حفاف من خلفه كأنّه إكليل، وكأن عنقه إبريق فضّة وهو أرقب ضخم البطن، عريض الصدر، محض المتن، شثن الكفّين، ضخم الكسور، لا يبين عضده من ساعده، قد اُدمجت إدماجاً، له لحية قد زانت صدره، غليظ العضلات، خمش الساقين ألخ.

صفة سيّدتنا فاطمة الزهراء بنت رسوله (ص):

قال المازندرانيّ في كتاب المناقب المذكور(1): أنس بن مالك قال: سألت اُمّي عن صفة فاطمة (ع) فقالت: كانت كأنّها القمر ليلة البدر، والشمس كفرت غماماً وخرجت من السحاب، وكانت بيضاء بضة، إنتهى.
ويذكر غيره أنّ النساء يجتمعن فيغزلن على ضوء وجهها.
وقد قال الحسين (ع) لأبن أخيه الحسن المثنّى: اخترت لك أبنتي فاطمة لأنّها أكثرهنّ شبهاً باُمي فاطمة، وفاطمة بنت الحسين كانت عظيمة الجمال حتّى قيل إنّ امرأة مودودتها سكينة لمنقطعة القرين.

صفة الحسين بن عليّ سبط رسول الله (ص):

حيث قد أتفق الناس أنّه شبيه رسول الله (ص) في الخلقة والخلق لم نرى في التطويل حاجة.

صفة الحسين بن علي (ع) سبط رسول الله (ص):

قال علي دده الحنفيّ في محاضرات الاوائل والأواخر(2): وحملته سيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (ع) ستة أشهر وما سمع بمولود في ستّة أشهر إلاّ يحيى بن
1ـ المناقب لأبن شهر آشوب 4/22.
2ـ محاضرات الأوائل والأواخر: ص72.
(151)

زكريّا (ع) وكان له جمال عظيم ونور يتلألأ في جبينه وخدّه يضيء حواليه في الليلة الظلماء، وكان أشبه الناس برسول الله (ص)، ألخ.
وقد ذكر بعض أرباب المقاتل أنّ الأسديّين لمّا جاؤوا لدفن الشهداء بعد أرتحال عسكر عمر بن سعد لم يعرفوا أحداً منهم لأنّ رؤوسهم قطعت إلاً الحسين (ع) فإنّهم عرفوه بأنواره الساطعة فإنّه قد جلّل القتلى بأنواره، ولجماله الباهر وحسنه البديع يقول عدوّه وهو يقرع ثناياه بمخصرته: أمّا أنّه كان غلاماً صبيحاً، ويقول عدوّه وهو الآخر الشامت بقتله ويهتزّ فرحاً مرحاً:
ياحبّذا بردك في اليدين ولونك الأحمر في الخدّين
كأنّما حفّ بوردتين شفيت نفسي بدم الحسين
وقد قال بعض الشهداء معه وهو الغلام الذي قُتل أبوه معه:
أميري حسين ونعم الأمير سرور فؤاد البشير النذير
عليّ وفاطمة والداه فهل تعرفون له من نظير
له طلعة مثل شمس الضحى له غزّة مثل بدر منير
ورثاه السوسيّ الشاعر بقوله:
ياقمراً غاب حين لاحا أورثني فقداك المناحا
ورثاه الكعبيّ الشاعر بقوله:
ومجرح ما غيّرت منه القنا حسناً ولا أخلقن منه جديدا
قد كان بدراً فاغتدى شمس الضحى مذ ألبسته يد الدماء لبودا
وهو كثير في مراثيه، والجمال من المواهب الإلهيّة والمنح الربّانيّة لبني هاشم فقد كانت العرب تسمّي عبد مناف البدر، وتسمّي هاشم بن عبد مناف وإخوته أقداح النضار، والنضار الذهب، ولقّبوا عبد المطّلب بالبدر، ووصفوا أولاده بأنّهم جمال جون وهي البيض من الإبل بجمالهم وعظم أبدانهم، وقالوا في العبّاس بن
(152)

عبد المطّلب كأنه فسطاط أبيض لجماله وعظمه، سرى الجمال على أعقاب بني هاشم فكان أبو الفضل العبّاس أبن عليّ يسمّى قمر بني هاشم، وكان عليّ بن الحسين الاكبر (ع) كفلقة قمر طالع، وكذلك القاسم بن الحسن وصفه عدوّه بذلك، وعبد الله الرضيع بن الحسين الشهيد رمي بالسهم على بريق رقبته فإنّها كانت تلمع على عضد أبيه (ع)، وفي بني العبّاس من يضرب به المثل في الجمال كالأمين بن الرشيد وأبي عيسى بن الرشيد(1) والمعتزّ بن المتوكّل والمكتفي وجعله مادحه ثالث الشمس والقمر فقال:
والله لا قبّلتها ولو أنّها كالبدر أو كالشمس أو كالمكتفي

مدح العرب ساداتها وأشرافها بالجمال:

إنّ ثناء العرب على العظماء منها في غاية الكثرة فمن ذلك ما ذكره الراغب في المحاضرات: قال أبن عن عنقاء الفزاريّ:
كأنّ الثريّا علّقت فوق نحره وفي أنفه الشعري وفي وجهه القمر
وقال أوس بن حجر:
تجرّد في السربال أبيض ناصع مبين لعين الناظر المتوسّم
وقال أبو قيس بن الأسلت في أبي أحيحة سعيد بن العاص الأمويّ ذكره الجاحظ في البيان والتبيين:
كأنّ البخترّ غداة جمع يدافعهم بلقمان الحكيم
1ـ قال الثعالبّي في ثمار القلوب ص37: كان أبو عيسى بن الرشيد أحسن أهل زمانه حتّى أنّه كان أحسن من أخيه الأمين وهو المضروب به المثل في الحسن وكان يقال لأبي عيسى يوسف الزمان.
وفي ص 48: كان يقال لكلّ من محمّد الأمين وأخيه أبي عيسى يوسف الزمان لفرط جمالهما ويقال إنّ جمال ولد الخلافة إنتهى إليهما فما رأى الناس مثلهما إلاّ المعتزّ بعدهما، وذكر كلاماً مطوّلاً فراجعه.
(153)

بأزهر من سراة بني لؤيّ كبدر الليل راق على النجوم
وقال دريد بن الصمة الجشميّ فارس هوزان:
أبلغ نعيماً وأوفى إن لقيتهما إن لم يكن كان في سمعيهما صم
فلا يزال شهاب يستضاء به يهدي المقانب مالم تهتك الحرم
أخذه أبن قيس الرقيّات في مدح مصعب بن الزبير فقال:
إنّما مصعب شهاب من الله تجلّت بنوره الظلماء
وكذب في قوله في عبد الملك بن مروان:
يعتدل التاج فوق مفرقه على جبين كأنّه الذهب
لم يكن عبد الملك جميلاّ إنّما كان مشوّها ً أبخر، ولشدّة بخره كان يتساقط الذباب عليه ولذلك قيل له أبو الذبان.
قال المبرّد في الكامل(1): قال عبد الملك بن مروان لأسيلم بن الأحنف الأسديّ: ما أحسنت ما مدحت به فأستعفاه فإبى أن يعفيه وهو معه على السرير فلمّا أبى إلاّ أن يخبره قال قول القائل:
إلا أيّها الركب المخبون هل لكم بسيّد أهل الشام تحبوا وترجعوا
من النفر البيض الذين إذا أعتزوا وهاب الرجال حلقه الباب فعقوا
إذا النفر السود اليمانون تمّموا له حوك برديه أجادوا وأوسعوا
جلى المسك والحمام والبيض كالدمى وفرق المذاري رأسه فهو أنزع
وقال نصيب الشاعر:
من النفر البيض الذين إذا أنتجوا أقرّت لنجواهم لؤي بن غالب
يحيّون بسّامين طوراّ وتارة يحيّون عبّاسين شوس الحواجب
1ـ الكامل 1/121.
(154)

وقال الكميت الأسدي في إحدى الهاشميّات المشهورة:
إلى النفر البيض الذين بحبّهم إلى الله فيما نابني أتقرّب
بني هاشم رهط النبي فإنّني بهم ولهم أرضى مراراً وأغضب
وقال الأصم الباهليّ وذكره الأمديّ في المختلف والمؤتلف:
قتيبة أبطال مساعير بالقنا خضارمة عند اللقاء بحور
إذا القمر منهم مضى لسبيله بدى قمر يجلوا الظلام منير
وقال البرج المرّيّ في زفر بن هاشم من آل سنان رؤساء بني مرّة:
أرى الخلاّن بعد أبي حبيب بحجر في جنابهموا حذاء
من البيض الوجوه بني سنان لو أنّك تستضيء بهم أضاؤوا
لهم شمس النهار إذا أستقلّت ونر ما يغيبه المساء
بناة مكارم وأُساة كلم دماؤهموا من الكلب الشفاء
فلو أنّ السماء دنت لمجد ومكرمة دنت لهم السماء
وقال حبيب بن حباش الغنويّ:
تركت سليم إذا أضاعوا أمرهم يبكون أثر عمائم حمر
جعلت على بيض الوجوه نمت بهموا آباؤهم لمكارم الذكر
وقال سبيع بن الخطيم التيميّ لزيد الفوارس الضبيّ:
إنّ أبن ضرار حين أندبه زيداً سعى سعياً غير مكفور
سالت براق الحيّ حين دعى أنصاره بوجوه كالدنانير
ليس الهجان إذا ما كنت منتحلاً كالورق تنظر في ألوانها الحور
وقال المرار العجليّ الراجز:
أبلج مثل القمر المبين كالفحل قدّام اليراع الجون
وقال أبن عنقاء الفزاريّ في عميلة الفزاريّ وقد تقدّم منها بيت:
(155)

رآني على ما بي عميلة فأشتكى إلى ماله حالي أسرّ كما جهر
أتاني فآساني ولو ظنّ لم ألم على حين لا باد يرجى ولا حضر
غلام رماه الله بالحسن يافعاً له سيمياء لا تشقّ على البصر
كأنّ الثريّا علّقت في جبينه وفي جيده الشعرى وفي وجهه القمر
إذا قيلت الفحشاء أغضى كأنّه ذليل بلا ذلّ ولو شاء لانتصر
وقال قيس بن عاصم سيّد أهل الوبر:
خطباء حين يقول قائلهم بيض الوجوه مصاقع لسن
وقال قطن بن حارثة الكلبيّ العليميّ في رسول الله (ص) لمّا وفد عليه:
رأيتك ياخير البريّة كلهّا نبت نضاراً في الأرومة من كعب
أغرّ كأنّ البدر سنّة وجهه إذا ما بدى للناس من خلل العصب
أقمت سبيل الحقّ بعد أعوجاجه ورشت اليتامى في السغاية والجدب
وقال كعب الأنصاريّ شاعر النبيّ (ص) في بني هاشم:
ياهاشماً إنّ الإله حباكموا ما ليس يبلغه اللسان المفصل
قوم لأصلهموا السيادة كلّها قدماّ وفرعهم النبيّ المرسل
بيض الوجوه ترى بطون أكفّهم تندى إذا اغبّر الزمان الممحل
وقال المعذل البكريّ في مدح النهاس بن ربيعة العتكيّ من ابيات:
كأنّ دنانيراً على قسماتهم إذا الموت للأبطال كان تحسيا
وقال الطائيّ:
فتى عزلت عنه الفواحش كلّها فلم تختلط منه بلحم ولا دم
إذا ما رمى أصحابه بجبينه سرى ليلة الظلماء لم يتكهّم
وقال النابغة الذبيانيّ في الحارث أبن أبي شمر الغسّانيّ ملك عرب الشام في عصر الرومان:
(156)

هذا غلام حسن وجهه مقتبل العمر سريع التمام
للحارث الأكبر فالحارث الأ صغر فالأعرج خير الأنام
ثمّ لعمرو ولعمرو وقد أسرع في الخيرات منهم إمام
خمسة آباء هموا ما هموا هم خير من يشرب صوب الغمام
وقال حسّان بن ثابت شاعر النبيّ (ص) في آل جفنة ملوك غسّان:
أبناء جفنة حول قبر أبيهموا قبر أبن مارية الكريم المفضل
يغشون حتّى ما تهرّ كلابهم لا يسألون عن السواد المقبل
بيض الوجوه كريمة أحسابهم شمّ الاُنوف من الطراز الأوّل

ذمّ الدمامة:

كما أنّهم يمدحون بالجمال ويعدّونه من سيماء السيادة يذمّون بالدمامة ويجعلونها عيباً في الرئيس ويتّخذونها دليل المقت، ففي قول كعب بن زهير بن أبي سلمى في قصيدته التي مدح بها النبيّ (ص) المعروفة بـ((بانت سعاد)):

*إذا عرد السود التنابيل*

دليل على ما قلناه فإنّه عاب الأنصار بالقصر والدمامة، وقال آخر في نفسه:
وكيف أرجى أن أسود عشرتي واُمي من سلمى أبوها وخالها
رأيتكموا سوداً جعاد ومالك مخصّرة بيض سباط نعالها
قال الأبشيهيّ الشافعيّ في المستطرف(1): أراد رجل أن يكتب كتاباً إلى بعض أصحابه فلم يجد رجلاً يرسله معه إلاّ رجلاً وخش الصورة بشع المنظر، فلم يقدر على تحليته لفرط دمامته فكتب إلى أصحابه: يأتيك بهذا الكتاب آية من آيات الله تعالى وقدره فدعه يذهب إلى نار الله وسقره.
1ـ المستطرف 2/250.
(157)

وجاءت أمرأة إلى صائغ فقالت له: أصنع لي تمثال شيطان، فقال: إنّي لم أره، فذهبت فرأت الجاحظ فقالت: تفضّل معي، فأقبل معها إلى الصائغ فقالت له: هذا، وذهبت، فبهت الجاحظ وسأل الصائغ، فأخبره بما أرادت، وفي الجاحظ يقول الشاعر:
لو يمسخ الخنزير مسخاً ثانياً ما كان إلاّ دون قبح الجاحظ
رجل ينوب عن الجحيم بوجهه وهو العمى في عين كلّ ملاحظ
ولو أنّ مرآة جلت تماثله ورآه كان له كأعظم واعظ
حجّ مخنث فرآى رجلاً قبيح الوجه يستغفر الله، فقال له: ياحبيبي! مالك تبخل بهذا الوجه على جهنّم!
وقال بعضهم لرجل: طلع لي دمّل (دنبل) في أقبح المواضع، فقال: كذبت هذا وجهك ليس فيه شيء.
وخرج رجل قبيح المنظر إلى المتجر فدخل اليمن فلم ير فيها أحسن منه وجهاً فقال:
لم أر وجهاً حسناً منذ دخلت اليمنا
فيا شقاء بلدة أحسن من فيها أنا
إنتهى
وفي فرسان العب جماعة يعابون بالسواد ويقال لهم غربان العرب وأغربة العرب، منهم: عنترة الفوارس العبسيّ فارسهم وبطلهم وشاعرهم، ومنهم السليك أبن السليكة السعديّ فارس بني تميم وهو سليك المقانب، والشنفريّ الأزديّ أحد اللصوص، وخفاف بن ندبة السمليّ فارس بني سليم وهو قاتل مالك بن حمار الشمخيّ سيّد بني فزارة، وعبد الله بن خازم أمير خراسان وفارس بني سليم وهو أبن عجلى، ومنهم الحباب أبو عمير بن الحباب السلميّ سيّد بني سليم في
(158)

الإسلام أيضاً، ومنهم هفان بن عقهة بن أبي معيط الأمويّ، ومنهم تأبط شرا الفهمي أحد لصوص العرب وغيرهم وهؤلاء أشهر العرب نجدة وأبعدهم صوت وصيتاً في الفصاحة والفروسيّة وإنّما دخلهم الخلل من جهة السواد فإذن هي عيب من العيوب لا يغطّى، والجمال صفة فضل لا تنكر.

جمال أبي الفضل العبّاس (ع):

فأبو الفضل العبّاس الأكبر بن أمير المؤمنين (ع) ممّن وسمهم الله بميسم الجمال والوسامة وكساهم أردية الحسن كرامة منه لأنّهم أهل الكرامة، وهذا أمر لا نحتاج إلى إثباته بأكثر ممّا ذكرنا وقد سمعت ما قاله أبو الفرج وكذلك غيره، فكونه يلقّب بقمر بني هاشم أمر معروف عند المؤرّخين وحسبك بمن يكون قمر هذه العشيرة الفائقة على عامّة البشر بجمالها الباهر وحسنها الزاهر وقد أكثر الشعراء من نعته بالجمال في مراثيه الكثيرة وأوّل من فتح لهم هذا الباب سيّد الشهداء أبو عبد الله الحسين (ع) ففي أسرار الشهادة للفاضل الدربنديّ (رحمه الله) (1) قال فيه الحسين (ع) لما وقف عليه:
أيا أبن أبي نصحت أخاك حتّى سقاك الله كأساً من رحيق
ويا قمر منيراً كنت عوني على كلّ النوائب في المضيق
وهي أربعة أبيات نذكرها تماماً في ملّ آخر، وقال الاُزريّ (رحمه الله):
الله أكبر أيّ بدر خرّ من اُفق الهداية فأستشاط ظلامها
وقال السيّد جعفر الحلّيّ (رحمه الله) وهو يخبر أنّ الحسين (ع) مشى إليه حين سقط:
فمشى لمصرعه الحسين وطرفه بين االنساء وبينه متقسّم
إلفاه محجوب الجمال كأنّه بدر بمنحطم الوشيح ملثم
1ـ أسرار الشهادة: ص323.
(159)

وللمؤلّف من قصيدة:
قمر العشيرة ليثها مقدامها قنّاص أسد الخميس في الأخياس
حيث قد عرفت بعض صفات العبّاس بن أمير المؤمنين (ع) البدنيّة وهي الجسامة والوسامة وأمتداد القامة وطول العنق والساعدين مع عبالتهما فنعرّفك الآن بعض صفاته النفسيّة وأخلاقه الحميدة ومزاياه الكريمة.
(160)

صفات العبّاس النفسيّة وهي الأخلاق

صفات العبّاس بن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع) وهي صفات النفس المعروفة بالأخلاق وهو أنّ الصفات النفسيّة منها ما هو راجع إلى معنى قائم بالنفس من حيث الخلقة والفطرة وتسمّى هذه بالغرائز والسجايا ويطلق عليها الجبليّة والطبيعيّة، ومنها ما هو راجع إلى النفس بواسطة عروضها لها من حيث تحصيلها بالممارسة والأكتساب وتسمّى بالصفات والحالات النفسيّة وإنّما هي هيئات وعوارض لها طارية عليها بواسطة قوّة أستعدادها للقبول فيقال لها صفة وحالة وهيئة بهذا الاعتبار، وإن توسّط بعض الفلاسفة فأطلق على القسمين إسم الحال والحقّ إنّهما نوعان يطلق عليهما أسم الأخلاق وقد يقال إنّ الأخلاق هي النوع الأوّل، والثاني تخلق لكن يرجع التخلّق إلى الخلق بكثرة التمرين وقوّة الرياضة على التهذيب، وفي المقام آراء مختلفة، وللفلاسفة مذاهب شتّى:
فبعض ينفي الأخلاق الطبيعيّة ويجعل الجميع من العوارض فيقول: لا شيء من الأخلاق بطبيعيّ للنفس وإنّها كلّها مكتسبات بالرياضة والتمرين وحمل النفس على المحمود والمذموم تدريجيّ وبالاُلفة والعادة.
وبعض يقول: كلّ الأخلاق طبيعيّة، وأختلف أهل هذا القول بين قائل بقبول التهذيب وبين قائل بعدم قبولها للتهذيب وهذا قول ساقط والوجدان يشهد ببطلانه.
ومن الفلاسفة من قال بما ذكرنا أوّلاً من أنّ الأخلاق تنحصر في نوعين ذاتيّة
(161)

ومكتسبة وهو قول أكثر المحقّقين منهم وهو الصحيح وحيث إنّا كتبنا في كتابنا ((السياسة العلويّة)) شرح عهد مولانا أمير المؤمنين(ع) لمالك الأشتر رضوان الله عليه فصلاً مطوّلاً تركنا التوسّع هنا.
قال أبن مكسويه الخازن (رحمه الله) في كتاب تهذيب الأخلاق على هامش المبدأ والمعاد لصدر الدين الشيرازي (ملاّ صدار)(1): الخلق حال للنفس داعية لها إلى أفعالها من غير فكر ولا رويّة وهذه الحال تنقسم إلى قسمين: منها ما يكون طبيعيّاً من أصل المزاج كالإنسان الذي يحرّكه أدنى شيء فيغضب ويهيج من أقلّ سبب، وكالإنسان الذي يجبن من أيسر شيء، وكالذي يفزغ من أدنى صوت يطرق سمعه أو يرتاع من خبر يسمعه، وكالذي يضحك ضحكاً مفرطاً من أدنى شيء يعجبه، وكالذي يغتمّ ويحزن من أيسر شيء يناله، ومنها ما يكون مستفاداً بالعادات والتدّرب وربّما كان مبدأه بالرويّة والتفكّر ثمّ يستمرّ عليه أوّلاً حتّى يصر ملكة وخلقاً ولهذا أختلف القدماء في الخلق: فقال بعضهم: الخلق خاصّ بالنفس غير الناطقة، وقال بعضهم: قد يكون للنفس الناطقة فيه حظّ.
ثمّ أختلف الناس أيضاً أختلافاً ثانياً فقال بعضهم من كان له خلق طبيعيّ لم ينتقل عنه، وقال آخرون: ليس شيء من الأخلاق طبيعياً للإنسان، ولا نقول إنّه غير طبيعيّ وذلك إنّا مطبوعون على قبول الخلق بل نتقل بالتأديب والمواعظ إمّا سريعاً أو بطيئاً وهذا الرأي الأخير هو الذي نختاره لأنّا نشاهده عياناً، ولأنّ الرأي الأوّل يؤدّي إلى أبطال قوّة التمييز والعقل وإلى رفض السياسات كلّها وترك الناس همجاً مهملين، وإلى ترك الأحداث والصبيان على ما يتّفق أن يكونوا عليه بغير سياسة ولا تعليم وهذا ظاهر البشاعة جدّاً.
1ـ تهذيب الأخلاق بهامش المبدأ والمعاد: ص385.
(162)

أمّا الرواقيّون فظنّوا أنّ الناس كلّهم يخلقون أخياراً ثمّ بعد ذلك يصيرون أشراراً بمجالسة أهل الشرّ(1) والميل إلى الشهوات الرديّة التي لا تقمع بالتأديب فينهمك فيها ثمّ يتوصّل إليها من كلّ وجه ولا يفكّر في الحسن منها والقبيح.
وأمّا قوم آخرون كانوا قبل هؤلاء فإنّهم ظنّوا أنّ الناس خلقوا من الطينة السفلى وهي كدر العالم فهم لأجل ذلك أشرار بالطبع وإنّما يصيرون أخياراً بالتأديب من ليس هو في غاية الشر فيمكن أن ينتقل من الشر إلى الخير بالتأديب من الصبيان ثم بمجالسة الأخيار وأهل الفضل.
وأما جالينوس فإنّه رأى أنّ الناس فيهم من هو خير بالطبع وفيهم من هو شرّير بالطبع وفيهم من هو متوسّط بين هذين ثمّ ذكر أحتجاجه ولا فائدة فيه.
ثمّ قال: أمّا راسطاطاليس فقد بيّن في كتاب الأخلاق وفي كتاب المقولات أيضاً أنّ الشرّير قد ينتقل بالتأديب إلى الخير ولكن ليس على الإطلاق لأن يرى أنّ تكرير المواعظ والتأديب وأخذ الناس بالسياسات الجيّدة الفاضلة لا بّد أن يؤثّر ضروب التأديب في ضروب الناس فمنهم من يقبل التأديب ويتحرّك إلى الفضيلة بسرعة، ومنهم من يقبله ويتحرّك إلى الفضيلة بإبطاء ونحن نؤلّف من ذلك قياساً وهو هذا: كلّ خلق يمكن تغيّره ولا شيء ممّا يمكن تغيّره هو بالطبع فإذاً لا خلق ولا واحد منه بالطبع، والمقدّمتان صحيحتان والقياس منتج في الضرب الثاني من الشكل الأوّل.
أمّا تصحيح المقدّمة الاُولى وهي كلّ خلق يمكن تغيّره فقد تكلّمنا عليه وأوضحناه وهو بيّن من الصبيان وممّا أستدللنا به من وجوب التأديب ونفعه
1ـ ربّما يقوّي مذهب الرواقيّين الحديث النبويّ وقوله (ص) ((كلّ مولود يولد على الفطرة وإنّما أبواه االلذان يهوّدانه وينصّرانه ويمجّسانه)) الحديث دلّ بنصّه على أنّ الله تعالى يفطر الناس على الخير وإنّما هم يكتسبون الشرّ والكفر بمتابعة الأشرار.
(163)

وتأثيره في الأحداث والصبيان ومن الشرائع الصاقة التي هي سياسة الله لخلقة.
وأمّ تصحيح المقدّمة الثانية وهي لا شيء ممّا هو بالطبع أبداً فإنّ أحداً لا يروم أن يغيّر حركة النار التي إلى الأسفل ولو رامه لما صحّ له شيء من هذا ولا ما يجري مجراه أغني الاُمور التي هي بالطبع فقد صحّت المقدّمتان وصحّ التأليف في الشكل الأوّل وهو الضرب الثاني وصار برهاناً ألخ.
وسنذكر جملة من كلامه فيما يأتي وسيتّضح أنّ مدّعاه غير تامّ وإنّا نذهب إلى وجود أخلاق طبيعيّة للنفس وإنّها تقهر بالرياضة وتغلب بالسياسة حتّى تكون في أقصى درجة من الضعف لا تكاد تذكر، وتغيير ما بالطباع سهل بالمعالجة فالحديد الذي طبعه الرسوب في الماء قد وجدناه يقبل المعالجة حتّى يصير طافياً على وجه الماء كما يأتي مع شواهد كثيرة.
قال شهاب الدين احمد بن محمّد بن ابي الربيع في كتابه الذي ألّفه للخليفة المعتصم العبّاسيّ وسمّاه ((سلوك المالك في تدبير الممالك)) ونصه(1): الخلق حال للنفس داعية لها إلى أفعالها من غير فكر ولا رويّة وينقسم هذا إلى قسمين وهما ما يكون طبيعياً من أصل الخلقة كمن يحرّكه أدنى شيء نحو الغضب، وكمن يجبن من أيسر شيء وكالذي يفزع من أدنى شيء، ومايكون مستفاداً بالعادة ومبدأ ذلك بالفكر والرويّة ثمّ يستمرّ عليه أوّلاً فأوّلاً حتّى يصير عادة وملكة يقارب الطبيعيّ ألخ.
وقد مضت مقالته في نسب العبّاس بن أمير المؤمنين (ع).
قال صاحب مجلّة الحقائق وهو أبو النصر يحيى السلاويّ (2): الأخلاق
1ـ سلوك المالك في تدبير الممالك : ص16.
2ـ مجلّة الحقائق: ص13.
(164)

والسجايا الخليقة من جهة تطلق على الطبيعة والسجيّة كما في قول القائل ـ هو زهير بن أبي سلمى ـ:
ومهما تكن عند أمرء من خليقة وإن خالها تخفى على الناس تعلم
يجمع على خلائق كقول لبيد:
فأقنع بما قسم المليك فإنمّا قسم الخلائق بيننا علاّمها
فيقال: نعم الخليقة العفّة ورجل خليق بالمجد أي مخلوق له ومفطور عليه، ومن جهة على الخّلْق بمعنى المخلوقات كما في قوله تعالى (هذَا خًلْقُ اللّهِ) (1) أي مخلوقه ويجمع أيضاً على خلائق خلاف قولك ((خلقت الأديم)) إذا هيّأته للتفصيل وقدرته قبل القطع، ومنه قول الحجّاج: ما خلقت إلاّ فريت، وما وعدت إلا وفيت، وكلا هذين المعنيين ليس مراداً عندنا وإنّما المراد جهة الخلق الملحوظ فيه التخلّق بمعنى التطبّع.
ثمّ قال بعد كلام: الأخلاق السببيّة من حيث إمكان تمرين النفوس عليها حسنى كانت أو سيئة كما يدلّ عليه ما ورد في الآثار الصحيحة من حديث ((تخلّقوا بأخلاق الله)) لأنّ صريح الأمر يستلزم كون ألمأمور به مقدوراً عليه وإلاّ لزم عليه ما لا يخفى من الحرج والمشقّة ولا يقال ربّما كان ذلك من باب الأخذ بالأحتياط في العمل مقدوراً كان أو غير مقدور رجاء أن يصادف ساعة أزليّة تستميل النفس إليه وتمرّنها عليه لأنّا نقول هذا هو عين ما أردناه من كون المأمور به مقدوراً أن تكون الفطرة الطبيعيّة مخلوقة لله بصفة راسخة ثابتة في النفس غير قابلة للتحوّل والأنتقال إلاّ بأمر مسلّم لا تزاع فيه ويكون الأخذ في الأسباب مزاولة بالرياضات اللائقة مقدوراً للعبد من حيث مباشرته للعمل مسلّم أيضاً. وأمّا كون ذلك العمل
1ـ لقمان: 11.
(165)

مقروناً بالنتيجة فلا شبهة لأحد في أنّه متوقّف على مصادفة العناية وإلاّ لكان كل أحد قادراً بالذات على تحويل فطرته كيف شاء ألخ.
ولم تحصل لهذا الأديب المعرفة بالفرق بين الأخلاق الغريزيّة والأخلاق الكسبيّة وإنّ قبول النفس للتأديب والرياضة ـ كما سنذكر ـ ممّا يوجب إزالة ما في النفس وحوه بتاتاً او يوجب قهره وغلبته كالماء الذي من طبيعته البرودة فإنّ مماسّته للنار أو مجاورته لها أو إبرازه للشمس والحرارة الموجبة لتسخينه وتغيير صفته قد أستقوت على طبيعته الباردة وقهرتها وغلبتها حتّى حوّلتها من صفة البرودة إلى صفة الحرارة والطبيعة غير زائلة بالكلّيّة بحيث لو زال هذا القاهر لعادت إلى أصلها.
وأمّا الأخلاق المكتسبة من مجاري العادات فإنها تزول بالكلّيّة كما تزول النقوش والأصباغ العارضة للأجسام وقد ذكر في ((سلوك المالك)) في الفرق بين السجايا والأخلاق ما لفظه (1): أختلف العلماء في الفرق بين السجايا والأخلاق فذهب قوم إلى أنّ السجايا مالم تظهره الطباع والأخلاق ما أظهرته، وسمّيت الأخلاق أخلاقاً لأنّها تصير كالخلقة والشيم كالسجايا والغرائز ممتزج بالطبع، والنحايز ما ظهر بالقوة. وذهب قوم إلى أن السجايا مالم يتغيرّ بطبع ولا تطبع والأخلاق ما تيغيّر بهما، وزعم أكثر أهل الطبّ أنّ السجايا والأخلاق تابعة لمزاج البدن فتكون مستقيمة بصحّته ومتغيّرة بفساده، وذهب المتديّنون إلى أنّ الله تعالى ركّب النفوس بحسب إرادته وجعل أختلاف الأخلاق كأختلاف الصور التي ليست لها علّة غير إرادته ألخ.
1ـ سلوك المالك في تدبير الممالك: ص33.
(166)

الاُلف والعادة خًلْق مكتسب:

قال في مجلّة الحقائق(1): المألوفات والعوائد: الاُلف والعادة شيئان معلومان في اللغة والاصطلاح في بعض الأحوال دون بعض وذلك لأنّ الاُلف قد يطلق على السجيّة الراسخة في النفس بمعنى الميل الطبيعيّ التي هي مفطورة عليه كقولك: ألفت النفوس الخير والفت الشرّ، ويؤيّده دليل جبلت النفوس على حبّ من أحسن إليها، ويشترك فيه حينئذٍ الإنسان وغيره لما هو مشاهد من تأثير حبّ الراحة والإحسان في النفوس لسائر الحيوان، وتارة على ما يؤلّف بالطبع والعادة فيكون بمعنى الميل الذي يحصل بواسطة البواعث النفسيّة المجرّدة عن القياس والحصر أو بعض الأسباب المتنّوعة كقولك ألفت المكان إذا طاب لك فيه المقام لمصلحة أو حكمة، وألفت الوطن إذا غلب على نفسك حبّه لمجرّد ميل الفطرة الطبيعيّة إلى ترجيح مسقط الرأس في الغالب، وألفت الإبل المرعى إذا أعتادت الرتوع فيه لخصب أو ضرورة، وتتفاوت الأميال بقدر تفاوت أنسابها في الضعف والقوّة لأنّها في الإنسان أشدّ منها في بقّية أنواع الحيوان وذلك لأستجماعه القوى النفسيّة وأستعداد طبيعته الملكات أكثر من غيره كما يدلّ عليه قوله تعالى (لَقَدَ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ)(2) إذ لا يخفى أنّ أحسن التقويم في الآية الشريفة هو عبارة عن التمهيد والتعديل المعنويّ المفطورة عليه النفوس البشريّة من نحو أختصاصها بالحافظة والمفكّرة والمدبّرة وغيرها من الاُمور المستعدة للقيام بالوظائف النفسيّة تحت رياسة العقل المتصّرف لأنّك لو نظرت إليها من
1ـ مجلّة الحقائق: ص14.
2ـ التين: 4.
(167)

حيث القوى والاستعدادات الحسّيّة لرأيتها أفقر أنواع الحيوان لما تستعين به على تحصيل المانع ودفع المكاره.
إذا علمت هذا ظهر لك جليّاً أنّ الألف منه ما هو جوهريّ الرسوخ في النفوس لا يقبل الانفكاك عنها ومنها ما هو عرضيّ يتمكّن منها بالمزاولة تارة ويزول اًخرى؛ أمّا الأوّل فهو الذي لا دخل للعادة فيه كما قدّمنا، وأمّا الثاني فقد يشمل العادة كقوله تعالى (لإِيلاَفِ قًريشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ والصِّيْفَ)(1) أي لإعتيادهم ذلك وقد لا يشملها كقولهم هذا ألف فلان أي محبوبه، وبما أنّ القسم الشامل للعوائد ممّا يترتّب عليه كثير من المنافع والمضارّ فقد رأينا أن نبحث عن أسبابه وموانعه ونشير إلى بعض مضارّه ومنافعه ألخ.

الميل والانجذاب الطبيعيّان:

إنّ للنفوس ميلاً وأنجذاباً طبيعيّين ونفرة وتمرّداً غريزيّين؛ أمّا الميل والانجذاب فإلى الاًمور الشهوانيّة وميلها هذا طبيعيّ وأنجذابها جبلّيّ فيما أنّها مزجت بقوّة سبعيّة تنجذب بجبلّتها وتنقاد بأميالها إلى قتل النفوس وإزهاق الأرواح البشريّة وأستلاب أموال المتموّلين بأنواع العدوان من النهب والسرقة والتغريم وما أشبهه وبما أنّها مزجت بقوّة شيطانيّة لها ميول جذّابة وأنقيا شديد إلى استعمال الحيل والمكائد والخداع وما شاكل ذلك، وبما أنها مزجت بقوّة بهيميّة تميل بطبعها وتنجذب بسجيتّها إلى عامّة الملاذ الشهوانيّة من المطعومات والمناكح وسائر الملاذّ الدنيويّة.
وأمّا نفرتها وأمتناعها فعن قبول صالح الأعمال ومكارم الأخلاق وسائر الطاعات والمقرّبات غير أنّ النفوس الروحانيّة الخالصة المصفّاة عن هذه
1ـ قريش: 1و2.
(168)

الشوائب المكدّرة فإنّها غير منجذبة ولا ميّالة إلى هذه الأدناس المستهجنة في باب الصلاح والتقوى بل ميلها وأنجذابها للأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة كنفوس الأنبياء والصلحاء البررة من أئمة أهل البيت الهداة ولباقي النفوس المتلوّثة بهذه القوى المتلبّسة بحلّ الاُمور الهجينة التي تجذبها إليها القوى الثلاثة التي أشار إليها بقوله تعالى (وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى)(1) وقوله (ع): إنّ أخوف ما أخاف عليكم بعدي أتباع الهوى، وقوله (ع) : ثلاث مهلكات: شحّ مطاع وهوىّ متّبع وإعجاب المرء بنفسه.
قال الشاعر العرب:
وإنّك مهما تعطى بطنك سؤله وفرجك نالا غاية الذمّ أجمعا
وسمّاها الله تعالى مرّة لوّامة لأنها تلوم على أفعال الخير، وسمّاها مرّة اُخرى أمّارة بالسوء لأنّها تأمر بأقتراف الموبقات من الجرائم.
فإذا لا متك أيّها الإنسان نفسك اللوّامة على فعل الصالحات فوبّخها، وإن آمر تلك النفس الأمّارة بفعل القبيح فأعصها ولا تطعها وقصّر من عنانها، وإذا جمحت بك إلى الشهوات فأقبض على لجامها، وإذا طمحت لنيل المستلذّات فأزجرها ولا تدعها وجماحها فإنّها ربّما أردتك في متردّى عميق ورمت بك في فجّ سحيق.
وسُسْها كما تساس صعاب الخيل، ورضّها كما تراضّ الجامحات فإنّها بالرياضة تُسلس وتنقاد، ولا تقل أيّها الأريب إنّ بالطبع لا يزوال، ولا تنشد ما قيل:

*فضح التطبّع شيمة المطبوع*

فقد أوقفنا الوجدان ودلّنا العيان على قبول النفوس للرياضة والتأديب وأثر ذلك بيّن حتّى في الحيوانات البكم ونحن نورد لك نبذة ممّا قاله العلماء في
1ـ النازعات: 40.
(169)

رياضة النفس وقبولها الأخلاق الحميدة على ما صرّح به الحديث النبويّ وقد رجع (ص) من بعض غزواته: رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، وهو جهاد النفس في حملها على التقوى ثمّ نذكر لك ما راضت به الاُمم الحرّة والشعوب المتمدّنة الحيوانات الصمّاء ومرنتها أبدع التمارين فقبلتها وأعتادتها.

حقيقة الرياضة والمجاهدة:

قال الشريف الجرجانيّ في كتاب التعريفات(1): الرياضة عبارة عن تهذيب الأخلاق النفسيّة فإنّ تهذيبها تمحيصها عن خلطات الطبع ونزعاته.
وفي مصطلحات الصوفيّة للفتوحات المكّيّة (2):الرياضة رياضة أدب وهو الخروج عن طبع النفس ورياضة طلب وهو صحبة المراد لله وبالجملة هي عبارة عن تهذيب الأخلاق النفسيّة.
وفي التعريفات(3): المجاهدة في اللغة المحاربة في الشرع محاربة النفس الامارة بالسوء بتحميلها على ما يشقّ عليها بما هو مطلوب في الشرع.
وفي مصطلحات الصوفية(4): المجاهدة حل النفس على المشاقّ البدنيّة ومخالفة الهوى على كلّ حال.
وقال الفروزآباديّ في القاموس: راض الفرس ذلّله. وقال فخر الدين الطريحيّ (رحمه الله) في مجمع البحرين في حديث عليّ (ع) لأروضنّ نفسي رياضة تهشّ معها إلى القرص إذا قدرت عليه مطعوماً وتقنع
1ـ التعريفات: ص78.
2ـ مصطلحات الصوفيّة للفتوحات المكّية: ص5.
3ـ التعريفات: ص 138.
4ـ مصطلحات الصوفيّة: ص5.
(170)

بالملح مأدوماً، قيل: أراد بالرياضة هنا منع النفس الحيوانيّة عن مطاوعة الشهوة والغضب وما يتعلّق بهما ومنع النفس الناطقة عن متابعة القوى الحيوانيّة من رذائل الأخلاق والأعمال كالحرص على جمع المال وأقتناء الجاه وتوابعهما من الحيلة والمكر والخديعة والغلبة والغضب والحقد والحسد والفجور والانهماك في الشرور وغيرها، وجعل طاعة النفس للعقل العمليّ ملكة لها على وجه يوصلها إلى كمالها الممكن لها وإزالة الموانع الدنيويًة عن خاطره والمعين على ذلك أضعاف القوة الشهوانيّة والغضبيّة بأضعاف حواسّة بتقليل الأغذية والتنوّق فيهافأنّ لذلك أثراً عظيماً في حصول الكمال والتشاغل بحضرة ذي الجلال.
ويمكن أن يقال: إنّ المراد بالرياضة منع النفس عن المطلوب من الحركات المضطربة وجعلها بحيث تصير طاعتها لمولاها ملكة لها.
وقوله (ع) ((إنّما هي نفسي أروضها بالتقوى لتأتي آمنة يوم الخوف الأكبر)) قال بعض الشارحين: قوله ((إنّما هي نفسي)) أي إنّما همّتي وحاجتي أروضها رياضة النفس مأخوذه من رياضة البهيمة وهي منعها عن الإقدام على حركات غير صالحة لصاحبها فالقوّة الحيوانيّة التي هي مبدأ الإدراكات والأفعال إذا لم تكن مطيعة للقوّة العاقلة في تحصيل مراداتها فتكون هي آمرة والعاقلة مؤتمرة كانت بمنزلة البهيمة التي لم ترض فهي تّتبع الشهوة تارة والغضب اُخرى، وتستخدم القوّة العاقلة، وإذا ما راضتها القوّة العاقلة حتّى صارت مؤتمرة لها مستمرّة على يقتضيه العقل العمليّ تأتمر بأمره وتنتهي بنهيه كانت العاقلة مطمئنّة لا تفعل أفعالاً مختلفة المبادي وكانت باقي القوى مسالمة لها.
ثمّ قال الشارح: لمّا كان الغرض من رياضة النفس نيل الكمال الحقيقيّ فلا بدّ من الاستعداد وكان ذلك الاستعداد موقوفاً على زوال الموانع الخارجيّة والداخليّة كانت للرياضة أغراض ثلاثة خذف كلّ مرغوب ومحبوب وهو حذف الموانع
(171)

الخارجيّة، الثاني تطويع النفس الأمّارة للنفس المطمئنّة فينجذب التوهّم والتخيّل عن الجانب الأسفل إلى الجانب العلويّ وتتبعها سائر القوى فتزول الدواعي وهو حذف الموانع الداخلة، والثالث توجيه السرّ إلى الجنبة العالية لتلقي السوانح الإلهيّة وأقتناصها ويعين على الأوّل الزهد الحقيقيّ وهو الإعراض عن متاع الدنيا وطيّباتها بالقلب، وعلى الثاني العبادة المشفوعة بالفكر في ملكوت السماوات والأرض وعظمة الله والأعمال الصالحة المنوبة لوجهه خالصاً وعبرّ عن هذه الاُمور المعنويّة بالتقوى التي يروض بها نفسه، إنتهى، وله كلام آخر في المجاهدة تركته(1). وقال في سلوك المالك (2): الفضائل تنقسم إلى قسمين: أحدهما ما أوجب ثناء المخلوقين وهو ما عاد نفعه عليهم، والثاني ما أقتضى ثواب الخالق وهو ما قصد به وجه الله تعالى ونقول: إنّ الأخلاق غرائز كامنة تظهر بالأختيار وتقهر بالاضطرار وللنفس أخلاق تحدث عنها بالطبع ولها أفعال تصدر عنها بالإرادة فهما ضربان: أخلاق الذات وأفعال الإرادة، والإنسان مطبوع على أخلاق قلّما حمد جميعها أو ذمّ سائرها وإنّما الغالب أنّ بعضها محمود وبعضها مذموم فتعذر لهذا التعليل أن تستكمل فضائل الأخلاق طبعاً وغريزة ولزم لأجله أن يتخلّلها رذائل الأخلاق طبعاً وغريزة فصارت غير منفكّة في جبلّة الطبع وغريزة الفطرة عن فضائل محمودة ورذائل مذمومة، وإذا أستقرّ ذلك فالسعيد من غلبت فضائله على رذائله فقدر بوفور الفضائل على قهر الرذائل وسلم من شين النقص وسعد بفضيلة الفضل فالإنسان يستحقّ الحمد على الفضائل المكتسبة لأنها مستفادة بفعله ولا
1ـ مجمع البحرين: ص212و 213.
2ـ سلوك المالك في تدبير الممالك: ص38.
(172)

يستحقّ على الفضائل المطبوعة وإن حمدت فيه لوجودها بغير فعله ومن القبيح أن يتحرّز من أغذية البدن كي لا تكون ضارّة ولا يعني بتهذيب أخلاق نفسه ومدواتها بالعلم اذي هو غذاؤه كي لا يكون باطلاً ضارّاً وإذا كنّا نعني بجميع أعضاء البدن وخاصّة بالأشرف منها فبالحريّ أن نعني بأجزاء النفس وخاصّة بالأشرف منها وهو العقل، وكما أنّ الأمراض التي تعرض للبدن إن لم يعلم الطبيب الأسباب الفاعلة لها لم يتمكّن من علاجها فكذلك علل النفس ينبغي أن نعني بقلع أسبابها فمتى أحسّ الإنسان بأنّه قد أخطأ وأراد أن لا يعود ثانياّ فلينظر أيّ أصل في نفسه حدث ذلك منه فيحتال في إزالته وبعد فلو لم يكن إلى تغيير الأخلاق سبيل لما كان للأقاويل التي أودعتها الحكماء كتبها في إصلاح الأخلاق معنى إذا لم يرج لها نفع ولا جدوى وكذلك لم يكن للمواعظ التي يقصد بها ذووا الأخلاق الذميمة من الأشرار معنى إذا لم نطمع في أنتقالهم عمّا هم عليه من الشرّ، إنتهى.
ولأبن مسكوية كلام مطوّل في هذا، وكلام مولانا رسول الله (ص) ومولانا أمير المؤمنين (ع) كثير أودعته الكتب المعتمدة ومنها نهج البلاغة، وفي تحصين العارفين من كلام النبيّ (ص) ما يخصّ هذا(1).

رأي المصنّف في رياضة الصوفّية:

أمّا طريقة الصوفيّة في المجاهدة النفسيّة والرياضة الأخلاقيّة فخارجة عن طور الاعتدال وكلّما خالف تحديد الشرع الأقدس وتعاليمه الصالحة الملائمة للأذواق والمناسبة للقدرة البشريّة فليس من المحمود وإن تخيّله المتخيّل وتوهّمه الظانّ المخطئ إنّه من المحمود.
وحقيقة الأمر إنّ المجاهدة المحبوبة والرياضة المطلوبة شرعاً وعقلاً هي حمل
1ـ انُظر: تحصين العارفين على هامش المبدأ والمعاد لملاّ صدرا: ص409.
(173)

النفس الشامسة على ما تقدر عليه وتطيق النهوض به وإن كان بكلفة ومشقّة عليها ولكن تلك الكلفة مقدورة للنفس والنفس مستطيعة لها ليست بخارجة عن حدّ الوسع والطاقة وإنّما شقّت وصعبت لمخالفة العادة والألفة لا لعدم القدرة.
وقد يكون التكليف مقدرواً لشخص غير مقدور لآخر لأنّ النفوس البشريّة مختلفة بحسب الاستعداد لتحمّل المشاقّ والمصاعب من وجهين:
الأوّل: إنّ النفوس تتفاوت في القوة والضعف ونقص البنية وتماميّتها فإنّك تجد إنّ بعض الأشخاص يحمل مقدار وزنة النجف ويمشي به لا كلفة مقدار نصف ساعة وأكثر ولا يلحقه من ذلك عناء شاقّ ولا تعب مؤلم، وآخر لا يقدر على حمل رطل واحد ويلحقه إن حمله مشقّة شاقّة وعناء مفرط وصعوبة شديدة وأعتبر ذلك في الأكراد الذين يحملون الرزم الثقيلة حتّى قيل وكذلك تجد رجلاً ضعيف المعدة كليل الهاضمة يجتزي في اليوم والليلة بقرص واحد وتجد آخر قويّ الهاضمة لا يكفيه في اليوم عشرة أقراص وقد قيل شعراً:
لنا صديق بطنه كالهاوية كأنّ في أمعاءه معاوية
فلكلّ واحد منهما في المجاهدة شكل خاصّ ورياضة محدودة لا تزيد على ما يستطيع فإنّ من يجتزي بالقرص يمكنه المجاهدة بترك الأكل يوماً وليلة، وصاحب العشرة أقراص تكون مجاهدته بالتقليل بمعنى ترك النصف أو الثلثين ممّا أعتاده لا ترك الكلّ إلاّ يوماً كنهار الصوم وكذلك سائر الأوصاف في سائر الاصناف، والصوفيّة يأخذون الجميع بالسلوك في الرياضة على نهج واحد وهو خطأ محض.
والثاني: إنّ لبعض النفوس البشريّة تأييد ربّانيّ وفيض ملكوتيّ يفيض عليها بالفيض الإلهيّ فيوجد لها نشاطاً زائداً على العادة ويوحي لها أستعداداً كاملاً في القوّة الروحيّة على حدّ ما قيل:
(174)

وإذا حلّت الهداية قلباً نشطت للعبادة الأعضاء
فتقوى تلك النفوس المؤيّدة بتأييد الله تعالى على تحمّل المصاعب ومكابدة الأهوال وحمل ما لا يطاق لغيرها وهي نفوس الأنبياء والأوصياء، وفي الحديث النبويّ: أعظم الناس بلاء الأنبياء ثمّ الاوصياء ثمّ الأمثل فالأمثل، وإليه يشير مولانا أمير المؤمنين (ع) بقوله: ما قلعت باب خيبر بقوّة جسدانيّة، أي أقتلعته بقوّة الإمداد الربّانيّ والمساعدة الإلهية بما أودع الله فيه من القوّة الخارجة عن حدّ مقدرة الطبيعة وفوق طاقة البنية الجسمانيّة فليس لي ولا لك التشبّه بهم في كلّ الأعمال الشاقّة فلا تقس نفسي ونفسك الضعيفة التي لا يمكنها النهوض بما نهضوا به لأنّهم عليهم الصلاة والسلام عانوها وكابدوا مصاعبها بقوّة خارجة عن الاستعداد والقوة الطبيعيّة فصلاة ألف ركعة في اليوم والليلة مع مزاولة باقي الأشغال ليس في قدرتي ولا قدرتك إنّما ذلك الأمر الصعب قد ساعدتهم عليه التأييدات الربّانيّة وأعانتهم عليه العناية الإلهيّة بما أودعه الله فيهم من القوّة الباهرة ومنحهم من صفاء النفس ما لم يكن لغيرهم وقد قال رسول الله (ص) لأصحابه وقد نهاهم عن صوم الوصال، فقالوا: وأنت يارسول الله؟ قال: أنا لست مثلكم أنّ لي ملكاً يطعمني ويسقيني.
ومن هنا قالوا: إنّ تكاليف الأنبياء أشدّ الأوصياء ثمّ الأمثل فالأمثل وهذا هو المعروف على ألسنة الحدّثين بالخصائص فإنّ النبيّ (ص) كان مكلّفاً بتكاليف لم تكلّف بها الاُمّة كصلاة الليل الواجبة عليه دون اُمتّه لقوله تعالى: (وًمِنَ اليْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاَماً مَّحمُوداً)(1) وكتكليفه بالمنع من خائنة الأعين لقوله (ص): ما ينبغي لنبيّ أن تكون له خائنة الأعين وأمثال ذلك
1ـ الإسراء: 79.
(175)

ممّاهو معروف في محلّه ممّا أختصّ به دون اُمتّه لعدم أحتمال الاُمّة ذلك التكليف الذي لا تحتمله إلاّ تلك النفس القدسيّة المهذّبة المصفّاة بالتهذيب الإلهيّ والتصفية الربّانيّة وإنذ أستعداد نفوسهم في القوّة والقدرة أمر بديهيّ فإنّ رسول الله (ص) كان من ربطه حجر المجاعة على بطنه ومعاناته تلك العبادة العظيمة كان يطوف على نسائه كلّهنّ في ليلة واحدة وهن تسع نساء سمى الجاري وصرع ركانة المطلبيّ وهو المشهور بالقوّة حتّى ما أستطاع أن يتحرّك، وحمل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع): على عاتقة يوم مكّة لرمي الأصنام عن ظهر الكعبة فقال أمير المؤمنين (ع) خُيِّل لي أنّي بلغت السماء على أنّه لمّا أراد حمل النبيّ (ص) برك تحته حتّى ما أستطاع أن يتحرّك وذلك مشهور في السيرة والتاريخ، وإنّ أمير المؤمنين (ع) يقتات القرص اليابس من الشعير ويقتلع باب حصن خيبر وكان لا يفتحه إلاّ سبعون أو أربعون رجلاً كما قال أبن أبي الحديد:
ياقالع الباب الذي عن ردّه عجزت أكفِّ اربعون وأربع
وقد نقل عنه (ع) أنّه قال: ما أقتلعت باب خيبر بقوّة جسدانّية يعني إنّه أقتلعه بتلك القوّة التي أمدّه الله بها زيادة على ما يحصل للنفوس بوساطة الغذية وما هو لها بحسب أستعدادها الطبيعيّ الحاصل من الموادّ الغذائّية فإذاً قلعه لباب خيبر بإفاضة إلهيّة لا بقوّة غذائّية كما في الملائكة الروحانّية الذين منعوا التغذية.
ومن المعلوم أنّ عليّاً (ع) كان قليل التغذية يأكل القرص الجشب اليابس من الشعير بنخالته ويطوي الليالي والأيّام وكان مع ذلك إذا قبض على إنسان أمسك بنفسه فلا يستطيع أن يتنفّس وكان يأخذ البطل العظيم فيرفعه على طول قامته ثمّ يضرب به الارض فيهشم عظامه كما صنع ذلك بحريث فارس أهل الشام يوم ضفّين فليست هذه القوّة للغذاء وإنّما هي من إفاضات الله تعالى التي أفاض مثلها على الملائكة الذين عدموا التغذية بتاتاً وإنّما غذاءهم التسبيح.
(176)

وصاحب هذه القوّة العظيمة عجز عن النهوض برسول الله (ص) لمّا أراد حمله لطرح الأصنام عن ظهر الكعبة ولمّا حمله النبيّ (ص) على منكبه كان أخفّ محمول عنده حتّى قال (ع) خًيِّل لي أن لو شئت لمست السماء؛ هكذا ذكره الحافظ النسائيّ في خصائص أمير المؤمنين علي (ع).
فهم (ع) شاركوا غيرهم في التأثّر بالمؤثّرات في النفوس البشريّة ولكنّهم كانوا أقوى أحتمالاً للمصاعب والصعاب بما أختصّوا به من مزيد العناية والتأييد الإلهيّين، وهذا سيّد الشهداء الحسين بن عليّ (ع) لمّا أشتدّ به العطش وبأصحابه يوم كربلاء ظهر من أصحابه من التشكّي والتألّم ما لم يظهر منه وحتّى كان كأنّه ريّان الكبد فهو (ع) بصبره وقوّة ملكته الروحانّية لم يظهر منه أدنى تأثرّ وأقلّ أنفعال حتّى أنّ أصحابه ما علموا بعطشه إلاّ بمقايسة حالته إلى حالتهم وما عرفوا شدّة عطشه حقيقة إلاّ عندما أشتكى إليه ولده عليّ الأكبر (ع) العطش فقال له: هاك لساني فمصّه، فلمّا فعل بكى وقال: والله إنّ لسانك أيبس من لساني، ويتضمّن هذا الفعل من الأسرار الحكمّية أربعة اُمور:
1ـ يقصد الحسين (ع) إن يخفى ما به من الجهد ليتضاعف له الأجر بالصبر والكتمان.
2ـ يقصد بإخفائه تثبيت نفوس أصحابه فإنّه إذا جزع أشتدّ وجدهم وحزنهم.
3ـ يقصد أن يتأسّى به ولده في تحمّل المصاعب والأجر على قدر العناء والمشقّة.
4ـ إنّ عليّ الأكبر (ع) أوّل قادم رسول الله (ص) من أهله فيكون أوّل مشتكٍ إلى رسول الله (ص) ما حلّ بالحسين (ع) ولهذا قال عند آخر رمق من حياته: هذا جدّي رسول الله (ص) قد سقاني بكأسه الأوفى شربة لا أظمأ بعدها وإنّ لك كأساً مذخورة، القصّة مفصّلة في مقتل الحسين (ع) ويحفظها عامّة الذاكرين
(177)

وخطباء المنابر ولم يصرّح الحسين (ع) بعطشه إلاّ بعد قتل جميع أنصاره وذلك حيث ورد المشرعة وأقحم فيها جواده الحرون المعروف بالميمون والملقّب بذي الجناح فإنّ الجواد غمس فمه في الفرات ليشرب، فقال له الحسين (ع): أنا عطشان وأنت عطشان، فرفع الجواد رأسه كأنّه قد فهم.
وقد وصف هذا الصبر وهذا الثبات أخوه أبو الفضل العبّاس (ع) على ما يذكره الخطباء والعهدة عليهم إنّه قال له: أمّا أنت ياأخي لو وزنت السماوات والأرض بصبرك وثباتك لرجحت وإنّي لأخيك بشأوك، وفيه يقول رايثه:
لله درّك ياصبور على الأذى ولأنت أقدر قادر يتخلّص
وأشار آخر إلى عظيم المحن التي تحمّلها الحسين (ع):
ولقد تحمّل من أرزاءها محناً لم يحتملها بنيّ أو وصيّ نبيّ
وهكذا حالات الانبياء والأوصياء فمجاهدتهم لأنفسهم ورياضتهم لها إنّما هو على حسب قابليّتهم وأستعدادهم فليس لي ولك إلاّ ما نقدر عليه وليس لنا تكلّف ما فعلوه ونحن عنه عاجزون فأن كان موسى بن جعفر الإمام الكاظم قطع الفلاة الموحشة والمفازة المقفرة من غير زاد ولا ماء ولا راحلة ـ كما في حديث شقيق البلخيّ المشهور ـ فليس لي ولا لك أن نقطعها كذلك إذ لا يبلغ توكّلي وتوكّلك درجة توكلّه على الله ولسنا بصدد إيراد خرافات الصوفيّة التي موّهوا بها وسمّوها رياضة ومجاهدة وإنّما جلّ غرضنا وغاية أهتمامنا في بيان أنّ النفس على مافيها من السجايا الجبلّيّة والطباع الغريزيّة قابلة للتهذيب وإنّ تلك الأخلاق الراسخة في النفس والثابتة من أصل الخلقة لا تمنع التهذيب ولا يمنع من قبولها للتربية إلاّ من لا عقل له ولا يمكن لأحد أن يقاوم هذا العالم منذ أوّل نشأته إلى اليوم، ومن منع من قبول الطبائع للتغيّر فقد هدم أساس الشرائع الإلهيّة من أصلها وقلّب المؤسّسات المدنّية رأساً على عقب؛ فالحضارة في تأسيس المدارس وسنّ
(178)

الاُنظمة والقوانين وفرض التعاليم والتمرينات على الأحداث كلّها إنّما شرعت لحمل النفس على قبول الأخلاق التي ليست من طبعها ولم تألفها وقمع ما فيها من الشيم والسجايا التي لا تلائم الفكر الحرّ والعقل السليم.
وقد أوقفنا الواجدان ودلّتنا الخبرة والتجربة على قبول الحيوانات للتربية والتهذيب فهذا الصقر الكاسر والسبع المفترس قد مّرنا على الاصطياد فألفاه وأعتاداه ومشيا مع المعلّم لهما مشية السامع المطيع من ذوي العقول، وهذا الفيل الهائج قد مرن على ممارسة الحروب وحمل الأثقال فأذعن لسائسه وأنقاد له، وهذا الكلب قد مرن على الحراسة فقام بواجبه، وكثيراً ما سمعنا من أهل الخبرة الذين يخرجون مع الإنكليز لصيد الطير يزعمون أنّ الإنكليز لا يخرجون للصيد إلاّ كلابهم معهم فإذا رمى بعضهم طائراً ووقع أسرع الكلب إليه وأحتمله بفمه ووضعه أمام صاحبه، ولا أزيدك بتهذيب كلب الصيد المسّى بالسلوقيّ خبرة على العلم الوجداني وقد أخبر الله تعالى في القرآن بقبولها التربية والتمرين على الصيد، وهذه البغال والخيل والحمير قد قبلت التهذيب وقد وصفوا الجياد من الخيل قديماً وحديثاً بقبول الثقافة حتّى شاع أنّ الأصائل لتقف عند فرسانها حين سقوطهم، وأمّا القرود (الشواذي) والببغا (بي بي توتي) (بي بي متوه) بلغه البصريّين فأمرهما أشهر في قبول التربية والتأثرّ بالتهذيب من كلّ حيوان وما هذه إلاّ حيوانات عجماء لها طبائع ذاتيّة وغرائز جبلّيّة تمنعها من قبول التهذيب والتربية ومع ذلك فقد قهرت قوّة التربية والتهذيب تلك القوى الطبيعيّة.
قال علي أحمد الشهديّ أحد المعاصرين المصرييّن في كتاب ((تاريخ العالم))(1): قالت جريدة ((الستاندرد)) بأحد أعدادها الصادر في سنة 1900م: إنّ
1ـ تاريخ العالم:: ص74.
(179)

لبعض الحيوانات أوقات معيّنة تتناول فيها طعامها فإذا جاء ميقات الطعام لا تتقدّم عنه لحظة ولا تتأخّر، وإنّ العقرب إذا تحقّقت وقوعها في خطر الموت قتلت نفسها، وإنّ خيول جند الفرسان لا تخطئ في تمييز الملالبس الخاصّة بفرقتها، وإنّ الأفيال إذا حمي وطيس الحرب لا تخضئ في التمييز بين أصحابها وجند العدوّ، وطيور الزاغ والنسر والباز تفرق بين من كان متسلّحاً ببندقيّة أو غير متسلّح، ومن أنواع القرود ما يستخدم في ما لا يستطيعه إلاّ الإنسان فهي بارعة في الخدمة على الموائد ((سفرجيّه)) وإشعار النار في المطبخ والكنس ومساعدة الفران بإلقاء الوقود في الفرن وفي تنظيف الأخذية ((بالفرجة)) وهي تحمل الأحمال الخفيفة كالشايلين وتخفر المنازل فلا تؤذن للغريب بالدخول إليها وتحمل الرسائل وتعمل عمل السعاة وقد تعمل عمل المربّيات في تدبير الأحداث وإذا ذهب القرد إلى فراشه أصلح وسادته وتغطّى باللحاف.
هذا الذي ذكرته تلك الجريدة وهو في الحقيقة مشاهد أمامنا على الدوام فضلاً عمّ نراه من الببغا التي تتكلّم كما نتكلّم، والكلب الذي يخدم الخدمة المنزليّة فأئتمنه الإنسان فسمّاه الخادم الأمين حتّى في قضاء المأكولات سواء كانت في اللحوم وما شابهها ممّا قضى على كثير من العلماء بالأشتغال في هذا الموضوع زمناً طويلاً إلى أن وجد أخيراً أنّ أرقى الحيوانات بالأنعطاف إلى الأحياء التي هي أرقى منها كما ننعطف نحن إلى المعبودات العليا التي هي أرقى منّا.
وقد ذكرت ((جرائد برلين)) رواية دوى صوتها في الخافقين ومقتضى تلك الرواية أنّه يوجد رجل ألماني أسمه ((هرفون أوستن)) مقيم في شمال برلين تفرّغ لدرس طبائع الحيوانات منذ أربعة عشر سنة حتّى لا حظ على بعض أفراسه نباهة زائدة فأخذ في العناية به وتعليمه وتثقيفه على أحدث طرق التعليم المدرسيّ باُروبا حتّى وأنّه يجيب على كل مسألة تطرح إليه جواباً وهو يقرأ الخطّ ويعرف
(180)

قيمة النقود والأعداد ونحوها، وإذا نظر الساعة عرف الوقت تماماً، وإذا أريته صورة أحد الأشخاص الذين يعرفهم عرفه حالاً لكن لا يظهر معرفته بالنطق بل يجاوب على ما يطرح إليه من الأسئلة بتحريك الرأس فإن أراد نعم حنى رأسه وإن أراد تأكيد جواب بما ينوب عنه رفع الصوت عند الآدميّين رفس الأرض بحافره الأيسر رفساّ شديداً إلى غير ذلك من التعاليم التي أهّلته لمساوات تلاميذ المدرسي الابتدائيّة ممّن بلغ سنّهم الثالثة عشر من عمرهم ولذلك سمّاه صاحبه بأسم ((حنا النبيه)).
قالت ((مجلّة الهلال)) في وقتها وشاع أمر هذا الفرس في برلين وتألّفت لجنة من علماء الحيوان لمشاهدته وأمتحانه على مرءاً من المتفرّجين الكثيرين رجالاً ونساء فتحقّق عندهم أنّه يفعل ذلك عن نباهة وتفكير لا عن سليقة وعادة من ضمن أسئلة اللجنة المذكورة أنّهم سألوه على سبيل المزاح عن عدد الحضور وعن عدد الذين يتقلّدون النظّارات منهم وعن السيّدة التي على رأسها قبعة خضراء فأجاب أجوبة سديدة حتىّ أندهش الحضور أندهاشاً أدّاهم لسوء الظنّ بصاحبه الممتحن فأخرجوهما من مكان اللجنة ليمتحنوه فلم يتأخّر عن أيّة إجابة كانت، ومن النكت اللطيفة أنّ أحد الحضور تقدّم إليهم وأفهمه أنّه إذا نظف معلفه بخرقة كافئه على ذلك بزيادة علف فتلفّت حنا المذكور يميناً وشمالاً حتّى وقع نظره على خرقة بيد أحد الحضور فألتقطها بفمه واسرع إلى أصطبله وأخذ ينظف معلفه بتلك الخرقة حتّى نظفه تماماً ثم بعد ذلك أعاد الخرقة إلى صاحبها الأصليّ فأندهش الحضور أندهاشاً عظيماً، وأشتهر أمره حتّى تسابقت الأغنياء لمشتراه بالمبالغ الطائلة إلى أن وصل ثمنه 707 جنيهاً ولكن صاحبه أبى أن يبيعه مهما بلغ ثمنه قولاً منه إنّ لا يطيق فراقه.
(181)

قال المراسل ـ لجريدة وورلد ووك ـ الإنكليزيّة وقد يظهر ذلك غريباً ولكنّي رأيته يعني بفعل ذلك ورأيت فيه نباهة غريبة لتمييز الألوان فوضعوا أمامه عشر لوناً متحاذية وأخذ اسُتاذه يسأله عن كلّ لون منها وهو يدلّ بحافره عليها وله مهارة غريبة في أداء الألحان الصفيريّة حتّى يميّز بين النغمة وأجزائها، إنتهى كلامه.
ونقل جورجي زيدان في عجائب الخلق وغيره من علماء الحديث ما يقارب هذا عن رجل أمريكيّ ثقّف جواداً وفي نقل الأقوال تطويل ولا غرابة في ذكاء الخيل وقد ذكر المتأخّرون في التربية للخيل العربيّة وهي الأصائل بالرياضة المسمّات بالتجبيش أمراً مدهشاً وقد ذكر القدماء أنّ الجواد إذا سقط فارسه وقف عليه وحام حوله وربّما حامى عنه، وقد روى مثل هذا أرباب المقاتل فذكروا أنّ جواد الحسين (ع) المسمّى بالحرون والملقّب بذي الجناح المشهور بالميمون لمّا سقط الحسين (ع) جعل يحمحم ويدور حوله ويمرّغ ناصيته بدمه ثمّ جعل يكدم بيديه من دنى منه من الأعداء ليمسكه فيخبطه بحافره حتّى أيس من نهوض الحسين (ع) رجع إلى الخيمة ملحّاً بالصهيل كأنّه ينذر العيال ويخبرهم بقتل الحسين (ع) والحكايات عن الخيل العربية بمثل هذا كثيرة.
وقد شاهد البصريّون في القرن الرابع عشر الهجريّ بعياً يرقص رأوه في السركس الهنديّ الذي جلب إليهم من الهند وليس من طبيعة البعير الرقص لولا الرياضة والتمرين ولم تكن العرب القديمة على فطرتها وبساطتها وعراقتها في الجهل كما يقال ممّن يجهل قبول النفس للثقافة وإنّ الطباع تتغيّر بالمصاحبة والأخلاق لها قابليّة التهذيب بضروب التعليم والرياضة وقد أكثر من ذلك شعراؤهم، قال بعضهم:
عليك بالنفس فاستكمل فضائلها فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان
وقال آخر:
لا تنهى عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم
(182)

فأبدأ بنفسك وأنهها عن غيّها فإذا أنتهت عنه فأنت حكيم
تصف الدواء لذي السقام وذي الضمى كيما يصحّ به وأنت سقيم
وقال آخر يذكر تأثير النفس بالمصاحبة:
صاحب أخا ثقة تحضى بصحبته فالطبع مكتسب من كلّ مصحوب
كالريح آخذة ممّا تمّر به نتناً من النتن أو طيباً من الطيب
وقال آخر يصف كيفيّة التخلّق بأخلاق الحمد:
فإن أعجبتك خصال أمرء فكنه تكن مثلما يعجبك
وهو كثير في شعر العرب وقد طال بنا المقام.
وقد تبيّن أنّ الأخلاق تكون مكتسبة بالعادت وطبائع قابلة للتهذيب فإذا كانت أخلاق الشخص الغريزيّة كلّها صالحة وسجاياه كلّها فاضلة وصاحب مدّة حياته وطيلة عمره أهل الخصال الحميدة والأخلاق المرضيّة فقد أزداد فضلاً على فضل وكمالاً على كمال.
ولا غرو أن يكون من أكمل البشر طبعأً وأكتساباُ فالعبّاس الأكبر أبن أمير المؤمنين (ع) جامعة الفضائل وكلّيّة الكمالات بما أنّ نفسه الهاشميّة منطبعة بمكارم الأخلاق والشيم بحسب فطرتها وأصل خلقتها ولا يشكرهم في هذه الفضيلة أحد من الناس وقد أوضح لنا هذه الحقيقة سيّدنا وإمامنا السجّاد زين العابدين عليّ بن الحسين(ع) بقوله في خطبته المشهورة في مجلس اللعين يزيد أبن معاوية ((أيّها الناس! اُعطينا ستّاً وفضلنا بسبع ألخ)) والدلالة عليه أيضاً وجدانيّة وشاهدها معها إذ لا يوجد في الهاشميّين بخيل ولا جبان ولا غبيّ وإن وجد فالعلّة من جهة الاُمهات وقد قال معاوية بن أبي سفيان الخصم الألّد لبني هاشم (إذا لم يكن الهاشميّ جواداً لم يشبه أصله) وقد قال أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب: نحن أفصح وأسمح وأحمى لما وراء ظهورنا من بني أميّة.
فالعبّاس الشهيد (ع) من لباب بني هاشم وصميم عبد مناف وقد زاده فضلاً
(183)

على فضل صحبته لأهل الفضائل وخدمته لسادات أرباب المكارم فقد قضى حياته وأفنى عمره في صحبة أكرم الخلق بعد النبيّ (ص) شمائلاً وشيماً وأفضلهم أخلاقاً ومزايا وأكملهم طباعاً وسجايا، وتزداد المرآت بالجلاء صفاء والسيف بالصقالة رونقاً فأمير المؤمنين وهو والده الأكرم وأبوه سيّد أرباب الفضائل قد شهد له عدوّه الكاشح وخصمه الألد معاوية بن أبي سفيان وقد قال له الثقفيّ: حئتك من عند الغبيّ البخيل الجبان عليّ بن أبي طالب، فقال معاوية: لا تقل هذا فإنّه أشجع العرب وأفضح قريش وأجودها، أما والله لو كان له بيتان بيت من تبر وبيت من تبن لأنفق تبره قبل تبنه، إلى آخر ما ذكره أبن قتيبه في تاريخه الإمامة والسياسة.
والحسن والحسين (ع) أخواه خير الإخوه وأفضل الأشقّاء وقد شهد لهما رسول الله (ص) في تشبههما به وهو (ص) على خلق عظيم فأكتسب العبّاس (ع) بصحبتهم زيادة على ما في جبلّته وفطرته من سجايا الخير وشيم الصلاح ما أمتاز به على عامّة أرباب الأخلاق الحميدة والصفات الكريمة.
للمؤلّف:
أبو الفضل أقتدى في كلّ فضل بوالده عليّ ذي المعالي
وبالسبطين من فاقا البرايا جميعاً بالخلائق والفعال
فما مثل الوصّي طه ولا السبطين في شرف الخصال
سوى من لا يكون له مثيل نبيّ الله خيرة ذي الجلال
وفي العبّاس من كرم السجايا كثير ليس يحصر في مقال
وفاء نجدة زهد وعلم وإيثار وصدق في المقال
عفاف ظاهر حلم وجود وبأس صادق عند النزال
نحن أجملنا الكلام في ذكر محاسن أخلاق العبّاس بن أمير المؤمنين (ع) فوجب أن نذكرها تفصيلاً لينتفع بذلك القرّاء.
(184)

كرم العبّاس الأكبر وسخاؤه

نحن لا نبرهن على إثبات ذلك بأكثر ممّا خلّدته الآثار التاريخيّة أنّ هذه القبيلة إعني الهاشميّة ليس فيها غير الجواد الذي لا يجاري، الكريم الذي لا يباري.
قال الثعالبيّ في ثمار القلوب (1): كان يقال أربعة كانوا ومحال أن يكونوا: زبيريّ سخي، ومخزوميّ متواضع، وهاشميّ شحيح، وقرشيّ محمّد آل محمد (ص)، إنتهى.
وقد تحرّى علماء المثالب أن يقدحوا في بني هاشم بوجود بخيل يتقرّبون بثلبه إلى قلوب بني أميّة فما وجدوا في قديمهم أحداً بل ولا في حديثهم فرداً يجعلونه موضعاً للثلب حتّى قيام الدولة العبّاسيّة فأوجدت لهم سانحة الفرصة ذاك الخليفة الجبّار أبا جعفر المنصور فعدّوه فيهم بخيلاً وازدوا في القدح عليه بأن قالوا: إنّه قد تجاوز حدّ البخل إلى أبغض منه وأمقت وهما الشحّ والحرص فكان يحاسب على الدانق فأشتقّ له من هذا الفعل لقب ((الدوانيقيّ)) ولعلّ الدانق ربع الفلس، وأنكر ذلك عليهم المعتصّبون له فقالوا: إنّه لم يكن بخيلاً ولا الشحّ من صفته ولم يكن بالحريص المبغوض ولا الشحيح الممقوت فكيف وداره إدارة عظيمة لإدرار الصلات والعطايا على السائلين وهباته موفّرة للعلماء كعمرو بن عبيد وأضرابه ممّا لا ينكر، ومحاسبته على الدانق ليست من باب البخل وإنّما هي
1ـ ثمار القلوب: ص91.
(185)

من باب الحزم واليقظة تحرّزاً من الخيانة فإنّ من تفطّن للدانق لا يختان في الألف.
وقد رؤي عبد الله الجواد بن جعفر الطيّار في السوق يماكس في درهم، فقيل له: العجب منك تعطي الألوف وتماكس في الدرهم، فقال: ذاك مالي جُدت به وهذا عقلي لم أجد به، ومعناه أنّ التغافل عمّا يحمل عليه جود وعمّا لا يحمد عليه جهل؛ فالمنصور إلى مثل هذا ينظر.
وأيضاً رؤي قيس بن سعد بن عبادة وهو أحد الأجواد بالمدينة يلتقط التمر الساقط تحت النخل ويجمعه، فقيل له: أتفعل هذا وأنت تجود بما تجود به؟ فقال قيس: الذود إلى الذود إبل فكما لم ينسب هذان الكريمان إلى البخل بسبب هذين الفعلين فلا ينبغي أن ينسب المنصور بسبب هذا الفعل إلى البخل.
ويشهد لدعوى المعتصّبين النافين عنه البخل ما ذكره أحمد بن ثابت الخطيب البغداديّ في تاريخ بغداد(1)عن ابي العيناء قال: دخل المنصور من باب الذهب فإذا بثلاث قناديل مصطفّة فقال: ماهذا، أما واحد من هذا كان كافياً يقتصر من هذا على واحد، قال: فلمّا أصبح أشرف على الناس وهم يتغدّون فرأى الطعام قد خفّ من بين أيديهم قبل أن يشبعوا، قال: ياغلام! عليّ بالقهرمان، قال: مالي رأيت الطعام قد خفّ من بين أيديهم قبل أن يشبعوا؟ قال: ياأمير المؤمنين! رأيتك قد قدرت الزيت فقدرت الطعام، قال: فقال: وأنت لا تفرق بين الزيت يحترق في غير ذات وهذا طعام إذا فضل فضل منه وجدت له آكلاً، أبطحلوه فبطحوه فضربه سبع درر ألخ، لكن الانصاف أنّ المنصور كان بخيلاً وهذا الفعل متكرّر منه وهو المحاسبة على الدانق وأخباره بالبخل تتدفّق كالسيل الجارف
1ـ تاريخ بغداد 10/56.
(186)

لا يحول دونه سدّ منيع وخروج الفرد والفردين لا يستلزم نقصاً.
فإذا أستبان أنّ هذه القبيلة لا بخيل فيها سوى المنصور فبالقطع يكون العبّاس أبن أمير المؤمنين (ع) من الأجواد وعلى أيّ قول أعتمدنا على قول القائل أنّ الأخلاق سجايا وغرائز أو على قول من يقول إنّها مكتسبة وموروثة فيهما والكرم سجيّة وغريزة في قومه وسبيل ذلك واضح فإنّ سجايا بني هاشم الكرم وكونها مكتسبة وإنّها تحصل بطول الصحبة والتمرين فتألف وتعتاد وتقوم العادة مقام الطبع فلا شكّ أنّه (ع) قد عاشر أكرم الخلق وأجودهم أباه عليّاً وأخويه الحسن والحسين (ع) وإنّما لم يشهر شهرة غيره بالكرم لعدم أنفصاله عن خدمتهم وخاصّة خدمة أخيه الحسين (ع) حتّى في حياة أبيه وأخيه الحسن (ع) وأنّه كان ملازماً له كالحاجب له كما سيجئ فخفي ذكر كرمه بكرم أخوية الحسن والحسين (ع) والشمس تخفي أنوار الكواكب كما قال النابغة الذبيانيّ للنعمان بن المنذر:
لأنّك شمس والملوك كواكب إذا طلعت لم يبدو منهنّ كوكب
وبعد هذا كلّه يدلّ على كرمه اُمور: 1) إنّه جاد بنفسه لأخيه الحسين (ع) وقد قال أبو تمام الطائيّ لممدوحه:
وجاد بالنفس إذ ضنّ الجواد بها والجود بالنفس أقصى غاية الجود
وكثيراً ما يجود الجواد بماله وإن كان خطيراً وبخل بنفسه وقد قال اليافعيّ الشافعيّ في تفضيل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(ع) على عثمان بن عفّان ويذكر أنّ عليّاً (ع) جاد بالنفس وعثمان بالمال:
ليس الذي يبذل الأموال محتسباً في نصرة الدين سمحاً فيه بالمال
كباذل نفسه لله محتسباً في كلّ هيجاء لجند الكفر قتّال
كلّ حميد ولكن ليس جود فتى فالمال كالجود بالروح الزكي الغالي
(187)

وقال بعض من رثى أصحاب الحسين (ع):
جادوا بأنفسهم عن نفس سيّدهم وقد رأوا لبثهم من بعده عارا
وحريّ بمن يرى اللبث بعد إمامه في الدنيا عاراً وشناراً أن يجود له بنفسه الغالية ويبذل له روحه العزيزة.
2) يدلّ على سخاء أبي الفضل بن أمير المؤمنين (ع) إيثاره العطاشى من أهله على نفسه كما سنذكره في الإيثار حتّى قضى عطشاً وقد مدحت العرب كعب بن مامه الأيادي واثنت عليه الثناء العظيم لأنّه آثر وفيقه بحصّته من الماء حتّى قضى عطشاً وجعلوه في أعلى مرتبة الجود.
3) قضاؤه الحاجات حيّاً وميّتاً كما لقّب بهذا السبب قاضي الحاجات وباب الحوائج؛ أمّا قضاؤه لها في حياته فظاهر من حيث أنّه كان منقطعأً لخدمة أخيه الحسين (ع) ومن قصد الحسين (ع) فإنّما يقصده أوّلاً لأنّه الباب والحاجب فتقضى الحاجات علي يده وقد ظهرت في كربلاء منه آثار مشهورة بقضاء الحاجات مرّت في السقاية.
أمّا قضاؤه الحاجات بعد شهادته إلى اليوم فحدّث ولا حرج وسيأتي في الجزء الثالث في فصل كراماته بعض الحكايا وقد مدحه بعض الشعراء بالسخاء وقضاء الحاجات فقال:
للشوس عباّس يريهم وجهه والوفد ينظر باسماً محتاجها
باب الحوائج ما دعته مروعة في حاجة إلاّ ويقضى حاجها
بأبي أبا الفضل الذي من فضله السامي تعلّمت الورى منهاجها
زجّ الثرى من عزمه فوق السما حتّى علت في تربة أبراجها
قطعت يداه وطالما من كفّه ديم السماحة أمطرت ثجّاجها
ذكر هذه الأبيات صاحب معالي السبطين، وللمؤلّف فيه أيضاً:
(188)

أبو الفضل ذو كرم باهر يحيّي الوفود وزوّاره
بطلق المحيّا كبدر السماء وقد حسد البدر أنواره
وما الغيث مثل ندا كفهّ على الجدب وأصل أمطاره
فما الجود غير قضا حاجة فسل زائريه وسل جاره
إذا غبت عنه وفات العيان يبلّغك الناس أخباره
بأنّ أبا الفضل أصل النجاح وسائل عن الغيث آثاره
وإن رام أنكارها حاسد فقل قمر إنكاره
فإن تنسى هذا أتنسى السماح بمهجته للحسين وإيثاره
وذي غاية الجود عند الكرام فدع عنك كعباّ وأخباره
ونوّه بشبل عليّ الفخار وردّد مدى الدهر تذكاره
وما لّقب (ع) بأبي الفضل إلا لكونه ذا فضل ظاهر حسبما ذكرنا، ولذا قيل فيه:
أبا الفضل يامن أسّس الفضل والإبا أبى الفضل إلاّ أن تكون له أبا
(189)

علم العبّاس الأكبر (ع) وفقهه

لا أحسب أنّ أحداً يشكّ أو ير تاب في علم العبّاس الأكبر (ع) وأنّه من الفقاء العظام والعلماء الأعلام، لا أرتاب في قولي إنّ جاحد ذلك مجازف مغامر بل متجاوز طور الأدب الدينيّ معدوم الحياء.
نعم أنا أقول بكل صراحة غير مشكّك ولا مر تاب أنّه لا أحد أعرف بحقائق الأديان ولا أعلم بنواميس الشريعة الإسلاميّة وأحكام الدين المقدّس من رجل ذهبت حياته في خدمة الأئمّة سادات العلماء في أقطار الأرض ومرجعهم في سائر الفنون كأبيه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب وأخويه الحسن والحسين (ع) حتّى أنّه (ع) لم يفارق تلك الأعتاب المقدّسة لحظة واحدة ولم يبتعد عن تلك الأبواب المحترمة خطوة، فليله ونهاره ملازم لخدمتهم ملازمة الظلّ لذي الظلّ مع حرصهم على تثقيف الأباعد وتعليم الغرباء فكيف لا يثقّفون الأقارب ولا يعلّمون الأرحام، ومن المعلوم أنّ بالملازمة يحصل العلم سماعاً وتعليماً وقد قيل: ولد الفقيه نصف فقيه، والمشّاؤون من الفلاسفة مشوا في ركاب أرسطو كما أنّ الرواقيّين منهم لازموا رواقه فأمتاز الفريقان في فنّ الفلسفة وشهر الجمعان بالحكمة.
فكيف لا يمتاز العبّاس الأكبر (ع) وهو خرّيج كلّية الحقائق وتلميذ أساتذة الحقّ وجهابذة الملّة وفطاحل علماء الشريعة المقدسة، ومن تخرّج من تلك المدراس الروحانية العرفانية وجعل في الصفّ المقدّم من صفوف تلك الكلّيّات
(190)

الراقية فبالحريّ أن يفوز بالنجاح وأن يحصل له الامتياز على من عدى أساتذته العظماء وأساتذة علماء الأُمة قاطبة ومعلّمي علماء الإسلام عامّة الفنون.
وقد أقام عمر بن الخطّاب، عليّ بن أبي طالب مقام الاُستاذ وأقام نفسه مقام التلميذ وهو السلطان والخليفة ورجع إلى قوله رجوع أصاغر الطلاّب إلى رأي المعلّم الأكبر ورأس المدرّسين وقد صرّح مراراّ عديدة في مقالات شتّى تختلف لفظاً وتتّفق معنى؛ فمرّة يقول: لا عشت لزمان لا أراك فيه يا أبا الحسن، ومرّة يقول: أطال الله بقاك، ومرة يقول: معظلة ولا أبو حسن لها، ومرّة يقول: لولا عليّ لهلك عمر، ومرة يقول: لمن أنكر حكم عليّ (ع): وقعت عليك عين الله من حرم الله، ومرّة يقول: أقضانا عليّ، هذه المقالات تكرّرت من الخليفة عمر بن الخطّاب.
كما شاع قول عبد الله بن مسعود صاحب رسول الله (ص): العلماء ثلاثة: عالم بالشام وعالم بالعراق وعالم بالمدينة يعني نفسه وابا الدرداء وعليّاً (ع) وهو عالم المدينة. ثمّ يقول: وعالم الشام والعراق محتاجان إلى عالم المدينة وهو مستغن عنهما. وكما شاع قول عبد الله بن عبّاس حبر الأُمّة: علمي وعلم جميع أصحاب محمّد (ص) في جنب علم عليّ (ع) كالقرارة في المثعنجر.
والعبّاس الأكبر أبوه الأنزع البطين الذي قال فيه ابن الأثير في النهاية: الأنزع من الشرك، البطين من العلم، وقد قال فيه رسول الله (ص): أنا مدينة العلم وعليّ بابها، وقال هو (ع) عن نفسه: هذا سفط العلم، هذا لعاب رسول الله (ص) يعني صدره الشريف، علّمني رسول الله (ص) ألف باب من العلم يفتح لي من كلّ باب ألف باب.
وكيف لا ينخرط في سلك العلماء من هذا أبوه وأخوه الحسن والحسين (ع) وإنّهما أفاضا شؤبوباً واحداً من علومهما على أخيهما محمّد الأكبر بن الحنفيّة
(191)

فأصبح من جهابذة العلماء ولم يلازمهما ملازمة العبّاس وإن لازمها أكثر من غيره عدي العبّاس الشهيد فإنّه أكثر منه ملازمة لهما وأعظم مواضبة فلا شكّ أنّه الوحيد في الفقاهة والعلم.
ولعلّ الجاهل بحقائق الأشياء يتطرّقة التشكيك في أنّ العبّاس الأكبر (ع) لو كان فقيهاّ عالماً لاشتهر بذلك شهرة أخية محمّد بن الحنفيّة وعدّ في صفّ علماء الهاشميّين وهذه تخيّلات وأوهام، لم يشتهر محمّد بن الحنفيّة في حياة أبيه وأخويه الحسن والحسين (ع):
*ومن ورد البحر أستقلّ السواقيا*
كلاّ لا ترد الناس السواقي والبحار طامية ولا تحتسسي الأوشال والأنهار طافحة فلمّا جفت تلك الأنهار ونضبت تلك البحار وبقي الجدول جاريا ورده الوارد وأستقى منه الظمئآن؛ فمحمّد الأكبر والعبّاس الأكبر في حياة أبيهما وأخويهما سواء في عدم الشهرة العلميّة ولو بقي العبّاس الأكبر وبقاء محمّد بن الحنفيّة لرزق في العلم صيتاً ونال شهرة ولسارت بمعارفه الركبان لكن:
عجّل الخسوف عليه قبل أوانه فمحاه قبل مظنّة الأبدار
وقد كان أبو الفضل العبّاس معروفاً بالعلم فهذا لاحافظ العسقلانيّ الشافعيّ يصرّح في كتاب الإصابة فيمن روى عن أمير المؤمنين عليّ (ع) من أعلام الصحابة وأعيان التابعين ثمّ يقول: ومن بقيّة التابعين عدد كثير من أجلّهم أولاده محمّد بن عمر والعبّاس ألخ ومحمد هو أبن الحنفية وعمر هو الأطرف.
على أنّ العبّاس (ع) قد صردت منه اُمور يوم الطفّ دلّت على وفور علمه كنفضه الماء من يده تأسّياً بالإمام الحسين (ع) وإيثاره له كما سنذكره في الإيثار والمواسات وهذه مسألة فقهيّة وهي أنّ الإيثار راجح شرعاً لورود الأدلّة السمعيّة من الآيات والروايات وما دلّت عليه الأدلّة السمعيّة فهو راجح شرعاً فهذه من
(192)

مسائل الفقه وما صدرت منه تلك الفعلة الحميدة على جهة الفطرة والبداهة بل على جهة الأختيار للمحبوب المطلوب شرعاً.
وكقوله (ع) في خطاباته الموجّهة تجاه أخيه الحسين (ع) كما يجيء في آدابه نحو قوله ((سيّدي يابن رسول الله (ص)) ولم يخاطبه بأخي لعلمه أنّ مرتبة الإمامة فوق كلّ مرتبة ومهما كان الأخ فلا ينبغي أن ينزل نفسه للإمام إلاّ منزلة العبد فيخاطبه خطاب المملوك للمولى بسيّدي، والمخاطبة بالاُخوّة دليل المكافأة ولا يكافئ الإمامة شيء كالنبوّة وهذا من الفقة في الدين والأدب الراقي وتفخيم ذي الشأن مستحبّ شرعاً ومطلوب عقلاً.
قال أبو حاتم السجستانيّ في كتاب المعمّرين(1): قال معاوية: إنّي لاُحبّ أن ألقى رجلاً قد أتت عليه سنّ وقد رأى الناس يخبرنا عمّا رأى، فقال بعض جلسائه: ذاك رجل بحضر موت، فأرسل إليه فاُتي به عليك من السنّ؟ قال: 360 سنة، قال: كذبت ثمّ تشاغل عنه ثمّ أقبل عليه فقال: ما أسمك؟ قال: آمد، قال: أبن من؟ قال: أبن أبد، قال: كم أتى عليك من السنّ؟ قال: 360 سنة، قال: فأخبرنا عمّا رأيت من الأزمان أين زماننا هذا من ذاك؟ فقال: كيف تسأل من تكذّب؟! قال: ما كذّبتك ولكن أحببت أن أعلم كيف عقلك.
قال: يوم شبيه بيوم، وليلة شبيهة بليلة، يموت ميّت ويولد مولود فلولا من يموت لم تسعهم الأرض، ولولا من يولد لم يبق أحد على وجه الارض.
قال: فأخبرني هل رأيت هاشماً؟ قال: نعم رأيته طوالاً حسن الوجه يقال إنّ في عينيه برلة أو غرّة بركة.
1ـ كتاب المعمّرين: ص79.
(193)

قال: فهل رأيت اُمية؟ قال: نعم رأيته رجلاً قصيراً أعمى يقال إنّ في وجهه لشراً أو شؤماً.
قال: فهل رأيت محمّداً؟
قال: ومن محمّد؟
قال: رسول الله.
قال: ويحك هلاً فخّمت كما فخّمه الله فقلت رسول الله، ألخ.
وليس أبو الفضل (ع) ممّن يجهل واجب تفخيم الإمام عقلاً وأحترامه تديّناً.
للمؤلّف:
ألا أنّ عبّاس بن حيدر عالم يواجب دين الله والراجح الشرعيّ
يعظّم أرباب الإمامة موفياً لهم حقّهم في الأصل للحقّ والفرع
وكقوله (ع) لأخوته الأشقّاء الذين هم من اُمه اُمّ البنين: تقدّموا يابني اُمّي لأحتسبكم فإنه لا ولد لكم، وهذا القول منه (ع) مشهور رواه عامّة أرباب المقاتل وأختلفوا في ضبط العبارة، فالطبريّ المؤرّخ هذا لفظه في تاريخه (1)قال: وزعموا أنّ العبّاس بن عليّ قال لإخوته من ابيه واُمه عبد الله وجعفر وعثمان: يابني اُمّي! تقدّموا حتّى أرثكم فإنّ لا ولد لكم ففعلوا فقتلوا ألخ.
وهذا في ظنّي تصحيف والأصل حتّى أراكم فصحّفه الراوي بإرثكم.
وأمّا أبو حنيفة أحمد بن داود الدينوريّ فلفظه في الأخبار الطوال(2): ولمّا رأى ذلك العبّاس قال لإخوته عبد الله وجعفر وعثمان بني عليّ عليهم والسلام واُمهّم جميعاً اُمّ البنين العامريّة الوحيديّة: تقدّموا بنفسي أنتم فحاموا عن سيّدكم
1ـ تاريخ الطبريّ 6/257.
2ـ الأخبار الطوال: ص 254.
(194)

حتّى تموتوا دونه فتقدّموا جميعاً فضاربوا أمام الحسين (ع) بوجوههم ونحورهم ألخ.
وأمّا أبو الفرج عليّ بن الحسين الأصبهانيّ فلفظه في مقاتل الطالبيّين عن الضحّاك المشرقيّ قال: قال العبّاس أبن عليّ لأخيه من أبيه واُمّه عبد الله بن علي: تقدّم بين يدي حتّى أراك وأحتسبك فإنّه لا ولد لك فتقدّم بين يديه ألخ.
ومثله ذكر في أخويه عثمان وجعفر.
وأمّا الشيخ المفيد أبو عبد الله محمّد بن محمّد بن النعمان فلفظه في كتاب الإرشاد: فلمّا رآى العبّاس بن عليّ (ع) كثرة القتلى في أهله قال لإخوته من اُمّه وهم عبد الله وجعفر وعثمان: يابني اُمّي! تقدّموا أمامي حتّى أراكم قد نصحتم لله ولرسوله فإنّه لا ولد لكم ألخ، وهذا بعينه لفظ الشيخ المحقّق جعفر بن نما الحلّيّ في مثير الأحزان.
وينتج من جيمع هذه الأقوال ثلاثة اُمور كلّها تدلّ على فقاهته وعلمه:
الأوّل: قوله ((تقدّموا لأراكم قد نصحتم لله ولرسوله)) ألخ، جهة الفقاهة في هذا إنّه (ع) قد علم أنّ أفضل الجهاد ما كان بالنفس والنفيس، أمّا نفسه فعازم على بذلها لأخيه الحسين (ع) وهو واثق بذلك من نفسه، وأمّا النفس وليس لديه هناك أنفس من إخوته الأشقّاء فأحبّ أن يقدّمهم ويكون قد بذل في الجهاد نفسه ونفسيه ولا شكّ بتضاعف الأجر على ذلك وحسبك بقًصة الخنساء وحثّها أولادها الأربعة على الجهاد يوم القادسية فقتلوا جميعاً، وأطلب قصًتهم من التاريخ وأرجازهم تشهد لما نقول، ويتفرّع على مسألة تقديم العبّاس (ع) لإخوته من الفروع الفقهيّة ما خفي على كثير من مهرة الفنّ وأساتذة الصنعة مثل مسألة الشكر على النعمة.
والعبّاس (ع) يرى من أتمّ نعم الله عليه وأفضلها عنده الشهادة في سبيله ومن إتمامها أن يرزقها الله تعالى لإخوته الذين هم أعزّ ما لديه من حاضري إخوته بعد
(195)

الحسين (ع) فإذا تفضّل الله عليهم بالشهادة ورزقهم إيّاها فقد أسعدهم وأنالهم كرامته فوجب عليه الشكر الذي يجب عقلاً وشرعاً عند تجدّد كلّ نعمة إذ شكر المنعم واجب بالإدلّة العقليّة والنقليّة.
الثاني: الاحتساب فقوله (ع) ((تقدّموا لأحتسبكم)) وفي هذا الاحتساب يتضاعف الأجر لعلمه أنّه إذا توالت الفوادح وتواترت المصائب وصبر عليها الصابر محتسباً فقد تضاعف أجره عند الله ولا إشكال أنّه إذا شاهد مصارع إخوته الأشقّاء واحداً بعد واحد فقد تضاعف له العناء والأسف ولو أنّهم قتلوا قتلة واحدة كان لها حكم المصيبة والواحدة ولكن المصائب تتعدّد بقتل الواحدة تلوا الواحد فتتضاعف لذلك الأحزان، ومن فروع هذه المسألة الفقهيّة مسألة الصبر فإنّ الذي يبتلى بفقد الأعزّاء وأنفس الأشياء وأغلاهاعنده ثمّ يصبر ويحتسب يكون له الأجر المضاعف ويجزيه الله تعالى أفضل جزاء الصابرين وقد حصل لأبي الفضل العبّاس (ع) في هذه القتلة ثلاثة أشياء توجب الكرامة ومزيد الحباء عند الله تعالى: الشهادة والشكر والصبر، وهذا من عجيب الفقه الذي يتحرّاه الفقيه العليم في مثل ذلك الموقف الحرج والمقام الصعب ذي الأهوال والتهاويل الذي طارت منه الأذهان وأندهشت فيه الفكر وحارت الألباب.
الثالث: المسألة الفرضيّة الميراثّية وهي المشهورة عند الفقهاء وهذه مسألة فقهيّة مقترنة بفكر ثاقب يجري مجرى الإعجاز في التكهّن بالحوادث المستقبلة وذلك أنّ فقه هذه المسألة على مذهب أهل البيت (ع) والعبّاس (ع) منهم أنّ الاُمّ هي الوارثة لبنيها المفقودين والأخ منها أو من غيرها محجوب عن الميراث بها ولا يرثون مع الاًم إلاّ بشروط أعتبرها الفقهاء وإن فقدت الاُمّ فأبن الأخ الشقيق يحجب الأخ لأحد الأبوين هذا مذهب العبّاس وأهل بيته، فهو (ع) يعرفه ويعلمه وعند القضاة من أهل السنة أهل التعصيب أنّ الأخ يحجب الاُم هكذا كانت الحال
(196)

في الدور الأُمويّ طيلة حكومتها الجائرة فنظر العبّاس (ع) وأصاب بفكرته الثاقبة أنّ الأمر في ميراث إخوته إن قتلوا بعده سينزع من يد اُمّه قهراً ولا ينظر إلى مذهب أهل البيت (ع) وإنّما يؤخذ بفتوى قضاة العامّة فرأى من الحزم أن يقدّم إخوته أمامه فيقتلوا فإذا قتلوا ورثهم هو لأنّه الأكبر وأولى من عمر الأطرف لتقرّبه إليهم بالأبوين فإذا حاز ميراثهم حيّاً ورثه أبينه عبيد الله بعد قتله فتضعف حجّة المخاصم لأنبه عبد الله حتّى على مذهب فقهاء السنّة.
وقد وقع الأمر على مقتضى حدس العباّاس (ع) فإنّ عمر الأطرف نازع عبيد الله ابن العبّاس إلى قضاة العامّة وأعانته السلطة الأمويّة الجبّارة ثمّ صولح على شيء يسير رضا به وهذا جور في الحقيقة وتحامل لم يعضده مذهب من جميع فرق المسلمين؛ أمّا على مذهب أهل البيت (ع) فواضح أنّ الميراث لاُمّ البنين، وعلى مذهب السنّة أيضاً لا يجوز أن يعطى لعمر الأطرف شيء ومحمّد بن الحنفية أكبر منه وهو حيّ وعبيد الله بن النهشليّة حيّ أيضاً ونسبتهما إلى ولد عليّ (ع) كنسبة عمر الأطرف ولكن تلك العصور مات فيها الحقّ والعدل واُحيي الجور والعدوان وقد عرفت صحّة فراسة العبّاس (ع) في النزاع على ميراث الأخوة الشهداء.
وقد رأى بعض من يدّعي الفقاهة وهو بعيد عنها كذب القضيّة لأنّه يزعم أنّ قدر العبّاس الأكبر (ع) أجلّ من أن يلحظ أمر الدنيا فيطلب من إخوته الميراث وأنكر أن يكون قال ذلك وقال: إنّما قال: أحتسبكم فقط وغفل في ذلك غفلة عظيمة من حيث ظنّ أنّ كلّما تعلّق باُمور الدنيا بعيد عن طلبه الصلحاء الأخيار وأهل الفضل من الأتقياء البررة فليس لهم غرض بكل شئونها ومطالبها.
ولم يدري المغفّل أنّ بعض الاُمور الدنيويّة هي اُمور اُخرويّة لأنّ برّ الصلحاء وأهل الفضل والديانة من أفضل الطاعات وأجلّ القربات وهي إنّما تقع بالأموال فتكون المسألة دنيويّة دينيّة، ألم يدري هذا المغفّل أنّ رسول الله (ص) وهو سيّد
(197)

الأتقياء وقدوة الصلحاء ومن لا تسوى عنده الدنيا ذرّة من الذرّ كيف أهتمّ في أمر فدك وبقيّة أملاكه في وادي القرى وغيره حتّى جعلها طعمة لأبنته فاطمة الزهراء (ع) ولم يترك ذلك سائراً على ما يقتضيه حقّ الوراثة الشرعيّة لعلمه (ص) أنّها ستدفع عن الميراث وتمنع منه فأحتاط لها بإعطائها ذلك نحلة وجعله لها طعمة لكي تنقطع عنه أطماع الطامعين ويتوفّر على أبنته الكريمة حقّها ولا تكون عالة على أحد من الناس ومع ذلك فقد حدث ما حدث.
وهذا أمير المؤمنين عليّ بن ابي طالب (ع) أزهد أهل الدنيا قاطبة بعد رسول الله (ص) وأبعدهم من حطام الدنيا وهو الذي كان يكنس ببيوت الأموال ويصلّي فيها ويختم على جراب قوته لئلاً ينخل وقد أنتهت إليه عامّة طرق الزهّاد وأخباره متواترة في العزوف عن الدنيا حتّى طلّقها ثلاثاً وقد أهتمّ في أمر البغيبغة وعين أبي نيزر حتّى جعلهما وقفاً لنوائب الحسن والحسين (ع) دون سائر بنيه هذه سنّة الصلحاء وسيرة النقباء.
فأبو الفضل العبّاس أعلم من هذا الغبيّ المتمحّل والمغفّل المتكلّف لما لا يلعم فإنّه (ع) قد سار سيرتهما وأقتفى أثرهما فأهتّم بأمر ولده الطفل وأحتاط في مدافعة خصمه وهو عمّه الشحيح الطامع بغير حقّ حتّى أنّه ترك مذهب أبيه أمير المؤمنين (ع) فسعى في حرمان ورثة أخيه الطفل الصغير والمرأة الضعيفة التي بقيت بلا كاسب أعتداء منه عليهما وبغيا بعلّة أنّه الأبن وإنّه العمّ ويتعصّب له الأمويّون أهل الجور والعدوان في حرمان ذرّيّة من حاربهم وقام بالسيف عليهم حتّى تصبح ورثة العبّاس (ع) عالة يتكفّفون.
فأحتاط العبّاس (ع) لهم بهذا ولولا ما فعله (ع) ما قبل عمر بن عليّ المصالحة على اليسير ويترك ما تشبّث به في الحكم الجائر وليس هذا ممّا ينافي الإخلاص أو يخلّ بالتقوى والورع حتّى لا ينبغي أن ينسب إليه فقد كان الزهّاد والأتقياء
(198)

يعلموان في مصالح صالحي الورثة بأن يوصوا لهم بحصّة معيّنة من أموالهم لتقويتهم على طاعة الله تعالى فنعم العون على طاعة الله المال وقد عرفت ما صنعه أمير المؤمنين(ع) في تخصيص الحسن والحسين (ع) وقد نقلها علماء الفريقين الشيعة والسنّة ولولا الإطالة لأوردناها ولعلّ الكثير من القرّاء له إلمام بها وأطّلاع.
وإذا كانت هذه سيرة رسول الله (ص) وسيرة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع) وبقيّة الأتقياء وأرباب الديانة فأيّ عضاضة في هذا الأمر الذي أراده العبّاس (ع) والحقّ يشهد أنّه (ع) قصد السنن الثلاثة المؤكّدة في الشريفة الإسلاميّة وهي الشكر والصبر وصلة الأرحام لقوله تعالى (يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أوْلاَدِكُم لِلْذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ)(1) وقد جاء في المثل ولد الفقيه نصف فقيه، وأنا أقول: الفقه كلّه مجتمع عنده ومنسوب إليه لأنّه أبن أعلم الناس وأخواه هما أعلم الناس وأفقههم.
للمؤلف فيه:
جئني بمثل أبيه كنز علومها هيهات يوجد أو فتى كأخيه
إنّ الفتى كأبيه في أخلاقه قد قيل إنّ الأبن سرّ أبيه
فهذا علم العباس (ع) بالعلوم النقليّة ويأتي بعضها في فصاحته.

علم العبّاس (ع) بالعرفانّيات:

أمّا علمه بعلم المعقول فله يد في العرفانيّات وقد دلّنا منظومه على مقدرته العرفانيّة ومنزلته في علم المعقول وقد تحقّق لدينا أنّ مرتبته في هذا الفنّ هي المرتبة الراقية والمنزلة السامية وذلك حيث يقول:
فليس هذا من فعال ديني ولا فعال صادق اليقين
1ـ النساء: 11.
(199)

وهذا القول منه يدلّ دلالة قويّة على كونه من علماء الفلسفة الماهرين وأساطين الحكمة القديرين لأنّ مراتب المعرفة بوجود الحقّ باري الخلق والسلوك إلى ربّ الارباب له خمسة مراتب مترتّبة طولاً حسبما رتّبها سيّد المتألّهين وإمام الحكماء الموحّدين أبوه أمير المؤمنين عليّ بن ابي طالب (ع) وهي: 1) اليقين 2)علم اليقين 3)عين اليقين 4) حقّ اليقين وهو صدق اليقين 5)الوصول، وهذه المرتبة الخامسة كما سنذكر قوله (ع) لا يصل إليها خلق سوى محمّد (ص) وأهل العزم وأوصياء محمّد (ص) فقد تكون لبعض العارفين الرتبة الاُولى وهي اليقين ثمّ لا يتجاوزها، وقد تحصل لبعضهم الرتبة الثانية وهي علم اليقين ثمّ لا يعدوها، وقد تحصل لبعضهم الرتبة الثالثة وهي عين اليقين، وقد تتكامل في بعضهم المعرفة فيصل إلى الدرجة الرابعة، وهي حقّ اليقين أو صدق اليقين وهذا قليل، والأوحديّ الماهر من وصلها وقد أنتهت معرفة أبي الفضل العبّاس (ع) لصفاء نفسه وإضاءة أنوار عقله إليها، ومن جهة تحصيله العلميّ من وجهتي النظر والتفكير وتقليلداً لأئمّة الهدى الذين لهم كمال المعرفة والعلم بما وراء الحقيقة كأنّهم قد عاينوا معاينة وشاهدوا مشاهدة.
وأولئك هم أبوه سيّد العارفين بعد رسول الله (ص) وأخواه الحسن والحسين (ع)، وحقّ اليقين هو صدق اليقين فإنّ من لم يصب حقّ اليقين فليس بصادق اليقين فمن صفت نفسه الشفافة وأستضاء بأنوار عقله الهادي المدرك للمحجباة وأستند في إشاراته إلى مكاشفات المكاشفين من أئمّة الدين الذين عصموا من الزلل وأختصّوا بوحي الله تعالى وإيحائه ومنحهم خاصّة فضيلة الإلهام وفطرهم على إصابة الحقائق لما ركّب فيهم من قوّة الحدس فلا شكّ في وصول تابعهم والمقتدي لهم إلى درجة صدق اليقين.
(200)