهتدينا*
(370)

ونحو ذلك وقد تمثّل به النبيّ (ص)، وأمّا قوله عن الأصبغ بن نباتة فنحن ما رويناه عن الأصبغ ولا له ذكر في إسناد حديثنا وإنّما أخذوا على الأصبغ زيادة زادها والعجب من جدّي وإنكاره وقد قال في كتاب المنتخب: ياعلماء الشرع! أعلمتهم لمّا أرادا ترك الطفلين عليهما أثر الجوع أتراهما خفي عنهما سرّاً بدأ بمن تعول؟ ما ذاك إلاّ لأنّهما علما قوّة صبر الصبيّين وإنّهما غصنان من شجرة الظلّ عند ربيّ وبعض من جملة فاطمة بضعة منّي وفرخ البطّ سائح، إنتهى.
وذكر أبن عبد ربّه المالكيّ في العقد الفريد أجتجاج المأمون على إسحاق تقدّم بعض الحكاية ونصّها هنا(1) قال: يا إسحاق! أتقرأ القرآن؟ قلت: نعم، قال: أتقرأ (هَلْ أَتى عَلَى الإِنسانِ حِينُ مِنَ الدَّهْرِ)(2)؟ فقرأت منها حتّى بلغت إلى قوله (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكيِناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً)(3) قال: على رسلك، فيمن اُنزلت هذه الآيات؟ قلت: في عليّ (ع)، قال: فهل بلغك أنّ عليّاً حين أطعم المسكين واليتيم والأسير قال: إنّما نطعمكم لوجه الله؟ وهل سمعت الله وصف في كتابه أحداً بمثل ما وصف به عليّاً؟ قلت: لا، قال: صدقت لأنّ الله عرف سريرته، إنتهى.
ورواها أيضاً من علماء أهل السنّة الزمخشريّ الحنفيّ المعتزليّ في الكشّاف وأعترف الفخر الرازيّ الشافعيّ الأشعريّ في تفسيره أنّ الزمخشريّ من المعتزلة رواها ورواها آخرون من أصحابه الأشاعرة الواحديّ الشافعيّ في تفسيره الوسيط ورواها آخرون من أهل السنّة وعليها أجماع الشيعة وإجماعهم حجّة، والأصبغ ثقة وقدح أعدائه فيه غير ضائر وتداولها أعيان الشعراء كالناشي والحميريّ وأبن
1ـ العقد الفريدة 3/288.
2ـ الإنسان:1.
3ـ الإنسان: 8.
(371)

رزيك وأبن عبّاد في نظرائهم ولطيف قول بعضهم:
وسائل هل أتى نصّ بحقّ عليّ أجبته هل أتى نصّ بحقّ عليّ
وأحسن الصاحب بن عبّاد بقوله:
إذا قرأنا هل أتى قرئت وجوهمم عبس
وساهم المؤلّف في نظم هذه الحادثة الخطيرة التي تبيضّ لذكرها وجوه الأولياء وتسودّ وجوه الأعداء فقال:
تمسّك في محبّة آل طاها ولا ترتاب إن جحد الخصوم
سماء الحقّ صاحية أضاءت بها شمس الهداية والنجوم
فإنّ الشمس أحمد ليس يخفى وبدر التمّ حيدرة العظيم
وفاطمة الثريّا فرقداها هم السبطان والتسع النجوم
ويكفي هل أتى في الذكر مدحاً لأهل البيت إن لجّ الخصوم
وخير المدح ما في ذاك شكّ مديح الله لا الشعر النظيم
أجلّ الخلق مرتبة اُناس ينوّه فيهم الذكر الحكيم
وفوا في نذرهم فأتى فقير ومأسورة ومبتئس يتيم
فقال لهم عليّ آثروهم بزادكم المهيّأ ثمّ صوموا
فأعطوهم وقد صاموا ثلاثاً بلا زاد وذا أمر عظيم
وليس يضيّع الرحمن فعلاً يكون لوجهه وهو الكريم

إيثار أبي ذر الغفاريّ:

ومن نوادر الإيثار الإسلاميّ حادثة أبي ذر الغفاريّ الصحابيّ (رضي الله عنه): روى الثقة الجليل عليّ بن إبراهيم القمّيّ (ع) في تفسيره لسورة التوبة في واقعة تبوك قال: كان أبو ذر تخلّف عن رسول الله (ص) ثلاثة أيّام وذلك أنّ جمله أعجف فلحق بعد
(372)

ثلاثة أيّام ووقف عليه جمله في الطريق فتركه وحمل ثيابه على ظهره فلمّا أرتفع النهار نظر المسلمون إلى شخص مقبل، فقال رسول الله (ص): أدركوه بالماء ووافى أبو ذر رسول الله (ص) ومعه أدوات فيها ماء، فقال رسول الله (ص): يا أباذر! معك الماء وعطشت؟ فقال: نعم يارسول الله بأبي أنت واُميّ أنتهيت إلى صخرة فيها ماء فذقته فإذا هو عذب بارد فقلت: لا أشربه حتّى يشربه حبيبي رسول الله (ص). فقال رسول الله (ص): رحمك الله يا أباذر! تعيش وحدك وتموت وحدك وتبعث وحدك وتدخل الجنّة وحدك ألخ، تركنا قصصاً كثيرة حذر التطويل.

إيثار العبّاس الأكبر أبن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع):

إيثار العبّاس للحسين (ع) بالنوعين معاً فإنّه آثره بنفسه وعلى نفسه: أمّا إيثاره بنفسه فستبين من تضحية نفسه أمامه وقد صرّحت بهذا أشعاره التي منها:
*نفسي لنفس الطاهر الطهر وقا*
وأمّا إيثاره للحسين (ع) على نفسه فذاك حين رمى الماء من يده وقال: لا ذقت الماء وابن رسول الله عطشان مع كونه قد أشرف على التلف من الظمأ وقد نطقت بذلك أشعاره كقوله:
يا نفس من بعدالحسين هوني وبعده لا كنت أن تكوني
هذا حسين شارب المنون وتشربين بادر المعين
قد صرّح (ع) في هذا الشعر أنّه آثر أخاه الحسين (ع) ليس على سبيل الأرتكاز الجبلّيّ لا بداعي الطبع الفطريّ ولا طاوع فيه الخلق الغريزيّ وإنّما كان ذلك عن فقه في الدين وعلم بما للمؤثر على نفسه من عظيم الأجر وبالأخصّ إذا كان الإيثار للإمام المفترض الطاعة ذلك حيث يقول فيه:
(373)

وليس هذا من شعار ديني ولا فعال صادق اليقين
لأنّ شعائر هذا الدين المواسات والإيثار حسبما سمعت من مدح القرآن للمؤثرين وما ورد من إيثار رسول الله (ص) وأهل بيته وفضلاء الصحابة والصادق اليقين في أنّ الله يجزي بالعمل الصالح ويثيب على الإحسان فأنّه يحصل له القطع بأنّ من آثر الحسين (ع) بنفسه أو على بنفسه كمن آثر رسول الله (ص) وقد قال في الحديث المتفق عليه: حسين منيّ وأنا من حسين.
فالموالي له ينال أعظم درجة الأجر عند الله فإذا حاد عن سنن الإيثار له وأنحرف عن جادة المواسات فلا يشبه فعله فعل الصادق اليقين بأنّ إيثار العترة الطاهره ومواسات السلالة المطهّرة من أفضل الطاعات وأجلّ المقربات عند الله بل هي ممّا أفترض الله تعالى على الاُمة القيام بها بقوله تعالى (قُل لاَ أَسأَلُكُمْ عَلَيْهِ أّجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى)(1) وقوله (ص) في حديث الثقلين: أحفظوني في أهل بيتي؛ فأبو الفضل أدّى هذه الفريضة كما قد أدّى سائر الفرائض.
قال فخر الدين الطريحيّ (رحمه الله) في المنتخب (2): لمّا أشتدّ العطش بالحسين (ع) وأصحابه دعى بأخيه العبّاس وقال له: أجمع أهل بيتك وأحفروا بئر، ففعلوا ذلك فطمّوها ثمّ حفروا اُخرى فطمّوها فتزايد العطش عليهم، فقال العبّاس لأخيه الحسين (ع): يا أخي! أماترى ما حلّ بنا من العطش وأشدّ الأشياء علينا عطش الأطفال والحرم، فقال الإمام (ع): أمض إلى الفرات وأتنا بشيء من الماء، فقال: سمعاً وطاعة، فضمّ إليه رجالاً وسار حتّى أشرفوا على الشريعة فتواثب عليهم الرجال وقالوا: ممّن القوم؟ فقالوا: نحن من أصحاب الحسين (ع)، فقالو: ما
1ـ الشورى: 23.
2ـ المنتخب 2/ 94.
(374)

تصنعون؟ قالوا: قد كضّنا العطش وأشدّ من ذلك علينا عطش الحرم والأطفال. فلمّا سمعوا ذلك منهم هجموا عليهم ومنعوهم، فحمل عليهم العبّاس (ع) فقتل منهم رجالاً وجدّل أبطالاً حتّى كشفهم عن المشرعة ونزل فملأ قربته ومدّ يده ليشرب فذكر عطش الحسين (ع) فنفض يده وقال: والله لا ذقت الماء وسيّدي الحسين (ع) عطشان ثمّ صعد المشرعة فأخذه النبل من كلّ مكان حتّى صار جلده كالقنفذ من كثرته فحمل عليه رجل من القوم فضربه ضربة قطع بها يمينه فأخذ السيف بشماله فحمل عليه آخر فقطعها فأنكبّ وأخذ السيف بفمه فحمل عليه رجل فضربه بعمود من حديد على اُمّ رأسه ففلق هامته ووقع على الأرض وهو ينادي: يا أبا عبد الله! عليك منّي السلام، فلمّا رأى الحسين (ع) أخاه قد صرع نادى: وا أخاه! وا عبّاساه! وا مهجة قلباه! عزّ عَلَيّ والله فراقك، ثمّ حمل على القوم وكشفهم عنه ثمّ نزل إليه وهو يبكي حتّى اُغمى عليه، ألخ.
وذكره في مقتل العوالم(1) وفي مصائب المعوصومين(2) وفي أسرار الشهادة(3) وفي البحار(4)، وقد ذكر مدحه بهذا الإيثار فقال الحاج محمّد رضا الاُزريّ البغدادي من قصيدة تأتي في مراثيه:
وأبت نقيبته الزكيّة ريّها وحشا أبن فاطمة يشبّ ضرامها
وقال الحاج هاشم الكعبيّ من قصيدة:
حتّى حوى بحرها الطامي فراتهموا الجاري ببحر من الهنديّ ملتطم
فكفّ كفّاً من الورد المباح وفي أحشائه ضرم ناهيك من ضرم
1ـ عوالم العلوم: ص92.
2ـ مصائب المعصومين: ص259.
3ـ أسرار الشهادة: ص321.
4ـ بحار الأنوار 10/621.
(375)

وهل ترى صادقاً دعوى إخوته روى حشاً وأخوه في الهجير ظمي
حتّى ملا مطمئنّ الجاش قربته ثم أنثنى مستهلاً قاصد الحرم
وللمؤلّف:
يابن الوصيّ جزاك الله صالحة ياطيّب النفس والأعراق والشيم
آثرت سبط رسول الله محتسباً بذاك ترجو رضا الرحمن ذي الكرم
فعن يقين بلا شكّ يخالطه بأنّ إيثاره من أفضل النعم
والعقل والشرع في الإيثار متّفق في أنّ رتبته العليا من الكرم
لمّا ملكت الفرات العذب رمت بأن تطفي أوار فؤاد صار ذا ضرم
فلم تذق قطرة من ماءه أبداً والسبط ظام مع الأطفال في الخيم
هذي المواسات والإيثار يشكره ربّ البريّة والأحرار في الأمم
لقد مضيت حميداً نلت مرتبة في حملك العلم بل في حملك العلم
يكفيكم مدح ربّ العالمين لكم عن مدحه الناس في بسط من الكلم
كُتبت في هذه العصور وريقات شحنت بالواهيات وملئت بالتجاسر العظيم على أكابر أهل البيت دُعيت باسم التنزيه وكتبنا ردّاً عليها في رسالة مفردة تركنا النقل عنها ومن مواضيعها الممجوجة قوله في هذه السألة أنّ نفض العبّاس من يده الماء فهو حرام ولا حجّة فيه لعدم العصمة وفي الحقيقة إنّ كلّ من جهل شيئاً فإنّه الصواب فيه ولا شكّ أنّ الفقيه لا يسمّى فقيهاً حتّى يدرس الحقائق درساً متقناً والوقوف على التاريخ وأخبار الناس لا قيمة له عند التحقيق فيجب على المؤلّف عند الخوض في الأحكام وتحرّي الإفتاء أن يعرف قواعد الإفتاء أجتهاداً لا تقليداً وقد فات مؤلّف التنزيه أدلّة الحكم في ألإيثار:
أوّلاً: الأدلّة السمعيّة الواردة في رجحانه كما ذكرنا ذلك من الآيات والروايات الواردة عن أهل الشرع ومؤسّسيه محمّد المصطفى وأهل بيته (ع) فإنّ الإيثار
(376)

يكون بها راجحاً بل من المستحبّات المؤكّدة وفعل المعصوم وتقديره كقوله حجّة.
ثانياً: ذهاب المشهور من الفقهاء إلى إنّ المسنون يثبت بالضعيف والمرسل للتسامح في أدلّة السُنن وهذه المسألة عليها أعتماد صاحب التنزيه فإلغاء الأحاديث الصحيحة بل المتفق عليها عند الشيعة المتضمّنة لعفل المعصوم وتقريره تجاسر ورفع اليد عن ظواهر الآيات الصريحة غباوة.
نعم، إنّ جمود الطبع ويبوسة الدماغ حكمت في نفسه أعتقاد أنّ كلّ عمل ضاهى أعمال عرب الجاهليّة فهو ممّا يجب أن تمحقه شريعة الإسلام وتمحو رسومه ومعالمه وهذا هو الظنّ الخاطئ والأجتهاد مقابل النصّ فإنّ الدور الجاهليّ له أعمال تنقسم بمجموعها الى قسمين: قسم مخلّ عند العقل وماسّ بكرامة الإنسانيّة ومخالف للنواميس الإلهيّة وقوانين النظام الربّانيّ الذي هو أساس الحرّيّة ومبدأ المدنيّة فمن ذلك الظلم والكفر وأستباحة الفروج والأموال وأستعباد الأحرار وأمثال ذلك فهذا الذي قاومته الشريعة الإسلاميّة ومحت معامله ورسومه.
وقسم كان على جانب عظيم من مراعاة الحقوق الأنسانيّة وتقرير الحالة الأجتماعيّة في أحترام الحرم والأشهر الحرم ومقاومة الأستعباد الجبروتيّ والتسلّط الجبّار والمحامات عن الشرف وبذل الأموال للوفد والأضياف وهذا ما يسمّى سخاء وشجاعة فذاك وشبهه من الاُمور التي أكّدتها الشريعة الإسلاميّة وقرّرت العمل به ودعت إليه وحثّت عليه لما فيه من المصالح الكبرى للإنسان إمّا من حيث الشجاعة فإنّ بها تحفّظ الأوطان والأموال وتمنع الأعراض، وبها يقاوم الأستعباد الصارم والأستعمار الجائر وينتشر العدل في البسيط وتحقن الدماء وقد قال تعالى: (وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ
(377)

وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً)(1) وأمّا من حيث السخاء فأمر لا يحوجنا إلى بيان ولأنّه من أوكد الأسباب الأجتماعيّة وأعلا السخاء درجة هو ألإيثار كما عرفته وقد كان رسول الله (ص) عظيم ألإيثار فقد كان يؤثر بقوته على نفسه ويطوي ويربط حجر المجاعة على بطنه الشريفة وإن أنكره صاحب التنزيه.
وليست حكمة ربط حجر المجاعة وفلسفتها تحمّل مشقّة الجوع بل الحكمة الواقعّية والفلسفة الحقيقيّة لربط حجر المجاعة ستتجلّى لك وترسم على صحيفة خاطرك حتّى تعلم علماً يقيناً أنّ المقاصد العليّة في الفلسفة الدينّية لا تنالها سفاسف الآراء الواهية ولا خواسئ الأفكار الداحضة في أستنباطاتها الواهية، بل إنّ الرسول المقدّس شرعاً وسنّة بعث مصلحاً للعوالم الحائدة عن سلوك مناهج الصفات المحمودة متقهقرة في حضيض رذائلها الأخلاقيّة الخسيسة ولمّا كان هو المصلح الأكبر للاُمم المبعوث إليها بالإصلاح الدينيّ وكان هو الطبيب الأعظم الخبير الماهر والحاذق العارف بعلاجات النفوس السقيمة بالأخلاق الذميمة من الأستيثار بما حصل في أيديهم مستبّدين بمصالحهم الذاتيّة وأغراضهم الشخصّية حائيدين عن طريق المواسات والإيثار المحمودين، متهافتين على التأنّق في المطعم والمشرب والملبس وأمثال ذلك ممّا جلبت عليه النفوس البشرية من حبّ الإثرة ونفرة الطباع الإنسانيّة عن أكتساب حميد الإيثار وكان دأب الأغنياء الجمع لا التفريق وحوله الفقراء وضعفاء قد أنقطعوا للعبادة وجعلوا نفوسهم وقفاً على الطاعة.
وإنّ أفعاله (ص) كأقواله متينة على الحكمة والموعظة الحسنة، شدّ حجر
1ـ الحجّ 40.
(378)

المجاعة على بطنه ليقتدي به الفقراء في الصبر على ألم الجوع ومضض الطوى فإنّهم متّى رأوا رسول الله (ص) يتكبّد هذه المصاعب بجرون على منهاجه فيصبرون على ما أصابهم في جنب الله رغبة في الثواب وطمعاً بمزيد الأجر فيشتغلون بالطاعة بدل أن يتشاغلوا بلطب الدنيا ولا يلههم عن العبادة الكدّ والكدح في تحصيل المعاش.
والأغنياء إذا رأوا ربطه لحجر المجاعة مع قدرته على الشبع يرغبون في الآخرة وتهون عليهم الدينا تأسّياً برسول الله (ص) وأقتفاء له فيؤثرون الفقراء ويواسونهم ويعطون الفضل من أموالهم برغبة منهم وميل قلب لا بضغط وغلظة وزجر وعنف بل ببشر ورضا وطيبة نفس فينتظم بذلك أمر المعاد والمعاش ويكون توجّه الخلق جميعاً إلى ربّ الأرباب ويقصدون غاية واحدة هي القيامة وتكون الاُمّة نفساً واحدة وإن تعدّدت الأجسام، هو الذي جمعكم على الهدى وأيّدكم بنصره.
هذا ما ظهر لي وقد مدح العبّاس (ع) مدحه الأئمّة (ع) بالإيثار كما في حديث الإمام زين العابدين (ع) لمّا نظر إلى عبيد الله بن العبّاس وقال في جملة ما قال: إنّه آثر وأبلى وفدى أخاه الحسين (ع)، كما سيجيء أن شاء الله.
(379)

ومن صفات العبّاس الزهد والنسك

كلمة المؤلّف في الزهد:

وليس الزهد في الدنيا والرغبة عن نعيم الفاني من الغرائز الجبلّيّة ولا من الطبائع النفسيّة وإنّما هو من الملكات المكتسبة بالمواظبة على أعمال البّر وأفعال الخير والتعرّف بأنّ هذا النعيم زائل وهذه اللذّة فانية وأنّ عن الله باقياً ولذّة دائميّة لا تبيد ولا تفنى.
والزهد حقيقة هي الإعراض عن الدنيا وزينتها وإطراح الملاذّ الشهوانّية التي يستطيبها سائر الناس والرضا بما قسّم الله من الرزق، وأن ينزل نفسه في هذه الدار منزلة المرتحل سريعاً إلى مقصده والقاصد حثيثاً إلى غايته فإنّه إذا نزل منزل في أثناء سفره بقصد الراحة فإنّه لا يهتمّ فيه بأكثر من أنّه يقيم قليلاً ليريح بدنه وراحلته ويأخذ ما يقوّي نفسه من الطعام الميسور ثمّ يرتحل عنه إلى غيره ومن علم أنّ مكثه في هذا المنزل يسيراً لا وجه لإكثاره من رخرفته وتنميقه فإنّه ليس بمنزل قرار وتنقيح موطن النزول المؤقّت بما يوجب كلفة وعناء ويستتبع مشقّة وعنتاً جهل محض وغرور صرف، فالدنيا عند الصلحاء وأهل الدين بمنزلة المحلّ الذي ينزله المسافر ريثما يستريح فيه ثمّ ينتقل عنه فهم لذلك ينزلون أنفسهم منزلة السفار وعباري السبيل ولهذا ما شيّدوا البنيان ولا زخرفوا الجدران ولا نمّقوا الغرف ولا نظّفوا القاعات المجلسيّة ونصبوا فيها الكراسيّ والقنفات، ولا مهّدا صالونات المنام بمهاد الأرائك المخمّلة، ولا تأنّقوا بنقوش غرفة الأستراحة ولا
(380)

غرسوا الحدائق الغنّاء حول المساكن والقصور بل كانت نفوسهم منصرفة عن نعومتها ونعيمها بل طلّقها العظماء من أهل البيت.
فقد قال مولانا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع) للدينا وقد تمثلّت له بصورة أمرأة جميلة: أبي تعرّضت أم إليّ تشوّقت؟ غرّي غيري قد طلّقتك ثلاثاً لا رجعة لي فيك ألخ.
وقال سيّد الشهداء أبو عبد الله الحسين بن عليّ (ع) وقد تمثّلت له يوم الطفّ بصورة أمرأة جملية وقالت: تزوّجني أرد عنك هذا الجمع: إعزبي ويحك أما علمت أنّ مطلقّات الآباء لا تحلّ للأبناء.
وفي الشعر المرويّ عن زين العابدين (ع) كما في كشكول الشيخ البهائي:
عتبت على الدنيا فقلت إلى متى اُكابد بؤساً همّه ليس ينجلي
أكلّ كريم من عليّ نجاره يروح عليه الماء غير محلّل
فقالت نعم يابن الحسين رميتكم بسهمي عناداً منذ طلقّني علي

معنى الزهد لغة:

قال في المصباح المنير: زهير في الشيء وزهد عنه أيضاً زهداً بمعنى تركه وأعرض عنه فهو زاهد والجمع زهّاد.
وقال أبن الأثير في النهاية: قال الزهريّ وقد سُئل عن الزهد في الدنيا: هو أن لا يغلب الحلال فكره ولا الحرام صبره أراد أن لا يعجز ويقصر شكره على ما رزقه الله من الحلال ولا صبره عن ترك الحرام، إنتهى. وذكره الجاحظ في البيان والتبيين.

معنى الزهد العرفانيّ

قال الشريف الجرجانيّ في التعريفات(1): الزهد في اللغة ترك الميل إلى الشيء
1ـ التعريفات: ص78.
(381)

وفي الأصطلاح عند أهل الحقيقة هو بغض الدنيا والإعراض عنها، وقيل: ترك راحة الدنيا طلباً لراحة الآخرة. وقيل: هو يخلو قلبك ممّا خلت منه يدك، إنتهى.
والوجه الأخير باطل لأنّ الذي لم يجد الشيء ليس بزاهد فيه وإنّما هو متزهّد ولا يسمىّ زاهد في شيء لم يكن تحت قدرته فهو كالثعلب الذي يقول العنقود حامض لأنّه لا يناله؛ فالزهد رغبة عن الشيء الحاصل له لا رغبة عمّا لم يحصل.
وألفت نظر المطالع لهذا الكتاب ليتفطّن أنّ معنى الزهد الأصطلاحيّ أخصّ من معناه اللغويّ لأنّه مخصوص بالرغبة عن كلّ محقّر في نظر الشرع المقدّس أو تركه أولى، واللغويّ هو الرغبة في ترك كلّ شيء في ترك الواجبات فيسمّى في عرف أهل اللغة زاهداً فيه فيقال: زهد في الصلاة أي رغب عنها ومثل هذا لا يسمّى زهداً في الشرع بل فسقاً.

الزهد في الأحاديث:

جاء تفسير الزهد في أحاديث أهل البيت (ع) وفسّره كثير من الزهّاد كلّ بحسب مدركه التصّوريّ ومعقوله الفكريّ إذ ليست له حقيقة مضبوطة ولأنّه من المؤسّسات الإسلاميّة التي هي مدار الأنصراف عن التهالك في الاُمور العاجلة والإقبال على الاُمور الباقية في دار الآخرة.
فمن الأحاديث عن سيّد الزهّاد بعد رسول الله (ص) وعنه أخذ الزهّاد والنسّاك الطريقة في الزهد أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع) رواه الصدوق القمّيّ (رحمه الله) في معاني الأخبار(1) عن الإمام الصادق (ع) قال: قيل لأمير المؤمنين (ع): ما الزهد في الدنيا؟ قال: تنكّب حرامها.
وعن أبي الطفيل (رضي الله عنه) قال: سمعت أمير المؤمنين (ع) يقول: الزهد في الدنيا
1ـ معاني الأخبار: ص74 ب 94.
(382)

قصر الأمل وشكر كلّ نعمة والورع عمّا حرّم الله عليك.
وعن إسماعيل بن مسلم قال: قال أبو عبد الله ـ يعني الإمام الصادق ـ: ليس الزهد في الدنيا بإضاعة المال ولا بتحريم الحلال بل الزهد في الدنيا أن لا تكون بما في يدك أوثق منك بما في يد الله تعالى.
وعن عليّ بن هاشم البريديّ عن أبيه عن أبي جعفر ـ يعني الإمام الباقر ـ: إنّ رجلاً سأله عن الزهد فقال: الزهد عشرة أشياء فأعلى درجات الزهد أدنى درجات الورع، وأعلى درجات الورع أدنى درجات اليقين، وأعلى درجات اليقين أدنى درجات الرضا، ألا إنّ الزهد في آية من كتاب الله تعالى (لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَافاتَكُمْ وَلاَتَفْرَحُوا بِمَا آتاكُمْ)(1)، إنتهى.
والأحاديث كثيرة وكلمات الزهّاد كذلك، جمع الجاحظ في البيان والتبيين منها فصلاً راجعه (2) فيه قول بعض النسّاك: دياركم إمامكم، وحياتكم بعد موتكم ألخ، ولا نطيل بألإكثار من النقل.

مدح الزهد ورجحانه:

كلّما دلّ على مذمّة الدنيا والأنخداع بظلّها الزائل والركون إلى نعيمها الفاني المضمحلّ من الآيات والروايات فهو مدح للزهد كقوله تعالى (لَكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ) الآية، وكقوله (وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)(3) إلى غيرهما من آيات القرآن الكريمة، وأمّا الأحاديث فلا تحصى كثرة.
1ـ الحديد: 23.
2ـ البيان والتبيين 3/86.
3ـ طه: 131.
(383)

حقيقة الزهد:

هو التنزّه عن نعومة العيش الدنيويّ والتأنّق في المطاعم الشهيّة والمشارب اللذيذة والملابس اللطيفة والفرش الفاخرة ثمّ الرضا بما يسدّ الفورة ويستر العورة والأقتصار في أقتناء المؤثثات على ما به الكفاية ممّا لا بدّ منه من الحاجات الضروريّة وأن يروّض نفسه على القناعة باليسير المحقّر، وأن لا تقهرها الشهوات ولا تقتادها لمطامع الخلاّبة.
وأدّعى الغزّاليّ الصوفيّ الشافعيّ في الإحياء أنّ حقيقة الزهد مركّبة من اُمور ثلاثة: علم وحال وعمل لقول السلف أنّ أبواب ألإيمان كلّها ترجع إلى عقد وقول وعمل، ثمّ قال(1): أمّا الحال فنعني به ما يسمّى زهداً وهو عبارة عن أنصراف الرغبة عن الشيء إلى ما هو خير منه، وذكر قبل هذا أنّ العلم هو السبب في الحال ويجري مجرى المثمر، والعمل يجري من الحال مجرى الثمرة وأطال في ذلك وهذا لباب ومحضه وقد يتخيّل المتخيل أنّ هذا حقيقة الزهد الأصلية وليس كذلك بل هذه مراتب طوليّة مرتّبة في سلسلة الطول يترتّب بعضها عن بعض.
وأمّا حقيقة الزهد بما هي في نفس الأمر والواقع فذاك أمر بسيط كسائر المفاهيم بالبسيطة ولم يتعرّض له الغزّاليّ هنا ثمّ إنّه في مرتبة الصدق الخارجيّ على مصاديقه الحسّيّة وترتّب الأثر عليه حتّى يصحّ أن نسمّيه زهداً والمتّصف به زاهداً لا بدّ فيه من هذه الاُمور الثلاثة نظير العبادة التي هي حقيقة الإخلاص والإطاعة وكونها عبادة خارجيّة وفاعلها متعبّد حسّاً تحتاج إلى اُمور زائدة على تلك الحقيقة كالعلم بالكيفيّة والكمّيّة وغيرهما هو معروف في بابه عند الفقهاء في الكتب الفقهّية.
1ـ إحياء العلوم 3/187.
(384)

أسباب الزهد والبواعث عليه:

له أسباب كثيرة أظهرها وأقواها القناعة باليسير والرضا بالقوت فيما يسدّ الفورة ويمسك الرمق ومن الملبس بما يستر العورة والعفّة عن الأبتذال في جمع الحطام وصيانه النفس وتنزيهها عن الشره والحرص الذميمين؛ فمن كانت نفسه راضية بيسير العيش قانعة بما قسمّ الله له من الرزق زهد في كلّ شيء وعاش عيشة طيّبة لا تبعة معها ولا إثم ولا مذلّة في أكتساب ولا هوان في طلب.

ثمرات الزهد وفوائده:

ثمراته كثيرة وفوائده جمّة ومنافعه شتىّ دنيويّة واُخرويّة: فالدنيويّة أظهرها وأعظمها الراحة ولهذه الراحة منافع عديدة تعود على البدن بمصالح عظيمة فإنّ النفس إذا لم تسلّط عليها الهموم ولا الكدح في كسب المعيشة وطلب الزائد على القوت أكسبها ذلك راحة كبرى فسلمت من الهموم المؤدّية إلى أنحلال البنية وإضعاف القوى بالأتعاب الشاقّة وتكاملت لها المحافظة على صحّتها ولم تحتاج في حفظ صحّتها إلى ما يحتاجه المهتمّون الكادحون في الكدّ شديداً الذي تعتريهم الأمراض الناشئة من الهمّ والمفرط وشدّة الكدح في سبيل تحصيل الفضول من المال الزائد على قدر القوت الضروريّ فأحتاج إلى العلاج الطبّي، والزاهد مستغن بصحّته التي حفظها له عدم الأهتمام عن الإسعافات الطبّية.
ومن فوائد الزهد الدنيويّة وثمراته العاجلة حياته الشريفة عن ذلّ الأبتذال في الكسب والخضوع لمن في يديه المال ويظنّ أنّ لديه أسباب التعيّش كأرباب الولايات وأهل الصنائع والحرف فإنّ المجد منهم في طلب الزائد على سدّ الخلّة والمجتهد في الكتساب الفضول ربّما حصل على مهنة ساقطة أو وظيفة محقّرة مع الخضوع لمن بيده ذلك والزاهد بعيد عن هذه الوصمة التي تلحق الشرف وتشوّه
(385)

سمعة الكريم وهي نذالة في أنحطاط المرتبة وذلّ الخضوع في الخلطة بسبب التدخّل مع أرباب الثروة فإنّ ذلك موجب للهوان لأنّ المثري متكبّر والآمر جبّار لا يرى واحد منها لأحد أحتاج إليه قدراً وأحتراماً.
ومن فوائد الزهرد وثمراته الدنيويّة الأستغناء عمّا في أيدي الناس ولو على سبيل القرض والأستدانة فإنّ ذلك أستكانة لأنّ المقرض يرى له الفضل على المقترض والدائن يجد له المنّة على المستدين وربّما فاجئه عسر أو ألحّت به ضرورة وعاقته أزمة شديدة عن الوفاء أو أخّر القسط المنجم عليه عن قوته فهناك يلاقي ما لاقي من المذلّة والهوان بسوء الأقتضاء وقبح المطالبة وربّما يكون الموت معه خير للحرّ من الحياة. والزاهد مستريح من هذا العنت والعناء لأنّه متجمّل في الطلب يكتفي بأقلّ شيء يكون به سدّ الخلّة ويكفي للحاجة الضروريّة فهو مستغن عن الأستدانة والأقتراض لقناعته وصبره وإنّما يقع في مذلّتها ويقارف هوانها من أراد الزائد وطمع في الفضول لا من راض نفسه على الصبر وكبح جماحها بالقناعة.
مرّ أحد الزهّاد بقصّاب فدعاه إلى شراء لحم، فقال الزاهد: ليس معي ثمن، فقال القصّاب: أصبر عليك بالثمن، فقال الزاهد: أنا على نفسي أصبر، وقد رويت هذه القصّة عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع).

أمّا ثمرات الزهد:

وفوائده الاُخرويّة فكثيرة أيضاً أهمّها الأستراحة من هول الحساب والمقابلة بالعقاب أو العتاب يوم الحشر الأكبر لما ورد في الحديث عن مولانا أمير المؤمنين وأبنه الحسن (ع) في التحذير من الدينا أنّ في حلالها حساب، وفي حرامها
(386)

عقاب، وفي الشبهات عتاب، فأيّ ثمرة أعظم وفائدة أجلّ من النجاة من العقوبة والخلاص من المحاسبة والمعاتبة.
ومن فوائده العظيمة أنّ لصاحبه الكرامة والمنزلة عند الله لاُمور إن فعلها أستحقّ بها الأجر المضاعف والجزاء العظيم من حيث الصبر على الضرّاء والعنت الذي كابده في فطام النفس عن شهواتها وقد قيل:
وإنّ فطام النفس أثقل محملاً من الصخرة الصمّاء حين ترومها
والشكر على نعم الله المتجدّدة عليه من سلامة الدين والعافية من البلاء والفتن والقناعة بما قدّر له من رزقه فالزهّاد يتّصفون بصفات كلّها توجب القرب من الله منها الصبر والشكر والرضا والتوكّل وغير ذلك ممّا هو مذكور في صفات الزاهدين.

أقسام الزهد وأنواعه:

قد عرفت أنّ الزهد من المفاهيم البسيطة والمعاني المفردة التي لا تقبل القمسة لذاتها وإنّما تنقسم بأعتبار ما تضاف إليه وهو المزهود فيه ونحن نلخّص في هذا كلام الغزّاليّ الشافعيّ في الإحياء فإنّه مطوّل، قال: إعلم أنّ الزهد في نفسه يتفاوت بحسب تفاوت قوّته على درجات ثلاثة:
الدرجة الاُولى: وهي السفلى منها أن يزهد في الدنيا وهو لها مشتهي وقلبه إليها مائل ونفسه إليها متلفّتة ولكنّه يجاهدها فهذا يسمّى المتزهدّ.
ثمّ قال: الدرجة الثانية الذي يترك الدنيا طوعاً لا حتقاره لها بالأضافة إلى ما طمع فيه.
الدرجة الثالثة هي العليا أن يزهد طوعاً ويزهد في زهده إذ لا يرى أنّه ترك شيئاً إذا عرف أنّ الدنيا لا شيء فيكون ولكن ترك خزفة وأخذ جوهرة.
(387)

ثمّ قال: وأمّا أنقسام الزهد بالإضافة إلى المرغوب عنه فهو أيضاً على ثلاث درجات:
الدرجة السفلى: أن يكون المرغوب فيه النجات من النار وسائر الآلام كعذاب القبر ومناقشة الحساب وخطر الصراط وما بين يدي العبد من الأهوال.
الدرجة الثانية: أن يزهد رغبة في ثواب الله ونعيمه واللذّات الموعود بها في جنّته من الحور والقصور وغيرها وهذا زهداً الراجين فإنّ هؤلاء ما تركوا الدنيا قناعة بالعدم بل طمعوا في وجود دائم ونعيم سرمد لا آخر له.
الدرجة الثالثة وهي العليا أن لا يكون له إلاّ في الله وفي لقائه فلا يلتفت قلبه إلى الآلام ليقصد الخلاص منها ولا إلى اللذّات ليقصد نيّتها والظفر بها.
وأمّا أنقسامه بالنسبة إلى المرغوب عنه فقد كثرت فيه الأقاويل ولعلّ المذكور فيه يزيد على مائة قول فلا نشتغل بنقلها ونشير إلى كلام محيط بالتفاصيل فنقول: إنّ المرغوب فيه إمّا إجمالاً أو تفصيلاً ولتفصيله مراتب بعضها أشرح للآحاد وبعضها أجمل للجمل، أمّا الإجمال:
في الدرجة الأولى فهو كلّ ما سوى الله ينبغي أن يزهد فيه حتّى يزهد في نفسه أيضاً.
والإجمال في الدرجة الثانية أن يزهد في كلّ صفة للنفس فيه منقصة وهذا يتناول جميع مقتضيات الطبع من الشهوة والغضب والكبر والرياسة والمال والجاه وغيرها.
وفي الدرجة الثالثة أن يزهد في المال والجاه وأسبابهما إذ إليهما ترجع جميع حظوظ النفس.
وفي الدرجة الرابعة أن يزهد في العلم والقدرة والدينار والدرهم، إلى آخر كلامه.
(388)

وفيه خلط ظاهر وخبط متّضح وحيث كنّا نريد أن نتنكّب مسالك الصوفيّة فلا نزيد على ما حرّرناه لأنّ التصوّف مسلك وعر وطريق صعب وهو وإن كان بصفة الزهد لكنّه ما حقّ للزهد لأنّ الطريقة التي أبتكروها بأفكارهم وسمّوها طريقة وحقيقة لا تناسب مسلك الملة السمحاء السهلة وبالأخصّ إنّهم جعلوها فنّاً من الفنون دوّنوه كما تدوّن سائر العلوم أدخلوا فيه من الحلول والإلحاد ما شوّه سمعة هذا المسلك الجليل الذي هو مسلك الأنبياء والأوصياء وعباد الله الصالحين فأضافوا إليه من البدع والمقالات الشطحيّة ذات الأضاليل والكفر الصريح ممّا نزّه الله عنه أوليائه المتّقين وعباده الصالحين وقد كتبنا في المسودّة عن زهد عيسى ويحيى ونبيّنا محمّد (ص) وزهد أهل بيته فصلاً نافعاً حذفناه أختصاراً.

زهد العبّاس بن أمير المؤمنين (ع):

إنّ العبّاس بن أمير المؤمنين قد شبّ ونشأ في صحبة أزهد الخلق أبيه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب وأخويه الحسن والحسين (ع) فأكتسب فضيلة الزهد ببركة صحبتهم فإنّ الطباع تتأثر بالمصاحبة وقيل: المرء يأخذ من دين صديقه وقد قيل: ولد الفقيه نصف فقيه، وفي الحديث ما معناه، إذا خفي عليك مال فأنظر فيما ينفق، وإذا خفي عليك حال شخص فأنظر من يصحب، قال الشاعر:
صاحب أخا ثقة تحضى بصحبته فالطبع مكتسب من كلّ مصحوب
وقال أعشى بني عوف:
فأعتبر الأرض بأسمائها وأعتبر الصاحب بالصاحب
وقال الآخر:
* إنّ القرين إلى المقارن ينسب*
(389)

وقال آخر في المجاورة:
من جاور المسك لم يكتسب منه سوى الرائحة الطيّبه
وقال آخر في الفروسيّة:
وعلّمنا الضرب آباؤنا وسوف نعلّمه أيضاً بنينا
وقيل للأحنف: ممّن تعلّمت الحلم؟ قال: من قيس بن عاصم في قصّة أوردناها في كتابنا (الميزان الراجح) والعقل يشهد بصحّة هذا ويحكم به جزماً ودلّت عليه التجارب وقضى الوجدان بتغيّر الطبائع عن مجراها الطبيعيّ وتكتسب خلقاً آخر يقهر ذلك الخلق الغريزيّ كما أكتسب الحديد الذي من طبعه الرسوب في الماء أن يطفوا على وجه الماء، وكالماء الذي من طبعه البرودة يكتسب الإسخان بالمجاورة ويصل في الهجير الشديد الحرارة بمجاورة الثلج الصناعيّ إلى درجة البرودة الشتويّة ويزيد عليها وتأثير الثقافة حتّى في السباع والطيور أمر مفروغ منه.
فأبو الفضل العبّاس أوّلاً كان من بيت خلقهم الله للآخرة لا للدنيا فهو بطبعه وجبلّته يطلب ما خلق له وبجانب ما لم يخلق له فلا يجد لنعيم الدينا لذلّة ولا لزخرفها فائدة.
ثانياً إنّه تربية أهل الزهد وتهذيب أهل النسك ومربيّه ومهذّبه من طلّق الدنيا طلاقاً لا رجعة فيه ومع ذلك يدلّ على زهده اُمور:
منها ما سيجيء في عبادته من بيان أثر السجود بين عينيه.
ومنها ما سيجيء في بصيرته في دينه وفي فصل إيمانه ويقينه.
ومنها ما ورد في زيارته عن ألإمام جعفر الصادق (ع) حيث يقول: ((فنعم الصابر المجاهد المحامي الناصر والأخ الدافع عن أخيه، المجيب إلى طاعة ربّه، الراغب فيما زهد فيه غيره من الثواب الجزيل والثناء الجميل)) ألخ، وليست هذه الرغبة في الثواب المضاعف والثناء الدائم إلاّ الزهد في الدنيا الفانية والإعراض عن زهرتها
(390)

وزهوتها اللذين شغلا طلاّب الدنيا وعشّاق الشهوات عن أختيار الأعمال الصالحة المنوط بها الثواب والكرامة.
ومنها إعراضه عن زهرة دنياه وهو في ريعان الشباب وغضارة الصبا العمر مقتبل والعيش غضّ وأغصان الشبيبة يانعة لم يبلغ حدّ الأكتهال ولا درجة الأكتمال التي تشرّف به على نقيصة العمر الطبيعيّ وهي الأربعون فأعرض عن ذلك المحبوب الطبيعيّ والمرغوب الفطريّ فردّ الأمان وأستقبل الأسنّة والحداد، وقد قال من عرف الدرجة الراقية في الزهد هي أن يزهد في نفسه، وقال بعضهم: الزهد قصر الأمل وقد صرّح كثير من العلماء بأن الجهاد بإقبال وجدّ هو حقيقة الزهد ولهذا قال العزّاليّ في إحياء العلوم(1) بعد كلام تقدّم بعضه:
فالحاصل أنّ الزهد عبارة عن الرغبة عن حظوظ النفس كلّها ومهما رغب عن حظوظ النفس رغب عن البقاء بها فقصّر أمله لا محالة لأنّه إنّما يريد البقاء ليتمتّع ويريد التمتّع الدائم بإرادة البقاء فإنّ من أراد شيئاً أراد دوامه ولا معنى لحبّ الحياة إلاّ حبّ دوام ما هو موجود وممكن في هذه الحياة فإذا رغب عنها لم يردّها ولذلك لمّا كتب عليهم القاتل قالوا: (رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرَيبٍ)(2) فقال تعالى (مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ) أي لستم تريدون البقاء إلاّ لمتاع الدنيا فظهر عند ذلك الزاهدون وأنكسف حال المنافقين، أمّا الزاهدون المحبّون لله تعالى فقاتلوا في سبيل الله كأنّهم بنيان مرصوص وأنتظروا إحدى الحسنيين وكانوا إذا دُعوا للقتال يستنشقون رائحة الجنّة ويبادرون إليها مبادرة الظمئآن إلى الماء البارد حرصاً على نصرة دين الله أو نيل مرتبة الشهادة ألخ.
1ـ إحياء العلوم 3/196.
2ـ النساء: 77.
(391)

وهذا صحيح فقد صدر عن كثير من أهل الزهد فإنّ عمّار بن ياسر (رض) لمّا عزم على حرب أهل الشام بصفّين في اليوم الذي أستشهد فيه، قال: الرواح إلى الجنّة، وقال: الجنّة تحت ظلال الأسنّة، وفي لفظ: تحت ظلال السيوف، وقال: اليوم ألقى الأحبّة محمّداً وحزبه، وقال غيره قريباً من قوله كما في حديث عبد الله بن رواحة شهيد مؤتة وحارثة الأنصاريّ شهيد بدر وغيرهما؛ فرفض الحياة والأبتشار بالمنيّة من أعظم درجات الزهد واليقين وقد علم كلّ أحد أنّ العبّاس بن أمير المؤمنين (ع) رفض الحياة وأقبل على الموت بأبتهاج وقد ردّ الأمان على أهل الكوفة كما علمت ذلك في إبائه وأمتنع من قبول الرخصة التي أتتهم من سيّد الشهداء الإمام الحسين (ع) بالإنصراف عنه وطلب النجاة لأنفسهم على أنّهم في حلّ ولا حرج عليهم ولا إثم.
فقد روى الشيخ المفيد والسيّد أبن طاوس وأبن الأثير والطبريّ وغيرهم ولفظ الطبريّ(1): عن عليّ بن الحسين (ع) قال: جمع الحسين (ع) أصحابه عند قرب المساء، قال عليّ بن الحسين (ع): فدنوت منه لأسمع ما يقول وأنا مريض، فسمعت أبي يقول لأصحابه:
أثني على الله تبارك وتعالى أحسن الثناء وأحمده في السرّاء والضراء، اللّهمّ إنّي أحمدك على أن كرّمتنا بالنبوّة وعلّمتنا القرآن وفقّهتنا في الدين وجعلت لنا أسماعاً وأبصاراً وأفئدة ولم تجعلنا من المشركين.
أمّا بعد فإنّي لا أعلم أصحاباً أولى ولا خيراً من أصحابي ولا أهل بيت أبرّ ولا أوصل من أهل بيتي فجزاكم الله عنّي جميعاً خيراً، ألا وإنّي أظنّ يومنا من هؤلاء
1ـ تاريخ الطبريّ 6/238.
(392)

الأعداء غداً، ألا وإنّي قد رأيت لكم فأنطلقوا جميعأً في حلّ ليس عليكم منّي ذمام وهذا الليل قد غشيكم فأتخذوه جملاً.
ثم قال في حديث الضحّاك المشرقيّ، فقال: وهذا لليل قد غشيكم فأتّخذوه جملاً وليأخذ كلّ رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي ثمّ تفرّقوا في سوادكم ومدائنكم حتّى يفرّج الله فإنّ القوم إنذما يطلبونني ولو قد أصابوني لهوا عن طلب غيري.
فقال له إخوته وأبناؤه وبنوا أخيه وأبناء عبد الله بن جعفر: لِمَ نفعل؟ لنبقي بعدك؟ لا أرنا الله ذلك أبداً، بدأهم بهذا القول العبّاس بن عليّ (ع) ثمّ إنّهم تكلّموا بهذا ونحوه ألخ.
وفي أسرار الشهادة(1) عن الخرايج عن عليّ بن الحسين (ع) قال: كنت مع أبي (ع) في الليلة التي قُتل في صبيحتها، فقال لأصحابه: هذا لليل قد غشيكم فأتخذوه جملاً فإن القوم إنما يريدونني ولو قتلوني لكم لم يلتفتو إليكم وأنتم في حل وسعة.
قالوا: لا والله لا يكون هذا أبداً.
فقال (ع): إنّكم تُقتلون غداً كلّكم ولا يفلت منكم رجل.
قالوا: الحمد لله الذي شرّفنا بالقتل معك.
ثمّ دعا وقال: إرفعوا رؤوسمكم وأنظروا، فجعلوا ينظرون إلى مواضعهم ومنازلهم من الجنّة وهو يقول لهم: هذا منزلك يافلان وهذا قصرك يافلان وهذه زوجتك يافلان، فكان الرجل يستقبل الرماح والسيوف بصدره ووجهه ليصل إلى منزله في الجنّة، إنتهى، ورواه الصدوق في علل الشرائع مختصراً.
1ـ أسرار الشهادة: ص347.
(393)

للمؤلّف:
يابن الوصيّ الذي سارت فضائله في الخافقين رواها العرب والعجم
زهدت في العيش والأيّام مقبلة هذا لعمر أبيك الزهد والكرم
فإنّ من يزهد الدنيا ويرفضها والعيش فان ومنه والعمر منصرم
فليس يشبه زهد الزاهدين بها والعمر غضّ كثغر الخود مبتسم
يهنيك يابن عليّ كلّ مكرمة ومفخر عجزت عن مثله الاُمم
أبوك بعد رسول الله خير فتى تنمى إليه المعالي الغرّ والشيم
جمّ المناقب لا تحصى فضائله خير الأنام على رغم الاُولى رغموا
كانت منازل هارون له جمعت إلاّ النبوّة فضل ليس ينكتم
فكنت للسبط يا تاج الفخار كما أبوك للمصطفى في كفّه العلم
فخضتما غمرات الموت دونهما حيث المصاليت منها زلّت القدم
فلله يجزيكما الخيرات ما طلعت شمس النهار وجادت للثرى الديم
(394)

عبادة العبّاس الأكبر (ع)

العبادة ذات تفاصيل مطوّلة لا يتّسع لنا أستقصاؤها ولا استيفاء فروعها ونحن نلخَص منها ما يستفيده المطالع ولا يتضجّر به القارئ ويرجع في التفاصيل إلى الكتب الموضوعة لها والذي يلزمنا بيانه معنى العبادة لغة وشروعاً وحقيقتها وثمراتها.
معناها اللغويّ فهو بنفس الأنقياد والإطاعة، ومعناها الشرعيّ فهو الإخلاص في الإطاعة والأنقياد السالم من شائبة الإشراك، ومعناها عند الفقهاء هي كلّ فعل مشروط بقصد القربة، فبين المعنيين الأخيرين توافق حيث أنّ القربة لا تقع إلاّ مع الإخلاص ولا يكون الفعل مقرباً إلاّ إذا خلا من شائبة إشراك كما بيّنّاه في معنى النيّة من كتابنا ((السياسة العلويّة)). والمعنى اللغويّ أعمّ من المعنى الشرعيّ لأنّه يصدق على العبادة الفاسدة والعبادة المحرّمة كعبادة الأوثان فإنّها تسمّى عبادة لغة ولا تسمّى عبادة شرعاً. قال الشاعر:
اُحبّكم وهلاكي في محبّتكم كعابد النار يهواها وتحرقه
وقال سديف المكّيّ يمدح بني الحسن السبط ويذّم بني العبّاس:
ما تنقضي دولة أحكام قادتها فينا كأحكام قوم عابدي وثن
وقد حكى الله تعالى في القرآن المجيد قول عبدة الأوثان: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)(1) في آيات كثيرة فسمّيت عبادتهم هذه مع فسادها عبادة
1ـ الزمر: 3.
(395)

وقد جمع المعنيين الصحيح والفاسد سورة ((يا أيّها الكافرون)).
فالنبيّ (ص) لا يعبد عبادتهم الفاسدة وهم لا يعبدون عبادته الصحيحة.
قال الفيّوميّ في المصباح: عبدت الله أعبده عبادة وهي الأنقياد والخضوع، والفاعل عابد، والجمع عبّادة وعبدة ثمّ أستعمل فيمن اتّخذ إلهاً غير الله وتقرّب إليه فقيل: عابد الوثن والشمس وغير ذلك ألخ.
وعلى ما يظهر أنّ اللفظة مولدة وليس كذلك بل قديمة تعرفها العرب في الجاهليّة وكلمات أهل اللغة متقاربة يفهم منها أنّها مولدة ولكنّه خطأ بل هي قديمة ولكنّها تستعمل في اللغة بالمعنى الأعمّ وفي الشرع بالمعنى الأخصّ وهو الصحيح من عبادة الله.

حقيقة العبادة:

هي الخضوع للمعبد والخشوع في المشروط بالقربة والإخلاص فيه وفي غير المشروط بالقربة الخضوع فقط للأوامر الربّانيّة فحقيقة العبادة هي الخضوع للمعبود مع الإخلاص والتشوّق لعبادته.
قال الشريف الجرجانيّ في التعريفات(1): العبادة هو فعل المكلّف على خلاف هوى نفسه تعظيماً لربّه.
وقال أبن مكسويه الخازن في تهذيب الأخلاق(2): وأمّا العبادة فهي تعظيم الله وتمجيده وطاعته وإكرام أوليائه الملائكة والأنبياء والأئمّة (ع) والعمل بما توجبه الشريعة وتقوى الله تتمّ هذه الأشياء وتكملها، ألخ.
1ـ التعريفات: ص98.
2ـ تهذيب الأخلاق: ص383.
(396)

ثمرات العبادة وفوائدها:

للعبادة فوائد وثمرات كثيرة منها دنيويّة ومنها اُخرويّة، وسبيل الاُخرويّة معلوم وهو النجاة من النار والفوز بالجنّة وكلّما كانت العبادة أعظم كان الأجر أعظم، والأيات والروايات في تبشير العابدين كثيرة.
وثمراتها الدنيويّة مهمّة لأنّها رياضة بدنيّة حسبما تقتضيه قواعد الطبّ ويستعمله أهل الرياضة الحديثة في تنشيط الجسم من أفانين الألعاب المقوية للحركة والمنشط للجسم كالملاكمة اليدويّة والمسابقة في الميدان وأمثالهما مع الأبتذال والتهتّك، والعبادة تعطي هذه الفوائد بأعيانها كالهرولة في السعي ورمي الجمار والوقوف بالمشعرين والقيام والقعود وتنّوع الحركة في الصلاة والمشي إلى المساجد والضرائح المقدّسة فإنّه يحدث نشاطاً.
ومن فوائدها وثمراتها أنّها مؤسّسات أجتماعيّة عميمة الفائدة في ربط مصالح الاُمّة بعضها ببعض وفرق بين هذه الجامعات الدينيّة والجامعات الدنيويّة كالمقاهي والمسارح التي تجتمع بها أرباب السفه والبطالة وتذهب فيها الأموال على غير طائل وإن كنت المقاهي سبباً لأجتماع في شؤون التجارة ومصالح البيع والشراء لكن الجامعات الدينيّة لا خسران فيها لا في الدين ولا في الدنيا لأنّها مؤسسات مجّانيّة وخالية من أرباب السفه والبطالة ومكدّري صفو العيش بهذيانهم وسخفهم وكافلة بمصالح التجارات والبيوع فيقضي بها مصلحته الدنيويّة من بيع وشراء ومصلحته الدينيّة من بثّ عقائد الإسلام وتقوية عزائم المسلمين أو أستفادة علميّة أو أستفادة حديث عن مصلحة لها ربط بمعاملته أو عمل خير يحمد به في دينه ودنياه، أو يكون صلح بين خصمين وما شاكل ذلك وإن خلى من جميع هذه لم يخلو من ربح الدعاء والأستغفار، ومجتمعات العبادة على
(397)

الغالب تلقي دروساً علميّة ومباحثاً فنّيّة وتحدّث بأخبار عالميّة تغنّيه عن سماع الإذاعة ويستفيدها مع الفائدة الدينيّة والسلامة من الخسران والخلاص من مساهمة السخفاء.
فقال أحمد حلمي أحد كتّاب الأتراك العثمانّيين تعريب حسين كامل ولفظه في كتابه تشكيلات الإسلام(1): ولأجل أن يكون لأهل الإسلام مجتمعاً وبكلّ محلّة متّحداً اتّخذ أهل الإسلام صوامع المحلّة ومساجدها وهو المسمّى بلسان الشريعة مسجد الحيّ أساساً لذلك فإنّ الدوام على الجماعة والمواظبة عليها في أزمنة تقرّر ألأمنّية والأستراحة وعدم الخوف سنّة مؤكّدة يعني إذا لم يكن مواضع طبيعيّة وسياسيّة للإنسان فأدائه الصلوات الخمسة المفروضة مع الجماعة وأجتماعهم بإخوانهم في الدين في الأزمنة المعيّنة بدرجة الوجوب فبناء على هذا إنّ الأخبار التي تأتي جماعات المسلمين يتذكّرون فيها ويتشاورون في مسجد المحلّة ويعطون عليها قراراً وذلك عقب أداء الصلاة مع آدابها وسننها ولأجل الأجتماع الكبير الذي هو من الاُسبوع إلى الاُسبوع يلزم وجوباً دوام جماعات المحلاّت وسعيهم جميعاً إلى جوامع الجمعة وأدائهم صلاة الجمعة بعد قراءة الخطبة المبيّنة لما يلزم لهم ديناً ودنياً، وهناك يتشكّل مجلس كبير يقوم فيه الخطيب والرئيس قبل أداء الصلاة على منبر الخطابة يبيّن موضحاً أخبار الأسبوع وحوادثها العائدة للعالم الإسلاميّ.
ثمّ أخذ هذا الكاتب في بيان الأجتماعات الكبيرة في العيدين ومواسم الحجّ وما لهذه الأجتماعات من الأهمّيّة في عالم الإسلام وما فيها من الفوائد الموجبة لترقية الإسلام تركنا ذكرها للأختصار.
1ـ تشكيلات الإسلام: ص4.
(398)

أنواع العبادة:

تتنوّع العبادة أنواعاً كثيرة فهي بالنظر إلى حقيقتها وما هيّتها هي نوعان: فاسدة وصحيحة؛ فالفاسدة مافقدت شرطاً أو أشتملت على مانع، والصحيحة ما جمعت الشرائط وفقدت الموانع على التفاصيل المذكورة في كتب الفقه.
وبالنظر إلى نفس التكليف بها هي أيضاً نوعان: وأجبة ومندوبة؛ فإنّ التكليف بها على جهة الحتم والإلزام فهي الواجبة، أو على جهة الترغيب بلا تحتيم فهي المندوبة، وكلّ منهما نوعان: فالواجبة إمّا واجبة بالذات وهي الواجبات الأصليّة كالفرائض الخمس وحجّة الإسلام وصوم شهر رمضان وأمثالهما، أو بالعارض كالمنذورة والمحلوف على فعلها، والواجبة تبعاً كصلاة الطواف، والمندوبة نواعن أيضاً: أصليّة ويقال لها راتبة كالنوافل اليوميّة وحج التطوّع، وغير راتبة كصلاة الأسباب مثل الزيارة والطواف لغير الحجّ وأمثالهما.
وبالنظر إلى ما يقصده المتعبّد في العبادة هي ثلاثة أنواع: أمّا أن يكون المقصود بها الأمن من الخوف أو الرجاء للكرامة أو لا هذا ولا ذاك وإنّما المقصود بها أهليّة المعبود للعبادة وهو أعلاها وعليه عبادة النبيّ (ص) وعبادة أمير المؤمنين عليّ (ع) وعبادة الأئمّة المعصومين (ع) ويدلّ عليه قول أمير المؤمنين (ع): ما عبدتك خوفاُ من نارك ولا طمعا في جنّتك ولكنّي رأيتك أهلاً للعبادة فعبدتك، وقد ورد في الحديث تسمية النوع الأوّل وهو العبادة للخوف بعبادة العبيد وذلك لأنّ العبد إنّما يطيع سيّده للخوف من عقوبته ولولا خوف العقوبة ما أمتثل أوامر السيّد، وتسمية النوع الثاني بعبادة التجّارة لأنّ التاجر إنّما يعمل لأجل الربح ولو ظنّ الخسارة ما تاجر ولا تكبّد مصاعب الأسفار، وتسمية النوع الثالث بعبادة الأحرار لأنّ الحرّ يعمل لا لرهبة ولا لرغبة وإنّما تصدر أفعاله عن شهامة نفس وكرم أخلاق ويرى
(399)

أنّ ما يقوم به من عمل أمّا لأنّه أهل أن يفعل هذا أو أنّ المعمول له أهلاً لأن يعمل له ويخدم.
قال أبن أبي الحديد الحنفيّ المعتزليّ في شرح نهج البلاغة(1): الحرّيّة هو أن لا يكون الإنسان في قلبه رقّ شيء من العلوقات لا من أغراض الدنيا ولا من أغراض الآخرة فيكون فرد الفرد لا يسترقد عاجل الدنيا ولا آجل شيء ولا حاصل هوى ولا سؤال ولا قصد ولا ربّ، وقال (ص) لبعض أصحاب الصفّة: قد عزفت نفسي عن الدنيا فأستوى عندي ذهبها وحجرها، قال: صرت حرّاً، وقال الشاعر:
أتمنّى على الزمان محالاً أن ترى مقلتاي طلعة حرّ
ألخ، وفي كلامه شذوذ بين إذ معنى كون الشيء النفسي في نفسه قد ساوى الساقط لا يسمّى زاهداً لأنّ معنى الزهد هو الرغبة عن النفسي والمراد من العبادة كالمراد من الكسب والعمل إمّا لجلب محبوب أو لدفع محذور أقصى ما يتصوّر أنّ الحرّ الكريم صاحب الشهامة لا يعمل الأعمال بداعي الرهبة والرغبة حيث أنّ همّته أعظم وقدره أكبر فيعمل الأعمال إمّا لمناسبة شخصيّته كما يقال فلان يعطي على قدره لا على قدر السائل، أو يعمل لأجل من عمله يقلّ في جنب عظمته وإن كبر في نفسه فهو إذن أهل أن يعمل له ومستحقّ للعمل لذاته بدون ملاحظة سطوته أو كرامته فالمتعبّد الحرّ العظيم الهمّة يرى أنّ معبوده الذي هو ربّ الأرباب ومفيض الخيرات على الوجود جدير بالعبادة وحقيق بها لا لأنّه يثيب ويعاقب بل لأنّه منعم متفضلّ عمّ البريّة بإنعام لا تعدّ، وشملهم بألطاف لا تحصى بأن خلقه إنساناً عاقلاً لا حيواناً، وذكراً لا اُنثى، تامّ الخلقة لا ناقصها، كامل الإرادة لا ضعيفها، مؤمناً به لا جاحداً إلى غير ذلك من النعم التي يجب أن تقابل بالشكر
1ـ شرح نهج البلاغة 3/71 طبع مصر.
(400)