عليّ أخيه إلى المشارع في ثلاثين فارساً وعشرين راجلاً فأقتتلوا عليه ولم يمكّنوهم من الوصول اليه، إنتهى، وفيه شذوذ أيضاً من جهة أتفاق المؤرّخين أنه (ع) وصل إلى الماء وأوصله إلى الحسين (ع) صرّح بذلك الطبريّ وغيره.
وهذا السيّد الداووديّ قد سقط سقطة فاضحة حيث قال في عمدة الطالب(1): يكنى أبا الفضل ويلقّب السقّا لأنه استسقى الماء لأخيه الحسين (ع) يوم الطف وقتل دون أن يبلغه إياه ألخ. وفي هذا الكلام غلط وأشتباه؛ أمّا الخلط فلأنّه زعم أنه سمّي سقاً لسقايته له مرّة واحدة ثمّ نفاها وكيف يسمى إنسان بما لمن يفعل وإنما عزم على الفعل وهذا غلط لا يسمى الرسول رسولاً حتى ينفذ بالرسالة ولا الضارب ضارباً حتى يقع منه الضرب.
اما الاشتباه فلظنه أنه (ع) ما أستقى إلاّ عند قرب مقتله وهذا أشتباه قطعاً لأنه أستقى قبل مقتله أتفاقاً وإن أختلفوا في هذه السقاية هل كانت ليلة العاشر أم نهار العاشر فذهب إلى كل فريق ويلزمنا هنا بيان أمر يدلّ على فائدة الامعان في التاريخ ليتبحر الذي فيستخرج منها المعاني الصحيحة المخبأة في عناوين الاثار فنقول: إن في قول القائلين في سقاية العباس الاكبر (ع) التي صحبه فيها نافع بن هلال البجلي كانت ليلاً وإن ابا الفرج ومن وافقه فقد وهموا في ذلك فجعلوها نهاراً يدلنا على ذلك أجتماع الاقوال على أن أهل الكوفة قد عاجلوا الحسين (ع) بالقتال عند أول ظهور نور الفجر حتى أنه (ع) غلس في الصلاة باصحابه لأن أهل الغدر ينتظرون بهم أنقضاء الأجل في المواعدة الموقتة وهي سواء الليلة العاشرة فالتحمت الحرب مع تألق ضوء الصبح وأشتبك القتال والاصحاب في مراكزهم، ويدلنا أتفاق المؤرخين أن الحسين (ع) أفرد خيمة يغتسل فيها هو وأصحابه لأجل
1ـ عمدة الطالب: ص323.
(51)

أن يحيوا ليلتهم بالعبادة وأزدحم اصحابه على بابها ينتظرون خروجه ليصلوا ويغتسلوا وهم يتسابقون على التبرك بالفاضل منه، وصريح عامة الاقوال وقع الاغتسال تلك الليلة مع الاتفاق أن الماء عز عندهم يوم التاسع حتى لم يبق ما يكفي للشرب فلولا الاتيان بالماء ليلاً لما وقع الاغتسال، وأتفق المؤرخون ايضاً أنه لم تسنح فرصة في نهار العاشر لأي عمل كان لا شتغال الانصار بالحملات والمحاماة والمدافعة عن حشاشة الإمام (ع) فالهتهم تلك الحالة عن كل شيء لأن حفظه (ع) أهم الواجبات.
والعبّاس (ع) واقف في مركز القلب لا يتحلحل ولن يزل عن موقفه تجاه الحسين (ع) بيده اللواء يخفق إذا ما دام العلم ثابتاً في مركزه فقلوب المجاهدين طامنة وادعه فلو زال لا ختل النظام العسكري وأختلف الترتيب وضعف عزم صاحب العزم، ألست تقرأ في سيرة إبراهيم أحمر العينين بن عبد الله المحض: لما التحمت الحرب بينه وبين قائد جيش العباسي أنهزم واتبعه جيش العلوي فعرضت له مخاصة في الطريق فأنحرف معها حامل لواء إبراهيم فلما راى عسكره أنحرافه تنادوا الهزيمة فأنهزموا وعطف الجيش العباسي وقتل إبراهيم جاءه سهم غرب غائر فقتله.
فالحسين (ع) محافظ تمام المحافظة على هذا النظام العسكري لأنه (ع) له المهارة بالفنون العسكرية والخبرة التامة بأساليب الكفاح وأنواع الحرب فكلما قدم العباس (ع( للتضحية أمامه أن يقتل دونه يقول له: أنت حامل لوائي ورئيس عسكري فمتى سنحت فرصة تمكن فيها من إرسال العباس (ع) مع خمسين من أصحابه يخلو بمراكزهم الحربية ويدعو خطوط الدفاع شاغرة امام الجيش المحدق بهم حتى يقصدو الشريعة ما كان في ذاك الوقت بل كان ليلاً وقد صرحوا
(52)

جميعاً عند ذكر مصارع أعيان الشهداء أمثال مسلم بن عوسجة حبيب والحر ومن اشبههم ان الحسين (ع) يمشي إليهم مع بعض أصحابه أو يأمر البعض بحملهلم إلى فسطاط القتلى المضروب في المعركة ولم يأمر العباس (ع) بمغادرة مركزه حتى عند مصرع أعز فقيد عليه ولده علي الاكبر (ع) قال لفتيانه: أحملوا أخاكم، والعباس (ع) واقف باللواء كل ذلك محافظة على بقاء نظام عسكره مادام اللواء في مقره ثابتاً في مركزه.
فإذن كانت السقاية ليلاً وهي التي شهدها نافع بن هلال وهذه هي السقاية الاولى وبما قررناه تبين لك أن أل الفرج قد وهم في ذكره لها نهاراً، فلما لم يبق من الانصار سوى نفرين أو ثلاثة لم تكن حينئذ فائدة كبيرة في اللواء فسمع العباس (ع) صرخة العائلة وضجة الاطفال فلم يستطع الصبر فاستأذن الحسين (ع) فأذن له في قصدة المشرعة فقصدها وحده واللواء على كتفه والسيف مصلت بيده حتى أقتحم الفرات وملأ القربة واقبل بها ركضاً إلى العيال فناولهم إياها فكانت هذه هي القاية الثانية.
ثم وقف في مركزه حتى إذا لم يبق غيره وغير الحسين (ع) تقدم امامه يحمل اللواء والسقاء في كتفه وأقحم فرسه في الفرات وهذه هي السقاية الثالثة وفيها أغترف غرفة من الماء وأدناها من فمه ثم رماها حين ذكر عطش الحسين (ع) وعياله كما يأتي شرحه في فصل الإيثار وهذه المرّة لم يمكن من إيصال الماء إلى خيم الحسين (ع) لأن بعض السهام شكّ القربة ففراها وأراق ماءها.
وإليك نصوص أهل التاريخ فالقائلون أن سقايته كانت ليلاً كثيرون اوردوها في حوادث الليلة العاشرة منهم العلامة المجلسي في البحار(1)، والفاضل
1ـ بحار الانوار 10/191.
(53)

الدربندي في الاسرار(1) وملأ عبد الله في مقتل العوالم (2) وعبد الخالق اليزدي في مصائب المعصومين(3) ومشاهير المؤرخين كأبن الاثير وابن كثير والطبري، وهذا نص الطبري (4) بعد أن ذكر أن الحسين (ع) منع من الماء ثلاثة ايام قال: فلما أشتد العطش بالحسين (ع) وأصحابه دعا العباس بن علي بن أبي طالب أخاه فبعثه في ثلاثني فارساً وعشرين راجلاً وبعث معهم عشرين قربة فجاؤوا حتّى دنو من الماء ليلاً وأستقدم امامهم باللواء نافع بن هلال الجملي، فقال عمرو بن بن الحجاج الزبيدي: من الرجل؟ ـ وفي كلام غيره: من القوم؟ ـ فقال نافع: أبن عملك ـ أو ابن عم لك ـ قال: وما جاء بك؟ قال: جئنا لنشرب من هذا الماء الذي حلأتمونا عنه، قالك فأشرب هنيئاً، قال : لا والله لا أشرب منه قطرة وحسين عطشان ومن ترى من اصحابه، فطلعوا عليه فقال: لا سبيل إلى سقي هؤلاء فإنما وضعنا بهذا المكان لمنعهم الماء، فلما دنا منه اصحابه قال لرجاله: أملأو قربكم، فشد الرجالة فملأوا قربهم وثار إليهم عمرو بن الحجاج وأصحابه فحمل عليهم العباس بن علي ونافع بن هلال فكفوهم ثم أصرفوا إلى رحلهم فقالوا: أمضوا ووقفوا دونهم فعطف عليهم عمرو بن الحجاج واصحابه واطردوا قليلاً ثم إن رجلاً من صداء طعن من أصحاب عمرو بن الحجاج طعنه نافع بن هلال فظن أنها ليست بشيء ثم إنها أنتقضت بعد ذلك فمات منها وجاء اصحاب الحسين (ع) فأخلوها عليه، إنتهى، هكذا رواها أبو الفرج في المقاتل (5) نهار العاشر وهو وهم كما عرفت،
1ـ أسرار الشهادة: ص241.
2ـ عوالم العلوم: ص76.
3ـ مصائب المعصومين: ص234.
4ـ تاريخ الطبري 6/ 234.
5ـ مقتل الطالبيين: ص47.
(54)

وعدو الله عمرو بن الحجاج قتله الله بالعطش ايام المختار، ذكر قصة هلاكه بالعطش صاحب الاخبار الطوال(1) فأطلبها.

السقاية الثانية لأبي الفضل (ع) :

ذكر الفاضل الدربنديّ في الاسرار (2) من قصة مطولة منها أنّ العبّاس (ع( سمع الحسين (ع) ينادي: أما من ذاب يذب عن حرم رسول الله؟ خرج إليه وقبل ما بين عينه وودّعه وسار حتّى أتى الشريعة وإذا دونها عشرة آلاف فارس مدرعة فلم يهولوه فصاحت به الرجال من كل جانب: من أنت؟ فقال: أنا العباس بن علي ثم نادى: يابني فلان أنا ابن اُختكم الكلابية وأنا عطشان وأهل بيت محمد (ص) يذادون عن الماء وهو مباح للكلاب والخنازير فسار العباس (ع) ونزل في الفرات حتى ملأ القربة ولما رآهم العباس (ع) تسارعوا إليه وهو مكبّ على الماء حط القربة على عاقته واستقبل القوم يضربهم بسيفه وهو يقول
أنا الذي أعرف عند الزمجره بابن علي المسمى حيدره
أن أثبتوا اليوم لنا ياكفره
ثم حلمل عليهم وهو يقتل فيهم حتى قتل من ابطالهم مائة ثم أنشأ يقول:
لله عين رأت ما قد احاط بنا من اللئام وأولاد الدعيات
ياحبذا عصبة جادت بأنفسها حتّى تحل بأرض الغاضريات
الموت تحت ذباب السيف مكرمة إن كان من بعده سكن لجنّات
ثم حمل على القوم وجندل الأبطال حتّى قرب من أخيه الحسين (ع)، ثم ساق القصة المطوّلة وقال: ودخل العباس (ع) إلى خيمة الحرم بالسقاء الذي معه
1ـ الاخبار الطوال: ص398.
2ـ أسرار الشهادة: ص319.
(55)

فتواسوا به الأطفال ولم يروو ألخ.
السقاية الثالثة تأتي في الإيثار وفي شهادته فإنّ ذاك موضعها.
للمؤلف:
يسقى البسيط دماً في حدّ صارمه إن فاتها الريّ من هطّالة المزن
ويستقي للعطاشى وهو ذو ظمأ أضرّه لا هب الهيجاء والجنن
ولفحة من هجير القيظ كافحها والشمس تقدح ناراً في الحصا السخن
أم الشريعة يعدو بالسقاء وقد غصّت بجمع من أنفجّار ذي إحن
غداة أعلن داعي الكفر مبتهجاً بكثرة الحشد في سرّ وفي علن
أنظر حسين إلى ماء الفرات جرى عذب الرواء برود الطعم كاللبن
فلن تذق قطرة منه ولا جرعا حتّى تموت لهيف القلب ذا حزن
فهزّت البطل العبّاس شيمته إلى القراع كهزّ الريح للغصن
نادى أخاه سليل الوحي في أدب أنت الصبور وصبري بالهموم فنى
دعني اُجالدهم أشفى غليل حشى ذابت حريقاً على ذي الحقد والإحن
فإنّ لي ثار في قبائلهم دماء قومي وإخواني وذي شجنى
ياسيّدي كيف صبري والجمع غدوا مثل الأضاحي بلا غسل ولا كفن
وصرخة النسوة الثكلى تحرّّّكني على القراع لأهل الغيّ والفتن
وهدّ ركن اصطباري الباكيات ظما من نسل خير الورى الهادي أبي حسن
وإنّما ضجّة الباكين من عطش تهزّ أرشخ طود شامخ القنن
وكم رضيع يقاسي الموت من ظمأ جفّت ثدا اًمّه عن درّة اللبن
دعني أموت ولم اسمع مروعة من العقائل تشكو شدّة المحن
قال الحسين له حامي على حرم مصونة بحجاب الوحي من زمن
وضحّي نفسك ياحرّ الفعال ومت موت الكرام لأجل الدين والوطن
فكل ذي شيمة شمّاء مبتهج بالموت دون هوان العرض والسنن
(56)

أرسل إليّ نائب سوق الشيوخ المرحوم الشيخ محمّد حسن نجل العلاّمة الشيخ باقر حيدر من تخميس له لبيتي ابي الحبّ الكربلائيّ:
يامن فدى النفس من أجلي على عجل هيّجت ما بأخيك اليوم من علل
أخي أبا الفضل ياذخري وياأملي أبوك كان لجدّي مثل كونك لي
بنفسه نفس من اخاه يفديها
جدّي بوالدك الرحمن آزاره على العدى وبه للذين أظهره
فكان ناصر دين الله مفخره أبوك ساقي الورى في الحشر كوثره
وأنت أطفالنا بالطفّ ساقيها
(57)

من ألقاب العبّاس ((كبش الكتيبة))

ومن ألقاب العبّاس بن أمير المؤمنين (ع) (كبش الكتيبة أو كبش كتيبة الحسين (ع)) وتفسير الكتيبة يأتي في أنظمة الجيوش في الجزء الثالث أمّا الكبش فالعرب تطلقه على مقدّم العسكر أميراً كان أو ملكاً وعلى الشجاع الذي لا يقاوم بأساً ونجدة.
قال الفيروزآباديّ في القاموس: الكبش الحمل إذا أنتهى وإذا خرجت رباعّيته جمعه أكبش وكباش وأكباش وسيّد القوم وقائدهم ألخ.
وليس هو حقيقة بل هو مجاز لأنّ الكبش حقيقة وفي أصل الوضع يرأس القطيع من الأغنام والظباء ويحميها بنطاحه ولمّا كان قائد الجيش ورئيس القوم والبطل الحربيّ يرأس الجيش ويحميه بيده وتدبيره قيل له كبش وله جرأة على النطاح وإقدام كما شهد الوجدان بذلك فإنّ الكبش إذا ناطح كبشاً لم ينصرف عنه حتّى يحجز بينهما أو يقتل أحدهما الآخر، وكما اًطلق الكبش على الشجاع مجازاً اُطلق على المبتدع إذا كان متبوعاً على جهة الاستعارة حيث أنّ قطيع الأغنام يتبع الكبش في المرعى كذلك بهائم العوام يتبعون الظالّ المبتدع في ضلاته وبدعته.
فقد قال رسول الله (ص) في رجل من قريش يلحد بمكّة: كبش أسمه عبد الله عليه نصف عذاب أهل النار متفق عليه عند الشيعة والسنّة وقد ذكرنا من رواه من حفّاظ أهل السنّة في كتابنا (الميزان الراجح) في ترجمته ولا يطلق الكبش في الحرب عند العرب، إلاّ على من تكاملت فيه سمات البطولة وجمعت فيه صفات
(58)

الرجوليّة ولقّب بهذا اللقب قبل ابي الفضل العباس بن علي (ع) رجلان من أعظم رجال العرب واشهرها احدهما بطل المشركين بلا نزاع طلحة بن ابي طلحة القرشيّ من آل عبد الدار فكان يلقّب كفش الكتيبة قتله امير المؤمنين (ع) يوم اًحد فسُرّ بقتله رسول الله (ص) وبقتله فلت شوكة المشركين وكسر حدّهم، والثاني بطل المسلمين غير مدافع وهو مالك بن الحارث الأشتر النخعيّ صاحب امير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) بطل العرب المشهور كان يلقب كبش العراق.
ويطلق لفظ الكبش على كل بطل ويقال للأبطال كباش وشبّهوا أعتراك الأبطال بالنطاح وأمّا إطلاقه على الملوك الظلمة فقد ورد في كلام مولانا أمير المؤمنين (ع) بقوله في عبد الملك بن مروان: أبو الأكبش الاربعة.

قتل أمير المؤمنين (ع) لكبش الكتيبة:

ذكر قصته عامة أهل السير منهم أبن ابي الحديد المعتزلي الحنفيّ والحلبيّ الشافعيّ ومفتى الشافعيّة زيني دحلان وغيرهم، ولفظ الحلبيّ في سيرته(1) في غزوة اُحد قال: خرج رجل من المشركين بين الصفّين وهو طلحة بن ابي طلحة، وأبو طلحة والده أسمه عبد العزّى ابن عثمان بن عبد الدار وكان بيده لواء المشركين لأنّ بني عبد الدار كانوا أصحاب لواء المشركين لأنّ اللواء كان لجدّهم عبد الدار، وطلب طلحة المبارزة مراراً فلم يخرج إليه أحد، فقال: ياأصحاب محمّد! زعمتهم إنّ قتلاكم إلى الجنّة وإنّ قتلانا إلى النار ـ وفي روايةك ظعمتهم يا أصحاب محمّد أنّ الله يعجّلكم بسيوفنا إلى الجنّة ـ فهل احد منكم يعجّلني بسيفه إلى النار أو اُعجّله بسيفي إلى الجنّة؟! كذبتم واللات والعزّى لو تعلمون ذلك حقّاً لخرج إليّ بعضكم.
1ـ السيرة الحلبية 2/339.
(59)

فخرج إليه عليّ بن ابي طالب (ع) فأختلفا ضربتين فقتله عليّ (ع)، وفي رواية: التقيا فبدره عليّ (ع) فصرعه اي قطع رجله وقع على الارض فبدت عورته، فقال: يابن عمّي اُنشدك الله والرحم فرجع عنه ولم يجهّز عليه، فقال له بعض أصحابه، أفلا أجهزت عليه، فقال: أنه استقبلني بعورته وعطفتني عليه الرحم وعرفت أنّ الله قد قتله، وفي رواية: إنّ رسول الله قال له: ما منعك ان تجهز عليه؟ فقال: ناشدني الله والرحم، فقال: اُقتله فقتله.
ووقع لسيدّنا عليّ (ع) مثل ذلك يوم صفّين مرّتين: الاُولى حمل على بسر بن أرطاة فلمّا رايى أنه مقتول كشف عورته فانصرف عنه، والثانية حمل على عمرو بن العاص فلمّا راى انه مقتول كشف عورته فأنصرف عنه علي (ع).
ثم قال آخر الصفحة: ولمّا صرع صاحب لواء المشركين الذي هو طلحة بن أبي طلحة أستبشر النبيّ (ص) وأصحابه أي لأنه كبش الكتيبة أي الجيش أي حاميهم الذي رآى النبي (ص) فيم رؤياه المتقدّمة أنه مردفاً كبشاً وقال أوّلت ذلك أني أقتل كبش الكتيبة، إنتهى.
وفي رواية ابن إسحاق: إنّ الذي قتله أمير المؤمنين (ع) هو أبو سعد بن ابي طلحة وهو صاحب لواء المشركين وخرج إليه أمير المؤمنين (ع) وهو يقول: أنا أبو القصيم، ويقال أبو القصيم (1) ولعلّ ابو سعد كنية لكبش الكتيبة.
وقال ابن أبي الحديد في الشرح (2): فلما قتل طلحة سرّ رسول الله (ص) وكبّر تكبيراً عالياً وكبّر المسلمون ألخ.
1ـ اُنظر: سيرة ابن هشام 2/359.
2ـ شرح نهج البلاغة 2/ 336.
(60)

والطبري أجمل القصّة ولكنّه ذكر بعد قتله لعبدهم صواب آخر أصحاب اللواء وقد قطعت يداه على اللواء فاحتضنه وبرك عليه بصدره وعنقه حتّى قُتل عليه.
قال(1): لمّا قتل عليّ بن ابي طالب (ع): أصحاب الألوية ابصر رسول الله (ص) جماعة من مشركين قريش فقال لعلي (ع): إحمل عليهم فحمل عليهم ففرّق جمعهم وقتل عمرو بن عبد الله الجمحيّ: قال: ثّم أبصر رسول الله (ص) جماعة اُخرى من مشركين قريش فقال لعليّ (ع): إحمل عليهم فحمل عليهم ففرّق جمعهم وقتل شبية بن مالك احد بني عامر بن لؤي، فقال جبرئيل (ع) : يارسول الله! إنّ هذه لهي المواسات، فقال رسول الله: أنّه منّي وانا منه، فقال جبرئيل (ع): وأنا منكما، قال: فسمعوا صوتاً:
لا سيف إلاّ ذو الفقار ولا فتى إلاّ عليّ
ألخ
وقوله (أنا أبو القصم) في رواية ابن إسحاق، وفي رواية غيره إن كبش الكتيبة قال: قد علمت انّه لا يتجرّأ عليّ غيرك يا أبا القصم وتفسيره على ما ذكروا أنّ قريشاً لما أمتنع عليهم رسول الله (ص) بعمّه أبي طالب فلم يصلوا إليه بالأذى إغروا به صبيانهم فإذا خرج آذوه وعبثوا به فشكى ذلك إلى عمّه ابي طالب (ع) فقال: يابن أخي ! إذا خرجت فخذ معك أخاك عليّاً، فخرج رسول الله (ص) وعلي معه وهو غلام فلمّا عبث الصبيان برسول الله (ص) شد عليهم علي (ع) فكان إذا قبض على اُذن احدهم قصمها أي قطعها او على أنفه قصمه فذهبوا يتصارخون إلى أهلهم هذا قصم اُذني عليّ وهذا يقول قصم أنفي عليّ، وفي نسخة: صلمها فلقّب لذلك بالقصيم والبالصيلم، وقيل لهك أبو القصم.
1ـ تاريخ الطبريّ 3/17.
(61)

كشف عمرو بن العاص وبسر بن أرطاة لعورتيهما:

قد أجمل الحلبيّ الشافعيّ قصّمتهما وقد استدفع رمح امير المؤمنين (ع) الذي يرشح بالمنون ويقطر بالمنيّة ثلاثة من أبطال قريش: أحدهما العبدريّ كبش الكتيبة يوم اُحد كما عرفته، والثاني عمروا بن العاص السهميّ، والثالث بسر بن ارطاة العامريّ كلاهما يوم صفّين وقد اروثتهما تلك الطعنة المباركة خزياً وجلّلتهما عاراً إلى الابد فضربت بذلك الامثال، فقال ابو فراس الحمدانيّ:
فلا خير في دفع الردى بمذلّة ما ردّها يوماً بسوءته عمرو
وقال الوليد بن عقبة بن ابي معيط وقد حثّهم معاوية على لقاء أمير المؤمنين (ع):
يقول لنا معاوية بن هند اما فيكم لواتركم طلوب
يشدّ على ابي حسن عليّ بأسمر لا تهجّنه الكعوب
فيهتك مجمع اللباة منه ونقع الخيل مطّرد يثوب
فقلت له أتلعب يابن هند كأنك بيننا رجل غريب
أتأمرنا بحيّة بطن واد إذا نهشت فليس لها طبيب
وما ضبع يدبّ ببطن واد اُتيح له به أسد مهيب
باضعف حيلة منّا إذا ما لقيناه وذا منّا عجيب
دعا للقاه في الهيجاء لاق فأخطأ نفسه الأجل القريب
سوى عمرو وقته خصيتاه نجى ولقلبه منها وجيب
كأنّ القوم لمّا عاينوه خلال النقع ليس لهم قلوب
لعمر أبي معاوية بن حرب وما ظنّ تلقّحه الغيوب
لقد ناداه في الهيجاء عليّ فأسمعه ولكن لا يجيب
وقال مالك الاشتر :
(62)

أكلّ يوم رجل شيخ شاغره وعورته وسط العجاج ظاهره
تبرزها طعنة كفّ واتره عمرو وبسر رميا بالفاقره
وقال النضر بن الحارث الجشميّ:
أفي كلّ يوم فارس تندبونه له عورة وسط العجاجة باديه
يكفّ بها عنه عليّ سنانه ويضحك منها في الخلاء معاوية
بدت امس من عمرو فقنّع رأسه وعورة بسر نحوها حذو حاذيه
فقولا لعمرو وأبن ارطاة ابصرا سبيلكما لا تلقيا الليث ثانيه
ولا تحمدا إلا الحيا وخصاكما هما كانتا والله للنفس واقيه
ولولاهما لم تنجوا من سنانه وتلك بما فيها عن العود ناهيه
متى تلقيا الخيل المشيحة صبحة وفيها عليّ فاتركا الخيل ناحيه
وكونا بعيداً حيث لا يبلغ القنا بخمس الوغى إنّ التجارب كافيه
وإن كان منه بعد في النفس حاجة فعودا إلى ما شئتما هي ماهيه
واطلب القصّتين تفصيلاً من كتاب صفّين لنصر بن مزاحم(1).

تلقيب الأشتر بكبش العراق:

ذاك أمر مشهور اكثر شعراء صفّين من ذكره، فقال شاعر أهل الشام مستغيثاً حين عضّتهم سيوف أهل العراق لائذاً بأحكام المواعدة بين عليّ (ع) ومعاوية:
رؤوس العراق أجيبو النداء فقد بلغت غاية الشدّة
وقد أودت الحرب بالعالمين وأهل الحفائظ والنجدة
فلسنا ولستم من المشركين ولا المجمعين على الردّة
ولكن اُناس لقوا مثلهم لنا عدّة ولهم عدّة
1ـ وقعة صفّين: ص245 و223
.
(63)

فقاتل كلّ على وجهه يقحمه الجدّ والنجدة
فإن تقبلوها ففيها البقاء وأمن الفريقين والبلدة
وإن تدفعوها ففيها الفناء وكلّ بلاء إلى مدّة
وحتّى متى مخض هذا السقاء ولابدّ أن تخرج الزبدة
ثلاثة رهط هم أهلها وإن يسكنوا تخمد الوقدة
سعيد بن قيس وكبش العراق وذاك المسوّد من كندة
قال نصر بن مزاحم(1): فحمد هؤلاء النفر المسمّون في الصلح؛ فأمّا المسود من كندة فهو الأشعث فإنه لم يرض بالسكوت بل كان من أعظم الناس قولاً في إطفاء الحرب، وأمّا كبش العراق وهو الاشتر فلم يكن يرى إلاً الحرب ولكنّه سكت على مضض، وأمّا سعيد بن قيس فتارة هكذا وتارة هكذا. وقال: وذكر نصر قصّة الأشتر مع عبد الرحمن بن خالد بن الوليد فأطلبها. وفي هذه القصّة وهزيمة عبد الرحمن يقول النجاشيّ من أبيات:
دعونا لها الكبش كبش العراق وقد خالط العسكر العسكر

وصف البطل بالكبش على جهة العموم:

شاع ذاك عند العرب ونظموه في اشعارهم واستيفاء الشواهد تطويل فخذ بعض الاشعار فمنه ماعن الدميريّ في حياة الحيوان وهو من شعر صفّين:
الليل داج والكباش تنتطح نطاح أسد ما راها تصطلح
فمن يقاتل في وغاها ما نجى ومن نجى بنفسه فقد ربح
ومنه قول عمرو العكّيّ بصفين يدعو النجاشيّ الحارثيّ شاعر اهل العراق إلى المبارزة:
1ـ وقعة صفّين: ص260.
(64)

اُبرز إلى ذا الكبش يانجاشي أسمى عمرو عليّاً بيّن الرياشي
فاجابه النجاشيّ بشعر منه:
*إرود قليلاً فانا النجاشي*
إلى إن قال فيه:
اُنصر خير راكب وماشي أعني عليّاً من بيّن الرياشي
من خير خلق الله في نشناش مبرء من نزق الطياشي
بيت قريش لا من الحواشي ليث عرين للكباش غاش
بقتل كبش القوم بالهراش
ومنه قول عمرو بن العاص وكان اشار على معاوية أن لا يمنع عليّاً وأهل العراق الماء بصفّين وقال له: إنّ عليّاً لا يعطش وهو من قد عرفت ومعه فرسان العرب وبيده أعنّة الخيل، فخالفه معاوية وأخذ برأي ابن سرح وأبن ابي معيط وغيرهما من الحمقاء، فلمّا ضربهم اهل العراق تلك الضربة القاسية وصدموهم تلك الصدمة الموجعة فاكتسحوهم من الشريعة وأقصوهم عنها أميالاً وملكوها عنوة وقسراً شمت عمرو بن العاص بمعاوية ومشيريه فقال مخاطباً لهم:
أمرتك أمراً فسخفته وخالفني أبن أبي سرحة
فإغمضت في الراي إغماضة ولم ترى في الحرب كالفسحة
فكيف رايت كباش العراق ألم ينطحوا جمعنا نطحة
أظنّ لها اليوم ما بعدها وميعاد ما بيننا صبحة
فإن ينطحونا غدا مثلها نكن كالزبيريّ او طلحة
وإن أخّروها لما بعدها فقد قدّموا الخبط والنفحة
وقد شرب القوم ماء الفرات وقلّدك الأشتر الفحه
وقال عمرو بن العاص أيضاً لمعاوية وقد اشار عليه أن يبارز أمير المؤمنين (ع)
(65)

فاستغشّه معاوية وقال: إنّما أردت قتلى بمارزة أبن ابي طالب لتتملك الشام، وقال شعراً يوبّخ فيه عمراُ فأجابه بقوله:
معاوية إن نكلت عن البراز لك الويلاة فانظر في المخازي
فما ذنبي إذا نادى عليّ وكبش القوم يدعى للبراز
ألخ.
ومنه قول عمرو يوم اُحد وذكره أبن إسحاق في سيرته:
ففداء لهم اُمي غداة والروع اذ يمشون قطوا
سيرا إلى كبش الكتيبة إذ جلته الشمس جلوا
ألخ.
وهذا كثير من أشعار العرب وإن شئت الزيادة فراجع المعاجم التاريخيّة العربيّة.

أختصاص أبي الفضل بكبش كتيبة الحسين (ع):

هذا لقب يختصّ به ابو الفضل العبّاس الأكبر بن امير المؤمنين (ع) دون سائر شهداء كربلاء وقد أختصّه بهذا اللقب أخوه الحسين (ع) وجعله من ألقابه الممّيزة له وذلك حين اتاه يطلب منه الرخصة للهجوم على جيوش أهل الكوفة المحيطة به وقد اكثر الشعراء في تأبينه من ذكر هذا اللقب، فقال بعضهم بلسان حال سيّد الشهداء الحسين (ع):
عبّاس كبش كتيبتي وكنانتي وسريّ قومي بل أعزّ حصوني
وقال الأزريّ (رحمه الله):
اليوم بان عن الكتائب كبشها اليوم فلّ عن البنود تظامها
(66)

قال الفاضل الدربنديّ في (أسرار الشهادة)(1) وعنه الكربلائي في معالي السبطين (2) في شهادة العبّاس (ع) إنّ الحسين (ع) أنحنى عليه ليحمله ففتح العبّاس عينه فرأى اخاه الحسين (ع) يريد أن يحمله فقال: أين تريد ياأخي؟ فقال: إلى الخيمة، فقال: ياأخي بحقّ جدكّ رسول الله (ص) عليك ان لا تحملني دعني في مكاني هذا، فقال: لماذا؟ فقال: أنّي مستح من ابنتك سكينة وقد وعدتها بالماء ولم آتها به، والثاني إنّي كبش كتيبتك وإذا رآني اصحابك مقتولاًُ فربّما يقلّ عزمهم، فقال له الحسين (ع): جُزيت عن أخيك خيراً حيث نصرته حيّاً وميّتاً، إنتهى.
ويعلّق الكربلائيّ على إشكال عرض له ويجعلها دليلا على شهادة العبّاس أوّلاً وإنّه أوّل قتيل ثمّ نظريّته هذه بكلام المقتل المنسوب لأبي مخنف وأوقفتناهذه النظرية على عامية الكربلائيّ وأرتنا بساطته:
أوّلاً: إلغاء ما حّقه العلماء وورد في الزيارة انّ أوّل الشهداء من العلويّين عليّ أبن الحسين (ع) فلا يصحّ إلغاء هذا المحقّق لحكاية اهية في مقتل لم يثبت أنه لأبي مخنف.
وثانياً لا يلزم من قوله قلّ عزم أصحابك ان يكون اول قتيل وأنّ أصحابه لم يقتلو قبله، هذا جهل فاضح بل المراد لو صحّ ما في المقتل أنّ أصحابه المراد بهم الباقين بعد مقتله (ع) فقد بقي من أصحاب الحسين (ع) بعد شهادة العبّاس جماعة وبعضهم جرحى فالإمام زين العابدين وعقبة بن سمعان مولى الرباب وبعض الموالي كانوا احياء، والضحّاك المشرقيّ الذي نجى بعد شهادة العبّاس (ع) وعنه
1ـ أسرار الشهادة: ص321.
2ـ معالي السبطين 1/274.
(67)

وعن عقبة بن سمعان تروي أخبار الطف ونجى زياد الأقطع والد الفراء بعد أن قطعت يده بالطفّ، والموقع الأسدي أسر ونفاه أبن زياد إلى الزارة، والحسن المثنّى عالج أخواله جراحاته فبرأ منها، وسويد بن أبي المطاع قتل بعد شهادة الحسين(ع) سمعهم وهو جريح يقولون: قتل الحسين، فأخرج سكّيناً فقاتل بها فقتل، وسوار بن المنعم النهميّ الهمداني اُسر جريحاً ومات لستّة أشهر وغير هؤلاء وهم الذين يقلّ عزمهم عند مشاهدة العبّاس (ع) قتيلاً وكذلك كان الأمر فقد هرب الضحّاك وأستسلم عقبة واُسر الباقون بعد قتل الحسين (ع) وكانوا بوجوده واثقين بسلامة الحسين (ع) وبسلامة الحسين (ع) سلامتهم مضمونة، فإذا قتل العبّاس تيقنوا قتل الحسين (ع) فقلّ عزمه، وهذا من التدبير وهو يدل على مهارة العبّاس (ع) بالفنون الحربيّة وخبرته بها.
(68)

من ألقاب العبّاس بن أمير المؤمنين (ع) ((حامي الظعن
او حامي ظعينة كربلا))

هذا لقب مشهور شايع إطلاقه على ابي الفضل العبّاس بن امير المؤمنين (ع) ومن نعوته السائرة، فقد قال السيد جعفر الحلّي في تأبينه:
حامي الظعينة أين منة ربيعة أم أين من عُليا أبيه مكدّم
وقلت فيه:
حامي ظعينة كربلاء بصارم صادى الحديد رواه قحف الرأس
وكانهم خصّوه بهذا اللقب للفرق بينه وبين اخيه سيّد الشهداء الإمام الحسين أبن علي (ع) الملقب بحامي الإسلام وحامي الشرع المقدّس، ورتبة العبّاس (ع) دون رتبة الحسين (ع) وحمايه الظعينة أدنى من حماية الشريعة الغرّاء رتبة بكلّ معنى. ومن جهة ثانية إنّ الإمام الحسين (ع) هو الامير والسيد والقائد ولا يباشر كل المهمات بنفسه وأنه لا بد للرئيس من معتمد يقوم مقامه وينوب عنه في المهمات وكان من أهل الكفاءة وله الأهلية في القيام بواجبه ليحصل الاعتماد عليه في ما رشح له وحيث لم يكن عند سبط النبي (ص) أهمّ من القيام بحياطة العائلة المخدرة وحمايتها في تلك الفيافي الموحشة والمفاوزة المقفرة وكان من أوثق القادمين معه في نفسه اخوه العبّاس الاكبر وأبنه علي الاكبر لما فيهما من الكفاءة لكل مهمّ يناط بهما فوظّفهما لهذه المهمة فكانا يقومان بترحيل العائلة وإنزالها ويتوليان حراستها مع فتيان العلويّين، وأكثرهما قياماً بهذا الواجب وأشدهما
(69)

مباشرة لهذه الوظيفة أبو الفضل العباس.
ولمّا قتل علي الاكبر (ع) قبل عمه العباس (ع) قام أبو الفضل (ع) بالمحاماة عن المخيم وصد هجمات العدو عنه لن أجلاف الاعداء يتقصدون إيصال الرعب لتلك العقائل المخدرة حيث أنهم متيقّنون أن في إرعابها كسراً لقلب الحسين (ع) لما عرفوه من شدّة غيرته على حرمه فكانت كتائب الارهاب الكوفية تقصد إخافة النسوة بكل جهودها ولكن موقف الحسين (ع) في جبهة القتال اليمنى والعباس (ع) في الجهة اليسرى يصدّان هجمات الإرهاب العدائية عن المخيم ويحرسان المذاعير من النسوة الخفرة وهنّ ما دمن ينظرن الاخوين الكريمين يتعاضدان في الحملة وتناصران في الجولة في غاية الوثوق بالسلامة من تعديات المعتدين عليهن والشرع المقدس يؤكد حفظ الحرم وصيانه العرض أشد تأكيد، ففي الاحاديث التي يعوّل عليها انّ من قتل دون ماله وعرضه فهو شهيد تأكيد أو فله أجر شهيد.
نعم، هي شيمة الأحرار وسجية ارباب الغيرة والحمية فإنهم يتهالكون على حفظ مخدراتهم وحراسة مصوناتهم ويتفانون على أقل خدشة تصيب الواحدة منهنّ وقد ضحّى كثير منهم نفوسهم دون أعراضهم ونشبت بسبب ذلك حروب ووقعت وقائع ذات أهوال، وقد أجلى رسول الله (ص) يهود بني قينقاع لهذا السبب، وكانت بعض وقائع الفجار المشهورة في الجاهلية لهذا السبب، وقد دافع رجال العرب بحسب المجهود ذياداً عن الحرم وكافحوا بما استطاعوه، وإليك بعض ما سطره التاريخ وفي طليعته أجلاء النبي (ص) ليهود قينقاع، فقد ذكر أهل السيرة ولفظ السيرة الهاشمية(1):
1ـ سيرة أبن هشام 2/334.
(70)

قال أبن هشام: ذكر عبد الله بن جعفر بن المسوّر بن مخرمة عن أبي عون قال: كان من أمر بني قينقاع أنّ امرأة من العرب قدمت بجلب لها فباعته بسوق بني قينقاع فجلست إلى صائغ بها فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها فلما قامت أنكشفت سوأتها فضحكوا بها فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله وكان يهوديّاً، فشدّت اليهود على المسلم فقتلوه، فأستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، فغضب المسلمون فوقع الشرّ بينهم وبين بني قينقاع.
قال أبن إسحاق: عن عمر بن قتادةـ فحاصرهم رسول الله (ص) حتّى نزلوا على حكمه فقال إليه عبد الله أبن أبي سلول حين مكّنة الله منهم فقال: يامحمّّد! أحسن في موالي فأعرض عنه وكانوا حلفاء الخزرج فأبطأ رسول الله (ص) فقال: يامحمّد ! أحسن في موالي، فأعرض عنه فأدخل يده في جيب درع رسول الله (ص) فقال له رسول الله (ص): أرسلني وغضب رسول الله (ص) حتّى رأوا لوجهه ظّلاً، قال ويحك أرسلني، قال: لا والله لا اُرسلك حتّى تحسن في موالي أربعمائة حاسر وثلاث مائة دارع قد منعوا منّي الأحمر والأسود تحصدهم في غداة واحدة إنّي والله أمرء أخشى الدوائر، قال: فقال رسول الله (ص): هم لك، ألخ. وفي هذه القصّة نزلت سورة الحشر وتركنا صفة إجلاءهم حذر التطويل.
وقال أبن عبد ربّه في العقد الفريد(1): كان الفجار الثاني بين قريش وهوازن وكان الذي هاجه أنّ فتية من قريش قعدوا إلى امرأة من بني عامر بن صعصعة وضيئة وحسانة بسوق عطاظ وقالوا: بل طاف بها شباب من بني كنانة وعليها برقع وهي في درع فضل فأعجبهم ما رأوا من هيئتها فألسوها ان تسفر عن وجهها فأبت
1ـ العقد الفريد 3/277.
(71)

عليهم، فأتى أحدهم من خلفها فشدّ ذيلها بشوكة إلى ظهرها وهي لا تدري فلمّا قامت تقلّص الدرع فنادت المرأة: يا آل عامر، فتحاور الناس وكان بينهم قتال ودماء يسيرة، فحملها حرب بن أميّة وأصلح بينهم، إنتهى.
وفي هاتين القصّتين ردّ على من زعم أنّ العرب القدماء كانت عادتهم السفور.
قال في العقد أيضاً (1) غزى الحوفزان بن شريك وهو الحارث بن شريك فأغار على من بالقاعة من بني سعد بن زيد مناة فأخذ نعماً كثيراً وسبيا فيهنّ الزرقاء من بني ربيع الحارث فأعجب بها وأعجبت به وكانت خرقاء، فأتى الصريخ بني منقر بن سعد فركب قيس بن عاصم في أثر القوم حتّى أدركهم بالأشمسين فألخّ قيس على الحوفزان وقد حمل الزرقاء وكن الحوفزان قد خرج في طليعة فلقيه قيس بن عاصم فسأله من هو، فقال: لا تكاتم اليوم أنا الحوفزان، فمن أنت؟ قال: أنا أبو علي، ومضى ورجع الحوفزان إلى أصحابه فقال: لقيت رجلاً أزرق كأن لحيته ضريبة صوف، فقال: أنا أبو على، فقالت عجوز في السبي: بأبي أبو علي من لنا بأبي علي؟ فقال لها: ومن أبو علي؟ قالت: قيس بن عاصم، فقال لأصحابه النجاء وأردف الزرقاء خلفه وهو على فرسه الزبد وعقد شعرها إلى صدره ونجى بها.
وكان فرس قيس إذا اوعثت تضرب ويمطر عليها الزبد فإذا أجدّ لحقته بحيث يكلم الحوفزان فقال له قيس: ياأبا حمار! أنا خير لك من الفلاة والعطش، فقال له الحوفزان: ما شاء الزبد، فلمّا راى قيس أنّ فرسه لا يلحقه نادى الزرقاء ميلي به ياجعار، فلمّ سمعه الحوفزان دفعها بمرفقه وجزّ قرونها بسيفه فألقاها عن
1ـ العقد الفريد 3/340.
(72)

عجز فرسه وخاف قيس أن لا يلحقه فنجله بالرمح في خزانة وركه فلم يقصده وعرج منها وردّ قيس الزرقاء إلى بني ربيع، فقال سويد بن عياض المنقريّ:
ونحن حفزنا الحوافزان بطعنة تمجّ عبيطاً من دم الجوف أشكلا
إنتهى، وذكر هذه القصّة الشريف الرضي الموسويّ (رحمه الله) بقوله:
ولمّا إلاح الحوفزان من الردا حداه المحادي رمح قيس بن عاصم
وإنّما لقّب الحوفزان لأجل هذه الطعنة لأنّ قيس حفزه بالرمح وكان يسمّى الحارث بن شريك وهو جدّ معن بن زائدة الجواد المشهور، وقيس ردّ السبي كلّه إلاّ هذه الحمقاء وأنف ان تسبى من عشيرته أمرأة ولو كانت مجنونة.
قال الميدانيّ في مجمع الأمثال(1)كان رهيم بن حزن الهلاليّ أنتقل بأهله وماله من بلده يريد بلداً آخر فأعترضه قوم من بني تغلب فعرفوه وهو لا يعرفهم، فقالوا: خلي ما معك وأنجو، فقالك دونكم المال ولا تعرضوا للحرم، فقال بعضهم: إن أردت أن تفعل فالق رمحك، فقال: وإنّ معي لرمحاً، فجعل يقتلهم واحداً واحداً وهو يرتجز ويقول:
ردّوا على أقربها الأقاصيا إنّ لها بالمشرفيّ هاديا
ذكّرتني الطعن وكنت ناسيا
إنتهى، ذهل هذا العربيّ القحّ عن سلاحه لشدّة غيرته عل حرمه وهكذا كانت نفوس العرب الأحرار وقد أشتهرت قصّة المعتصم الخليفة العبّاسيّ لمّا غزى الروم وفتح عمورية من أجل أمرأة هاشميّة سبيت في بلادهم ونادت: وامعتصماه! ومختصر القصّة عن الفخر الطقطقيّ في الآداب السلطانيّة(2) فالطلبها.
1ـ مجمع الأمثال 1/188.
2ـ الآدب السلطانيّة: ص209.
(73)

من أشتهر بلقب حامي الظعن:

لم يشتهر بهذا اللقب قبل ابي الفضل العبّاس بن امير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع) إلاّ رجل واحد من العرب وهو ربيعة بن مكدم الكنانيّ احد بني فراس بن غنم عرف بحامي الظعن حيّاً وميّتاً وضربه الشعراء مثلاً.

أخبار ربيعة بن مكدم في حماية الظعن:

قال في العقد الفريد(1): أبو حاتم عن أبي عبيدة: خرج دريد بن الصمة في فوارس من بني جشم حتّى إذا كانوا في واد لبني كنانة يقال له الأخرم وهم يريدون الغارة على بني كنانة إذ رفع له رجل في ناحية الوادي معه ظعينة فلمّا نظر إليه قال لفارس من أصحابه صاح به خلّ عن الظعينة وأنجوا بنفسك، فانتهى إليه الفارس وصاح به وألخّ عليه فألقى زمام الناقة وقال للظعينة:
سيري على رسلك سير الآمن سير رداح ذات جاش طامن
إنّ التأنّي دون قرني شائني أبلي بلائي فأخبري وعايني
ثمّ حمل عليه فصرعه وأخذ فرسه واعطاها للظعينة فبعث دريد فارساً آخر لينظر ما صنع صاحبه فأنتهى إليه ورأى ما صنع صاح به فتصامم عنه كأنه لم يسمع فظنّ أنهّ لم يسمع فغشيه فألقى زمام الراحلة إلى الضعينة ثمّ خرج وهو يقول:
خلّ سبيل الحرّة المنيعه إنك لاق دونها ربيعه
في كفّه خطّيّة منيعه أولا فخذها طعنة سريعه
والطعن منّي في الوغى شريعه
1ـ العقد الفريد 3/ 331.
(74)

ثمّ حمل عليه فلمّا أبطأ دريد بعث فارساً لينظر ما صنعا، فلمّا أنتهى إليهما وجدهما صريعين ونظر إليه يجرّ رمحه، فقال للظعينة: اقصدي قصد البيوت، ثمّ أقبل عليه وقال:
ماذا تريد من شئيم عابس أما ترى الفارس بعد الفارس
أرداهما عامل رمح يابس
ثمّ حمل عليه فصرعه وأنكسر رمحه وارتاب دريد وظنّ انّهم قد اخذوا الظعينة وقتلوا الرجل فلحق دريد ربيعة وقد دنى من الحيّ ووجد أصحابه قد قتلو، فقال: أيّها الفارس! إنّ مثلك لا يقتل ولا أرى معك رمحك والخيل ثائرة بأصحابها فدونك هذا الرمح فإنّي منصرف عنك إلى أصحابي ومثبّطهم عنك، فانصرف إلى أصحابه فقال: إنّ فارس الظعينة قد حماها وقتل أصحابكم وأنتزع رمحي فلا مطمح لكم فيه، فانصرف القوم فقال دريد في ذلك:
ما إن رأيت ولا سمعت بمثله حامي الظعينة فارساً لم يقتل
أردى فوارس لم يكونوا نهزة ثمّ أستمرّ كأنّه لم يفعل
فتهلّلت تبدو أسرّة وجهه مثل الحسام جلته كفّ الصيقل
يزجي ظعينته ويحسب رمحه متوجّهاً يمناه نحو المنزل
وترى الفوارس من مهابة رمحه مثل البغاث خشين وقع الأجدل
وفي مجمع الأمثال(1) ذكر أبو عبيدة أنّ نبيشة بن حبيب السلميّ خرج غازياً فلقي ظعناً من كنانة بالكديد فأراد أن يحتويها فمانعه ربيعة بن مكدم في فوارس وكان غلاماً له ذوآبه فشدّ نبيشة فطعنه في عضده فأتى ربيعة اُمّه وقال:
شدّي عليّ العصب ام سيّار فقد رزئت فارساً كالدينار
1ـ مجمع الأمثال 1/49.
(75)

فقالت اُمّه:
إنّا بني ربيعة بن مالك نرزء في خيارنا كذلك
ما بين مقتول وبين هالك
ثمّ عصّبته وأستسقاها ماء فقالت: إذهب فقاتل القوم فإنّ الماء لا يفوتك، فرجع وكرّ على القوم فكشفهم ورجع إلى الظعن وقال: إنّي مائت وسأحميكنّ ميّتاً كما حميتكنّ حيّاً بأن أقف بفرسي على العقبة واتّكئ على رمحي فإذا فاضت نفسي كان الرمح عمادي فالنجاء النجاء فإنّي أردّ بذلك وجوه القوم ساعة من النهار فقطعن العقبة ووقف هو بإزاء القوم على فرسه متّكأ على رمحه ونزفه الدم ففاظ والقوم بإزاءه يحجمون على الأقدام عليه فلمّا طال وقوفه في مكانه ورأوه لا يزول عنه رموا فرسه فقمص وخرّ ربيعة لوجهه فطلبوا الظعن فلم يلحقوهنّ. ثمّ إن حفص بن الأحنف الكنانيّ مرّ بجيفة ربيعة فعرفها فأهال عليها أحجاراً من الحرّة. قال أبو عبيدة: قال أبو عمرو بن العلاء: ما نعلم قتيلاً حمى ظعائن غير ربيعة بن مكدم، إنتهى.
وكا عمرو بن العلاء يشير إلى عصر الجاهليّة وكان عصر الإسلام أمر وراء ذلك وإلاّ فالحسين بن علي (ع) قد حمى رحله ميّتاً كما حماه حيّاً فإنّه لمّا اُغمي عليه ثلاث ساعات من النهار وقف القوم وهابوا الدنوّ منه واختلفو فمن قائل قد مات، وآخر يقول عملها مكيدة، فقال الشمر لعنه الله: اُقصدوا قصد الخيم فإن كان حيّاً هزّته الغيرة الهاشميّة، فقصدوا المخيّم فتصارخت النسوة فأفاق (ع) فأراد النهوض فسقط فنادى بصوت ضعيف: ياشيعة آل ابي سفيان! امنعوا مردتكم وعتاتكم عن التعرّض لحرمي ما دمت حيّاً فإن لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون المعاد فراجعوا أحسابكم وأنسابكم غن كنتم عرباً كما تزعمون، فقالوا: وما ذاك يابن فاطمة؟ قال: فأقول أنا الذي اُقاتلكم وتقاتلوني والنساء ليس لهنّ ذنب
(76)

فعطفوا عليه وكان من أمره ما سطر التاريخ وإليه أشار الشاعر:
قال اقصدوني بنفسي واتركوا حرمي قد حان حيني وقد لاحت لوائحه
ومثل هذا لم يسمع به في جميع العالم قديماً وحديثاً أنّ صريعاً اُغمي عليه ثلاث ساعات ويحيط به أكثر من عشرين ألف بطل من مقدّمي الأبطال الذين خاضوا غمرات الحروب وما رسوا المعارك الهائلة فلم يجسر أحد منهم على الدنوّ منه ليعرف أحيّ هو أو ميّت وقد اجاد السيّد حيدر الحلّيّ بقوله في رثائه:
فما أجلت الحرب عن مثله صريعاً يجبّن شجعانها
وقد روى هذا الحديث الفاضل الدربنديّ في أسراره (1) عن أبي مخنف وهو مذكور في المقتل المنسوب لأبي مخنف كذلك

حماية العباس (ع) للظعائن:

قد عرفت أنً حماية العبّاس (ع) للظعائن كانت من حين سار الحسين (ع) من المدينة إلى ان نزل الغاضريّة وكذلك العشرة أيّام التي أقامها الحسين (ع) حتّى أستشهد وكان العبّاس بن امير المؤمنين (ع) أمير الحرس الحسينيّ الذي يقوم بحراسة المخيّم وقد اكثر الشعراء من ذكر ذلك وهو منظوم باللسانين العربيّ والعاميّ ومعروف في المراثي الحسينيّة واشتهر على ألسنة الذاكرين أنّ زينب الحواراء لمّا مرّوا بالسبايا على جثث القتلى خاطبت العبّاس (ع) بما يتضمّن العتاب له على ترك حمايتها في مثل هذه الحالة التي صارت إليها وأوقعها الزمان فيها بعد فقد الحماة.
ويذكر الذاكرون أيضاً أنّه لمّا أقبل أهل الكوفة إليهنّ بالنياق ليركبن عليها جعلت النساء تركب بعضها بعضاً حتّى بقيت زينب وحدها حوّلت وجهها إلى
1ـ اسرار الشهادة: ص423.
(77)

نحو العلقميّ ونادت: أخي أبا الفضل انت الذي أركبتني يوم خروجنا من المدينة فمن يركبني الآن يابن والدي، ولم يفسح لي المجال في تتبّع هذه المقالة واستخرجها من مظانّها واُعوّل فيها على مصادرها فإن كانت رواية فالعهدة على الراوي وإن كنت حكاية حال واستخراج من فحوى القّة فنعم الاستنباط إذ المعلوم إنّ شباب العلوييّن ويرأسهم أبو الفضل هم الذين ركّبوا العقائل الحسينيّة حين خرجوا من المدينة فوجب ان يتولّى ركوبهنّ للمسير عن وادي كربلاء لولا حيلولة المنيّة دون ذلك.
للمؤلّف:
أبا الفضل يابن عليّ الفخار وصنو النبيّ وحامي الذمار
حميت ظعائن آل الرسول بتلك الفيافي وتلك القفار
فما راعها رائع مزعج ويمناك تحمل ذات الفقار
إلى أن نزلتم بوادي الطفوف وقد كنت كالحصن والمستجار
وبعد افتقادك سار النساء بذلّ السباء وذلّ الإسار
فلو كنت حيّاً ترى زينباً تصوب المدامع صوب القطار
وتلك العقائل بعد الحجاب سُلبن الملاحف حتّ الإزار
ولم يترك القوم من ساتر لتلك المصونات حتّى الخمار
تستّرن قد قيل بالراحتين عن الناظرين بضوء النهار
فقم ياكميّ إلى ظعنكم فقد سار يطوي وهاد القفار
(78)

ومن ألقاب العبّاس بن أمير المؤمنين (ع) ((حامل اللواء))

قد شاع هذا اللقب بين الناس فتعرفه المسلمون القدماء بحامل لواء الحسين (ع) وتسميه عوام العرب اليوم بالبيرغجي وهذه نسبة تركيّة وتطلق عليه الفرس لفظ ((علمدار حسين)) وقد كان هذا للقب وهو حمل اللواء أشهر ألقاب العبّاس الأكبر (ع) وأسيرها ذكراً لأن ذل قد صدر من أخيه الإمام الحسين (ع) فعلاً وقولاً؛ أمّا الفعل فقد تكرّر منه (ع) مراراً منها لما أراد الحملة قال: أنت حامل لوائي، ومنها لمّا وقف عليه صريعاً وسنورد جميع ذلك في فصل مقتله (ع) وقد أكثر الشعراء من مدحه بحمل اللواء كقول بعضهم عاقداً قول الحسين (ع):
لمن اللواء اُعطي ومن هو جامع شملي وفي ظنك الزخام يقيني
في أشعار كثيرة يأتي بعضها في تأبينه (ع).

حمل اللواء عند الاًُمم:

حمل اللواء مكرمة عظيمة عند جميع الاُمم والشعوب في سائر الأزمنة والعصور سوى هذه الازمنة التي نحن فيها وإن أجمعوا على انّه شعار الدولة فإنّ لحامل اللواء عند الاُمم قاطبة في جميع الأزمان إلاّ ما أستثيناه مرتبة راقية ومكانة مكينة ومحلّ سامي لا من حيث شجاعة حامل اللواء فقط بل من حيث أنه نظام العسكر فمتى كان العلم ثابتاً فالجيش منتظم وشمله ملتئم، وإذا سقط اللواء تبدّد العسكر.
(79)

وعادة العرب ذات التفاخر بمآثرها ومجدها أن تجتمع تحت ألويتها وراياتها وتثبت في المراكز التي تثبت فيها الرايات فلا تزول والألوية ثابتة، ولمّا استحرّ القتل في القيسيّة يوم مرج راهط كاد أن يستأصلهم الفناء تحت راياتهم نظر إلى ذلك رجل من بني عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة فصاح: واقوماه! ثمّ عمد إلى تلك الرايات فقطعها بسيفه فكان إذا ضرب الراية وسقطت تفرّق اهلها حتّى أتى على جميعها فنجت من القيسيّة شر ذمة قليلة وقتل من أشرافهم ممّن يأخذ شرف العطاء خمسمائة أو أكثر.
ولمّا أنهزم أهل العراق يوم صفّين ثبتت همدان تحت راياتها وقتل منهم تحت راية من راياتهم مائة وخمسون رجلاً فيهم أحد عشر رئيساً؛ فاللواء نظام الجيش.

تحقيق معنى اللواء والفرق بينه وبين الراية:

في تحقيق معنى اللواء والراية وأيّهما أكبر وأعظم اضطربت كلمات أهل اللغة فمن قائل أنّ الراية دون اللواء واللواء أكبر منها، ويقال له العلم والبند وتسمّيه العوام البيرغ،ويعرف عند الأتراك بالتوغ والسنجق، والراية على إسمها الأول ويزعم بعض اللغويّين أن الراية أعظم من اللواء ولا يصحّ لأنّ العرف يرى أنّ الراية دون اللواء والاصل عدم النقل.

أوّل من عقد لواءاً في العالم:

أتخاذ الرايات قديم جدّاً وأختلف الناس في اوّل من عقد لواء فقيل شيث أبن آدم (ع) وقيل إبراهيم الخليل (ع)، وقيل كابي الحدّاد من اصبهان في زمن الضحّاك الازدهاق بيوراسف الجبّار أو هو النمرود عند المؤرخين.
(80)

قال ابن شهر آشوب (رحمه الله) في كتاب المناقب(1): محمّد الكسائيّ في المبتدأ: إنّ اوّل حرب كانت بين بني آدم وبين شيث وقابيل وذلك أنّ الله تعالى اهدى إليه حلّة بيضاء ودفعت له الملائكة راية بيضاء فسلسلت الملائكة قابيل وحملته إلى عين الشمس فمات بها وصارت ذريته عبيداّ لشيث، وفي الخبر: إنّ أول من أتخذ الرايات إبراهيم الخليل (ع) إنتهى.
وروى الحرّ العامليّ (رحمه الله) في كتاب وسائل الشيعة(2) عن الصادق (ع): أوّل من قاتل إبراهيم (ع) حين أسرت الروم لوطاً فنفر إبراهيم (ع) حتّى أستنقذه من أيديهم. ثم قال بعد احاديث: وأوّل من عقد الرايات إبراهيم الخليل (ع) عليها ((لا إله إلاّ الله)).
وقال الحلبيّ الشافعي في سيرته (3): وأوّل من عقد الألوية إبراهيم (ع): إنّ قوماّ أغاروا على لوط (ع) فعقد لواء وسار إليهم بعبيده ومواليه.
وقال ياقوت الحمويّ في معجم البلدان (4) ذكر انّ الفرس لا يحمل لواءها إلاّ رجل من أهل أصبهان ولذلك سبب خفي على كثير من أهل هذا الشأن وهو أنّ الضحّاك المسمّى بالازدهاق ويعرف بيوراسب وذي الحيّتين لمّا كثر جوره على اهل مملكته من توظيفه عليهم كل يوم رجلين يذبحان وتطعم أدمغتهما للحيّتين اللتين كانت نبتتا في كتيفيه فيماتزعم الفرس فانتهى بالنوبة إلى رجل حدّاد من أهل أصبهان يقال له كأبي، فلمّا علم انّه لا بدّ من ذبحه أخذ الجلدة التي يجعلها على ركبتيه يتّقي بها النار عن نفسه وثيابه وقت شغله ثمّ أنّه رفعها على عصا وجعلها
1ـ المناقب لأبن شهر آشوب 1/ 159.
2ـ وسائل الشيعة 2/436 طبع عين الدولة.
3ـ السيرة الحلبيّة 2/134.
4ـ معجم البلدان 1/270.
(81)

مثل البيرغ ودى الناس إلى قتال الضحّاك وإخراج أفريدون جدّ بني ساسان من مكمنه وإظهار أمره، فأجابه الناس إلى ما دعاهم إليه من قتل الضحّاك حتّى قتله وأزال ملكه وملك أفريدون، وذلك في قصّة طويلة ذات تهاويل وخرافات فتبرّكوا بذلك اللواء إذ أنتصروا به وجعلوا حمل اللواء إلى أهل أصبهان من يومئذٍ، ألخ.
وقال الخفاجيّ في شفاء الغليل(1): الدِرَّفْش بكسر أوّله وفتح ثانيه وسكون الفاء أسم راية أفريدون ويقال له درفش كاوه، وكاوه أسم حدّاد من أصبهان كان الضحّاك قتل ابناَ له لعلّته فأخذ الجلدة التي يتّقي بها ساقيه من شرر النار ونصبها على عود وجعلها راية فاجتمع إليه من قتل الضحّاك اقاربهم وأنتزعوا الملك منه وأعطوه لأفريدون فتيمّن بتلك الجلدة ورصّعها بلأحجار الثمينة، والدرفش بلغة الفرس الراية وكانت لم تزل منصوبة على رأسه يقال لها التاج، قال بديع الزمان الهمدانيّ:
أأفريدون ذو التاج أم الإسكندر الثاني
إنتهى، وأخطأ الخفاجيّ لم يعني البديع تلك الجلدة النخرة إنّما عنى تاج الملك والإكليل السلطانيّ الذي يوضع على مفارق الملوك، وقصّة كابي ذكرها الطبريّ، وذكر انّ أول من عقد اللواء رجل من بابل خرج على الضحّاك الجائر وأنّ منزله قرية برس بالعراق، وأنظر القصّتين في تاريخ الاُمم والملوك(2)، وهذه الأقوال الأربعة يمكن التأليف بينها وجمعها بأن يقال: إنّ أوّل من عقد راية شيث حارب بها الثائرين، وأوّل من عقد راية غازيا بها إبراهيم (ع) وأوّل من عقد راية
1ـ شفاء الغليل: ص91.
2ـ تاريخ الاُمم والملوك 1/99.
(82)

ثائراً على ملك هو البابليّ ومنتصراً لنفسه هو الأصبهانيّ.

مساهمة الشعوب في عقد الألوية:

سار عقد اللواء في الاُمم قاطبة وأعتنت به الشعوب القديمة أشدّ الاعتناء وعقدته القبائل كما عقدته الملوك، فالأعلام الملوكيّة مختلفة ألوانها ومميّزاتها كجعل صليب أو تاج أو هلال شمس أو كوكب أو حيوان وألوانها حمر وبيض وصفر ومخطّطة وهكذا رايات القبائل وإن خلت من الرسم لها لون خاصّ يعرفه أفراد العشيرة فيجتمعون إليها كحمراء وبيضاء وسوداء أو ملوّنة.
قال الجاحظ في البيان والتبيين (1): إنّا نجد رؤساء جميع اهل الملل وارباب النحل قد اتّخذوا في الحروب الرايات والأعلام وإنّما ذلك كلّ خرق سود وحمر وصفر وبيض، وجعلوا اللواء علامة للعقد والعلم في الحرب مرجعاً لصاحب الجولة، وقد علموا انّها وإن كانت خرقاً على عصي إنّ ذلك أهيب في القلوب واهول في الصدور واعظم في العوين.

الألوية عند قدماء البابليّين:

قال المسعوديّ في مروج الذهب (2) في أخبار قدماء ملوك بابل ما لفظه: هم الذين طبعوا السيوف واتّخذوا عدّة الحرب وغير ذلك من الحيل والمكائد ونصبوا قوانين الحرب بالقلب والميمنة والأجنحة، وجعلوا ذلك مثالاً لأعضاء جسد الإنسان، ورتّبوا لكلّ جزء نوعاً من الألوية لا يوازيها غيره فجعلوا أعلام القلب في صورة الفيل وما عظم من أنواع الحيوان، وجعلوا أعلام الميمنة والميسرة على صورة السباع حسب عظمها واختلافها في انواعها، وجعلوا
1ـ البيان والتبيين 3/80.
2ـ مروج الذهب 1/ 135.
(83)

في الاجنة صورة ما لطف من السباع كالنمر والذئب، وجعلوا صور أعلام الكيمياء على صور الحيّات والعقبان وما خيفي فعله من هوامّ الأرض، وجعلوا الوان كلّ نوع منها من السواد والبياض والصفرة والخضرة ولون السماء، وقد ذكر قوم أنّ الألوان ثمانية على حسب الموضع المستحقّ لها.
ثم قال(1): وزعموا أنّ قضيّة القياس توجب أن تكون سائر أعلام الحرب حمراء إذا كانت اليق وأشكال بلون الدم وأكثر ملائمة إذا كان لونها واحداً، إنتهى.
أمّا متنّبي الغرب السن بن هاني الاندلسيّ (رحمه الله) فضّل أن تكون راية الحرب بيضاء وتكتسي لون الحمرة بالدماء عند الطعن فذاك حيث يقول في ممدوحه:
فكأنّما وجناتهم محمرّة رايات يحي بالدم المسفوك
فذكر انّ أحمرار راياته لم يكن ذاتيّاً بل هو عرضيّ من صبغ الدماء في الحرب.

الألوية عند الملوك الإسلاميين في القرون الوسطى:

قال ابن خلدون في مقدّمة التاريخ (2): وأما تكثير الرايات وتلوينها وإطالتها فالقصد به التهويل وربّما تحدث في النفوس من التهويل زيادة في الإقدام واحوال النفوس وتلوّناتها غريبة، والله الخلاق العليم.
ثمّ قال: فأمّا الريات فإنّها شعار الحروب من عهد الخليفة ولم تزل الاُمم تعقدها في مواطن الحروب والغزوات، ولعهد النبيّ (ص) ومن بعده من الخلفاء، ثمّ ذكر كلاماً مطوّلاًوقال: ما كان العامل صاحب الثغر أو قائد الجيش يعقد له الخليفة من العبّاسييّن والعبيديّين لواءه يوخرج إلى بعثه أو عمله من دار الخليفة أو داره في موكب من أصحاب الرايات والآلات فلا يميّز بين موكب العامل
1ـ مروج الذهب 1/ 139.
2ـ مقدّمة تاريخ أبن خلدون: ص216.
(84)

والخلفية إلاّ بكثرة الاولية وقلّتها او بما اختصّ به الخليفة من الألوان لرايته كالسوداء في رايات بني العبّاس فإنّ راياتهم كانت سوداء حزناً على شهدائهم من بني هاشم ونعياً على بني اميّة في قتلهم ولذلك سمّوا بالمسوّدة.
ولمّا أفترق امر الهاشميّين وخرج الطالبيّون على العبّاسيين في كلّ جهة ومصر ذهبوا إلى مخالفتهم في ذلك فاتّخذوا الرايات بيضاً فسمّوا لذلك سائر ايّام العبيديّين ومن خرج من الطالبيّين في ذلك العهد بالمشرق كالداعي بطبرستان وداعي صعده ولمّا نزع المأمون عن لبس السواد وشعاره في دولته عدل إلى لون الخضرة.
وأمّا الاستكثار منها فلا يتناهى وقد كانت آلة العبيديّين لمّا خرج العزيز لمّا فتح الشام خمسمائة من البنود وخمسمائة من الابواق.
وامّا ملوك البربر من صنهاجة وغيرها فلم يختصّوا بلون واحد بل وشّوها بالذهب واتّخوذها من الحرير الخالص ملوّنة وأستمرّوا على الاُذن فيها لعمّالهم حتى جاءت دولة الموحّدين ومن بعدهم من زناته قصّروا الآلة من الطبول والبنود على السلطان وخذورها على من سواه من عمّاله وجعلوا لها موكباً خاصّاً يتبع أثر السلطان في مسيره سمّوه الساقة وهم بين المكثر والمقلّ؛ فمنهم من يقتصر على سبع من العدد تبرّكاّ بالسبعة ما هو في دولة الموحّدين وبني الأحمر وبالأندلس، ومنهم من يبلغ العشرة والعشرين كما هو عند زناته، وقد بلغت في ايّام ابي الحسن فيما ادركناه مائة من الطبول ومائة من البنود ملوّنة بالحرير، منسوجة بالذهب ما بين كبير وصغير، ويأذنون للولاة والعمّال والقوّاد في اتّخاذ راية واحدة صغيرة من الكتّان بيضاء وطبل صغير ايّام الحرب لا يتجاوزون ذلك.
وامّا دولة الترك يعني العثمانيّين لهذا الحدّ بالمشرق فيتّخذون أوّلاً راية واحدة عظيمة وفي رأسها خصلة كبيرة من الشعر يسمّونها الشالش والختر وهي شعار
(85)

السلطان عندهم، ثم تعدّدت الرايات عندهم ويسّمونها السناجق واحدة سنجق وهي الراية بلسانهم، ألخ.
وقال الوزير الصدر الاعظم احمد جودة باشا في تاريخه(1) ولفظه: وذكر واصف أفندي في تاريخه مقالة على سبيل الاستطراد بيّن فيها ما كان للاولية والتوغات من الاعتبار والمنزلة أحببنا إيرادها هنا ملخصّة، قال فيها: إنّ السرّ في إحداث التوغ والسنجق واللواء هو انّه إذا أجتمع قوم تحت لواء واحد يحصل بينهم الاتحاد بمعنى أنّ هذا اللواء يكون علامة على اجتماع كلمتهم ودلالة على اتحاد قلوبهم فيكونون كالجسد الواحد ويألف بعضهم بعضاّ أشدّ من أئتلاف ذوي الارحام وإذا كانوا في معركة القتال لا ييأسون من الظفر ما دام لواؤهم منشوراً بل تقوى همّتهم ويشتدّ عزمهم فإذا سقط لواؤهم أخذوا من جانب الوهم موضوعاً للخوف والرهبة فينهزم بعضهم او يتبدّد البعض الاخر بخلاف ما إذا كان علمهم مرفوعاً خافقاً مزدهياً تبتهج به نفوسهم وتأخذهم نشوة الفرح والبسالة وتسلط على اعدائهم هزّة الرعب فتأخذ بمجامع قلوبهم، وكما أنّ الموسيقى العسكريّة تنعش ارواحهم وتحثّهم على الإقدام والشجاعة كذلك مناظر الألوية وتموّجها فإنّها تحدث فيهم دواعي الغيرة وتجلب لأعدائهم الدهشة والفتور.
كان لجميع الاُمم السالفة والدول الماضية آلات موسقى متنوّعة وألوية واعلام عديدة ولم يكن في زمن الرسالة موسيقى بل اعلام فقط فإنّ في السنة الاُولى من الهجرة أرسل رسول الله (ص) سريّة قدرها عشرين نفساً من المهاجرين برئاسة عمهّ حمزة بن عبد المطلب (رضي الله عنه) ليتعرّضوا قافلة لقريش كانت قادمة من الشام معها ثلاثمائة مقاتل تحت رئاسة ابي جهل، فعقد بيده المباركة علماً ابيض وسلّمه لأبي
1ـ تاريخ احمد جودة باشا 1/ 34.
(86)

مرثد (رضي الله عنه) وهذا أوّل لواء عقد في الإسلام واوّل سريّة الف من المسلمين لطلب المغانم، ثمّ كان أبو مرثد أوّل من حمل لواء للمسلمين وكان هذا اللواء المبارك يعقد في كل غزوة وسريّة إلى حين غزوة خيبر وكان يطلق على الكتيبة اسم سرية حتّى يبلغ عددها أربعة آلاف فإذا كان فيها حضرة سلطان الأنبياء عليه افضل التحيات سمّيت غزوة.
واللواء هو العلم الذي ينصب في محلّ إقامة امير الجيش علامة له وقد عقد لواء آخر أسود في واقعة خيبر وسميّ راية وعلماء اللغة يقولون: اللواء والراية بمعنى واحد، وأمّا في أصطلاح عصرنا هذا أعني عند العثمانّيين فإنّه يقال للواء بيرغ وللراية سنجق، وقد تعدّدت الألوية والرايات في زمن الخلفاء، أمّا العبّاسيّون فكانت ألويتهم سوداء وكان لباسهم أسود فسمّوهم المسوّدة دلالة على حزنهم ومساءتهم لشهداء كربلاء، وألوية العلويّين الذين خرجوا على العبّاسيّين بيضاّ فسمّوهم المبيضة(1) وكانت الألوية ايّام المأمون خضراً وكان اللباس الخضرة أيضاً وذلك أنّ المأمون غيّر اللباس الأسود بالأخضر ثمّ رجع إلى الاسود
وأمّا عدد الألوية والرايات عند باقي الدول فكانت عند البعض كثيراً وعند البعض الآخر قليلاً، فكان في صفوف دولة بني الأحمر بالأندلس ما يزيد على مائة لواء كلّها مزخرفة بالذهب مزيّنة بالأشكال والصور الغريبة، وأمّا ألوية ملوك القدماء في الممالك الشرقيّة وبلاد دشت وترك وملوك الصين والهند فكانت عظيمة عليها علامات ملوّنة ومنسوجة من أذناب الحيوان شبيهة بالشعور المرسلة وكانت تحمل امام الجيش وتسمّى حاليش، وكان هذا بعينه عند آل جنكيز وآل
1ـ أهمل هذا المؤرّخ ألوية الأمويّين الذين خرجوا على العبّاسيّين فإنّها كانت حمراً وسمُوهم الحمّرة لذلك.
(87)

هلاكو وقد استعملته الدولة الأيّوبيّة والمولك السلجوقيّون لكنّهم جعلوا على رأسه صورة زورق مذهّبة وعقدوا الشعر المحلول المار ذكره ظفائر فازدان بذلك وهذا كان يسمّى توغ عند الدولة العلّيّة في القديم.
وكانت تستعمل راية اُخرى في الدولة الشرقيّة السالف ذكرها تنشر على راس الملك وتسمّى عصابة وسطفة وسنجق فلا يستعملها غير السلطان، وفي دولة الخلفاء وضعوا على رأس الألوية والسناجق علماّ في صورة الهلال من النحاس المطلي وعلامة اُخرى شبيهة بدائرة الشمس مدوّرة مشقوقة الوسط، ولمّا تغلّب بعض الاّمراء والسلاطين على الخلفاء وتحكّموا أستنكفوا من استعمال تلك الألوية ووضعوا على ألويتهم وسناجقهم كرة مذهّبة تشبة فلكة المغزل وأقاموا على الألوية الكبيرة صفائح مذهبة منقشة بالأشعار وزيّنوها بالوان سود وهذه الألوية والرايات ذات الهلال الأسود والاخضر التي كانت في القديم مخصوصة بالخلفاء قد انتقلت إلى مشائخ الصوفيّة وإلى الجوامع والتكيات وكانت تنشر امام جنائز الأكابر وترفع في أيّام عاشوراء أو ماثلها من الأيّام المشهورة، ولا غرو فإنّ هذه عادة الدنيا في اهلها فإنه متى انقضت ايّام دولة أو إمارة منها أهملت رسومها وآثارها وما كان دليلاً على شهرتها وطرحت في زوايا النسيان.
وكانت الدولة العلٌيّة يعني العثمانيّة تستعمل لواءاً مخصوصاً للوزراء أسمه بورك ببرغي عوضاً عن اللوا الابيض وأستعملت أيضاً سنجقاً كبيراً بدلاً من العصابة أو المشطقّة وجعلت الشعر الذي يعقد على الألوية ويعرف بأسم توغ في غاية الاهمّيّة فخصّت كل أمير من الاُمراء بواحد منه وخصّت امير الاُمراء بأثنين، والوزراء بثلاث، وحضرة السلطان بتسعة.
أعلم أنّ التوغ ما زال معروفاً عند الدولة إلى زمن غير بعيد كما ذكره واصف
(88)

أفندي ولكن لمّا رتّب النظام الجديد غيّرت هذه الاصول بالكلّيّة واُلغي إعطاء التوغ إلى الباشوات بالمرّة، إنتهى.

أعلام الدولة الحديثة وراياتها:

حيث أنّ الراية شعار الدولة والإشارة إلى تابعيها والعلامة الصحيحة لها لذلك كثرة الرايات والأعلام فلا تخلو بناية حكوميّة ولا دائرة من الدوائر ولا طائرة ولا بارجة ولا باخرة من راية دولتها وسواء في ذلك الحرب والسلم، وأمّا العلامة المميّزة لتلك الراية فقد أشترك العامّة في معرفتها كالهلال للدولة العثمانيّة والصليب الأحمر لروسيا، والأسد للأيرانيّة وأمثالها اضربنا عن ذكرها للأختصار، وأمّا أوالنها لمختلفة فمنها الحمراء والزرقاء والسوداء وسائر الألوان المحضة والمتزجة كذات اللونين والأربعة ولكن هناك رايات جعلت علامات يشار بها إلى اُمور خاصّة كالحمراء للخطر، والخضراء للسلامة، والبيضاء للأمان والتسليم وأمثال ذلك ممّا لا يهمّ إيراده.

ألوية القبائل العربيّة وراياتها:

اللواء عند العرب لزعيم القبيلة ولقائد الجيش وامير العسكر يحمله أمامه من قبيلته أو من جنده أشهرهم ذكراً وأعظمهم بطولة واشدّهم بأساً وشجاعة وأكثرهم نجدة وبسالة، وربّما حمله الزعيم بنفسه، وحامل اللواء سواء كان هو الزعيم أو غيره ليحافظ على اللواء أشدّ من محافظته على نفسه، فلو طعن او ضرب لم يكترث بنفسه ما دام متمكّناً من إمساك اللواء ولو قطّعت اعضاؤه واُبينت مفاصله فلا يعبأ بسقوط أيّ عظو منه مالم يسقط اللواء منه لأنّ حفظ نظام الجيش منوط به فإنّه متى سقط اللواء تضعضع العسكر، وربّما فرّوا وتبّدوا لذلك.
لذلك لمّا قطعت يدا جعفر بن أبي طالب وهو الطيّار شقيق أمير المؤمنين (ع)
(89)

يوم مؤتة ضمّ الباقي من يديه القطيعتين على اللواء لئلاّ يسقط فيتضعضع جيش المسلمين، فضرب على رأسه فوقع ميّتاً فأخذ اللوا زيد بن حارثة الكلبّي مولى رسول الله (ص) الأمير الثاني لهذا الجيش لأن رسول الله (ص) جعل الأمراء في هذه السريّة ثلاثة: الأمير الأول جعفر بن ابي طالب، والامير الثاني زيد بن حارثة الكبي مولاه، الأمير الثالث عبد الله بن رواحة الانصاري شاعره، استشهد هؤلاء الاُمراء الثلاثة وأخذ اللواء خالد بن الوليد وكان في البعث ففرّ بالمسلمين لقوّة شوكة العدوّ فعيّرهم المسلمون بالفرار والحقيقة ليس هو بفارا ولكنّه حزم القائد.
وأحتذى حذو الطيّار ابن أخيه أبو الفضل العبّاس بن أمير المؤمنين (ع) كما سنذكر.
وقد كان لواء المشركين من قريش يوم اُحد في بني عبد الدار فقتل امير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع) حملة اللواء التسعة وقيل أحد عشر فلمّا قتوا جميعاً أخذه عبدهم صواب فشدّ عليه أمير المؤمنين (ع) فقطع يده اليمنى فأخذ اللواء باليسرى ورفعه لقريش فضربه أمير المؤمنين على اليسرى فأحتضن اللواء بباقي يديه وبرك عليه وقال: هل أعذرت يا آل عبد الدار في لواءكم؟ فضربه أمير المؤمنين (ع) فقتله فأخذت اللواء أمرأة منهم حارثيّة فرفعته لقريش فلاذوا به، هكذا كانت محافظة العرب على الألوية.
لمّا كانت حرب صفّين دفع أمير المؤمين عليّ بن أبي طالب (ع) لواءه الأعظم إلى هشام بن عتبة بن ابي وقّاص الزهريّ المرقال وخاض به الأهوال العظيمة وسقى أهل الشام الكاس المصبرة، وفي آخر أيّام الحرب شدّ على كتيبة من تنوخ فقتل منها تسعة عشر بطلاً فطعنه رجل منهم فشقّ بطنه وسالت أمعاؤه فأمسكها بيده ووقف في مكانه ورفع لواءه، فلمّا رأى أمير المؤمنين (ع) لواءه قد وقف ولم يتقدّم أرسله إليه: ياهاشم! شدّ باللواء، فقال للرسول: إقرأ أمير المؤمنين عنّي
(90)

السلام وأخبره بما ترى ورفع يده عن بطنه فسقطت أمعاؤه وسقط ميّتاً وأخذ اللواء أبنه عبد الله بن هاشم، فهذا هو الثبات المدهش، هذا الكرم والوفاء، هذا هو الحفاظ المحمود، هذه الرجوليّة والبطوليّة، هذه الشجاعة العجيبة والبسالة المستغربة، هذا هو الإخلاص والتفادي عن وصمة العار ووسم الذلّ، هذا هو البلاء العظيم، فلتكن هكذا حملة الأعلام وحماة الألوية وإلاً فلا.

حماية اللواء الأعظم:

لا بدّ لقائد القوّات المقدّم وزعيم الجيش وعميد العسكر ان ينتخب من أبطال الجيش المجرّبين وفرسانه المعروفين بالنجدة والبسالة، والمشهود لهم بالشجاعة والفروسيّة فيؤلّف منهم كتيبة تكون حامية للواء الاعظم وردءاً لصاحب العلم الأكبر، وقد كانت في صفّين كتيبتان: أحدهما لأهل الشام تسمىّ الخضريّة لأنّ علامتها الخضرة، وثانيهما لأهل العراق تسمّى رجراجة لأرتجاجها بالسلاح، وكلّ واحد من الكتيبتين مؤلّفة من عدد كبير من الابطال المشتهرين بالفروسيّة، قيل إنّ كلّ واحدة منهما عشرة آلاف دراع أعدّتا لحماية اللواء والمكافحة عن العلم الأعظم.
فيجب على زعيم كلّ جيش وقائد كلّ عسكر ان يتخيّر نخبة أبطاله وينتخب كل جريء مجرّب يؤلّف منهم حامية للعلم وحرساً للواه يرصده ويراقبه ليذبّ عنه من قصده من الأعداء، فإنّ العدوّ يعلم أنّه متى سقط اللواء أختلّ نظام الجيش وتبدّد جمعه وذهب جنده شتاتاً فلذلك تقصد حامية الأعداء مركز صاحب اللواء فإذا كان لذلك اللواء حامية كافحت عنه وصدّت هجمات عدوّها فحافظ حامل لواءها على مركزه مستقرّاً ثابتاً، وإذا لم تكن له حامية فربّما فرّ وربّما قتل فأختلّ النظام، وإذا كانت الحامية يأخذه بعضهم إن قتل أو فرّ وأكثر ما تكون حامية اللواء
(91)

عند العرب من شجعان قوم حامله لأنّ اللواء مجد وفخار ومكرمة لحامله وقومه أوثق الناس في نفسه على المحافظة عليه لأنّ مجده لهم وكرامة فيهم، ولو سقنا الحكايات طال بنا المقام وحسبك ما قاله آل عبد الدار يوم اُحد لأبي سفيان لمّا طلب منهم اللواء فشتموه وقالوا: ندفع مكرمتنا لغيرنا، راجع قصّة اُحد في التاريخ.
واللواء يرفع اما الجيش فلا يتقدّم الجيش في الزحف حتّى يتقدّم اللواء، وكذلك راية القبيلة فإنّهم يطوفون بها ويقفون عندها فإذا وقفت وقفوا وإذا سارت ساروا تبعاً لها وهذا يشبه راية الأنذار التي أستحدثها الدولة المتمدّنون اليوم وتتمايز القبائل والعشائر براياتها ويتفانون حولها إذا ثبتت ف مركزها، وفي قصّة القيسيّة يوم المرج وهمدان يوم صفّين ما يكفيك شاهداّ فحامل اللواء هو بمنزلة القطب للرحى وكانوا يعقدون الألوية والرايات بالرماح ولذلك يقول مولانا أمير المؤمنين عليّ بن ابي طالب (ع) يوم البصرة لولده محمّد بن الحنفيّة (رضي الله عنه):
إطعن بها طعن أبيك تحمد لا خير في الحرب إذا لم توقد
بالمشرفّي والقنا المسدّد
كانوا يخاترون الرمح الليّن ذا الاهتزاز والتأوّد. ذكر أهل السير أنّ أمير المؤمنين عليّاً (ع) لمّا دفع لواءه الاعظم للمرقال يوم صفّين دعى برمح ليشدّه به فأتي برمح فهزّه فأنكسر، فاُتي بآخر فوجده جاسياً فألقاه، فاُتي بثالث فوجده ليّناً فعقد فيه لواءه.

تسلسل اللواء في بني هاشم:

قد عرفت أنّ أوّل من عقد لواءاّ شيث بن آدم (ع) ثم أنتقل إلى إبراهيم الخليل فورثه أبنه إسماعيل لأنّه أكبر ولده، ثمّ أبنه نابت بن إسماعيل، وبقي في أعقابه هكذا عند أجداد رسول الله (ص) حتّى أنتهى إلى قصيّ بن كلاب فجعله قصيّ
(92)

لأبنه عبد الدار، ولمّا وقع التنافس بين ولد قصيّ وثاروا للحرب أعان عبد مناف قبائل من قريش فعقد عبد مناف له ولحلفاءه المطيّبين راية لأنّ اللواء عند أخيه عبد الدار ولما أصطلحوا بقيت الراية عند عبد مناف فورثها أبنه هاشم ثمّ أبنه عبد المطلّب ثمّ أبو طالب بن عبد المطلّب فصارت إلى رسول الله (ص) فدفعها إلى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع) وبقي اللواء في بني عبد الدار حتّى كان يوم بدر وحاربوا رسول الله (ص) فأخذ اللواء منهم فلمّا هزمهم دفع اللواء إلى مصعب أبن عمير لأنّه من بني عبد الدار وكان معه، وقيل: دفعه إليه يوم اُحد لما عرف أنّ قريشاً دفعوا لواءهم إلى آل عبد الدار، قال: نحن احقّ منهم بالوفاء فدفعه إلى مصعب بن عمير (رضي الله عنه) فلمّا أستشهد باُحد دفع اللواء إلى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع) فأجتمع اللواء والراية في بني هاشم وكانا معاّ عند أمير المؤمنين (ع).
قال محمّد بن عليّ بن شهر آشوب (رحمه الله) في المناقب (1): قال أهل السير: إنّه كانت راية قريش ولواءها جميعاً بيد قصيّ بن كلاب ثمّ لم تزل الراية في بني عبد المطّلب فلمّا بعث النبيّ (ص) أقرّها في بني هاشم ودفعها إلى عليّ (ع) في أوّ غزوة غزاها حملت فيها راية وهي غزوة ودان فلم تزل معه وكان اللواء يومئذٍ مع عبد الدار فأعطاه النبيّ (ص) مصعب بن عمير فأستشهد يوم اُحد فأخذه النبيّ (ص) ودفعه إلى عليّ (ع) فجمع له الراية واللواء يومئذٍ وهما أبيضان.
ذكره الطبيريّ في تأريخه ولاقشيريّ في تفسيره ((تنيبه الذاكرين))عن زيد بن عليّ عن آباءه قال: كسرت زند عليّ (ع) يوم اُحد وفي يده لواء رسول الله (ص) فسقط اللواء من يده فتحاماه المسلمون ان يأخذوه فقال رسول الله (ص) فضعوه في يده الشمال فانّه صاحب لوائي في الدنيا والآخرة.
1ـ المناقب لأبن شهر آشوب 2/159.
(93)

المواعظ والزواجر عن العسكريّ أنّ مالك بن دينار سأل سعيد بن جبير عن ذلك فنظر إلىّ وقال: كأنّك رخي البال، فغضبت وشكوت ذلك إلى القرّاء فقالوا: سألته وهو خائف من الحجاّج وقد لاذ بالبيت فاسأله الآن، فسألته فقال: كان حاملها وكان حالمها عليّ (ع) سمعته من أبن عبّاس ألخ.
لا يخفى على كلّ نيقد بصير وماهر خبير انّ كلّ غزوة غزاها رسول الله (ص) بنفسه فأمير المؤمنين (ع) معه إلاّ في غزوة تبوك فإنّه خلّفه بالمدينة ولا ننظر إلى قول الحلبيّ الشافعيّ وغيره من المعاندين حيث قالوا في غزوة بواط حمل لواء النبي (ص) سعد بن ابي وقّاص إذ المعلوم لكلّ من لاحظ أطوار العرب وعرف عاداتها ودرس شؤنها علم أنّ حامل اللواء لابدّ ان يكون من رهط الزعيم لأنّ مكرمتهم لا يدفعونها لغيرهم ولذلك لمّا طلب أبو سفيان بن حرب الأمويّ يوم اُحد اللواء من آل عبد الدار امتنعوا وأغلظ له أبو سعد في ذلك وغاضهم قوله فحموا وتفانوا على اللواء.
وفعل أمير المؤمنين عليّ (ع) يوم صفّين كان مقابلة لمعاوية بن أبي سفيان حيث دفع لواءه الاعظم إلى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ليقوّي عزم قريش بما يحبوهم به من الكرامة ويخذّلهم عن أمير المؤمنين (ع) فدفع لواءها لغيرها فكيف يدفع رسول الله (ص) وهو سيّد بني هاشم لواءهم وهو مكرمة ومفخرة إلى سعد بن ابي وقّاص مع وجود حمزة وعليّ (ع) وهما اشجع العرب فمن سعد بن ابي وقّاص الهيّاب الذي تعاضدت التواريخ السنّيّة كتاريخ الطبريّ والبلاذريّ وابن الاثير وغيرهم بذكر رعبه وخوره في حرب القادسيّة وهو امير للمسلمين فيها من قبل الخليفة عمر بن الخطاب فأحتجر في القصر أحتجار الضبّ في الوجار مع النساء والصبيان يزعم انّ خراجاً ـ دنبلاً ـ خرج به فولّى خالد بن عرفطة على
(94)

الجيش وقد ذمه المسلمون وعيّروه بالجبن فأكثروا، قال بعضهم يخاطب الخليفة:
تذكّر هداك الله وقع سيوفنا بباب قديس والمكر صرير
أنخت بباب القادسيّة ناقتي وسعد بن وقّاص عليّ أمير
وقال آخر:
نقاتل حتّى أنزل اله نصره وسعد بباب القادسيّة معصم
فابنا وقد آمت نساء كثيرة ونسوة سعد ليس فيهم أيّم
وقال جرير بن عبد الله الجليّ أحد الصحابة وقوّاد الجيش العظماء:
انا جرير كنيتي ابو عمرو قد نصر الله وسعد في القصر
ونظرت زوجة سعد وهي معه في القصر وكانت قبله تحت المثنّى بن حارثة الشيبانيّ إلى جلاد المسلمين مع الفرس فقالت: هيجاء ولا مثنّى لها، فلطمها سعد فقالت له: أغيرة وجبناً!
هذه بعض الحكايات التأريخيّة عنه وقد انهزم يوم اُحد وحنين فيمن انهزم من المسلمين وهذه الاُمور معروفة عند أهل التاريخ، ولا تخفى على النبيّ (ص) حالة أصحابة فكيف يدفع لواءه لمن هو مظنّة عدم الثبات في وقت هو بأقصى ما يكون من الحراجة لقلّة من معه مع تكالب العرب عليه وإجلابهم على حربه ويدع من هو يقينيّ الثبات قطعيّ النكاية وهو منه، ياعجبا لا يعتمد في تبليغ براءة إلا عليه ويعزل الخليفة الأوّل ويقول: لا يؤدّي عنّي إلاّ انا أو رجل منّي كيف لا يقول لا يحمل لوائي إلاً أنا أو رجل منّي؟! إنذ هذه مباهتة غير خافية على ذوي اللبّ والبصيرة.
ولا يقاس هذا بما صنع أمير المؤمنين عليّ (ع) يوم صفّين كما ذكرنا حيث أنّه اخرج اللواء من بني هاشم ودفعه إلى هاشم المرقال قد ذكرنا إنّ أراد اولاً مقابلة معاوية حيث أخرج لواء بني اُميّة منهم ودفعه إلى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد
(95)

المخزوميّ ليريه انّ في اصحابه من هو اعظم من عبد الرحمن وغيره وأصبر على الجلاد وأعرف بفنون الحرب وهو المرقال لأنّ معاوية يزعم أنّ قريشاً كلها معه وليس مع عليّ (ع) إلا من لا غناء به ولا كفاءة معه فكذّبه امير المؤمنين (ع) بدفع لواءه إلى هاشم الذي عرفه معاوية وأهل الشام في حروب الروم أيّام الخلفاء وكانت الجنود الشاميّة تبغض ملاقاته لما عرافوا من شجاعته وتجربته حين شهد معهم فتوح الشام والعراق وظهر له اثر عظيم وغناء مقدّر في تلك المغازي خاصّة اليرموك والقادسية وجلولاء ونهاوند وامثالها وتلك المواقف أودعت في قلوب اهل الشام له روعة وزرعت في نفس اميرهم معاوية هلعاً وجبناً ورهبة أن يكون حامل لواء جيش عليّ (ع) هو المرقال، ولا شكّ معاوية وأهل الشام حيث يكون القائد الاعظم عليّ بن ابي طالب وآمر التنظيمات والخطط العسكريّة هو الأشتر وأمير الحامية هو قيس بن سعد، وأمير الدعاية عمّار بن ياسر، وأمير الزهّاد والمتقشّفين عبد الله بن بديل فهو الفناء لأهل الشام فأين مقام هذا من مقام سعد أبن أبي وقاص الذي لم يمارس حرباً قبلها.
وقد صرّحت فلتات لسان معاوية عمّا في قلبه من كراهيّته أن يحمل المرقال لواء أمير المؤمنين (ع) لخبرته بالحرب ومهارته بفنونة وإنّه من أنجد الرجال شجاعة وبأساً وأشتهرهم ذكراً في الجرأة والإقدام، واشدّهم ثباتاً في مقام تزلّ فيه الأقدام، نظر إليه يوماً من أيام صفّين وهو يزحف باللواء زحفاً وكان يعرف بالمرقال لإرقاله في الحرب: إنّي ارى لصاحب الراية السوداء عملاً لأنّ دام عليه لتفنين العرب اليوم.
وقال يوم آخر: إنّ اللواء مع المرقال ولئن زحف به اليوم إنّه اليوم الأطول لأهل الشام.
ونظر إليه يوم آخر مقبلاً فقال: من هذا؟ فقيل: هاشم، فقال: أعور بني زهرة
(96)

قاتله الله، إلى غير ذلك ممّا ظهر في فلتات لسانه الدالّة على رعبه وخوفه منه فلذلك ودّ أن يحمله كلّ أحد غير هاشم، واحبّ أمير المؤمنين (ع) إرعابه وإرغامه بما يكره.
وهناك سبب ثالث غير السببين اللذّين ذكرنا وهو أنّ في الجيشين المتقابلين بصفّين جيش اهل العراق البالغ تسعين ألفاً وجيش اهل الشام البالغ مقداره مرّتين وقد ضمّ كل واحد منهما تحت جنحيه وطوى في طيّات قلبه ابطال العرب الذين يكسر المائة منهم ألفاً من الفرس والرومان، ويقوم الفرد منهم مقام العشرة إلى المائة من الاُمم فيحتاج أن يكون حامل لواءهم مجرّباً محنّكاً ماهراً بأساليب الحرب قد مارسها واختبرها مراراًً وليس في بني هاشم بصفّين من دخل حرباً قبل حرب البصرة أحد سوى ابن عبّاس وقد شغله بإمرة الميسرة.
وهناك سبب رابع هو أن همّة معاوية وأهتمامه القضاء على اهل البيت الهاشميّ بكلّ ما تمكّن منه وجلّ سعيه في ان لا يبق لبني هاشم نافخ ضرمة وحامل اللواء معرض للتلف ولتكالب معاوية على استئصال الهاشميّين كان امير المؤمنين (ع) لا يأذن للحسن والحسين (ع) ولا ليغرهما من بني هاشم أيّام صفّين إلاّ قليلاً في وقائع خاصّة أذن فيها لولده محمّد بن الحنفيّة ولابن أخية عبد الله بن جعفر وقد أخبر (ع) عن قصد معاوية في إبادة أهل هذا البيت في نهيه للعبّاس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطّلب وجميع هذه الاساليب منتفية عن سعد بن أبي وقّاص فأعقل أيّها الحرّ المتفكّر.
ويذكر الحلبّي الشافعيّ في غزوة العشيرة أنّ لواء النبيّ (ص) حمله حمزة بن عبد المطّلب وفي غزوة سفوان وهي بدر الاُولى حمل لواءه علي بن أبي طالب (ع) وقال في غزوة بدر الثانية وهي بدر الكبرى: دفع النبيّ (ص) اللواء وكان أبيض إلى مصعب بن عمير كان أمامه ريتان سوداوتان احدهما مع عليّ بن ابي طالب (ع)
(97)

يقال لها العقاب والاُخرى مع بعض الأنصار.
وعن أبن عبّاس: إنّ رسول الله (ص) أعطى عليّاً (ع) الراية يوم بدر وهو ابن 20 سنة.
وفي الإمتناع: إنّه (ص) عقد الألوية وهي ثلاث لواء يحمله مصعب بن عمير ورايتان سوداوتان أحدهما مع عليّ بن أبي طالب (ع) والاُخرى مع بعض الانصار، امّا لواء قريش فكان بيد إبليس لعنه الله في صورة سراقة بن جشعم الدلجيّ.
قال: وفي غزوة الكدر وهي غزوة بني سليم حمل لواء رسول الله (ص) وكان أبيض عليّ بن أبي طالب وهذه الغزوة بعد بدر بسبع ليال وفي سنتها تزوّج عليّ بفاطمة (ع).
وفي غزة بني قينقاع كان لواء النبي (ص) بيد عمّه حمزة بن عبد المطّلب وكان ابيض، وفي غزوة قرقرة الكدر حمل لواءه عليّ بن أبي طالب.
وفي غزوة أحد عقد ثلاثة الوية لواء للأوس ولواء للخزرج ولواء للمهاجرين؛فلواء الأوس بيد اسيد بن خضير، ولواء الخزرج بي سعد بن عبادة وقيل بيد الحباب بن المنذر، ولواء المهاجرين بيد عليّ بن ابي طالب، وقيل: بيد مصعب أبن عمير لأنه كان (ص) سال من كان يحمل لواء المشركين، فقيل: طلحة بن أبي طلحة من بني عبد الدار وهم أصحاب اللواء في الجاهليّة فاخذه (ص) من عليّ ودفعه إلى مصعب بن عمير وهو من بني عبد الدار، هذا كلامه ولا ينافي لأنّ مصعب بن عمير قتل في هذه الوقعة فرجع اللواء إلى أمير المؤمنين (ع) فأجتمعت الراية واللواء في نبي هاشم.
وذكر قتل أصحاب اللواء من المشركين(1) وهم طلحة كبش الكتيبة ثمّ عثمان
1ـ السيرة الحلبيّة 2/ 235.
(98)

أبن أبي طلحة اخو كبش الكتيبة وأخوهما ابو سعيد ثمّ مسافع بن طلحة ثمّ الحارث بن طلحة ثمّ كلاب بن طلحلة ثمّ الجلاس بن طلحة ثمّ اللواء أرطاة ابن شرجبيل بن عبد مناف بن هاشم بن عبد الدار فقتله أيضاً عليّ أبن أبي طالب ثمّ شريح بن فارظ فقتل ثمّ أبو زيد بن عمرو بن عبد مناف بن هاشم بن عبد الدار فقُتل، فحمله ولده شرحبيل فقتله قزمان، ثمّ حمله صواب غلامهم وكان عبداُ حبشيّاً فقطعت يداه فبرك عليه فأخذه لصدره حتّى قتل عليه، وكان أبو سفيان قال لأصحاب اللواء لواء المشركين من بني عبد الدار يحرّضهم على القتال: يابني عبد الدار! إنّكم تركتم لواءنا يوم بدر فأصابنا ما قد رأيتم وإنّما يؤتي الناس من قبل راياتهم فإمّا أن تكفّونا لواءنا وإمّا تخلّوا بيننا وبينه فنكفيكموه، فهمّوا به وتوعّدوه وقالو: نحن نسلّم إليك لواءنا ستعلم غداًّ إذا التقينا كيف نصنع وذاك الذي اراد ابو سفيان ألخ.
قال: وفي غزوة حمراء الاسد دعا بلوائه وهو معقود فدفعه لعليّ بن ابي طالب، وفي غزوة بني النضير حمل رايته عليّ بن ابي طالب، وفي غزوة بدر الموعد وهي بدر الثالثة حمل لواء رسول الله (ص) عليّ بن ابي طالب، وفي غزوة المريسيع دفع لواء المهاجرين إلى عمّار بن ياسر ولواء الأنصار إلى سعد بن عبادة ألخ.
ومن هنا يستبين لك شطط هذا المتعصّب وزيغه عن جادّة الصواب، ومن عادة المصنّف المنصف أن يتحرّى السلوك على نهج الحقّ، وعمّار بن ياسر وإن كان اهلاُ لحمل اللواء أمام رسول الله (ص) لكنّه لا يتقدّم على امير المؤمنين (ع) ورسول الله (ص) لا يقدّمه ولا أحداً من الناس على عليّ (ع) ولا يخالف العادة المألوفة وهو القائل : نحن أولى بالوفاء، وقد أقرّ في الفتح المآثر القرشيّة في اهلها فردّ مفتاح الكعبة إلى شيبة العبدري وقد عزل الخليفة الأول عن براءة كما علمت.
ومن جهة ثانية كيف يحمل سعد بن عبادة راية الانصار والأوس تأنف أن
(99)

تمشي تحت راية خزرجيّ فلا يحدث رسول الله (ص) في نفوس اصحابه ما ينفرهم ويكسر همّتهم مع إمكان إرضاءهم بالمباح السائغ شرعاً إن لم يكن راجحاً في دين الاسلام بأن يدفع لكلّ قبيلة منهم راية يحملها رجل منهم كما صنع ذلك يوم الفتح ويوم اُحد وغيرهما، وقد ذكر الحلبيّ نفسه تمايزهم حتّى في الشعار فتفطّن لهذه الدسائس التي يدسّها ولا تعتقد غير ما نقول وهو الحقّ.
إنّ حامل لواء المهاجرين أمام رسول الله (ص) في كلّ غزوة عدا تبوك هو ابو الحسن عليّ (ع) وراية الخزرج مع آل عبادة بن دليم من بني ساعدة، وراية الأوس في بني عبد الأشهل ولكلّ قبيلة راية يحملها زعيمهم، هذا نظام النبيّ (ص) فاعرفه وتيقّنه ونعود إلى كلامه.
قال: وفي يوم الخندق وهو يوم الأحزاب أعطى لواء المهاجرين لزيد بن حارثة ولواء الأنصار لسعد بن عبادة ألخ، هذا كسابقة فالتفت، قال: ولواء قريش بيد عثمان بن طلحة بن ابي طلحة العبدري وفي كلّ من أسد وغطفان وسليم واشجع لواء.
وفي غزوة بني قرظة قدّم رسول الله (ص) عليّ بن أبي طالب (ع) برايته إلى بني قريظة، وفي رواية: دفع إليه لوائه وكان اللواء على حاله لم يحلّ مرجعه من الخندق، فلمّا دنا عليّ ومعه نفر من المهاجرين والأنصار غرز اللواء عند أصل الحصن.
قال: وفي غزوة خيبر بعث رسول الله (ص) إلى عليّ وكان ارمد شديد الرمد وكان قد تخلّف بالمدينة ثمّ لحق بالنبيّ (ص) فقيل له إنّه يشتكي عينيه، فقال (ص) من يأتيني به، فذهب إليه سلمة بن الأكوع وأخذ بيده حتّى أتى به النبيّ (ص) وقد عصّب عينيه، فعقد له رسول الله (ص) اللواء لواءه الابيض وكانت راية رسول الله (ص) تدعى العقاب.
(100)