لمّا فرّ أصحاب مصعب عنه وتخلّف في نفر يسير من أصحابه كسر جفن سيفه وأنشد:
وإنّ الاُولى بالطفّ من آل هاشم تأسّوا فسنّوا للكرام التأسّيا
فعلم أصحابه أنّه أستقتل، ومن كلام الحسين (ع) يوم الطفّ المنقول عنه نقله زين العابدين عليّ أبنه (ع): ألا إنّ الدعيّ أبن الدعيّ قد خيّرنا بين أثنتين: بين السلّة والذلّة وهيهات من الذلّة يأبى الله ذلك لنا ورسوله والمؤمنون وحجور طابت وحجور طهرت واُنوف حميّة ونفوس أبيّة، وهذا نحو قول أبيه (ع): إنّ أمرء أمكن عدوّه من نفسه يعرق لحمه ويفري جلده ويهشّم عظمه لعظيم عجزه، ضعيف ما ضمّت عليه جوانح صدره، أنت فكن ذاك إن شئت وأمّا أنا فدون أن اُعطي ذلك ضرب بالمشرفيّّة تطير منه فراش الهام وتطيح السواعد والأقدام ألخ.

نقد المؤلّف لأبن أبي الحديد في إباء الحسين (ع):

ليس كلّ مؤلّف وإن نبل ولا كلّ كاتب وإن نبغ يعرف الحقيقة وينكشف له واقع الأمر، فهذا الكاتب البليغ لم يعرف حقيقة الحسين (ع) ولا مقدار أثر نهضته في سبيل الإصلاح. ما سيم الحسين (ع) الهوان إلاّ في آخر خطوة خطاها إلى الموت وقالوا له بعد أن قرعهم بقوارع الوعظ اللاذع يوم العاشر من المحرّم وأخبرهم بخيانتهم ونكثهم فقالوا: ما ندري ما تقول ولكن أنزل على حكم بني عمّك، ومتى قالوا هذه المقالة بعد مجيء الشمر لعنه الله بكتاب أبن زيادة لعنه الله عصر التاسع بأن لا يقبل عمير بن سعد لعنه الله من الحسين إلاّ النزول على حكمه والأستسلام أو الحرب وكان الشمر هو الذي أشار على أبن زياد بهذا الرأي على ما رواه ثقاة المؤرّخين فكان جواب هؤلاء ما سمعت، فقال الحسين (ع): هيهات
(301)

لا اُعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أقرّ لكم إقرار العبيد، وإليه أشار السيّد حيدر الحلّيّ (رحمه الله) في رثاءه:
فسامته يركب إحدى أثنتين وقد صرّت الحرب أسنانها
فإمّا يرى مذعناً أو تموت نفس أبي العزّ إذعانها
فقال لها أعتصمي بالإبا فنفس الأبيّ وما زانها
إذا لم نجد غير ليس الهوان فبالموت تنزع جثمانها
فأين منتهى الغاية من مبدأ المدى ومحلّ الهدف من موقف الرامي أنّ مبادئ النهضة الحسينّية منذ عهد معاوية إلى أبتداء بيعة يزيد البيعة العامّة وحتّى مسيره إلى العراق لم يسمّ هواناً ولم يرد به الإذلال والخضوع وإنّما كان غنيمتهم سكوته عنهم وعدم تعرّضه لهم فلو حصل منه ذلك لبني اُميّة لكانت عندهم الفائدة التي لا تدانيها فائدة ولكنّه أبى ذلك نظراص لمصلحة الدين وحميّة للإسلام والشريعة فأظهر مناواتهم ومباعدتهم والتنديد لأعمالهم وإعابة أفعالهم القبيحة، هذا ديدن الحسين (ع) واُميه تأخذ باللين والإرفاق وهذه العصور الأمويّة التي عاش بها الحسين (ع) هي ترجمان حقيقة ما قرّرناه:
أمّا عصر معاوية بن ابي سفيان فقد كان معاوية يرى أنّ في الحسين (ع) نخوة إباء متغلغلة في دماغه الكريم وبمعطسه شمم متوغّل في خيوشمه الأشمّ ويعرف أنّ الغطرسة الأمويّة ذات النزوة الجبروتيّة مملوءة بالتمويهات والنيرنجة السياسة الخلاّبة التي يخدعون بها ضعفاء العقول ليست برائجة على الحسين (ع) ولا مؤثّرة فيه حتّى ينخدع فينقاد فلذلك كان معاوية مع شّدته وغلظته على سلالة عليّ (ع) وتذكّره لأحقاد بدر واُحد وغيرها وما هو بالناسي لمعركة صفّين التي دارت رحاها طاحنة لجيشه بيد مديرها صاحب الصولة الهاشميّة أبي الحسن القرم (ع) فقد كان ينخدع للحسين (ع) ويلين له جانبه ولا يعامله إلاّ بالرفق والأناة حيث كان هو (ع)
(302)

يخطو بقدم المنعة والعزّ ويمدّ يد القدرة والتمكين إلى الأموال المحمولة إلى معاوية بغير مراجعة له ولا أستئذان منه وهو ملك ذلك العصر المنفرد وسلطان الوقت المسلّط، وإذا كاتب معاوية كاتبه بكلّ جواب لاذع ووجّه إليه كلّ خطاب نافذ بما هو أمضى من حدود الأسنّة.
أمّا يزيد بن معاوية فكان على عدواته لأهل البيت (ع) وشدّة بغضه للحسين (ع) كان في أشدّ ما يكون من مراعات جانب الحسين (ع) خوفاً منه أن يقوم بنهضة دينيّة أو ثورة تزعزع عرش سلطنته فكان يتوصّل إلى إرضاء الحسين وإقناعه بكلّ ما وجد إليه سبيلاً وأعظم الوسائل عنده أن يعاتبه ويعاتب أشراف قومه فلمّا علم أنّ الحقّ يمنع الحسين (ع) من الأنقياد إليه والأتّباع له وأنّ الدين يوجب عليه النهوض لمكافحة الأستبداد مال إلى العنف والشدّة قولاً ولأن فعلاً وبذلك له الأمانيّ والمرغّبات وفتل في الذروة والغارب وتوسّل إلى ذلك بكلّ وسيلة حتى أنّه أستغاث بقريش وأستعدادهم على الحسين (ع) وخوّف بني هاشم عاقبة الحرب حيث يقول في كلمة يرويها الطبريّ المؤرّخ في أخبار الدولة العبّاسيّة وأبن كثير المؤرّخ الشافعيّ الدمشقيّ وسبط أبن الجوزيّ الحنفيّ وآخرون ونصّها:
يأ أيّها الراكب الغادي لطيّته على عذاقرة في سيرها قحم
أبلغ قريشاُ على نأي المزار لها بيني وبين الحسين الله والرحم
وموقف بفناء البيت اُنتشده عهد الإله غدا توفى به الذمم
هنأتموا قومكم فخراً باُمّكموا اُمّ لعمري حصان عفّة كرم
وهي التي لا يداني فضلها أحد بنت الرسول وخير الناس قد علموا
إنّي لأعلم أو ظنّاً لعالمه والظنّ يصدق أحياناً فينتظم
أن سوف يترككم ما تدّعون به قتلى تهاداكم العقبان الرخم
(303)

ياقومنا لا تشبّو الحرب إذ سكنت وأمسكو بحبال السلم وأعتصموا
قد غرّت الحرب من قد كان قبلكموا من القرون وقد بادت بها الاُمم
فأنصفوا قومكم لا تهلكوا بذخاً فربّ ذي بذخ زلّت به القدم
وقد كان الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وهو والي المدينة ليزيد بن معاوية يعظّم الحسين (ع) وهو الذي كتب إلى أبن زياد ينهاه عن حرب الحسين (ع) وقد كان أيضاً عمرو بن سعيد الأشدق الأمويّ الذي خلّف الوليد على ولاية المدينة وهو جبّار بني اُميّة قد بذل للحسين (ع) الأمان مع ضمانه له الحباء والتبجيل والأحتارم وبعث أخاه يحيى بن سعيد إليه وأستقبله في الطريق قاصداً إلى العراق ومعه عبد الله الجواد أبن جعفر الطيار ولكن الحسين (ع) رفض كلّ سلم لبني اُميّة وأبى كلّ مصالحة لهم حيث أنّه يرى في مسالمتهم تقوية للجور الذي أرتكبوه وإضعافاً للعدل الذي قهروه وخطبه (ع) مملوءة بهذا كقوله (ع) أفلا ترون إلى الحقّ لا يّعمل به، وإلى الباطل لا يُتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء ربّه محقّاً، وإنّي لا أرى الموت إلاّ سعادة والحياة مع الظالمين إلاّ برما.
نعم، إنّه نزل كربلاء وأحاطو به وحصروه بتلك الفلاة بغير مادّة ولا مدد وظهرت لهم علامات الغلبة ساموه تلك الخطّة الذميمة فرفضتها نفسه الأبيّة وشمخت عن قبولها أنفه الشمّاء كما قال شاعر الأنصار(1):
أبت لي عفّتي وأبى بلائي وأخذي الحمد بالثمن الربيح
وإعظامي على المكروه نفسي وضربي هامة البطل المشيح
بذي شطب كلون الماء صاف ونفس ما تقرّ على القبيح
قائلها عمرو بن الأطنابة الأوسيّ جاهليّ وفيها:
أقول لها وقد جشأت وجاشت ــ مكانك تحمدي أو تستريحي
(304)

لأدفع عن مآثر صالحات وأحمي بعد عن عرض صحيح
وقد تمثّل الحسين (ع) بقوله شاعر الأنصار من الصحابة وقد ليم على الجهاد مع النبيّ (ص) وخوّف بالموت:
سأمضي وما بالموت عار على الفتى إذا ما نوى حقّاً وجاهد مسلماً
وواسى الرجال الصالحين بنفسه وجاهد مثبوراً وفارق مجرما
فالنهضة الحسينيّة لها مبادئ تشتمل على غايات شريفة وهي ما ذكرنا من نشر العدل والأمّة والتسوية والمساوات في القسم ونشر الأحكام كلّها التي فرضتها شريعة الإسلام، ولها خواتم تشتمل على فضائل شتّى وهي ما ذكرنا من أختيار القتلة الحميدة على الحياة الذميمة وعدم الأنقياد للوضعاء الأدنياء وسعادة سرمديّة بإحياء الذكر في الأجيال المتعاقبة وهي حياة خالدة أبد الدهر ولم ينهض أحد من أعيان المسلمين على نهج النهضة الحسينّية ولا سلك مسلكه الاُباة الذين ذكرهم أبن الحديد الكاتب المعتزليّ الحنفيّ في شرح نهج البلاغة كقتيبة بن مسلم الباهليّ ويزيد بن المهلّب الأزديّ وابني الزبير عبد الله ومصعب.

نقد المؤلّف لأبن أبي الحديد في عدّه آل الزبير وغيرهم كالحسين (ع):

قبل كلّ مهمّ ينبغي التنبيه على مطلب ترى له أهمّيّة في بادئ النظر فإنّ الغبيّ ربّما يتوهّم من تعداد هؤلاء هنا أنّهم في المحلّ الأرقى والمكان الأرفع من الشرف حتّى أنّهم ذًكروا هنا في سلسلة الإباء الحسينيّ والفرق متّضح أنّ من كان مثل الحسين(ع) الذي هو أشرف الناس بعد جدّه وأبيه وأخيه (ع) بكلّ معنى من معاني الشريف فلا شكّ أنّ في خضوعه ذلّة وهو أن إذا لا أجلّ منه ولا أشرف فمهما كان تابعاّ لأيّ متبوع تصوّرت كان في ذكل نقص وهوان وإنّ بجّله المتبوع وأجلّه وعظّمه كما ينبغي وكما يراد.
(305)

ومن ذكر من الباهليّ والأزديّ فما هذان الشرف لولا الأنقياد لأهل السلطة والتبعيّة لأهل السلطنة؛ أمّا الاُسرة والرهط فلؤم اُسرته مشهور في العرب وضاعتهم تضرب بها الأمثال، وسلم أبو قتيبة كان خادماً وبريداً ليزيد وأبن زياد يقف في صفّ العبيد على أبوابهم، وأمّا قتيبة فكان خادماُ للحجّاج بن يوسف ونبل بتوليته له قيادة الجيوش ولا يخفى هذا على كلّ عارف بالأثر من له أقلّ إلمام بالتاريخ، وأمّا آل المهلّب فمع كونهم من أزد عمّان يعابون بالملاحة ثمّ من العتيك أذلّ أزاد عمّا ينبزن بالحياكة ومع ذلك هم أدعياء في الأزد كما ذكرنا ذلك في كتابنا ((الأمالي المنتخبة)) في فصل الأدعياء والدخلاء، فنبل آل المهلّب وعظّموا بخدمة آل الزبير وآل مروان فشهر المهلّب وبنوه في حروب الفتنة وأظهرتهم القيادة والإمرة فما دام أميراً وقائداً فهو من العظماء وإن عزل عنها فهو كأفراد الناس ويطلق عليهم المزون ذمّاً وتهجيناً فما هؤلاء لو خضعوا لسلطان الوقت والهوان، نعم هؤلاء ما نهضوا أنفة وخوفاً من الوصمة بل نهضوا طمعاً في الإمرة وحرصاً على القيادة.
أمّا أبن المهلّب فيعلم أنّ يزيد بن عاتكة بن عبد الملك بن مروان لا يولّي مهلّبيّاً لأنحرافه عنهم وبغضه إيّاهم فأراد أبن المهلّب أن يريه قدرته فقاد تلك الجماهير وما ساعدته الأقتدار فأحلّ بنفسه وأهله الدمار وأنزلهم دار البوار وهكذا حال قتيبة مع سليمان بن عبد الملك ومن عرف التاريخ وأطّلع على كتبه المعتمدة علم أنّ ما قلناه هو الواقع.
وأمّا آل الزبير فأوّلاُ ليست أسد بن عبد العزّى من قبائل قريش الرئيسة وخصوصاً آل العوام حتّى قيل أنّهم أدعياء قريش وإنّهم من القبط وأنّ خويلداً قد تبنّى العوام القبطيّ، راجع كتابنا ((الأمالي المنتخبة)) في الأدعياء والدخلاء وإنّما
(306)

شرّفوا بصفيّة بنت عبد المطّلب وخديجة بنت خويلد وهذا الشروق إنّما هو بإشراق فضل بني هاشم عليهم.
وثانياً لم يزل عبد الله بن الزبير يتطلّب رضا معاوية ويطمع في برّه ويحتمل منه أمض الكلام الخشن الحجب عن الدخول عليه والتكذيب له مواجهة ثمّ آل الزبير أيّ هوان لفظوه وقد مشواهم وأبوهم تحت راية أمرأة وحضروا حرباً كانوا فيها أذناباً والرأس فيها أمرأة من بني تيم أمثل هؤلاء يقال إنّهم اُباة ضيم ويعدّوا في عداد سيّد الشهداء الحسين (ع) وأهل بيته لا والله حتّى يساوي الثرى الثرياّ والأوج الحضيض فإن تخيّل متخيّل أنّ الذين ذكرهم شارح النهج إنّهم نهضوا إنكاراً للمنكر ورغبة في نشر المعروف كلاّ لا يمكن إلاّ ّ أن يدّعي وإن كان باطلاً أنّهم قاتلوا إباء للذلّ وأنفة من المهانة على عادة رجال الجاهليّة.
وإلاّ فكيف يكون من رجال الإصلاح من كان من عظماء الجبابرة وكبار مرتكبي الأوزار ورؤوس أرباب الجرائم؟! هذا مصعب بن الزبير قتل من أصحاب المختار ستّة آلاف رجل صبراً بعد أن أعطاهم الأمان وكلّهم من خيار المسلمين وصلحاء اُمّة محمد (ص) حتّى قال له عبد الله بن عمر بن الخطّاب: إنّك لو قتلت عدّتهم من غنم أبيك لكان إسرافاً ولم يكلّمه بعدها كلمة واحدة، وقتل أمرأة المختار وهي عمرة بنت النعمان بن بشير الأنصاريّ وعذّبها عذاباً لو كان بحيوان مفترس لم يجز ذلك وفعله بأمر أخيه عبد الله الملحد والملحد لقب عبد الله بن الزبير عند المسلمين وفيها يقول عمر بن أبي ربيعة المخزوميّ:
إنّ من أعجب العجائب عندي قتل بيضاء حرّة عطبول
قتلت هكذا على غير جرم إنّ لله درّها من قتيل
كتب القتل والقتال علينا وعلى الغانيات جرّ الذبول
وفيها يقول سعيد بن عبد الرحمن بن حسّان بن ثابت الأنصاريّ من كلمة له:
(307)

أتاني بأنّ الملحدين توافقا على قتلها لا أحسنوا القتل والسلب
فلا هنأت آل الزبير معيشة وذاقوا لباس الخوف والذلّ والحرب
كأنّهموا إذ أبرزوها وقطّعت بأسيافهم فازوا بمملكة العرب
إلم يعجب الأقوام من قتل حرّة من المحصنات الدين محمودة الأدب
في أبيات بقيّتها في تاريخ الطبريّ وأبن الأثير.
أمّا عبد الله بن الزبير وهو الخليفة عندهم فقد قطع الصلاة على رسول الله (ص) في خطبه أربعين جمعة لم يصلّ عليه ولم يذكره بالنبوّة وجمع بني هاشم وأراد إحراقهم بالنار حتّى أستنقذهم أبو عبد الله الجدليّ صاحب المختار وقتل أخاه عمرو بن الزبير ضرباً بالسياط وقتل محمّد بن عمّار بن ياسر وجماعة من أخيار أهل المدينة ضرباً بالسياط حتّى ماتو لأنّهم ما بايعوه وأعماله وأعمال أخيه مصعب لا تقلّ عن أعمال يزيد بن معاوية إن لم تزد عليها وكلّها مشهورة وأحصيناها في كتابنا ((السياسة العلويّة)) غير أنهّم لا يشربون الخمر ولا يقامرون ويتظاهرون بإكثار الصلاة والصيام خديعة ومكراً وجعلوهما مصيدة لعقول الضعفاء من الناس وقد كشف ذلك عبد الله بن عمر بن الخطّاب فإنّ عبد الله بن الزبير توصّل إلى صفيّة بنت أبي عبيد اُخت المختار زوجة أبن عمر وطلب منها أن تكلّم زوجها عبد الله بن عمر في أن يبايع له فكلّمته وذكرت صلاة أبن الزبير وصومه فقال لها زوجها أبن عمر: أرأيت البغلات الشهب التي كان يحجّ عليها معاوية؟ قالت: نعم، فقال إيّاها يريد أبن الزبير بصلاته وصومه.
وأمّا يزيد بن المهلّب وقتيبه بن مسلم فأمرهما في الجور والعدوان وأرتكاب فظائع الاُمور ممّا أشتمل عليه التاريخ المعتمد ما كفانا كلفة التطويل بأخبارهما وهما كانا من عمّال الحجّاج وحسبك بعامل الحجّاج جوراً وتعدّياً.
نعم، ربّما يكون نهوض رجال العلويّين الثائرين بعد الحسين (ع) لطلب
(308)

الإصلاح ونشر العدل في الاُمّة كزيد بن عليّ يوحيى بن زيد قتيل الجوزجان ومحمّد بن عبد الله ذي النفس الزكيّة قتيل أحجار الزيت وأخيه إبراهيم أحمر العينين قيل أنّه سمع طنبوراً في بعض نواحي عسكره فبكى وقال: كيف يفلح جيش فيه مثل هذا، ويحيى بن عمر قتيل شاهي، والحسين بن عليّ قتيل فخّ وغيرهم أضربنا عن تفاصيل أخبارهم حذر التطويل وكان من واجب أبن أبي الحديد أن يذكر المختار بن أبي عبيد الثقفيّ في أهل الإباء لأنّه خرج إنكاراً للجور وغضباً لأبن رسول الله (ص) وأعطى الأمان فعافه خوف المذلّة والصغار ومشى إلى الموت مصلتاً بسيفه وكذلك إبراهيم الأشتر.

إباء أبي الفضل بن أمير المؤمنين (ع):

قد بذل له الأمان ولإخوته الأشقّاء خاصّة غير الأمان الذي اُعطي للحسين (ع) ولأصحابه عموماً قد قام بطلب الأمان من ابن زياد للعبّاس (ع) وإخوته رجلان من أخوالهم وهما عبد الله أبن أبي أنجل الكلابيّ خاله شقيق اُمه اُمّ البنين والشمر بن ذي الجوشن الكلابيّ الضبابيّ وكانت له منزلة عند أبن زياد ومكانة مكينة فقاما إليه لمّا صمّم على قتل الحسين (ع) وطلبا منه الأمان لبني اُختهم العبّاس وإخوته.
ذكر أبن الأثير في تاريخ الكامل(1) والطبريّ في تاريخ الاُمم والملوك ولفظه(2) أبو مخنف عن الحارث بن حصيرة عن عبد الله بن شريط العامريّ قال: قبض شمر بن ذي الجوشن الكتاب ـ يعني بقتل الحسين (ع) ـ قام هو وعبد الله بن أبي المحل وكانت عمّته اُمّ البنين أبنة حزام عند عليّ بن ابي طالب (ع) فولدت له العبّاس وعبد الله وجعفر وعثمان وقال عبد الله بن ابي المحلّ بن حزان بن خالد بن
الكامل في التاريخ 4/33.
2ـ تاريخ الطبريّ 6/236.
(309)

ربيعة بن الوحيد بن كعب بن عامر بن كلاب: أصلح الله الأمير إنّ بني اُختنا مع الحسين، قال: رأيت أن تكتب لهم أماناً فعلت؟ قال: نعم ونعمة عين، فآمر كاتبه فكتب لهم أماناً فبعث به عبد الله بن أبي المحل مع مولى له يقال له كزمان فلمّا قدم عليهم دعاهم فقال: هذا أمان بعث به خالكم، فقال الفتية: إقرأ خالنا السلام وقل له: لا حاجة لنا في أمانكم أمان الله خير من أمان أبن سميّة.
قال: فأقبل شمر بن ذي الجوشن بكتاب عبيد الله بن زياد إلى عمر بن سعد فلمّا قدم عليه فقرأه فقال له عمر: مالك ويلك لا قرّب الله دارك وقبّح ما أقدمت به عليّ والله إنّي أضنّك أنت نهيته أن يقبل ما كتبت به إليه فأفسدت علينا أمر كنّا رجونا أن يصلح، لا يستلم والله حسين إنّ نفس أبيه بين جنبيه، فقال له شمر: وما أنت فاعل؟ أتمض لأمر أميرك وتقتل عدوّه وإلاّ فخلّ بيني وبين الجند والعسكر، فقال: ولا كرامة لك وأنا أتولّى ذلك منهم، قال: فدونك أنت فكن على الرجّالة.
قال : فنهض إليه عشيّة الخميس لتسع مضين من المحرّم، قال: وجاء شمر حتّى وقف على أصحاب الحسين (ع) وقال: أين بنوا اُختنا؟ فخرج إليه العبّاس وجعفر وعثمان بنو عليّ فقالوا له: مالك وما تريد؟ فقال: أنتم يابني اُختي آمنون، فقال الفتية: لعنك الله ولعن أمانك وإن كنت خالنا أتؤمننا وأبن رسول الله (ص) لا أمان له، إنتهى.
وفي العبارة غلط واضح وقوله ((عمّته عند عليّ)) والظنّ أنّ الأصل اُخته كما هو صريح آخر العبارة وقد صرّح الطبريّ وغيره أنّ حزام والد عبد الله واُمّ البنين يكنى بأبي المحلّ ذكره في خلافة أمير المؤمنين ولكن سبط أبن الجوزيّ في التذكرة(1) ذكر عن الطبريّ أنّ جرير بن عبد الله بن أبي المحل كانت اُمّ البنين عمّته فأخذ لهم
1ـ تذكرة الخواصّ: ص142.
(310)

أمامناً هو وشمر وعليه تسقيم العبارة، وإنّ في النسخة المطبوعة سقط، وقولهم في آخر العبارة ((أبلغ خالنا)) إنّ ذلك يقال لسائر عشيرة الاُمّ.
أمّا الشيخ المفيد فذكر أمان الشمر خاصّة والسيّد أبن طاوس وابن نما كذلك ونصّ السيّد (رحمه الله) في الملهوف(1): ورد كتاب عبيد الله بن زياد على عمر بن سعد يحثّه على تعجيل القتال ويحذّره من التأخير والإمهال فركبوا نحو الحسين (ع) وأقبل شمر بن ذي الجوشن ونادى: أين بنو اُختي عبد الله وجعفر والعبّاس وعثمان؟ فقال الحسين (ع): أجيبوه ولو كان فاسقاً فإنّه بعض أخوالكم، فقالوا له: ما شأنك؟ فقال: يابني اُختي! أنتم آمنون فلا تقتلوا أنفسكم مع أخيكم الحسين والزموا طاعة أمير المؤمنين يزيد. فقال له العبّاس بن عليّ: تبّت يداك وبئس ما جئت به من أمانك ياعدوّ الله، أتأمرنا أن نترك أخانا وسيّدنا الحسين بن فاطمة وندخل في طاعة اللعناء وأولاد اللعناء؟! فرجع الشمر إلى عسكره مغضباً، إنتهى.
ومثله ذكر أبن نما في مثير الأحزان(2). وهذا أمر مشهور عند أرباب المقاتل فلا يتطرّقه شكّ ولا يطرأ عليه أرتياب وهذا هو الإباء الحرّ وهذه هي الحميّة الخالصة والأنفة العربيّة المحضة فإنّ عدّ أبن المهلّب وأبن الزبير من الاُباة الآنفين من المذلّة وقد بذل لهما الأمان مرّة واحدة وقد تكرّر بذل الأمان العبّاس وإخوته فكان أربع مرّات مرّتان له بالأشتراك مع أخيه الحسين (ع) في أمان عمرو بن سعيد وأمان عبيد الله بن زياد للحسين وأصحابه وقد رفض أبو عبد الله الحسين الأثنين وأبو الفضل معه، ومرّتان كانتا له خاصّة كما سمعت فرفضهما أيضاً أبو الفضل وقد أحسن مؤبّنه بقوله:
1ـ الملهوف: ص77.
2ـ مثير الأحزان: ص31.
(311)

أبا الفضل يامن أسسّ الفضل والإباء أبى الفضل إلاّ أن تكون له أبا
وقال الشيخ محمّد رضا الاُزريّ البغداديّ من قصديدة:
وأشمّ لا يحتل دار هضيمة أو يستقل على النجوم رغامها
وللمؤلف:
أبو الفضل ردّ أمان العدى وسار إلى الموت مستعجلا
وقال أخسؤوا ياعبيد الورى فلسنا نطيع شرار الملا
أنخضع للذلّ لا والحفاظ ومجد أبينا عليّ العلا
وطعم المنيّة عند الحفاظ وإن كان مرّاً لدينا حلا
ألا حبذا الموت موت الكرام على العزّ والذلّ منّا فلا
وللحرّ نفس تعاف الهوان وتهوي على العزّ أن تقتلا
فهيهات نذعن لأبن الدعيّ وحكم الطليق لئيم الملا
وهاذي السيوف بأيماننا عطاش الحدود لورد الطلا
فلسنا نغادر أرض الطفوف ولم نرتحل قط عن كربلا
وقد تبعتنا طيور السما تروم قراها ووحش الفلا
سنشبعها من لحوم العدا فلا تشتكي الجوع مستقبلاً
وقد صدق القول منه الفعال ونال الفخار وحاز العُلا
وللمؤلّف أيضاً:
أليس أبوالفضل الذي أسس الإبا وسنّ لنا شرع لاحفاظ جديدا
فكم مّرة اُعطي الأمان فعافه وخُيِّر فأختار الممات حميدا
تردّى ثياب الفخر بيضا نقّية أجدن المعالي نسجهنّ برودا
فنفسي الفدا للمكتسي الحمد والثنا ومستطعم مرّ الحفاظ برودا
فما حدّثته النفس إنّ حياته ألذّ وأحلى أن يموت سعيدا
وما حدّثته النفس أن يحيى ساعة يرى حكماً في المسلمين يزيدا
(312)

ومن صفات العبّاس بن عليّ (ع) النفسية والمواسات

والمواسات ربّما أشتبهت بالإيثار كما أختلط ذلك على بعض من لا تحقيق عنده.

الفرق بين المواسات والإيثار:

هي أنّ الإيثار معناه تقديم من آثرته على نفسك وإن أضربك، والمواسات هي المساهمة بين نفسك وغيرك ولا يلزم من المواسات تقديم من واسيت على نفسك بل يكفي في تحقيقها أن تشاركه في السرّاء والضرّاء إذا كانت المواسات في النفس، وفي العسر واليسر إذا كانت المواسات بالمال، والمواسات من الكرم والجود بكلا قسميها أي المواسات بالنفس وبالمال، والتحقيق في ذلك أنّ المواسات والإيثار وإن كانا شعبة من شعب الكرم الذي هو نتيجة العفّة ومن أكمل أخلاق النفس وأجلّ فضائلها إلاّ أنّهما يفترقان من حيث المورد والسبب:
أمّا المورد فإنّ الإيثار مورده حيث يمتنع الأشتراك لحصول المانع كتعذّر الوصول إليه أو عدم كفايته للجميع وما شابه ذلك، والمواسات حيث يمكن الأشتراك.
وأمّا السبب فالإيثار سببه علوّ الهمّة وعظم النفس، والمواسات سببها دماثة الأخلاق ولطافة الشمائل وحسن الثقة بالله تعالى والأعتماد عليه في العسر واليسر.
(313)

معنى المواسات لغة:

قال أبن الأثير في النهاية(1): الآسوة والمواسات وهي بكسر الهمزة وفتحها القدوة، والمواسات المشاركة والمساهمة في المعاش والرزق وأصلها الهمزة فقلبت واواً تخفيفاً.
وقال الفيروزآباديّ في القاموس: والإسوة بالكسرة ولا يكون ذلك إلاّ من كفاف فإن كان من فضل فليس بمواسات.
وقال الفيّوميّ في المصباح المنير (2): الاسوة بالكسرة والضمّ القدوة، وتآسيت به وتئسيت أقتديت، وآسيته بنفسي بالمد سوّيته، ويجوز إبدال الهمزة واواً في لغة اليمن فيقال: واسيته.

معنى الموسات العقليّ:

قال أبن مسكويه الخازن في تهذيب الأخلاق(3): وأمّا الموسات فهي معاونة الأصدقاء والمستحقيّن ومشاركتهم في الأموال والأقوات.
وقال أحمد بن أبي الربيع في سلوك المالك (4): والمواسات هي معاونة الأصدقاء والمستحقّين وهي تنقسم إلى أقسام: أحدهما بالمال كمواسات أهل الحاجة بماله والبرّ بهم ومراعاتهم، والثاني بالبدن وذلك كنصرة المرء صاحبه بالمضاربة دونه، والثالث بالعلم وذلك كتأديب الرجل صاحبه ومداواته بعلمه، والرابع في الكلام وذلك مناضلة المرء عن صاحبه بالخصومة عنه، إنتهى.
1ـ النهاية 3/13.
2ـ المصباح المنير 1/ 12.
3ـ تهذيب الأخلاق: ص381.
4ـ سلوك المالك في تدبير الممالك: ص29.
(314)

وقد أكثر العرب من التمدّح بالمواسات، فقال زهير بن أبي سلمى:
على مكثريهم حقّ من يعتريهموا وعند المقلّين السماحة والبذل
وعطاء المقلّ مواسات إذ لا فضل عنده.
وقال رجل من بني عبد الله بن غطفان وقد جاور في طيّ وهو خائف:
جزى الله خيراً طيئاً عن عشيرة ومن صاحب تلقاهموا كلّ مجمع
وهموا خلطوني بالنفوس ودافعوا ورائي بركن ذي مناكب مدفع
وقالوا أتعلم أنّ مالك أن يصب نفدك وإن تحبس نزرك وننفع
وقال المفضّل بن المهلّب بن ابي صفرة يتندّم إذ لم يواسي إخوته إذ قتلوا وقد كان مصمّماً على الموت فخدعه أحد إخوته وقال له: أنصرف إنّ الأمير يزيد يعني أخاه قد انصرف لأنّه خاف أن يعلمه بقتله فيستقتل فلمّا علم بقتل إخوته قالك فضحني عبد الملك أراد أن يقول الناس شيخ أعور مهزوم وكانت عينه ذهبت في الحروب وكان من أبطال العرب فقال يتذكّر موقف إخوته المقتولين ويتأسّف أن لا يكون قد واساهم:
هل الجود إلاّ أن نجود بأنفس على كلّ ماضي الشفرتين قضيب
وما خير عيش بعد قتل محمّد وبعد يزيد والحرون(1) حبيب
ومن هزّ أطراف القنا خشية الردا فليس لمجد صالح بكسوب
وما هي إلاّ رقدة تورث العلا لرهطك ما حنّت روائم نيب
ثمّ أستقتل في الوقعة الثانية فقتل هو ومن بقي من إخوته.
وترقّى بعض العرب إلى مواسات الحيوان فكان عديّ بن حاتم يفتّ الخبز للنمل ويقول: إنّهنّ جارات.
1ـ حبيب بن المهلّب بن أبن ابي صفرة الأزديّ يلقبّ الحرون لصبره في الحرب.
(315)

وقال الفرزدق وقد نزل به ذئب فأشركه في طعامه:
وأطلس عسّال وما كان صاحبا رفعت لناري موهناً فأتاني
فلمّا دنا قلت أدن زورك إنّني وإيّاك في زادي لمشتركان
فبتُّ أقدّ الزاد بيني وبينه على ضوء نار مرّة ودخان
ألخ، وشعر العرب في المواسات كثير منه قول عروة بن الورد العبسيّ المعروف بعروة الصعليك:
أقسم نفسي في نفوس كثيرة وأحسو زلال الماء والماء بارد

وأمّا أمثال العرب في المواسات:

فمنها قولهم ((إنّ أخاك من آساك)) قال الميدانيّ في مجمع الأمثال(1): يقال: آسيت فلاناً بمالي وغيره إذا جعلته إسوة لك وواسيت لغة فيه ضعيفة بنوها على يواسي ومعنى المثل أنّ أخاك حقيقة من قدّمك وآثرك على نفسه يضرب في الحثّ على مراعاة الإخوان، وأوّل من قال ذلك خزيم بن نوفل الهمدانيّ وذلك أنّ النعمان أبن ثواب العبديّ ثمّ الشنّيّ كان له بنون ثلاثة: سعد وسعيد وساعدة وكان أبوهم ذا شرف وحكمة وكان يوصي بنيه ويحملهم على آدابه؛ أمّا أبنه سعد فكان شجاعاً بطلاً من شياطين العرب لا يقام لسبيله ولم تفته طلبته ولم يفرّ عن قرن، وأمّا سعيد فكان يشبه أباغه في شرفه وسؤدده، وأمّا ساعدة فكان صاحب شراب وندامى وإخوان.
فلمّا رآى الشيخ بنيه دعى سعداً وكان صاحب حرب فقال: يابنيّ ! إنّ الصارم ينبو والجواد يكبو والأثر يعفو فإذا شهدت حرباً فرأيت نارها تسعر وبطلها يخطر وبحرها يزخر وضعيفها ينصر وجبانها يجسر فاقلل المكث والأنتظار فإنّ الفرار
1ـ مجمع الأمثال 1/47.
(316)

غير عار إذا لم تكن طالب ثار فإنّما ينصرونهم وإيّاك أن تكون صدر رماحها ونطيح نطاحها.
وقال لأبنه سعيد وكان جواداً: يابنيّ! لا يبخل الجواد فأبذل الطارف والتلاد وأقلل التلاح تذكر عن السماح، وأبلي إخوانك فإن وفيّهم قليل وأصنع المعروف عند محتمله.
وقال لأبنه ساعدة وكان صاحب شراب: يابنيّ! إنّ كثرة الشراب تفسد القلب وتقلّل الكسب وتجد اللعب فأبصر نديمك وأحمي حريمك وأعن غريمك وأعلم أنّ الظمأ القامح خير من الريّ الفاضح، وعليك بالقصد فإنّ فيه بلاغاً.
ثمّ إنّ أباهم النعمان بن ثواب توفّي، فقال أبنه سعيدة وكان جواداً سيّداً: لآخذنّ بوصيّه أبي ولأبلونّ إخواني وثقاتي في نفسي فعمد إلى كبش فذبحه ثمّ وضعه في ناحية خبائه وغشّاه ثمّ دعى بعض ثقاته فقال: يافلان! إنّ أباك من وفى لك بعهده وجاد لك برفده ونصرك بودّه، قال: صدقت فهل حدث أمر؟ قال: نعم إنّي قتلت فلاناً وهو الذي تراه في ناحية الخبأ ولا بدّ من التعاون عليه حتّى يوارى فما عندك؟ قال: إنّها سؤة وقعت فيها، قال: فإنّي اُريد أن تعينني عليه حتّى اُغيّبة، فقال: لست لك في هذا بصاحب فتركه وخرج، فعث إلى آخر من ثقاته فأخبره بذلك وسأله معونته فردّ عليه مثل ذلك حتّى بعث إلى عدّة منهم كلّهم يردّ عليه مثل جواب الأوّل، ثمّ بعث إلى رجل من إخوانه يقال له خزيم بن نوفل فلمّا أتاه قال له: يا خزيم! مالي عندك؟ قال: ما يسرّك وما ذاك؟ قال: إنّي قتلت فلاناّ وهو الذي تراه مسجّا، قال: ايسر خطب فتريد ماذا؟ قال: اُريد أن تعينني حتّى اُغيّبه، فقال : هان ما فزعت فيه إلى أخيك: وغلام لسعيد قائم معهما، فقال خزيم: هل أطّلع على هذا الأمر أحد غير غلامك هذا؟ قال: لا، قال: اُنظر ما تقول، قال: ما قلت إلاّ حقاً، فأهوى خزيم إلى غلامه فضربه بالسيف فقتله وقال: ليس عبد بأخ
(317)

لك فأرسلها مثلاً، وأرتاع سعيد وفزع لقتل غلامه وقال: ويحك ما صنعت وجعل يلومه، فقال خزيم: إنّ أخاك من آساك، فأرسلها مثلاً، فقال سعيد: إنّي أردت تجربتك ثمّ كشف له عن الكبش وخبره بما لقي من إخوانه وما قد ردّوا عليه، فقال خزيم: سبق السيف العذل.
وقالوا: ((حميم الرجل وآصله) قال الميدانيّ أيضاً(1) أوّل من قال ذلك الخنابس بن المقنع وكان سيّداً في زمانه وإنّ رجلاً من قومه يقال له كلاب أبن فارع وكان في غنم له يحميها فوقع فيها ليث ضاري وجعل يحطمها فأنبرى له كلاب يذبّ عنها فحمل عليه اِلأسد فخبطه بمخالبه خبطة فأنكبّ كلاب وجثم عليه الأسد فوافق ذلك من حاله رجلان الخنابر بن مرّة وآخر يقال له حوشب وكان الخنابر حميم كلاب فأستغاث بهما كلاب فحاد عنه حميمه وخذله وأعانه حوشب فحمل على الأسد وهو يقول:
أعنته إذ خذل الخنابر وقد علاه مكفهرّ خادر
هرامس جهم له زماجر ونابه حرد عليه كاسر
اُبرز فإنّي ذو حسام حاسر إنّي بهذا إن قتلت ثائر
فعارضه الأسد وأمكن سيفه من حضينه فمرّ بين الأضلاع والكتفين فخرّ صريعاً وقام كلاب إلى حوشب وقال: أنت حميمي دون الخنابر وأنطلق كلاب بحوشب حتّى أتى قومه وهو أخذ بيد حوشب يقول: هذا حميمي دون الخنابر ثمّ هلك كلاب بعد ذلك فأختصم الخنابر وحوشب في تركته فقال حوشب: أنا حميمه وقريبه فقد خذلته ونصرته وقطعته ووصلته وصممت عنه وأجبته فأحتكما إلى الخنابس، فقال: وما كان من نصرتك إيّاه؟ فقال:
1ـ مجمع الأمثال 1/134.
(318)

أجبت كلاباً حين عرّد أنفه علاه عبوس مكفهرّ غضنفر
فلمّا دعاني مستغيثاً أجبته وخلاّه مكبوباً على الارض خنبر
مشيت إليه مشي ذي العز إذ غدا وأقبل مختال الخطأ يتبختر
فلمّا دنى من غرب سيفي حبوته بأبيض مصقول الطرائق يزهر
فقطّع ما بين الضلوع وحضنه إلى حضنه الثاني صفيح مذكرّ
فخرّ صريعاً في التراب معفّراً وقد زار منه الأرض أنف ومشفر
فشهد القوم أنّ الرجل قال هذا حميمي دون الخنابر، فقال الخنابس عن ذلك: حميم الرجل وآصله وقضى لحوشب بتركته وسارت كلمته مثلاً.
وقالوا: ((إنّ أخا العزاء من كان معك)) قال الميدانيّ أيضاً (1): العزاء السنة الشديدة أي إنّ أخاك من لا يخذلك في الحالة الشديدة، إنتهى وفي معناه قول الشاعر:
إنّ أخاك الصدق من كان معك ومن يضرّ نفسه لينفعك
ومن إذا ريب الزمان صدعك شتّت فيه شمله ليجمعك
ولهذه الأبيات حكاية ظريفة وقعت للمأمون العبّاسي فأطلبها، ولآخر في معناه:
وإنّ وأبن عمّ المرء من شدّ اُزره ومن كان يحمي عنه من حيث لا يدري
فالمواسات عند العرب من أجلّ مآثرهم التي يمتدحون بها ويفتخرون فيها جاهليّة وإسلاما.
وقد أكّدها الشارع المقدس وحث عليها والأحاديث في الحث عليها كثيرة منها
1ـ مجمع الأمثال 1/ 36.
(319)

ما رواه الحرّ العامليّ في كتاب وسائل الشيعة(1) عن الإمام أبي عبد الله جعفر بن محمّد الصادق (ع): لم يدع أحد معونة أخيه المسلم حتّى يسمع فيها ويواسيه إلاّ اُبلي بمعونة من يأثم به ولا يؤجر.
وعن معلّى بن خنيس قال: خرج أبو عبد الله الصادق (ع) في ليلة وقد رشت السماء وهو يريد ظلّة بني ساعدة فأتبعته فإذا هو قد سقط منه شيء فقال: بسم الله اللهمّ ردّ علينا، فأتيته فسلّمت عليه فقال : أنت معلّى؟ قلت: نعم جعلت فداك، قال: ألمس بيدك فما وجدت من شيء فأدفعه إليّ، فإذا بخبز منتشر فجعلت أدفع إليه ما وجدت فإذا أنا بجراب من خبز فقلت: جعلت فداك! أحمله عنك، فقال: لا أنا أولى به منك ولكن أمض معي فأتينا ظلّة بني ساعدة فإذا نحن بقوم نيام فجعل يدسّ ارغيف والرغيفين تحت ثوب كلّ واحد منهم حتّى أتى على آخره ثمّ أنصرفنا فقلت: جعلت فداك! يعرف هؤلاء الحق؟ فقال: لو عرفوا لواسيناهم بالدقّة والدقّة هي الملح، إلى آخر ما رواه في الوسائل.
ومن طريق أهل السنّة ما في حلية الأولياء(2) للحافظ أبي نعيم الأصبهانيّ الشافعيّ عن الحسين بن عليّ عن أبيه عليّ (ع) قال: أشدّ الأعمال ثلاثة: إعطاء الحقّ من نفسك، وذكر الله على كلّ حال، ومواسات الأخ في المال، إنتهى، والأحاديث كثيرة.
وإذا عرفت معنى المواسات وحقيقتها وأنواعها الأربعة بقي معرفة ثمرتها وفائدتها.
1ـ وسائل الشيعة 2/527.
2ـ حلية الأولياء 1/85.
(320)

فائدة الموسات وثمرتها:

ولها فائدتان مهمّتان دنيويّة واُخرويّة:
أمّا الفائدة الدنيويّة فأكتساب الحمد والثناء وهو أوّل مطلوب للأشراف يشترونه بأغلا الأثمان فالمواسي يجمع أنواع الأربعة وخاصّة المواسات بالنفس والمواسات بالمال فإنّهما يكسبان المتّصف بهما مجداً وسؤدداً ويورثانه فخراً وعزّاً ويوجبان له الثناء المؤبّد والمدح الخالد ما دام النوع البشريّ يدبّ على وجه الكرة الحدباء. وأمّا الفائدة الاُخرويّة إن كان الداعي للمواسات هي التقوى وسببه الصلاح لا كما يفعله أهل الجاهليّة من إرادة المدح والتقريظ فالأجر المضاعف والحباء الجزيل في جنّات عدن التي اُعدّت للمتقين.

مواسات العبّاس بن أمير المؤمنين (ع):

وكانت مواسات العبّاس لأخيه الحسين (ع) بثلاثة أنواع من المواسات بالنفس والمال والكلام فإنّ أحتجاجه على أهل الكوفة معروف شعراً ونثراً وقد نقلته المقاتل والتواريخ، وكانت مواساته له ديانة وتقوى لم يرد بذلك إلاّ وجه الله وصلة رسوله (ص) وصلة الرحم لم يرد ذكراً ولا فخراً ولكن الله تعالى إذا علم من شخص حسن نيّة وإخلاص نشر فضائله وسيّر ذكره في الخافقين وقد مدح العبّاس بن عليّ (ع) بهذه المواسات أئمّة أهل البيت (ع):
فقد قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق (ع) للعبّاس (ع) في زيارته المرويّة في كامل الزيارة لأبن قولويه رحمه الله تعالى: ((أشهد لقد نصحت لله ولرسوله ولأخيك فنعم الأخ المواسي لأخيه)).
(321)

وقال مولانا الإمام صاحب الزمان المهديّ المنتظر عجّل الله فرجه في الزيارة المعروفة بزيارة الناحية: ((السلام على أبي الفضل العبّاس بن أمير المؤمنين المواسي أخاه بنفسه، الآخذ لغده من أمسه، الفادي له، الواقي الساعي إليه بمائه، المقطوعة يده، لعن الله قاتله يزيد بن الرقاد الجنبيّ وحكيم بن الطفيل الطائيّ)).
أمّا الشعراء فأكثروا مدحه لمواسات، قال بعضهم:
أحقّ الناس أن يُبكي عليه فتى أبكى الحسين بكربلاء
أخوه وأبن والده عليّ أبو الفضل المضرّج بالدماء
ومن واساه لا يثنيه شيء وجاد له على ظمأ بماء
وقال الشيخ جعفر بن نما الحلّيّ (رحمه الله):
حقيق بالبكاء عليه حزناً أبو الفضل الذي واسا أخاه
وجاهد كلّ كفّار ظلوم وقابل من ضلالهموا هداه
فداه بنفسه لله حتّى تفرّق من شجاعته عداه
وجاد له على ظمأ بماء وكان رضا أخيه مبتغاه
وللمؤلّف من أبيات:
نعم المواسي للحسين بنفسه وبسيفه للدين نعم الآسي
وللسيّد محسن العامليّ:
لا تنسى للعبّاس حسن بلائه بالطفّ عند الغارة الشعواء
واسى أخاه بها وجاد بنفسه في سقي أطفال له ونساء
ردّ الاُلوف على الاُلوف معارضاً حدّ السيوف بجبهة غرّاء
وله أيضاً:
(322)

وأذكر أبا الفضل هل تنسى فضائله في كربلا حين جدّ الأمر فالتبسا
واسى أخاه وفاداه بمهجته وخاض في غمرات الموت منغمسا
وللمؤلّف أيضاً:
إنّ المواسات من أخلاق اًسرته في العسر واليسر والبأساء والبأس
فالمستجير بهم يأوي إلى حرم سامي الذرى لاذ فيه سائر الناس
وكلما كان فيهم من مكارمهم تجمّعت لمواسي السبط عباّس
(323)

ومن صفات العبّاس بن أمير المؤمنين (ع) المناصحة للحسين (ع)

وإمامه فإنّه (ع) بذل تمام الجهد في نصيحة أخيه الحسين (ع) وظهرت مناصحته له في الجهاد بين يديه والقيام بواجب الإخلاص والطاعة له.
والنصيحة والمناصحة معناهما واحد ولكن أختلفا بالإضافة إلى ما نُسبا إليه من المضافات إليهما فإن كان المورد مورد مشورة وإبداء رأي أو مدافعة قوليّة فقط فتلك النصيحة، وإن كان مورد مجالدة لا مجادلة بمقال بل بأجتذاب مشرفيّة وأعتقال يزنيّة فتلك المناصحة والمعنى واحد وهو الإخلاص قولاً وفعلاً.
والنصحية أفضل صفة في النوع البشريّ كما أنّ نقيضها وهو الغشّ أقبح خصلة في الإنسان، والنصيحة تجب لعامّة المسلمين إعانة وإرشاداً بحقّ وإلى حقّ كما يحرم نقيضها وهو الغشّ لقوله (ص): من غشّنا فليس منّا يعني المسلمين.
فإن كانت النصحية للمعصوم كالنبيّ والإمام كانت أعظم في الوجوب درجة وأبلغ تأكيداً وتطرّف بعضهم فقال: هي واجبة لكلّ من أعتمد عليك ووثق بك وقد كان في طبع جماعة من الأشراف النصحية حتّى للأعداء والأدلّة العقليّة والنقليّة على لزوم النصيحة والألتزام بالمناصحة كثير.

معنى النصيحة والمناصحة لغة:

قال الفيروزآباديّ في القاموس: نصحه وله نصحاً بالضمّ نصاحة ونصاحيّة وهو ناصح ونصيح من نصح ونصاح والأسم النصيحة ونصح خلص.
(324)

وقال أبن الأثير في النهاية(1): في الحديث ((إنّ الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)) والنصيحة كلمة يعبرّ بها عن جملة هي إرادة الخير المنصوح له وليس يمكن أنّ هذا المعنى بكلمة واحدة جمع معناه غيرها، واصل النصيحة في اللغة الخلوص يقال نصحته ونصحت له ومعنى نصيحة الله صحّة الأعتقاد في وحدانيّة الله وإخلاص النيّة في عبادته، والنصيحة لكتاب الله هو التصديق به والعمل بما فيه، ونصيحة رسوله التصديق بنبوّته ورسالته والأنقياد لما أمر به ونهى عنه، ونصيحة الأئمّة أن يطيعهم في الحقّ ولا يرى الخروج عليهم إذا جاروا، ونصيحة عامّة المسلمين إرشادهم إلى مصالحهم، أنتهى.
هذا مذهب أهل السنّة ومعتقدهم في صحّة إمامة الجائر وبئس الاعتقاد لا كرامة لفاجر ولا لجائر إذ الباري سبحانه أوجب مقاومة الجائر وردع الفاجر وكبح جماحه وردّه عن الجور إلى العدل فإذ لم يتمكّن فلا يركن إليه ولا يخالطه وليس هذا الكتاب موضع بيان ما ورد في الجائرين فلا تظنّ أنّ النبيّ (ص) أمر بمناصحة هؤلاء الفجرة الذين عناهم أبن الأثير وأهل مذهبه وإنّما الذين تجب لهم المناصحة من الأئمّة هم أئمّة أهل البيت النبويّ الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا، والنصيحة لهم معناها التصديق بإمامتهم وأنها فريضة من الله ونص من رسوله (ص) والأنقياد لأوامرهم ونواهيهم. نعم، يناصح من لا يجور من الخلفاء معونه للعدل ومساعدة للمساوات.
وقال الميدانيّ الحنفيّ في مجمع الأمثال(2) في تفسير هذا الحديث: الأصل في النصيحة التلفيق بين الناس من النصح وهو الخياطة وذلك أن تلفّق بين التفاريق
1ـ النهاية 3/48.
2ـ مجمع الأمثال 1/182.
(325)

وهذا من حديث يروى عن رسول الله (ص) وتمامه: قالو: لمن يارسول الله؟ فقال: لله ولرسوله ولأئمّة المسلمين وعامّتهم.
قالت العلماء: النصيحة لله أن يخلص العبد العمل لله، والنصحية لرسوله (ص) أن يصفو قلبه في قبول دعوة النبوّة ولا يظهر خلافها، والنصيحة للمسلمين أن لا يتميّزوا عنه في حال من الأحوال، وقيل: النصيحة لأئمّة المسلمين أن لا يشقّ عصاهم ولا يعقّ فتواهم.
وقال الشريف الجرجانيّ في التعريفات(1): النصح إخلاص العمل عن شوائب الفساد والنصيحة هي الدعاء إلى ما فيه الصلاح والنهي عمّا فيه الفساد، إنتهى.

مظاهر النصيحة وأسبابها وثمراتها:

للنصيحة مظاهر وأسباب وثمرات:
أمّا مظاهرها فالمشورة فإنّ المستشار يظهر نصح المستشير وإذا لم يستشره وعلم مصلحة له وكان مسلماً أظهرها كما سنذكره في بعض الحكايات، والمحامات بجدّ وأجتهاد وبذل الجهد في ما تلزم فيه المحامات والإرشاد للمتعلّم والسائل ببذل الجهد في تعليمهما ما ينفعهما وإرشادهما إلى ما فيه مصلحتهما والمحافظة على الطاعات والمواظبة عليها وبثّ الدعاية إلى دين الإسلام والإرشاد إلى إمامة من فرض الله إمامتهم من أئمّة أهل البيت ألإثنى عشر.

أسباب المناصحة:

هي كثيرة منها العفّة فإنّ العفيف يأنف من الغشّ حتّى لعدوّه.
ومنها الديانة فإنّ المتديّن يرى من واجبه الدينيّ المبالغة في مصالح المسلمين
1ـ التعريفات: ص166.
(326)

وفي أي عمل كان وقام به من أعمال وأقوال ترض الله ورسوله (ص).
ومنها الحياء فإنّ الحييّ لا يغشّ وإنّما ينصح أستحياء من نسبة الغشّ إليه.
ومنها الصدق فإنّ الصادق لا يكذب فيقول له قد نصحتك وهو له غاش.
ومنها سلامة الذات والفطرة فإنّ سليم لاذات لا يغشّ ولا يرى النصح إلاّ لازماً وما ذاك إلاّ لسلامة نفسه وفطرته على هذا الخلق الحسن.

ثمرات المناصحة:

وأهمّها أنّها تفيد الأجتماع ويكون داعياُ إلى الأنفة وموجباً للثقة والأطمئنان ومن ثمراتها عند المتديّن الفوز بما وعد الله من كرامة أرباب العمل الصالح من المخلصين لدينهم.
ومن ثمراتها أكتساب الحمد فإنّ الناصح ممدوح وله القبول حتذى عند الأعداء فإنّ الناصح له وقع في القلوب وأثر في النفوس كبير.

الأدلّة على فضيلة المناصحة:

ففي الكتاب المجيد آيات كثيرة كقوله تعالى
(إِذَا نَصَحُوا لِلّهِ وَرَسُولِهِ)(1) وقد حكى النصح عن كثير من أنبيائه كقوله: (وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ)(2) وقوله حكاية عن نوح (ع): (وَلاَ يَنفَعُكُمْ نَصْحِي إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أنصَحَ لَكُمْ)(3)وقوله حكاية عن صالح:(وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِن لاَتُحَبُّونَ النَّاصِحِينَ)(4).
وأمّا الأحاديث فهي أيضاً كثيرة منها ما روته الشيعة: روى ثقة الإسلام محمّد
1ـ التوبة: 91.
2ـ الأعراف: 68.
3ـ هود: 34.
4ـ الأعراف: 79.
(327)

أبن يعقوب الكلينيّ (رحمه الله) في أصول الكافي(1) عن الإمام الباقر محمّد بن عليّ (ع) قال: قال رسول الله (ص): لينصح الرجل منك أخاه كنصيحته لنفسه.
وعن الإمام الصادق (ع) قال: قال رسول الله (ص): إنّ أعظم الناس عند الله منزلة يوم القيامة أمشاهم في أرضه بالنصيحة لخلقه.
وممّا روته أهل السنّة روى النوويّ الشافعيّ في رياض الصالحين(2) عن جرير أبن عبد الله قال: بايعت رسول الله (ص) على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكلّ مسلم، متّفق عليه.
وروى غير هذا الحديث أحاديثاً ولكن راوي هذا الحديث وهو جرير بن عبد الله البجليّ لم يناصح أمير المؤمنين وإمام المسلمين عليّ بن أبي طالب (ع) أرسله إلى معاويه وأهل الشام فأقام عندهم مدّة متغافلاً عمّا اُرسل إليه حتّى أحكم معاوية أمره ثمّ ترك أمير المؤمنين عليّاً (ع) ولحق بمعاوية رغبة في الحطام الفاني فهدم عليَ (ع) داره بالكوفة فلم يفي لرسول الله (ص) بما بايع عليه.

الحثّ على قبول النصيحة:

نحن قد أستوفينا الأحاديث في كتابنا ((السياسة العلويّة)) ونذكر هاهنا بعضها: روى الكلينيّ في الكافي(3) عن أبي العديس قال: قال أبو جعفر (ع): ياصالح! اتّبع من يبكيك وهو لك ناصح ولا تتّبع من يضحكك وهو لك غاش، وستردون جميعاً إلى الله، إنتهى، وفي معنى هذا الحديث الشريف ورد المثل العربيّ قولهم: أمر مبكياتك لا مضحكاتك.
1ـ أصول الكافي: ص313.
2ـ رياض الصالحين: ص58.
3ـ الكافي: ص53.
(328)

صعوبة قبول النصحية:

أمر قبول النصيحة صعب لذلك لا يقبله إلاّ أفذاذ العقلاء ونوادر العلماء.
قال في المستطرف(1): وأعلم أنّ جرعة النصيحة مرّة لا يقبلها إلاّ اُولوا العزم.
وقال الراغب في المحاضرات(2): الحثّ على قبول النصح وإن كان مُرّاً قيل: من أحبّك نهاك ومن أبغضك أغراك. وقال بعض الحكماء: ومن أوجرك المرّ لتبرء أشفق عليك ممّن أو جرك الحلو لتسقم، وقيل: النصيحة آمن من الفضيحة، إنتهى.
والأنسب للعاقل إبداء النصيحة وإبرازها صادفت قبولاً أن لا فإنّها إن صادفت قبولاً فقد نال حمداً وأجراً، وإن لم تصادف قبولاً فقد أكتسب أجراً وعّذراً، وخرج عن صفة الغشّ المذمومة.
قال ورقة بن نوفل الاُسديّ أسد قريش:
لقد نصحت لأقوام وقلت لهم أنا النذير فلا يغرركموا أحد
لا شيء ممّا ترى تبقى بشاشته إلاّ الإله ويودي المال والولد
لم تغن عن هرمز يوماً خزائنه والخلد قد حاوت عاد فما خلدوا
وقال أوس بن حجر التميميّ:
إن قال لي ماذا ترى يستشيرني فلم يك عندي غير نصح وإرشاد
وقال الخبز أرزيّ البصريّ:
إن كان حمدي ضاع في نصحكم فإنّ أجري ليس بالضائع
وقال آخر:
النصح أرخص ما باع الرجال فلا تردد على ناصح نصحاً ولا تلم
1ـ المستطرف 1/76.
2ـ 1/60.
(329)

إن النصائح لا تخفى منافعها على الرجال ذوي الألباب والهمم
وقال معاذ بن مسلم الفرّا النحويّ:
نصحتك والنصيحة إن تعدّت هوى المنصوح عزّ لها القبول
فخالفت الذي لك فيه حظّ فغالك دون ما أمّلت غول

ردّ النصيحة مقرون بالنكبة:

من ردّ النصيحة فنكب واًصيب بضرر الدنيا أو في الدين، شهدت الوقائع التأريخّية على تارك النصيحة بالعطب الدينيّ والدنيويّ.
أمّا من ردّ نصيحة الناصح ونكب في دنياه فكثير منهم يزيد بن المهلّب الأزديّ. قال في المستطرف(1): قيل: أشار فيروز حصين على يزيد بن المهلّب أن لا يضع يده في يد الحجّاج فلم يقبل منه فسار إليه فحبسه وحبس أهله، فقال فيروز بن حصين:
أمرتك حازماً فعصيتني فأصبحت مسلوب الإمارة نادما
أمرتك بالحجّاج إذ أنت قادر فنفسك اُولي اللوم إن كنت لائما
فما أنا بالباكي عليك صبابة وما أنا بالداعي لترجع سالما
ومنهم عبد الله بن الصمة فارس هوزان وهو أخو دريد البطل المشهور، قال أبن عبد ربّه في العقد الفريد(2): قال أبو عبيدة: غزى عبد الله بن الصمة وأسم الصمة معاوية الأصغر من بني غزية بن جشم بن معاوية بن بكر بن هوزان وكان لعبد الله ثلاثة أسماء وثلاث كنى؛ فأسماؤه عبد الله وخالد ومعبد، وكناه أبو فرغان وأبو دفافة وأبو وفاء، وهو أخو دريد ابن الصمة لأبيه واُمّه فأغار على غطفان فأصاب
1ـ المستطرف 1/76.
2ـ العقد الفريد 3/330.
(330)

منهم إبلاّ عظيمة فأطردها فقال له أخوه دريد: النجاء فقد ظفرت، فأبى عليه وقال: لا أبرح حتّى أنتقع نقيعتي، والنقيعة ناقة ينحرها من وسط الإبل فيصنع منها طعاماً لأصحابه ويقسّم ما أصاب على أصحابه، فأقام وعصى أخاه فتبعه فزارة فقاتلوه لأصحابه ويقسّم ما أصاب على أصحابه، فأقام وعصى أخاه فتبعه فزارة فقاتلوه وهو بمكان يقال له اللوى فقتل عبد الله وأرتثّ دريد فبقي في القتلى، فلمّا كان في نصف الليل أتاه فارسان فقال أحدهما لصاحبه: إنّي أرى عينه تبصّ فإنزل فانظر إلى نفسه فنزل فكشف ثوبه فإذا هي تزمر فطعنه فخرج دم قد كان أحتقن، قال دريد: فإفقت عندها فلمّا جاوزوني نهضت، قال: فما شعرت إلاّ وأنا عند عرقوبي جمل أمرأة من هوزان فقالت: من أنت أعوذ بالله من شرّك؟ فقلت: بل من أنتِ ويلك؟ قالت: أمرأة من هوزان سيّارة، قلت: وأنا من هوزان وأنا دريد بن الصمة. قال: وكانت في قوم مجتازين لا يشعرون بالوقعة فضمّته وعالجته حتّى أفاق. قال دريد يرثي عبد الله أخاه:
أعاذل إنّ الرزاء في مثل خالد ولا رزء فيما أهلك المرء من يد
وقلت لعارض وأصحاب عارض ورهط بني السوداء والقوم أشهدي
علانية ظنّوا بألفي مدجّج سراتهموا في السابريّ المسرّد
محضتهموا نصحي بمنعرج اللوى فلم يستبينوا النصح إلاّ ضحى الغد
فلمّا عصوني كنت منهم وقد أرى غوايتهم أو إنّني غير مهتد
وما أنا إلاّ من غزيّة إن غوت غويت وإن ترشد غزيّة أرشد
فإن تعقب الأيّام والدهر تعلموا بني غالب إنّا غضاب لمعبد
تنادوا وقالوا أردت الخيل فارساً فقل أعبد الله ذلكم الردي
فإن يك عبد الله خلاّ مكانه فما كان وقّافاّ ولا طائش اليد
ولا برماً إذا الرياح تناوحت برطب الغضا والضرّ مع المتنضّد
كمش الأزار خارج نصف ساقه صبور على الضرّاء طلاّع أنجد
(331)

قليل التشكّي للمصائب حافظ عليم بأعقاب الأحاديث في غد
وهوّن وجدي أنّني لم أقل له كذبت ولم أبخل بما ملكت يدي
ومنهم معاوية بن عمرو بن الشريد السلميّ فارسبني سليم وهو أخو صخر البطل المشهور وأخو الخنساء الشاعرة لأبيها واُمّها.
قال في العقد الفريد(1): قال أبو عبيدة: كان بين معاوية بن عمرو بن الشريد وبين هاشم بن حرملة أحد بني مرّة بن غطفان كلام بعكاظ، فقال معاوية: لوددت والله أن قد سمعت بضعائن يندبنات، فقال هاشم: والله لوددت أن قد بريت الرطبة وهي عمّة معاوية وكانت الدهر تنظف ماء ودهناً فلمّا كان بعد تهيّئ معاوية ليغزو هاشماً فهناه أخوه صخر فقال: كأنّي بك إن غزوتهم علق حمتك حسك العرفط. قال: فأبى معاوية فغزاهم يوم حوزة فرآه هاشم بن حرملة قبل أن يراه معاوية وكان هاشم ناقها من مرض أصابه فقال لأخيه دريد بن حرملة: إنّ هذا إن رآني لم آمن أن يشدّ عليّ وأنا حديث عهد بشكية فأستطرد له حتّى تجعله بيني وبينك، ففعل، فحمل عليه معاوية وأردفه هاشم فأختلفا طعنتين فأردى معاوية هاشماً عن فرسه الشمّاء وأنفذ هاشم سنانه من عانة معاوية، قال: وكرّ عليه دريد فظنّه قد أردى هاشماً فضرب معاوية بالسيف فقتله وشدّ خفاف بن عمرو وهو أبن ندبة على مالك بن حمار الفزاريّ فقتله وغارت فرس هاشم الشمّاء حتّى دخلت في جيش بني سليم فأخذوها وظنّوها فرس الفزاريّ الذي قتله خفاف ورجع الجيش حتّى دنوا من صخر أخي معاوية فقالوا: أنعم صباحاً أبا حسان، فقال: حييتم بذلك، ما صنع معاوية؟ قالوا: قّتل، قال: فما هذا الفرس؟ قالوا قتلنا صاحبها، قال: إذاً أدركتم ثأركم، هذه فرس هاشم بن حرملة.
1ـ العقد الفريد 3/226.
(332)

قال: فلمّا دخل رجب ركب صخر بن عمرو أبن الشريد الشمّاء صبيحة يوم حرام فأتى بني مرّة فلمّا رأوه قال لهم هاشم: هذا صخر فحيّوه وقولو له خيراً، وهاشم مريض من الطعنة التي طعنه إيّاها معاوية فقال: من قتل أخي؟ فسكتوا، فقال: لمن هذه الفرس التي تحتي؟ فسكتوا، فقال هاشم: هلمّ أبا حسّان إلى من يخبرك، قال: من قتلى أخي؟ فقال هاشم: إن أصبتني أو دريداً فقد أصبت ثارك، قال: فهل كفنتموه؟ قالوا: نعم في بردين أحدهما بخمسة وعشرين بكرة، قال: فأروني قبره، فأروه إيّاه، فلمّا رأى القبر جزع عنده ثمّ قال: كأنّكم قد أنكرتم ما رأيتم من جزعي فو الله ما بتُّ منذ عقلت إلاّ واتراً أو موتوراً أو طالباً أو مطلوباً حتّى قتل معاوية فما ذقت طعم النوم بعده، ألخ. وليس قصدنا سياقة القصّة فإنّهم أدركوا ثارهم قتل خفاف مالك بن حمار سيّد بني شمخ من فزارة وقتل صخر دريد بن حرملة أخي هاشم وقتل عمرو بن قيس الجشميّ هاشم بن حرملة، ومن شعر صخر في أخيه معاوية يرثيه وقيل له اُهجوا بني مرّة، فقال: ما بيننا وبينهم أجلّ من القذع ثمّ أنشأ يقول:
وعاذلة هبّت بليل تلومني ألا لا تلوميني كفى اللوم ما بيا
تقول ألا تهجو فوارس هاشم وما بي أن أهجو هموا ثمّ ما بيا
أبى الذمّ إنّي قد أصابوا كريمتي وأن ليس إهداء الخنا من سماتيا
إذا ما أمرئ أهدى لميت تحيّة فحيّاك ربّ الناس عنّي معاويا
وهوّن وجدي إنّني لم أقل له كذبت ولم أبخل عليه بماليا
وذي إخوة قطّعت أقران بيتهم كما تركوني واحداً لا أخاً ليا
ولهذا الحكايات نظائر وأشباه.
أمّا من ردّ النصيحة فأهلك نفسه وأتلف دينه وأذهب مروّته فكثير وأشهر من لبس هذا الجلباب المخزي وتردّى بهذا الرداء الفاضح عمر بن سعد بن
(333)

أبي وقّاص الزهريّ قاتل الحسين بن عليّ (ع).
قال الطبريّ في التاريخ(1) لمّا كان من أمر الحسين ما كان، دعا عبيد الله بن زياد عمر بن سعد فقال: سر إلى الحسين فإذا فرغنا ممّا بيننا وبينه سرت إلى عملك. فقال عمر بن سعد: إن رأيت أن تعفيني فافعل، فقال له عبيد الله نعم على أن تردّ لنا عهدنا. قال: فلمّا قال له ذلك قال له عمر بن سعد: أمهلني اليوم حتّى أنظر، قال: فمضى عمر يستشير نصحائه فلم يكن يستشير أحد إلاّ نهاه. قال: وجاء حمزة بن المغيرة بن شعبة وهو أبن اُخته فقال: اُنشدك الله ياخال أن تسير إلى الحسين فتأثم بربّك وتقطع رحمك فو الله لئن تخرج من دنياك ومالك وسلطان ألأرض كلّها لو كان لك خير لك أن تلقى الله بدم الحسين، فقال له عمر: أفعل إنشاء الله.
وعن عمّار بن عبد الله الجهنيّ، عن أبيه قال: دخلت على عمر بن سعد وقد اُمر بالمسير إلى الحسين، فقال لي: إنّ الأمير أمرني بالمسير إلى الحسين فأبيت ذلك عليه، فقلت له: أصاب الله بك مراشدك، أجل فلا تفعل ولا تسر إليه، قال: فخرجت من عنده فأتاني آت وقال: هذا عمر بن سعد يندب الناس إلى الحسين، قال : فأتيت فإذا هو جالس فلمّا رآني أعرض عنّي بوجهه فعرفت أنّه قد عزم على المسير إليه فخرجت من عنده، إنتهى.
وذكر فخر الدين الطريحيّ في المنتخب(2) والفاضل المجلسيّ في البحار (3) ما لفظه: ثمّ إنّ أبن زياد نادى في عسكره: معاشر الناس! من يأتيني برأس الحسين وله الجائزة العظمى وأعطه ولاية الري سبع سنين، فقام إليه عمر بن سعد وقال: أصلح الله الأمير! أنا أمضي إليه وأمنعه من شرب الماء وآتي برأسه ثمّ مضى من
1ـ تاريخ الطبريّ 6/23.
2ـ المنتخب 2/ 93.
3ـ بحار الأنوار 10/196.
(334)

وقته وساعته ودخل منزله، فدخل عليه أولاد المهاجرين والأنصار وقالوا: يابن سعد! تخرج إلى حرب الحسين وأبوك سادس الإسلام(1)؟! فقال: لست أفعل ذلك ثمّ جعل يفكّر في ملك الري وقتل الحسين فأضلّه الشيطان وأعمى قلبله فأختار قتل الحسين (ع).
ولفظ المجلسيّ (رحمه الله) لمّا جمع أبن زياد قومه لحرب الحسين كانوا سبعين ألف فارس، فقال أبن زياد: أيّكم يتولّى قتل الحسين وله ولاية أيّ بلد شاء؟ فلم يجبه أحد منهم فأستدعى بعمر بن سعد لعنه الله وقال: ياعمرّ اُريد أن تتولّى حرب الحسين بنفسك، فقال له: اُعفيني من ذلك، فقال أبن زياد: قد أعفيتك فاردد علينا عهدنا الذي كتبنا لك بولاية الري، فقال عمر: أمهلني الليلة، فقال قد أمهلتك، فأنصرف عمر بن سعد إلى منزلة وجعل يستشير قومه وإخوانه ومن يثق به من أصحابه فلم يشر عليه أحد بذلك.
وكان عند عمر بن سعد رجل من أهل الخير يقال له كامل وكان كاملاً كأسمه ذا رأي وعقل ودين كامل، وكان صديقاً لأبيه من قبله، فقال له: ياعمرّ! مالي أراك بهيئة وحركة فيما الذي أنت عازم عليه؟ فقال عمر: إنّي قد وُلِّيتُ أمر هذا الجيش في حرب الحسين وإنّما قتله عندي وأهل بيته كأكلة آكل أو كشربة ماء وإذا قتلته خرجت إلى ملك الري، فقال له كامل: اُفّ لك ياعمر بن سعد تريد أن تقتل الحسين أبن بنت رسول الله اُفّ لك ولدينك ياعمر أسفهت الحقّ وضللت عن الهدى، أما تعلم إلى حرب من تخرج؟ ولمن تقاتل؟ إنّا لله وإنّا إليه راجعون، والله لو اُعطيت الدنيا بما فيها على قتل رجل واحد من اُمّة محمّد (ص) لما فعلت
1ـ هذا مشهور وهو غير صحيح وكثيراً ما شتهر شيء وهو خلاف الواقع، سادس الإسلام هو خباب أبن الأرت لا سعد بن أبي وقّاص.
(335)

فكيف تريد تقتل الحسين أبن بنت رسول الله (ص)؟ وما الذي تقول غداً لرسول الله (ص) إذا وردت عليه وقد قتلت ولده وقرّة عينه وثمرة فؤاده وأبن سيّدة نساء العالمين وأبن سيّد الوصيّين وهو سيّد شباب أهل الجنّة من الخلق أجمعين وإنّه في زماننا هذا بمنزلة جدّه في زمانه وطاعته علينا كطاعته وإنّه باب الجنّة والنار فأختر لنفسك ما أنت مختار فإنّي أشهدت بالله إن حاربته وقتلته أو أعنت عليه أو على قتله لا تلبث بعده في الدنيا إلاّ قليلاً.
فقال عمر: فبالموت تخوّفني وإنّي إذا فرغت من قتله أكون أميراً على سبعين ألف وأتولّى ملك الري؟!
فقال كامل: إنّي اُحدّثك بحديث صحيح أرجو لك فيه النجاة إن وفّقت للقبول: إعلم أنّي سافرت مع أبيك سعد إلى الشام فإنقطعت بي مطيّتي عن أصحابي وتهت وعطشت فلاح لي دير راهب فملت إليه ونزلت عن فرسي وأتيت إلى باب الدير لأشرب الماء فأشرف عَلَيّ راهب من ذلك الدير وقال: ما تريد؟ فقلت: إنّي عطشان، فقالِ: أنت من اُمّة هذا النبيّ الذي يقتل بعضهم بعضاً على حبّ الدنيا مكالبة ويتنافسون فيها على حطامها؟ فقلت له: أنا من الاُمّة المرحومة اُمّة محمّد (ص)، فقال: لا إنّكم شرّ اُمّة فالويل لكم يوم القيامة وقد غدرتم عترة نبيّكم تقتلون رجالهم وتسبون نسائهم وتنهبون أموالهم، فقلت له: ياراهب! نحن نفعل ذلك؟ قال: نعم وإنّكم إذا فعلتم ذلك عجّت السماوات والأرضون والجبال والبحار والوحوش والأطيار باللعنة على قاتلهم ثمّ لا يلبث قاتله إلاّ قليلاً ثمّ يظهر رجل يطلب بثاره فلا يدع أحداُ شرك في دمه إلاّ قتله وعجّل الله بروحه إلى النار.
ثمّ قال لي الراهب: إنّي لأرى لك قرابة من قاتل هذا الأبن الطيّب والله إنّي لو أدركت أيّامه لوقيته بنفسي من حدّ السيوف، فقلت: ياراهب!إنّي اُعيذ نفسي أن أكون ممّن يقاتل أبن بنت رسول الله (ص)، قال: إن لم تكن أنت فرجل قريب
(336)

منك وإنّ قاتله عليه نصف عذاب أهل النار وإنّ عذابه أشدّ من عذاب فرعون وهامان، ثمّ ردم الباب في وجهي ودخل يعبد الله وأبى أن يسقيني الماء.
قال كامل: فركبت فرسي ولحقت بأصحابي فقال لي أبوك سعد: ما أبطأ بك عنّا ياكامل؟ فحدّثته بما سمعت من الراهب فقال لي: صدقت ثمّ إنّ سعداً أخبرني أنّه نزل بدير هذا الراهب مرّة قبلها فأخبره أنّه هو الذي يقتل أبن بنت رسول الله (ص) فخاف أبوك سعد من ذلك وما خشي إلا أن تكون أنت قاتله فأبعدك عنه وأقصاك فاحذر ياعمر أن تخرج عليه فيكون عليك نصف عذاب أهل النار.
قال: فبلغ الخبر أبن زياد فأستدعى بكامل فقطع لسانه فعاش يوماً أو بعض يوم ومات (رحمه الله)، إنتهى.

ردّ أهل الكوفة نصيحة الناصحين:

والناصحون لهم كثيرون منهم برير بن حضير الهمدانيّ المشرقيّ، قال الشلبنجيّ الشافعيّ في نور الأبصار(1) في حديث كربلاء: فحالوا بين الحسين (ع) وبين الماء فعند ذلك ضاق الأمر على الحسين (ع) وعلى أصحابه وأشتدّ بهم العطش وكان مع الحسين رجل من اهل الزهد والورع يقال له يزيد بن حصين الهمدانيّ (2) فقال للحسين (ع): أئذن لي يابن رسول الله آتي عمر بن سعد واُكلّمه في الماء لعلّه أن يرتدع، فأذن له، فجاء الهمدانيّ إلى عمر بن سعد وكلّمه في الماء فأمتنع ولم يجبه إلى ذلك، فقال له: هذا ماء الفرات يشرب منه الكلاب والدوابّ وتمنع منه أبن بنت رسول الله (ص) وأولاده وأهل بيته العترة الطاهرة يموتون عطشاً وقد حلت بينهم وبين ماء الفرات وتزعم أنّك تعرف الله ورسوله؟! فأطرق
1ـ نور الأبصار: ص117.
2ـ يزيد بن حصين تصحيف برير بن حضير.
(337)

عمر بن سعد وقال: يا أخا همدان! إنّي لأعلم ما تقول وأنشأ يقول:
دعاني عبيد الله من دون أهله إلى خصلة فيها خرجت لحيني
فوالله ما أدري وإنّي لواقف على خطر لا أرتضيه ومين
أآخذ ملك الريّ والريّ بغيتي إو أرجع مأثوماً بقتل حسين
وفي قتله النار التي ليس دونها حجاب وملك الريّ قرّة عيني
ثمّ قال: يا أخا همدان! ما أجد نفسي تجيبني إلى ترك ملك الري لغيري، فرجع يزيد بن حصين الهمدانيّ إلى الحسين (ع) وأخبره بمقالة أبن سعد، إنتهى.
أمّا أبن طلحة الشافعيّ في مطالب السئول فذكر أنّ الهمدانيّ لم يسلّم على أبن سعد فقال أبن سعد: يا أخا همدان! ما منعك من السلام عليّ؟ ألست مسلماً أعرف الله ورسوله؟ فقال الهمدانيّ: لو كنت مسلماً كما تقول لما خرجت إلى عترة رسول الله (ص) تريد قتلهم، وبعد فهذا ماء الفرات وذكر مثلما تقدّم(1). ومنهم زهير بن القين البجليّ، ذكر أبو جعفر الطبريّ في التاريخ(2) عن كثير بن عبد الله الشعبيّ قال: لمّا زحفنا قبل الحسين (ع) خرج إلينا زهير بن القين على فرس له ذنوب شاك في السلاح فقال: يا أهل الكوفة! نذاراً لكم من عذاب الله نذار، إنّ حقّاً على المسلم نصحية أخيه المسلم ونحن حتّى الآن إخوة على دين واحد وملّة واحدة مالم يقع بيننا بينكم السيف وأنتم للنصيحة منّا أهل فإذا وقع السيف أنقطعت العصمة وكنّا اُمّة وكنتم اُمّة، إنّ الله قد أبتلانا وإيّاكم بذرّيّة نبيّه محمّد (ص) لينظر ما نحن وأنتم عاملون، إنّا لندعوكم إلى نصرهم وخذلان الطاغية عبيد الله بن زياد فإنّكم لا تدركون منهما إلاّ بسوء عمر سلطانها كلّه
1ـ مطالب السئول: ص76.
2ـ تاريخ الطبريّ 6/243.
(338)

ليسملان أعينكم ويقطعان أيدكم وأرجلكم ويمثّلان بكم يوفعانكم على جذوع النخل ويقتلان أماثلكم وقرّاءكم أمثال حجر بن عديّ وأصحابه وهاني بن عروة وأشباهه.
قال: فسبّوه وأثنوا على عبيد الله بن زياد ودعوا له وقالوا: لا نبرح حتّى نقتل صاحبك ومن معه أو نبعث به وباصحابه إلى الأمير عبيد الله سلماً.
فقال: عباد الله! إنّ ولد فاطمة (ع) لأحقّ بالودّ والنصر من ولد سميّة فإن لم تنصروهم فاُعيذكم بالله أن تقتلوهم فخلّوا بين هذا الرجل وبين أبن عمّه يزيد بن معاوية إنّ يزيد ليرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين (ع).
فرماه شمر بن ذي الجوشن بسهم وقال: اُسكت أسكت الله نامتك أبرمتنا بكثرة كلامك.
فقال له زهير: يابن البوّال على عقبيه ما إيّاك اُخاطب إنّما أنت بهيمة والله وما أظنّك تحكم من كتاب الله آيتين فأبشر بالخزي يوم القيامة والعذاب الأليم.
فقال له شمر: أما والله إنّ الله قاتلك وقاتل صاحبك عن ساعة.
فقال زهير: أفبالموت تخوّفني فوالله للموت معه أحبّ إليّ من الخلد معكم، ثمّ أقبل على الناس رافعاً صوته فقال: عباد الله! لا يغرّنّكم من دينكم هذا الجلف الجافي وأشباهه فوالله لا تنال شفاعة محمّد قوماً أهرقوا دماء ذرّيّته وأهل بيته وقتلوا من نصرهم وذبّ عن حريمهم، قال: فناداه رجل فقال: إنّ أبا عبد الله يقول لك: فلعمري لئن كان مؤمن آل فرعون نصح لقومه فأبلغ في الدعاء لقد نصحت لهؤلاء وأبلغت لو نفع النصح والإبلاغ، إنتهى.
وقد أكثر أصحاب الحسين (ع) من نصح أهل الكوفة فغلبت عليهم شقوتهم فأطاعوا الشيطان المغوي وأتّبعوا الهوى المردي.
(339)

المناصحة للإمام المعصوم (ع):

إنّ إصحاب عليّ والحسين (ع) مثال الإخلاص الحقيقيّ والتفادي الواقعيّ وهم أهل افناء في ولائهم أحياءاً وأمواتاً.
قال السيّد أبن طاوس في كتاب الملهوف(1): قيل لمحمّد بن بشر الحضرميّ في تلك الحال: اُسر أبنك بثغر الريّ، فقال: عند الله أحتسبه ونفسي، ما كنت اُحبّ أن يؤسر وأنا أبقي بعده، فسمع الحسين (ع) قوله فقال: رحمك الله أنت في حلّ من بيعتي فأعمل في فكاك أبنك، فقال أكلتني السباع حيّاً إن فارقتك، قال: فأعط أبنك هذه الأثواب البرود يستعين بها في فداء أخيه، فأعطاه خمسة أثواب قيمتها ألف دينار، إنتهى.
والمشهور أنّ المأسور هو محمّد بن بشر وهذه القصّة لأبنه بشر كما يذكر جماعة من المؤرّخين كالطبريّ.
وقصّة مسلم بن عوسجة لمّا مشى إليه الحسين (ع) وحبيب مشهورة في وصيّته لحبيب بالمناصحة للحسين (ع) ولم يوصه بأمر من اُموره ولهذا قال الشاعر:
نصروه أحياء وبعد مماتهم يوصي بنصرته الشفيق شفيقا
أوصى أبن عوسجة حبيباً قال قاتل دونه حتّى الحمام تذوقا
ومن أصحاب أمير المؤمنين عليّ (ع) من لم تشغلهم أنفسهم عن المناصحة له في ساعة النزع والأحتضار.
قال نصر بن مزاحم في كتاب صفّين(2): عن عبد خير الهمدانيّ قال: قال هاشم أبن عتبة ـ يعني المرقال ـ: أيّها الناسّّ إنّي رجل ضخم فلا يهولنّكم مسقطي إذا أنا
1ـ الملهوف: ص83.
2ـ وقعة صفّين: ص184.
(340)

سقطت فإنّه لا يفرغ منّي أقلّ من نحر جزور حتّى يفرغ الجزّار من جزرها، ثمّ حمل فصرع فمرّ عليه رجل وهو صريع بين القتلى فقال له: إقرأ أمير المؤمنين السلام ورحمة الله وقل له: اُنشدك الله إلاّ أصبحت وقد ربطت مقاود خيلك بأرجل القتلى فإنّ الدبرة تصبح لمن غلب على القتلى، فأخبر الرجل عليّاً (ع) بذلك، فسارعليّ (ع) في بعض الليل حتّى جعل القتلى خلف ظهره فكانت الدبرة له عليهم.
وقال(1): عن عبد الرحمن بن حاطب قال: خرجت ألتمس أخي سويداً في القتلى فإذا برجل قد أخذ بثوبي صريع فألتفتُّ فإذا هو عبد الرحمن بن كلدة فقلت: أنّا لله وأنّا اليه راجعون هل لك بالماء؟ قال: لا حاجة لي في الماء قد أنفذني السلاح وحرقني ولست أقدر على الشرب فهل أنت مبلّغ عنّي أمير المؤمنين! إحمل جرحاك إلى عسكرك حتّى تجعلهم من وراء القتلى فإنّ الغلبة لمن فعل ذلك، ثم لم أبرح حتّى مات، فخرجت حتّى أتيت عليّاً (ع) فدخلت عليه فقلت: إنّ عبد الرحمن بن كلدة يقرآ عليك السلام، قال: وعليه: أين هو؟ قلت: قد والله يا المؤمنين أنفذه السلاح وحرقه فلم أبرح حتّى توفّي، فأسترجع، فقلت له: أرسلني إليك برسالة، قال: وما هي؟ قلت: قال: يا أمير المؤمنين! إحمل جرحاك إلى معسكرك حتّى تجعلهم من وراء القتلى فإنّ الغلبة لمن فعل ذلك، قال: صدق والذي نفسي بيده، فنادى مناديه في العسكر أن أحملوا جرحاكم إلى معسكركم، ففعلوا، إنتهى.
للمؤلّف:
نصروا أئمّتهم وأدّوا حقّهم في الحالتين دعاية وجلادا
1ـ واقعة صفّين : ص303.
(341)

قوم قد أعتادوا المكارم عادة والمرء يألف طبعه ما أعتادا
أولئك الأحرار نوّه وأطرهم في كلّ ناد يجمع الأمجادا
والله شرّفهم يحسن صنيعهم وحباهم الغرف التي قد شادا
محياهموا محي الكرام وموتهم موت الأفاضل محشراً ومعادا
أولئك الأحياء في جنّاتها والأرض لاتبلي لهم أجسادا

نصيحة صادفت قبولاً:

إنّ مدار قبول النصحية على أمرين: إن كانت دينيّة فيجري قبولها على محور التوفيق ويدور على قطب التسديد، وإن كانت دنيويّة فعلى صحّة العقل وسلامة الحواسّ.
قال نصر بن مزاحم في كتاب صفّين(1) وحديث هاشم المرقال: عن أبي سلمة: إنّ هاشم بن عتبة دعا في الناس عند المساء: إلا من كان يريد الله والدار الآخرة فليقبل، فأقبل إليه ناس فشدّ في عصابة من أصحابه على أهل الشام مراراً فليس من وجه يحمل عليهم إلاّ صبروا له وقوتل فيه قتالاً شديداً، فقال لأصحابه: لا يهولنّكم ما ترون من صبرهم فوالله ما ترون منهم إلاّ حميّة العرب وصبرها تحت راياتهم وعند مراكزها وإنّهم لعلى الضلال وإنّكم لعلى الحقّ، ياقوم! أصبروا وصابروا وأذكروا والله ولا يسلم رجل أخاه ولا تكثروا الالتفات وأصمدوا صمدهم وجالدوهم محتسبين حتّى يحكم الله بيننا وهو أحكم الحاكمين.
قال أبو سلمة: فمضى في عصابة من القرّاء فقاتل قتالاً هو وأصحابه حتّى رأى بعض ما يسرّون به إذ خرج عليهم فتى شاب يقول:
أنا أبن أرباب الملوك غسّان الدائن اليوم بدين عثمان
1ـ وقعة صفّين:ص164.
(342)

أنبئنا أشياخنا بما كان إنّ عليّاً قتل أبن عفّان
ثمّ شدّ فلا ينثني يضرب بسيفه ثمّ يلعن ويشتم ويكثر الكلام، فقال له هاشم أبن عتبة: إنّ هذا الكلام بعده الخصام وإنّ هذا القتال بعده الحساب فأتق الله فإنّك راجع إليه فسائلك عن هذا الموقف وما أردت به.
فقال: إنّي اُقاتلكم لأنّ صاحبكم لا يصلّي كما ذكر لي وإنّكم لا تصلّون! واُقاتلكم إنّ صاحبكم قتل خليفتنا وأنتم وازرتموه على قتله.
فقال هاشم: وما أنت وأبن عفّان إنّما قتله أصحاب محمّد (ص) وقرّاء الناس حين أحدث أحداثاً وخالف حكم الكتاب، وأصحاب محمّد (ص) هم أهل الدين وأولى بالنظر في اُمور المسلمين وما أظنّ أنّ أمر هذه الأُمّة ولا أمر الدين عناك طرفة عين قطّ.
قال الفتى: أجل أجل والله لا أكذب فإنّ الكذب يضرّ ولا ينفع ويشين ولا يزين.
فقال هاشم: هذا أمر لا علم لك به فخلّه وأهل العلم به.
قال: أظنّك والله قد نصحتني.
وقال له هاشم: أمّا قولك إنّ صاحبنا لا يصلّي فهو أوّل من صلّى مع رسول الله (ص) وأفقهه في دين الله وأولاه برسول الله (ص)، وأمّا من تر معه فكلّهم قارئ لكتاب الله لا ينام الليل تهجّداُ فلا يغررك عن دينك الأشقياء المغرورون.
فقال الفتى: يا عبد الله! إنّي لأظنّك أمرئ صالحاً أخبرني هل تجد لي من توبة؟
قال: نعم تُب إلى الله يتب عليك فإنّه يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيّئات ويحبّ التوّابين.
قال: فذهب الفتى الشاميّ راجعاً، فقال له رجل من أهل الشام: خدعك العراقيّ؟! قال: لا ولكن نصحني العراقيّ، إنتهى.
(343)

مناصحة أبي الفضل أبن أمير المؤمنين (ع) لأخيه الحسين (ع):

فقد كانت قوليّة وفعليّة: أمّا القوليّة فقد مرّ عليك من أقواله واشعاره ما يكفيك، ومن مناصحته القوليّة ما مرّ آنفاً من قوله لإخوته: حاموا عن سيّدكم وإمامكم الحسين (ع)، وقوله (ع) لأشقّائه: تقدّموا يابني اُمّي حتّى أعلم أنّكم قد نصحتم لله ولرسوله ألخ.

أمّ المناصحة الفعليّة:

فأثرها ظاهر قطعت يمينه وشماله وهو واقف في خطّة الحرب ثابت في ساحة القتال لم يطلب لنفسه ملجأ ولا مأمناً ولم يعدّ لأخيه الحسين (ع) يحتمي به من الأعداء حاذر أن يغتمّ لأجله الحسين (ع) فثبت في مركزه بعد قطع يديه ووقف من غير يدين يذبّ بهما عن نفسه فكأنّه قطعة جبل صلد لا يتزعزع أو زبرة حديد لم تتحلحل وإنّ هيبته تمنع العدوّ من الأقتراب إليه حتّى أغتاله بعضهم متستّراً بنخلة ففضخ هامته بعامود الحديد فأنجدل صريعاً على وجه الثرى فهذه من أعظم المناصحة وأجلّها.
وقد مدح بهذه المناصحة وإثنى بها عليه الأئمّة المعصومون (ع): قال الإمام أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق (ع) في زيارته التي رواها أبن قولويه في كامل الزيارة: ((أشهد لك بالتسليم والتصديق والوفاء والنصيحة لخلف النبيّ المرسل والسبط المنتجب والوصيّ المبلّغ والمظلوم المهتضم)) ألخ.
وفي محلّ آخر منها: ((أشهد أنّك قد بالغت في النصيحة وأعطيت غاية المجهود)).
وفي محلّ آخر منها: ((أشهد أنّك قد نصحت لله ولرسوله ولأخيك)).
وفي محلّ آخر: ((أشهد أنّك قد بالغت في النصيحة وأدّيت الأمانة وجاهدت
(344)

عدوّك وعدوّ أخيك فصلوات الله على روحك الطيّبة وجزاك الله من أخ خيراّ ورحمة الله وبركاته)).
وقوله (ع) ((أدّيت الأمانة)) يحتمل ثلاثة وجوه:
أحدهما: إنّ الإمامة منصب إلهيّ ووظيفة ربّانيّة قد أخذ عهدها في الميثاق الأوّل وهي المشار إليها بقوله تعالى: (إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَاَنَة عَلَى السَّماوّاتِ والأرْضِ)
(1)الآية فكانت هذه الأمانة هي الإمامة كما أشار إليها أبن أبي الحديد الكاتب الحنفيّ المعتزليّ في خطاب أمير المؤمنين عليّ (ع):
أنت الأمانة لا يقوم بحملها خلقاءها بطة وأطلس أرفع
تأبى الجبال الشمّ عن تقليدها وتضجّ تيهاء ويشفق برقع
وعرضها عبارة عن التعهّد والالتزام بواجب طاعة الإمام التي أفترضها الله على عامّة البشر فكان هذا العرض على المخلوقات عرض أختبار لا عرض أختيار إذ لا خيرة لمخلوق مع إرادة الخالق وإباء السماوات والأ رض ومن معناها ليست إباية أمتناع ومعصية بل إباية عدم تكليف فحملها الإنسان الذي هو أظهر أفراد الأنواع المكلّفة من الحيوانات لأنّه محسوس بخلاف الملك والجنّ فإنّها أجسام غير مرئّية ولهذا جحدها الجاهلون من الفلاسفة فكان الإنسان ظلوماً بحملها في العهد السابق واللاحق فيقول: بخّ بخّ مرّة ويقول مرّة اُخرى: وسّعوها في قريش تّتسع، وكلّ من قام بطاعة الإمام ونصره فقد أدّى الأمانة وأبو الفضل من أعظم أفراد هذا القسم.
ثانيهما: إنّ الحسين (ع) من العترة التي هي أحد الثقلين الذين أوصى رسول الله (ص) اُمّته في التمسّك بهما وبحفظهما والأقتداء بهما وجعلهما أمانة عند اُمّته
1ـ الأحزاب: 72.
(345)

وأبو الفضل العبّاس (ع) من الأعيان الأوفياء بتأدية هذه الأمانة وإيصالها لرسول الله (ص) محترمة معظّمة بذل دون حفظها نفسه النفيسة وجعل يتلقّى السلاح بوجهه وصدره ونحره لئلاّ يصل إلى وديعة رسول الله منه شيء وضحّى إخوته وولده لفداء الحسين (ع).
ثالثهما: البيعة للحسين (ع) والبيعة أمانة عند المبايع وإنّ التزامه بشرائطها تأدية لها والقتل من أظهر مصاديق الوفاء وأجلى مظاهر التأدية للأمانة ولهذا كّل من أراد الشهادة من أصحاب الحسين (ع) يقف أمامه ويستأذن للبراز ويقول: السلام عليك يا أبا عبد الله أوفيت يابن رسول الله؟ فيقول (ع): نعم أنت أمامي في الجنّة فاقرأ جدّي وأبي واُمّي عنّي السلام وقل لهم: تركت حسيناً وحيدا فريداً لا ناصر له ولا معين.
ويحتمل في تأدية الأمانة وجهاً رابعاً وهو ما رواه بعض أرباب المقاتل من أنّ مولانا أمير المؤمنين (ع) أوصى ولده العبّاس الأكبر (ع) بنصرة أخيه الحسين (ع) فكانت هذه التوصية أمانة عنده من أبيه (ع) فقد أدّاها وسقط عنه فرض التكليف بها وكلّ هذه الوجوه صالح للحمل عليه ولا مانع من إرادة الجميع وإن كان الحمل على الإمانة أظهر لمصير أكثر المفسّرين إلى أنّ المراد الأمانة هي الإمامة.

أمّا الشعر في مدح العبّاس (ع) بالمناصحة:

فهو كثير ومنه قول الإمام السبط سيّد الشهداء الحسين (ع) فيما رواه الفاضل الدربنديّ في أسرار الشهادة(1) ولفظه قال: فلمّا أتاه الحسين (ع) رآه صريعاً على شاطئ الفرات بكى ثمّ قال: وا أخاه وا عبّاساه! الآن أنكسر ظهري وقلّت حيلتي، ثمّ قال: جزاك الله عنّي يا أخي يا أبا الفضل العبّاس خيراً، قيل: ثمّ أنشأ:
1ـ أسرار الشهادة: ص322.
(346)

أخي يا نور عيني ياشقيقي فلي قد كنت كالركن الوثيق
أيا أبن أبي نصحت أخاك حتّى سقاك الله من كأس رحيق
أيا قمراً منيراً كنت عوني على كلّ النوائب في المضيق
فبعدك لا تطيب لنا حياة سنجمع في الغداة على الحقيق
ألا لله شكوائي وصبري وما ألقاه من ظمأ وضيق
وقال الاًزريّ البغداديّ الحاج محمّد رضا:
وأخ كريم لم يخنه بمشهد حيث السراة كبابها إقدامها
للمؤلّف:
فديت أبا الفضل من ناصح لسبط الرسول ونعم النصيح
فداه فدته نفوس الأنام بكلّ نفيس وغال ربيح
وحرص أبي الفضل في حفظه بما يستطيع كحرص الشحيح
(347)

ومن صفات العبّاس الأكبر أبن أمير المؤمنين (ع) الإيثار

وإيثار أبي الفضل العبّاس لأخيه الحسين (ع) يوم كربلاء ممّا لا شكّ فيه ولا أرتباب، والإيثار خصلة حميدة وسجيّة فاضلة من سجايا الكرام وأخلاق أهل العفة والديانة وأرباب المجد والسؤدد، وكونها من صفات المدح فممّا لا يرتاب فيه إلاّ أعوج السليقة أو جاهل محض لا إلمام له بسير العقلاء ولا معرفة عنده بأدلّة الأحكام.

معنى الإيثار لغة:

قال الفّيوميّ في المصباح المنير: آثرته بالمدّ فضّلته.
وقال خر الدين الطريحيّ (رحمه الله) في مجمع البحرين: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ)(1)أي يقدمون على أنفسهم من قولهم آثره على نفسه أي قدّمه وفضّله.
وقال أبن الأثير في النهاية: ويستأثر عليكم أي بفضل عليكم غيركم في الفيء.
وبهذا يظهر غلط صاحب القاموس في قوله: آثره أكرمه، وكان الواجب عليه أن يقول: قدّمه في الكرامة.

معنى الإيثار العرفانيّ والفرق بينه وبين المواسات:

قال الشريف الجرجانيّ في التعريفات(2): المواسات أن ينزل غيره منزلة نفسه
1ـ الحشر: 9.
2ـ التعريفات: 163.
(348)

في النفع له والدفع عنه والإيثار أن يقدّم غيره على نفسه فيهما وهو النهاية في الأخوّة، إنتهى.
والإيثار نتيجة العفّة التي هي من فضائل النفس الأربعة الكماليّة وشعبة من شعب الجود الذي هو أفضل خلق وسجيّة وأجلّ غريزة من الغرائز الإنسانيّة ومن أحسن ما تحلّى به هذا النوع البشرّي المتسلّط على عامّة الأنواع.
قال أحمد بن أبي الربيع في سلوك المالك(1): والإيثار هو كفّ الإنسان عن بعض حوائجه وبذلها لمستحقّها، و(2) أن يحدث من تركيب السخاء مع العفّة الإيثار على النفس.
وقال أبن مسكويه الخازن في تهذيب الأخلاق(3): الفضائل التي تحت السخاء: الكرم، الإيثار، النيل، المواسات، السماحة، المسامحة.
أمّا الإيثار فهو فضيلة للنفس بها يكفّ الإنسان عن بعض حاجاته التي تخصّه حتّى يبذله لمن يستحقّه.
وقال الغزاليّ الشافعيّ في الإحياء(4): أعلم أنّ السخاء والبخل كلّ منهما ينقسم إلى درجات فأرفع درجات السخاء الإيثار وهو أن يجود بالمال مع الحاجة إليه وإنّما السخاء عبارة عن بذل ما يحتاج إليه المحتاج أو لغير المحتاج والبذل له مع الحاجة أشدّ، وكما أنّ السخاوة قد تنتهي إلى أن يسخو الإنسان على غيره مع الحاجة فالبخل قد ينتهي إلى أن يبخل على نفسه مع الحاجة، فكم من بخيل يمسك المال فيمرض فلا يتداوى ويشتهي الشهوة فلا يمنعه منها إلاّ البخل
1ـ سلوك المالك في تدبير الممالك: ص29.
2ـ نفسه: ص33.
3ـ تهذيب الأخلاق: ص381.
4ـ إحياء علوم الدين 2/222.
(349)

بالثمن ولو وجدها مجّاناً أكلها فهذا بخل على نفسه مع الحاجة وذلك يؤثر على نفسه غيره مع أنّه محتاج إليه فأنظر ما بين الرجلين فإنّ الأخلاق عطايا يضعها الله حيث يشاء، وليس بعد الإيثار درجة في السخاء، إلى آخر كلامه المطوّل.
وقال رشيد الوطواط في غرر النصائح الواضحة(1): ويقال مراتب العطاء ثلاثة: سخاء وجود وإيثار؛ والسخاء إعطاء الأقلّ وإمساك الأكثر، والجود إعطاء الأكثر وإمسالك الأقلّ، والإيثار إعطاء الكلّ من غير إمساك لشيء وهذه أشرف المراتب وأعلاها وأحقّها بالمدح فإنّ إيثار المرء غيره على نفسه أفضل من إيثار نفسه على غيره وكفى بهذه الخلّة شرفاً مدح الله تعالى أهلها بقوله: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ)(2) ألخ.
فالإيثار مرتبة هي أعلا مرتبة في السخاء ودرجة هي أرقى درجة في الجود وإذا كان كذلك فمراتب ألإيثار لا تضبط لأنّها نسبيّة وتختلف بأختلاف الأحوال والأشخاص ويتميزّ منها مرتبتان بالإضافة إلى ما آثر به وبذله لغيره وهي مرتبة بذلك النفس والإيثار بها وهي أعلا مراتب اللإيثار ولا نعرفها في عرب الجاهليّة الاّ لكعب بن مامة الأياديّ وحاتم بن عبد الله الطائيّ، وفي عرب الإسلام لإمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع) فإنّه آثر النبيّ (ص) بنفسه حين بات على فراشه ليلة الهجرة وبذل نفسه له في الحروب الطاحنة التي فرّت فيها أبطال الصحابة.
ولولده العبّاس الأكبر (ع) حين آثر أخاه الحسين (ع) بنفسه وفداه بروحه على سبيله سلك شهداء كربلاء فإنّ الجميع آثروا الحسين (ع) بنفوسهم وباقي الشهداء
1ـ غرر النصائح الواضحة: ص234.
2ـ الحشر: 9.
(350)