بطل العلقمي

العباس الاكبر بن الامام علي بن ابي طالب (عليهم السلام)

الجزء الثاني


تأليف


العلامة الشيخ عبد الواحد المظفر


{بطل العلقمي ـ ج 2}
المؤلف: الشيخ عبد المظفر
الناشر: أنتشارات المكتب الحيدرية
عدد المطبوع: 1000 دورة، 3 مجلدات
سنة الطبع: 1383ـ 1425هـ
الطبعة: الاولى
عدد الصفحات: 548 صفحة وزيري
المطبعة: شريعت
السعر: 12000 تومان ثمن الدروة
(3)

فعلى ضفـاف العلقمي بكربلا بطل العروبة بدر هـاشم قد هـوى
وأبـو ألائمّة قـــام يعدو نحوه صلتاً عندما مــا سقط اللوى
وسقـى المـهنّد من نجيع رقابهم ودم البغاة لسيفه الصادي روى
أن عـاد مـحنىّ الأضالـع باكياً نـحو المخيّم وهو منهّد القوى
لا غـرو إذ مفقوده أسمـى فتى فقد الكـرام يثير عاصفة الجوى
والـقبّة الـزرقاء تـجري أدمعاً حمـراً ولكن فـيه تحسد نينوى
(4)


مقدمة المؤلف

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على محمّد وآله الغرّ الميامين

إنّ الذات القائمة بصفاتها، الرائقة شمائلها ومزايا ذات العباس الأكبر أبن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهما السلام ليعيا البليغ الحاذق عن تحديد أخلاقها وصفاتها؛ لأن الصفات التي ضمنها هيكله القدسي واحتوى عليها قالبه المصفى عن عامة النقائص لأنها قد اقتطعت من هيكل العصمة الأقدس، وقال الإمامة الأزهر الذي صفاه الله في قالب الأنوار القدسية وبوتقة الأسرار العلوية، والغصن لا شك يستمد من الدوحة، والفرع يتفيئ بظل الجرثومة.
فعلى وصي الرسول الأعظم وسيد أوصياء الانبياء أدهش العقلاء في صفاته ومزاياه، وحير الباب المفكرين في حالاته فتهات فيه طوائف، وضلت عنه آخرون، وأعتدل فيه فريق بين الإفراط والتفريط وهما النصب والمغلات؛ فالمعتدلون المقتصدون في نعت حقيقته وتوصيف ذاته وتحديد شخصيته بما لها من مزايا الكمالات ليقفون موقف القصور والعجز، فلذا يقول فيلسوف الفقهاء فيه:

ماذا أقول بمن حطت له قدم في موضع وضع الرحمن يمناه
إن قلت ذا بشر فالعقل بمنعي وأختشى الله مـن قولي هو الله
(5)

ويقول فيه الفلاسفة فيه:
تحـير بـمعناك عشر العقول ولولا ابــن عمك كنت الرسول
ولولاك لا زوج يغشى البتول ولــولا الغلو لكنــت اقـول
جميع صفات المهيمن لك

وأبو الفضل العباس الأكبر وراث تلك الشمائل العلوي، وحائز جل تلك الصفات الحيدرية؛ فالبطولة والفصاحة والعلم والسخاء والنجدة والمهابة والصلاح والتقوى والزهد والبصيرة وقوة الايمان والجمال والصحابة والقوة والذكاء وما سيمر عليك من نعوت فائقة لخلقه وخلقته.
فلذلك أفردنا مجلداً خصناه للبحث عن تلك المزيا اللامعة والصفات الرائعة بحثاً دقيقاً ونقدم أمام كل موضوع منه ما للعرب من الأخلاق الجميلة فإن العرب من الأخلاق الجميلة فإن العرب هم أهل المكارم دون سائر الشعوب خصيصة أختصهم الله بها من بين الأمم فإن الحمية والغيرة والمروّة والسخاء والحياء والانفة وأمثال ذلك لا تجدها إلا في العرب وقد صرح بذلك الخفاجي في (سر الفصاحة) وجميل مدور في (حضارة الإسلام في دار السلام) فإذا قست أخلاق العرب الحميدة إلى أخلاق أبي الفضل العباس ظهرت لك فضيلة بطل العلقمي على من سواه من عرب الجاهلية والإسلام.
وعرفت إيضاً ما لهذه المزايا عند العرب من المكانة المكينة والمحل السامي إذ الأخلاق كلها سواء كانت من الغرايز او المواهب أو من المكتسبات بالمساعي هي نوعان: نوع يعد من الفضائل عند جميع البشر كالعلم والشجاعة والذكاء وامثالها، نوع يعد من فضيلة عند جميع البشر كالعلم والشجاعة والذكاء وأمثالها، ونوع هو فضيلة عند العرب خاصة وقد زهد فيه عامة الشعوب كالجود والإباء والحياء والغيرة على الحريم وما شالكها.
والعرب وإن كانو فطريين في العصر الجاهلي ولكنهم مدنيون في العصر
(6)

الإسلامي وقد أدركوا بالغريزة الفطرية الأولى في دور الهمجية وبالتعليم الإسلامي ماهو نبيل من الأخلاق عند العقل السليم وعوفوا ما هو شريف في نفسه بالإدراك الجبلي والشعور الفطري وقد ضربوا الأمثال بأفذاذ من رجالهم شهروا ببعض هذه الخصال فجعلو (حتماُ) الطائي مثلاً للسخاء، و(ملاعب الاسنة) العامري مثلاً للفروسية، و(الأحنف) التميمي مثلاً للعفو مما سيمر عليك من أمثالهم فما ظنك بمن جمع هذه المزيا كلها واحتوى على التراث العربي أجمع، فكيف لا تجعله مثلاً للكمالات إذا الفرد الواحد كان مثلاً للخصلة الواحدة.
للمؤلف:
لـقد جمـع العباس كل فضيلة تزان بـها عـرب الـمقاول والعجم
وآل علي المرتضى خيرة الورى لـهم حـكمة الـتبليغ للحق والحكم
سما بمعـاليه أبو الفضل واعتلا ألا كل من يحوي صفات العلي يسمو
له الجود والإقدام والحلم والتُقى وقد زانه الإيــمان والـحكم والعلم
قد كنا خصصنا الجزء الأول لنسب العباس (ع) لوما طال الكتاب أخرنا تراجم إخوته غير الحسن والحسين عليهما السلام إلى الجزء الثالث ونحن نذكر
الكنى والألقاب والشمائل تفصيلاً راجين من الله تعالى المعونة التوفق، آمين.

المؤلف

عبد الواحد أبن الشيخ احمدآل مظفر النجفي


(7)

ولادة العباس الأكبر ومقدار سّنه


أختلف المؤرخون في مقدار سنه:
قال السيد الداودي في عمدة الطالب: قتل العباس (ع) وله 34 سنة، إنتهى. هذا القول هو المشهور وهو الأصوب إن شاء الله فتكون ولادته (ع) سنة 26من الهجرة فيكون سنة عند وفات أبيه أمير المؤمنين (ع) دون البلوغ؛ لأن البلوغ الشرعي عند الشيعة خمسة عشر عاماً وعند اهل السنة سبعة عشر او ثمانية عشر ولأجل هذا قال ابن الاثير المؤرخ الشافعي في اسد الغابة في مقتل أمير المؤمنين (ع) في ذكر ما صنعه الحسن والحسين عليهما السلام بعدو الله أبن ملجم حيث احرقوه بالنار وهذا نصه(1) فأخرقوه بالنار والعباس بن علي عليهما السلام يومئذٍ صغير فلم يستأن به بلوغه، إنتهى. وملثه نقل سبط ابن الجوزي الحنفي في التذكرة (2)عن ابن سعد في كتاب الطبقات، وبعارض هذا القول قول من قال أن العباس (ع) روى عن أبيه وإنه شهد صفين محارباً كما نص عليه الخوارزمي في المناقب والقائني في الكبريت الاحمر، وسيجيء ذكر ذل، وقول الطبري ان أم البنين والدة العباس (ع) اول من تزوجها أمير المؤمنين بعد وفاة الزهراء عليها السلام كما أنه أكبر أولاد أم البنين، وعليه فيكون لدة محمد بن الحنفية.
1 الكامل في التاريخ 4/35.
2 تذكرة الخواص : ص103.
(8)

والجواب عن هذه الامور كلها سهل: أما تحمل الرواية فإن ذكاء العلوي وفطنته قد اهله للحفظ والضبط وألإتقان فيتحمل الرواية وإن كان دون البلوغ وكذلك أمر الحرب فإن المراهق منهم يكافئ البالغين ويتفوق عليهم، وإن أمير المؤمنين يحضر المراهقين من اولاده الحرب وربما حارب المراهق كما ثبت أن محمد بن سعيد بن قيس الهمداني شهد صفين مراهقاً مع أبيه وقاتل يوم الماء وقتل رجالاً واستنقذ بعض أصحابهم وملأ قربة ولما سمع أبوه عنفه ومنعه بعد ذلك ان يشهد حرباً(1) والعباس الأكبر أشجع من محمد بن سعيد بلا كلام.
وأما الولادة فيجوز أن تتأخر ولا ملازمة بين تزويج المرأة وولادتها فإن البكر كثيراً ما يتأخر جملها فتحصل أن المعتمد عندي ما قاله صاحب العمدة.
وأما اليوم الذي ولد فيه فلم أجد فيه نصاً وإنما ينقل الفاضل المعاصر الشيخ جعفر النقدي في كتابه (زنيب الكبرى) عن الفاضل المعاصر الشيخ محمد علي الاردبادي أنه رأى في كتاب فارسي يسمى (أنيس الشيعة) لمؤلفه السيد محمد عبد الحسين أبن السيد محمد عبد الهادي الهندي من معاصري الشاه فتح علي وأهدى له الكتاب سنة 1344هـ يذكر أن ولادة العباس الأكبر (ع) في يوم الجمعة رابع شهر شعبان سنة 26 ألخ(2)، وهذا القول إن لم يكن من الخلط بولادة الحسين (ع) في الثالث من شعبان نهار الجمعة وإن ناقله الاصلي أي الهندي أخذه عن مصدر وثيق فذاك وإلا فالتوقف عندي له وجه لأن معاصر الشاه فتح علي من المتأخرين وهذه الامور إنما نقلد فيها القدماء ونحفظ لفضيلة الاستاذ الاسترابادي فضيلة الارشاد إلى المصدر وإن كان متأخرا
1ـ راجع كتاب وقعة صفين لنصر بن مزاحم.
2ـ زينب الكبرى : ص29.
(9)

نشأة العباس الأكبر وتربيته


لا شك إنه (ع) تربى في أحضان الإمامة ونشأ في حجور العصمة، وشب مرتضعاً در البنوة وشارباً لبان الوحي الإلهي، ونشأ في مدينة النبي طيبة مدينة الوحي عاصمة النبوة لا خلاف في ذلك، إنما هاجر مع أبيه (ع) إلى العراق مدة خلافته ثم رجع مع أخويه الإمامين عليهما السلام وأقام في خدمتها حتى خرج مع أخيه الحسين (ع) إلى العراق فأستشهد بكربلاء.

صفات العباس النفسية وهي الأخلاق


فالعباس الأكبر ابن أمير المؤمنين عليهما السلام جامعة الفضائل وكلية الكمالات بما أن نفسه الهاشمية منطبعة بمكارم الأخلاق والشيم بحسب فطرتها وأصل خلقتها ولا يشركهم ـ يعني بني هاشم ـ في هذه الفضيلة احد من الناس وقد أوضح لنا هذه الحقيقة سيدنا وإمامنا السجاد زين العابدين بن الحسين عليهما السلام بقوله بخطبته المشهورة في مجلس اللعين يزيد بن معاوية (أيها الناس! اٌعطينا ستاً وفُضلنا بسبع ألخ) والدلالة عليه أيضاً وجدانية وشاهدها معها إذا لا يوجد في الهاشميين بخيل ولا جبان ولا عي وإن وجد فالعلة من جهة الأمهات، وقد قال معاوية بن أبي سفيان الخصم الألد لبني هاشم (إذا لم يكن الهاشمي جواداً لم يشبه أصله) وقد قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) : (نحن أفصح وأسمح وأحمى لما وراء ظهورنا من بني أمية).
فالعباس الشهيد (ع) من لباب بني هشام وصميم عبد مناف وقد زاده فضلاً على فضله صحبته لأهل الفضائل وخدمته لسادات أرباب المكارم، فقد قضى حياته وأفنى عمره في صحبة أكرم الخلق بعد النبي (ص) شمائلاً وشيماَ،
(10)


وأفضلهم أخلاقاً ومزايا، واكملهم طباعاً وسجابا، وتزداد المرآة بالجلاء صفاء، والسيف بالصقالة رونقاً؛ فامير المؤمنين وهو والده الأكرم وأبوه سيد أرباب الفضائل، والحسن والحسين عليهما السلام أخواه خير الإخوة وأفضل الاشقاء، وقد شهد لهما رسول الله (ص) في تشبههما به وهو (ص) على خُلقِ عظيم فأكتسب العباس بصحبتهم زيادة على ما في جبلته وفطرته من سجايا الخير وشيم الصلاح ما امتاز به على عامة أرباب الأخلاق الحميدة والصفات الكريمة.
وفي العباس من كرم السجايا كثير ليس يحصر في مقال
وفـاء نـجدة زهـد وعلـم وإيثار وصـدق في المقال
عفــاف ظاهر حـلم وجود وبأس صادق عند النزال
لقد كان من عطف المولى سبحانه وتعالى على وليه المقدس سلالة الخلافة الكبرى سيد الاوصياء ان جمع فيه صفات الجلالة من بأس وشجاعة وإباء ونجدة وخلال الجمال من سؤدد وكرم ودماثة في الخلق وعطف على الضعيف كل ذلك مع البهجة في المنظر ووضاءة في المحيا من ثغر باسم ووجه طلق تتموج عليه أواه الحسن ويطفح عليه رواء الجمال، وعلى أُسرة جبهته أنوار الإيمان كما كانت تعبق من اعرافه فوائح المجد متأرجة من طيب العنصر، ولما تطابق فيه الجمالات الصوري والمعنوي قيل له (قمر بني هاشم) حيث كان يشوء بجماله كل جميل، ويبذ بطلاوة منظره كل أحد حتى كأنه الفذ في عالم البهاء، والوحيد في دنياه كالقمر الفائق بنوره أشعة النجوم، وهذا هو حديث الروات: (كان العباس وسيماً جميلاً يركب الفرس المطهم ورجلاه يخطان في الارض ويقال له قمر بني هاشم).
(11)

كنى العباس بن علي (ع)

للعباس أربع كنى أثنتان عرف بهما قديماً وأثنتان عرف بهما حديثاً عرفته بهما العوام؛ فالقديمتان هما أبو القاسم وأبو الفضل كني بابنيه القاسم والفضل، وهذه الأخيرة هي المشهورة حتى لا يكاد يعرف غيرها، فقيل: إنه كني بوالده الفضل، وقيل: إن كل من تسمى بعباس من بني هاشم كني بـ(أبي الفضل) كالعباس بن عبد المطلب، والعباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب وغيرهما، وهذا القول مقبول لكني أرى أن هذه الكنية له (ع) قد اشتقت من فضائله فإنه (ع) قد توشم فيه سمات الفضل منذ الصغر وزمن الطفولية فلقبوه به، وإليه يشير بعض من رثاه بقوله:
أبا الفضل يامن أسس الفضل والابا أبي الفضل إلا أن تكون له أبا
فالمتوسمون لما توسموا في جبينه المشرق سمات الفضل، وظهرت لهم في ملامحه الفضائل على حد ما قيل:
إن الهلال إذا رأيت نموه أيقنت ان سيصير بدراً كاملاً
فكنوه ابا الفضل عند ظهور تلك الإمارات والدلائل، وقد قيل:
قلم العلا قد خط فوق جبينه اثر النجابة ساطع البرهان
دلنا على ذلك ما رواه أبن الحاج المالكي في كتاب المدخل(1) عن أبي دواد في سننه عن شريح بن هاني عن أبيه أنه لما وفد على النبي (ص) في قومه سمعهم
1ـ المدخل 1/126.
(12)


يكنون بـ(أبي الحكم) فدعاه رسول الله (ص) فقال ك إن الله هو الحكم وإليه الحكم فلم تكنى ابا الحكم؟ فقال: إن قومي إذا أختلفو في شيء أتوني فحكمت بينهم فرضي كلا الفريقيين بحكمي. فقال له رسول الله (ص): ما أحسن هذا ، ألخ؛ فالعباس (ع) أبو الفضل والفضائل.
أما الكنيات العاميتان فأبو فاضل وابن البدوية؛ فأبو فاضل هو أبو الفضل سواء، وأبن البدوية نظراً إلى أن أم العباس (ع) كانت من العرب التي تقطن البادية أنفة من ذل الامصار وفراراً من هوان الحضارة الذي تأباه نفوس العرب الاقحاح.
وأما كنيته عندهم بـ(أبي فرجة) فليس بكنية ـ كما عرفت ـ بل هي لقب بصورة الكنية حيث لم تكن للعباس بنت تسمى فرجة وإنما لقبوه بهذا لأنه كان كثيراً ما يفرج عنهم الكربات إذا توسلوا به إلى الله تعالى وأقسموا عليه بحقه وهذه عندهم من الامور القطعية وقد جربناها بانفسنا.
للمؤلف:
كم فرج الله عنا كل معضلة كرامة منه للعبـاس شـبل علي
ورحمة الله خصتنا بفضلهم عند الصعاب وعمت فيه كل ولي
(13)

إلقاب العباس الأكبر

إلقاب العباس الأكبر (ع)

وأللقب يعرفه النحويون بأنه ما أشعر برفعه المسمى او ضعته، يعنون أنه أكسبه شهرة في المدح أو الذم، ومثال المشعر بالمدح كجذل الطعان وصياد الفوارس، ومثال المشعر بالذم كالأعشى والأعمش، وهذا في العرب كثير، أما اهل البيت فليس لهم لقب ذم أصلاً إنما ألقابهم للمدح خاصة لأنه لا عيب فيهم في خلقٍ ولا خُلقُ، وقد قال الشاعر:
حبى علياً ولكن وصفه حسن وفعله المرتضى يحلو به الشغف
فتى من الشرف الأعلا له نسبٌ وهل لغير عليّ يحصل الشرف؟

ألقاب أبي الفضل العباس (ع):

نوعان: قديمة ومستحدثة استحدثها العوام واشتقوها من صفاته وفضائله.
فالألقاب القديمة وكثيرة منها ما هو مشهور عند علماء التأريخ والسير ومنها دون ذلك في الشهرة، وتذكر آخر المباحث إن شاء الله.
فأما المشهورة عند النسابين والمؤرخين فهي (السقاء) أو (ساقي عطاشى كربلاء) ويسمى لذلك (أبا قربة)؛ قاله ابو الفرج في المقاتل، والدياربكري في تاريخ الخميس وغيرها، و(قمر العشيرة) أو قمر بني هاشم، و(بطل العلقمي) او بطل المسناة، (حامل اللواء) أو حامل لواء الحسين (ع)، و(كبش الكتيبة)
(14)

و(العميد) أو عميد عسكر الحسين (ع)، و(حامي الظعينة) أو حامي ظعينة كربلاء، وكل هذه الالقاب مشهورة وهو معروف بها، وهي مشتقة من افعاله الكريمة وصفاته الفائقة.
وحيث أن لكل واحدة من هذه الألقاب أعتبار عظيم عند العرب قدمناها لنذكر مالها من الميزة والاعتبار، فإذا أستوفينا شواهدها وأكملنا شرحها تفصيلاً ذكرنا بقية الألقاب التي دونها في الشهرة كالطيار وما شلكله من الألقاب العامية، ونسأل الله التوفيق لما يحب والتسديد لما نقول، والمعونة فيما نملى في فضل أهل بيت نبيه (ص) أعلم إن جميع هذه الألقاب ممدوحة عند الجاهليين والإسلاميين من العرب، بل هي من مفاخرهم والمتصف بها محبوب لديهم اتم المحبة ينظرون إليه بعين التبجيل والاحترام، يرون مقامه في المفاخر الفربية أسمى مقام.

السقاء او سقاء عطاشة كربلاء

هذا لقب نبيل اختص به ابو الفضل العباس بن علي (ع) حتى بلغ من شهرته أنه إذا اُطلق أنصرف إلى العباس الأكبر (ع) وإن شاركه فيه أبوه (ع) وأسلافه الكرام كما ستعرف ذلك.
والسقاية هي إرواء العطاشى من البشر في حالتي السلم والحرب، واشرفها سقاية الحرب وهي فضيلة من فضائل الإنسانية وأحد مكارم العرب ومفارخها العظيمة، وإنها من المآثر الشريفة ولا يفضلها إلا الإسلام وقد قال الله تعالى:(أجَعلتَُم سَقاَيةَ الحاجَّ وعَمِارَةَ المَسْجد الحرام كمَنْ آمَنَ بِاللهِ)(1) الآية الشريفة،
1ـ التوبة: 19.
(15)

فدلت هذه الاية على كونها من أعظم الفاخر والإيمان بلله أفضل منها، وسبب نزولها ـ على ما ذكر علماء الفريقين السنة والشيعة ـ وهذا نص فخر الدين الطريحي رحمه الله في مجمع البحرين أن سبب نزولها أنه أجتمع علي (ع) وعمه العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه وشيبة بن عثمان العبدري، فقال العباس: أنا أفضل لأن سقاية الحاج بيدي، وقال شبية: أنا أفضل لأن حجابة البيت بيدي، فقال علي (ع) أنا أفضل لأني آمنت قبلكما ثم هاجرت إلى رسول الله (ص)؛ فنزلت الآية، إنتهى. والآية لا تنفي فضيلة السقاية وإنما تثبتها وتثبت ان الإيمان أفضل منها ـ ولا شلك فإنه افضل الفضائل ولولاه ما عظم بلاد الحبشي وصهيب الرومي وسلمان الفارسي.

السقاية قسمان:

سقاية في السلم وسقاية في الحرب.
والسقاية في السلمية نوعان: واجبة وجائزة؛ فالواجبة ما كانت لإحياء النفوس المشرفة على الهلاك من النفوس البشرية المحترمة، واجائزة نوعان: راجحة وهي ما كان القصد فيها إسداء المعروف إلى بني الإنسان بداع التقرب إلى الله تعالى في فعل الخير، ومرجوحة وهي ما كان القصد بها طلب الدنيا من نيل مال أو حصول سمعة. ومن القسم الاول سقاية العباس الاكبر (ع) لعطاشى كربلاء، وسقاية أبيه أمير المؤمنين (ع) لعطاشى الصحابة يوم بدر كما ياتي تفصيل ذلك، ومن القسم الثاني سقاية أسلاف العباس (ع) حسبما يظهره ذلك الشرح الآتي.
ثم إن السقاية بأنواعها لا تقع إلا بفعل الرجل بنفسه مباشرة بيد أو قول؛ إما المباشرة اليدوية فهي أن يستقي بنفسه ويحمل الماء، أو يحمي أصحابه من الاعداء فيستقون، وأما القولية فهي أن يطلب فيعطى، أو يدعو فيجاب، ويفرق
(16)

بينهما فيقال في اليدوية السقاية، وفي القولية أستسقاء لأنه يدعو ويستمطر فتمطر بدعاءه، أو يدعو فينبع الماء من حجر ومن تحت أخمصه أو خف ناقته كرامة له كما كان ذلك من فحص النبي إسماعيل (ع) برجله فنبعت زمزم وانبعثت ناقة عبد المطلب ونبع الماء من تحت خفها وجرى من ذلك لنبينا محمد (ص) الكثر، وجميع هذه الانواع من السقاية تختص ببني هاشم دون سائر العرب وقريش، وبعضها تراث ابيهم أسماعيل وجدهم قصي حازوه دون القبائل والبقية خصوصة خصهم الله تعالى بها.

فالسقاية

على جهة السماح في بذل الأموال الطائلة على إرواء الظمأ كرماً وجوداً فقصة تسلسلها في بني هاشم معروفة فإنها من مؤسسات قصي بن كلاب ثم ورثها إبنه عبد مناف بن قصي، ثم أبنه هاشم بن عبد مناف، ولما مات هاشم كان ابنه عبد المطلب صغيراً عند أخواله فقام بها عمه المطلب ابن عبد مناف حتى كبر فسلمها اليها وظهرت لعبد المطلب سقاية أعظم منها خصوصية خصه الله بها فاظهر له زمزم، وهذه الكرامة لا يدعيها مدع غير بني هاشم إلى يوم القيامة، ولما توفي عبد المطلب قام بها ابنه ابو طالب وبعده صارت للعباس بن عبد المطلب وزعم بعضهم ان أبا طالب سلمها لأخيه العباس كرامه أكرمه بها ثم ملكها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم فتح مكة، وهنا أختلف المؤرخون فقيل: إن رسول الله (ص) ردها إلى عمه العباس ـ وهو الصحيح ـ وقيل : تدوالها الخلفاء بعده حتى رجعت إلى بني العباس في خلافتهم وهذا قول غير سديد لما علم أن رسول الله (ص) أقر كل مأثرة عربية لا تنافي الإسلام في صاحبها وقال: نحن أولى بالوفاء، فأعاد مفتاح الكعبة إلى بني شيبة واعاد السقاية إلى العباس، وكذلك من المعلوم ان رسول الله (ص) لا يدفع مكرمة لبني هاشم لغيرهم.
(17)

أما الاستسقاء في الجدب:

إذا أخلفت السحب وظنت السماء بالمطر وفات الارض طيب القطر، وهذا نوع شريف ومآثرة كريمة تظهر بها كرامة المستقي وفضيلة الطالب له حيث أن الله تعالى يغيث العالم بدعوته ويحيي ميت البلاد ببركته وهو قد خص ببني هاشم دون قريش وسائر العرب، فقد استسقت العرب بعبد المطلب وابي طالب في عصر الجاهلية وبرسول الله (ص) في مقامات عديدة في الإسلام ولولا أنها من خصوصيات بني هاشم ما أستسقى الصحابة بالحسن والحسين عليهما السلام، واستسقاءات مولانا أمير المؤمنين (ع) معلومة.

والنوع الاخر من السقاية السلمية:

هو ظهور الماء على طريق المعجزة والكرامة وذاك مما لا يستريب فيه أحد أنه من خصائص بني هاشم؛ فقد نبع الماء من خف ناقة عبد المطلب مرتين، ونبعت عين ماء لرسول الله (ص) شرب منها عمه أبو طالب لما عطش بسوق ذي المجازن ونبعت العين من تحت الصخرة لأمير المؤمنين (ع) في مسيره إلى صفين وغير ذلك مما رواه ثقاه العلماء.

اما السقاية الحربية:

فهي أيضاً من خصائص بني هاشم ومفاخرهم فاصبحت فضيلة لآل عبد المطلب ومكرمة لهم دون الناس اجمعين؛ فقد سقى امير المؤمنين (ع) جيش رسول الله (ص) يوم بدر ويوم الحديبية وقد خاف المسلمون من الدنو إلى القليبين، وما ذكره بعض المؤرخين أن رجلاً من أسلم نزل القليب في الحديبية ـ فلو صح ـ فلا ينافي كون الساقي أمير المؤمنين (ع) وهذا هو الممتاح بحمايته له،
(18)

وسقاهم رسول الله (ص) في تبوك من وشل نزر ثماد وقد اشرفوا على الهلكة وببركته عاد بحراً لا ينزف ماؤه كما عاد ماء بئر بضاعة الوشل بحراً لما بصق فيه، وسقى الحسين (ع) جيش أهل العراق بصفين وقد ملك عليهم معاوية وأهل الشام شريعة الفرات، وسقى ابو الفضل العباس بن أمير المؤمنين عليهم السلام جيش الحسين (ع) وقد ملك عليهم عمر بن سعد شرائع الفرات يوم كربلاء، وما اجملناه هنا يقتضي تفصيلاً وإيراد الشواهد التاريخية.

سقاية الحاج وتشريعها:

شرع هذه السقاية قصي بن كلاب لما ملك مكة ونفى عنها خزاعة وكنانة.
قال البرهان الحلبي في سيرته(1): كان قصي أول رجل من بني كنانة اصاب ملكاً ولما حضر الحج قال لقريش: قد حضر الحج وقد سمعت العرب بما صنعتم وهم لكم معظمون، ولا أعلم مكرمة عند العراب اعظم من الطعام فليخرج كل رجل من ماله خرجاً؛ ففعلوا فجمع من ذلك شيئاً كثيراً، فلما جاء أوائل الحج نحر على كل طريق من طريق مكة جزوراً، ونحر بمكة وجعل الثريد واللحم، وسقى الماء على الزبيب، وسقى اللبن، وهو أول من أوقد النار بمزدلفة ليراها الناس من عرفة ليلة النفر، إنتهى.
ومثله ذكر أبن واضح في تاريخه(2).
وفي سيرة أبن هشام (3): قال ابن إسحاق : إن قصياً فرض على قريش فقال لهم حين أمرهم: يامعشر قريش! إنكم جيران الله واهل بيته وأهل الحرام، وأن
1ـ السيرة الحلبية 1/14.
2ـ تأريخ اليعقوبي 1/197.
3ـ سيرة ابن هشام 1/122.
(19)

الحجاج ضيف الله وزوار بيته وهم احق ضيف بالكرامة؛ فاجعلوا لهم طعاماً وشراباً أيام الحج حتى يصدروا عنكم؛ ففعلوا.

أنتقال السقاية إلى عبد مناف:

وهنا يختلف المؤرخون في سبب انتقالها: فان إسحاق ومن وافقه يذكر ان عبد مناف اخذها قهراً من أخيه عبد الدار وكان عبد مناف قد شرف في عهد أبيه قصي وقصر عنه عبد الدار وكان أكبر ولد قصي واحبهم إليه فاراد ان يلحقه بعبد مناف فأعطاه الندوة واللواء والحجابة والسقاية والرفادة فثار عليه إخوته بعد موت أبيهم فأخذوا منه بعضها، وهنا أنقسمت قريش بقسمين: فعرف حلفاء بني عبد مناف بالمطيبين ما عرف عرف حلفاء بني عبد الدار بلعقة الدم في قصة منعنا طولها من إيرادها فاطلبها من سيرة أبن هشام(1)، ويذهب فريق من المؤرخين أن عبد مناف حازها في حياة أبيه(2).

أنتقال السقاية من عبد مناف إلى أبنه هاشم وحفيده عبد المطلب:

في السيرة الهشامية (3): قال أبن إسحاق: فولي الرفادة والسقاية هاشم بن عبد مناف وذلك ان عبد شمس كان رجالاً سفاراً قلماً يقيم بمكة وكان مقلاً ذو ولد، وكان هاشم مسيراً وكان فيما يزعمون إذا حضر الحج قام في قريش فقال : يامعشر قريش! أنكم جيران الله وأهل بيته وأنه يأتيك في هذا الموسم زوار الله وحجاج بيته وهم ضي الله وأحق الضيف بالكرامة ضيفه فأجمعوا لهم مالاً تصنعون لهم به طعاماً ايامهم هذه التي لا بد لهم من الإقامة لها، والله لو كان مالي يتسع لذلك
1ـ سيرة ابن هشام 1/12.
2ـ راجع: سيرة الحلبي وغيره.
1ـ سيرة أبن هشام 1/127.
(20)

ما كلفتموه، فيخرجون لذلك خرجاً من اموالهم كل أمرئ بقد ما عنده فيصنع للحجاج به طعاماً حتى يصدروا منها.
[وقال:](1)قال أبن إسحاقك ثم هلك هاشم بن عبد مناف بغزة من أرض الشام تاجراً فولي السقاية والرفادة بعده المطلب بن عبد مناف وكان اصغر من عبد شمس وهاشم وكان ذا شرف في قومه وفضل، وكانت قريش تسميه الفيض لسماحته وفضله. وذكر (2) أن بعض العرب رثاه حين توفي بقوله:
قد ظمأ الحجيج بعد المطلب بعد الجفان والشراب المنشعب
قال أبن إسحاق: ثم ولي عبد المطلب بن هاشم السقاية والرفادة بعد عمه المطلب فاقامها للناس.
وذكر الجاحظ في رسائله وعنه ابن ابي الحديد بلفظة(3): إن أبا عثمان الجاحظ قال: إن أشرف خصال قريش في الجاهلية اللواء والندوة والسقاية والرفادة وزمزم الحجابة، وهذه الخصال مقسومة بين نبي هاشم وبني عبد الدار دون بني عبد شمس.
وقال: إن معظم ذلك صار شرفه في الإسلام إلى بني هاشم لأن النبي (ص) لما ملك مكة صار مفتاح الكعبة بيده فدفعه إلى عثمان ابن طلحة فالشرف راجع إلى من ملك المفتاح لا إلى من دفع إليه، وكذلك دفع (ص) اللواء إلى مصعب بن عمير فالذي دفع إليه اللواء وأخذه مصعب من يديه احق بشرفه وأولى بمجده، وشرفه راجع إلى رهطة من بني هاشم.
1ـ سيرة أبن هشام 1/128
2ـ سيرة أبن هشام 1/135.
3ـ شرح نهج البلاغة 3/453.
(21)

قال: وكان محمد بن عيسى المخزومي أميراً على اليمن فهجاه ابن أبي مدلج فقال:
قل لأبن عيسى المستغيث من السهولة بالوعـوره
الناطـق الـعـوراء في جـل الامـور بلا بصيره
ولـد المـغيرة تـسعة كانو صـناديد العـشيره
وابوك عـاشرهم كـما نبتت مـع النخل الشعيره
إن النـبوة والخـلافة والسقـاية والمــشوره
في غيركم فأكفف إليك يداً مجذّمــة قـصيره
قال: فأنبرى له رجل من ولد كريز بن حبيب بن عبد شمس كان مع محمد بن عيسى باليمن يهجو عنه أبن مدلج في كلمة له طويلة يقول فيها:
لا لــواء يعد يابـن كـريز لا ولا رفـد بيته ذي السناء
لا حجـاب وليس فيكم سوى الكبر وبغض النبي والشهداء
بين حـاك مخلـج وطـريد يلعنـــه اهــل السـماء
ولــهم زمزم وحبرائيــل ومجـــد السقاية الغـراء
قال أبو عثمان: فالشهداء علي وحمزة وجعفر، والحاكي والمخلج هو الحكم أبن أبي العاص كان يحكي مشية رسول الله (ص) فألتفت يوماً فرآه عليه فلم يزل مخلج المشية عقوبة من الله، والطريد أثنان: الحكم بن أبي العاص ومعاوية بن المغيرة وهما جدّا عبد الملك بن مروان من قبل ابيه وأمه، وكان النبي (ص) طرد معاوية بن المغيرة هذا وأجله ثلاثاً فحيره الله ولم يزل يتردد في ضلاله حتى بعث في اثره علياً وعمّار فقتلاه، إنتهى(1).
1ـ اُنظر هما في رسائل الجاحظ: ص67.
(22)

قال فتي الشافعية زيني دحلان في سيرته بعد ذكر التشاجر بين بني عبد مناف وبني عبد الدار ولفظه (1): أما الرفادة وهي إطعام الحاج أيام الموسم حتى يتفرقوا فان قريشاً كانت زمن قصي تخرج من اموالها في كل موسم فتدفعه إلى قصي فيصنع به طعاماً للحاج يأكله من لم يكن معه سعة ولا زاد، ثم قام بذلك بعد قصي أبنه عبد مناف ثم أبنه هاشم ثم أبنه عبد المطلب ثم ابنه أبو طالب ثم أخوه العباس، وأستمر ذلك إلى زمنه (ص) وزمن الخلفاء من بعده إلى أن أنقرضت الخلافة من بغداد ومصر.
وأما السقاية فقام بها أيضاً عبد مناف ثم أبنه هاشم ثم أبنه المطّلب ثم لمّا كبر عبد المطّلب فوض عمه المطلب السقاية إليه، ولما مات المطلب وثب أخوه نوفل أبن عبد مناف على أبن أخيه عبد المطلب وذكر قصة تركناها لطولها وهي مذكورة في كتابنا الميزان الراجح في ترجمة عبد المطلب.
قال (2): ثم قام بها أبو طالب ثم انتقلت إلى أخيه العباس وذكر سبباً هو إملاق أبي طالب وهو سبب واهي لم تنتقل السقاية للعباس إلا بعد موت أبي طالب ولا يسعنا نقل النصوص خوف التطويل.

أما السقاية القوليّة:

وهي الاستسقاء بالدعاء فقد جعله الله تعالى من خصوصيات بني هاشم كرامةً اكرمهم بها، وأوّل من أستسقت به العرب عند الجدب منهم فسقاها الله به كرامة لرسول الله (ص) عبد المطلب بن هاشم، ذكر الدياربكريّ في تاريخ الخميس (3)
1ـ سيرة زيني دحلان هامش السيرة الحلبية 1/18.
2ـ سيرة زيني دحلان هامش السيرة الحلبية 1/19.
2ـ تاريخ الخميس 1/270.
(23)

والحلبي في إنسان العيون (1) والسيرة الدحلانية على هامشها (2) عن رقيقة بنت ابي صيفي ابن هاشم بن عبد مناف وهي زوجة عبد المطلب ـ ولفظ الاخير ـ قيل : أدركت الإسلام ولها صحبة، قالت:
تتابعت على قريش سنون ذهبت بالأموال فاشفين على الأنفس، فسمعت قائلا يقول في المنام: يامعشر قريش! إن هذا النبي المبعوث فيكم هذا أوان خروجه وإنه يأتيكم الحياء والخصب فأنظروا رجلاً من أوسطكم ـ أي أشرفكم ـ نسبأ طوالاً عظاماً أبيض، مقرون الحاجبين، أهدب الأشفار، أسيل الخدين، رقيق العرنين فليخرج هو وجميع ولده وليخرج منكم من كل بطن رجل فينتطهروا ويتطيبوا ثم أستلموا الركن ثم ارقوا إلى رأس أبي قبيس ثم يتقدم هذا الرجل يستسقي لكم وأنتم تؤمنون فإنكم تسقون.
فأصبحت وقصت رؤياها عليهم، فنظروا فوجدوا هذه الصفة صفة عبد المطلب، فأجتمعوا عليه وأخرجوا من كل بطن رجلاً وفعلوا ما أمرتهم به ثم علوا على أبي قبيس ومعهم النبي (ص) ـ وهو غلام ـ فتقدم عبد المطلب وقال: اللهم إن هؤلاء عبيدك وإماؤك وقد نزل بنا ما ترى وتتابعت علينا هذه السنون فذهبت بالظلف والخف والحافر فأشفت على الانفس فأذهب عنا الجدب وآتنا بالحياء والخصب، فما برحوا حتى سالت الأودية، قالت : وسمعت شيخان قريش وهم يقولون لعبد المطلب: هنيئاً لك يا أبا البطحاء.
وفي هذه القصة تقول رقيقة:
بشيبة الحمد اسقى الله بلدتنا وقد عمدنا الحيا والجود والمطر
1ـ السيرة الحلبية 1/33.
2ـ سيرة زيني دحلان هامش السيرة الحلبية 1/73.
(24)

فجاء بالماء جواداً نوءه سبل دان فعاشت به الأنعام والشجر
منّاً من الله بـالميمون طائره وخير من بشّرت حقاً به مضر
مبارك الإسم يستقى الغمام به ما في الانام له عدل ولا خطر
ولما سقوا لم يصل المطر إلى بلاد قيس ومضر فأجتمع عظماءهم وقالوا: قد أصبحنا في جهد وجدب وقد سقى الله الناس بعبد المطلب فاقصدوه لعله يسأل الله فيكم، فقدموا مكة ودخلوا على عبد المطلب فحيوه بالسلام، فقال لهم: أفلحت الوجوه، فقام خطيبهم فقال: قد اصابتنا سنون مجدبة وقد بأن لنا اثرك وصحّ عندنا خبرك فأشفع لنا عند من شفّعك وأجرى الغمام لك.
فقال عبد المطلب: سمعاً وطاعة، موعدكم عداً عرفات، ثم أصبح غادياً إليها وخرج معه الناس وأولاده ومعه رسول الله (ص) ـ وهو صغير ـ فنصب لعبد المطلب كرسي فجلس عليه وأخذ رسول الله (ص) فوضعه في حجره ثم قام عبد المطلب ورفع يده وقال: اللهم رب البرق الخاطف والرعد القاصف، رب الأرباب ومليّن الصعاب هذه قيس ومضر من خير البشر وقد تشعّثت رؤوسها وحدبت ظهورها تشكو اليك شدّة الهزال وذهاب النفوس والأموال، اللهم فأتح لهم سحاباً خوّارة وسماء خرّارة لتضحك ارضهم ويزول ضرهم؛ فما أستتمّ كلامه حتى أنشأت سحابة وكفاء لها دويّ وقصدت نحو بلادهم، فقال عبد المطلب: يا معشر قيس ومضر! أنصرفوا فقد سقيتم، فرجعوا وقد سُقوا.

الاستسقاء بأبي طالب (ع).


كلّ ذلك ببركة النبي (ص) ويمنه، ذكر من قدمنا ذكرهم جميعاً ولفظ الحلبي: وأستسقى أبو طالب برسول الله (ص) قال جلهمة بن عرفطة: قدمت مكة وقريش في قحط فقال منهم يقول: أعتمدوا اللات والعزّى، وآخر يقول : أعتمدوا مناة
(25)

الثلاثة، فقال شيخ وسيم الوجه جيد الراي: أنّي تؤفكون وفيكم باقية إبراهيم وسلالة إسماعيل، فقالو : كأنك تعني أبا طالب، فقال: إيهاً، فقاموا بأجمعهم وقمت معهم فدققنا عليه بابه فخرج إلينا رجل حسن الوجه عليه إزار قد أتّشح به، فثاروا إليه ـ أي قاموا ـ إليه فقالوا : يا ابا طالب! قحط الوادي وأجدب العيال فهلمّ فأستسقي لنا، فخرج أبو طالب ومعه غلام كأنه شمس دجنة تجلت عنها سحابة قتماء، وحوله أغليمة فأخذه أبو طالب فألصق ظهره بالكعبة ولاذ يإصبعه وبصبصت الأغيلمة حوله وما في السماء قزعة من سحاب فاقبل السحاب من هاهنا وهاهنا وأغدودق وأنفجر له الوادي وأخصب النادي والبادي، وفي ذلك يقول أبو طالب:
وأبيض سيتسقى الغما بوجه ثمال اليتامى عصمة للأرامل
إنتهى، والأغليمة المشار إليهم مع رسول الله (ص) الذي عبر عنه بالغلام إنما هم ولد أبي طالب علي وجعفر وإخوتهما.

الاستسقاء برسول الله (ص):

فكثير جداً وخذ هذه القصة تيّمناً. ذكر الماورديّ الشافعي في أعلام النبوة(1) عن أنس بن مالك قال: أتى أعرابي (2) إلى رسول الله (ص) فقال: يارسول الله! أتيناك ومالنا بعير يئطّ ولا صبيّ يصطبح، ثمّ أنشد:
أتيتك والعذراء يدمــى لبـانها وقد شغلت اُمّ الصبــيّ عـن الطفل
وألقى بكنيته الصبــيّ أستكـانة من الجوع ضعفاً ما يــمرّ ما يحلى
1ـ أعلام النبوّة: ص77.
2ـ يذكر غير الماورديّ إنه لبيد الشاعر.
(26)

ولا شيء ممّا يأكل الناس عندنا سوى الحنظل العامّي والعلهز الفسل
وليس لـنا إلاّ إلـيك فــرارنا وأين فــرار النـاس إلاّ إلى الرسل
فقام رسول الله (ص) يجرّ ردائه حتّى صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: (اللهم أسقنا غيثاً مغثياً سحّا مطبقاً غير رائث تنبت به الزرع وتملأ به الضرع وتحيي به الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون)، فما أستتمّ الدعاء حتّى التفتّ السماء بأورقتها فجاء أهل البطانة يضجّون يارسول الله الغرق، فقال: حوالينا لا علينا، فانجاب السحاب عن المدينة كالأكاليل، فضحك رسول الله (ص) حتّى بدت نواجذه وقال: لله درّ أبي طالب لو كان حيّاً لقرّت عيناه، من الذي ينشدنا شعره؟ فقال عليّ بن أبي طالب (ع): يارسول الله! كأنّك أردت قوله:
وأبيض يستسقي الغمام بوجهه ثمال اليتمى عصمة للأرامل
تطوف به الهلاّك من آل هاشم فهم عنده في نعمة وفواضل
كـذبتم وبيت الله نبزي محمّداً ولمّا نــقاتل دونه ونناضل
ونسلمــه حتّى نصرع حوله ونذهل عن ابناءنا والحـلائل
وقام رجل من كنانة وأنشد:
لك الحـمد والحمد ممّن شكر سقينا بوجـه النبّي المطر
دعــى الله خالقــه دعوة وأشخص معها إليه البصر
فلـم يــك إلاّ كـألقى الردا وأسرع حتّـى رأينا الدرر
دقاق العزالي جــمّ البـعاق أغاث به الله علـيا مضر
وكــان كما قــاله عـمّه أبو طالب أبـيض ذو غرر
به الله يسقـي صـور الغمام وهذا العيان لذاك الخــبر
فقال رسول الله (ص): إن يك شاعر محسن فقد أحسن، إنتهى.
(27)

الاستسقاء بأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع):


كثير أيّام خلافته ويكفيك أدعيته في الاستسقاء التي رواها الصدوق (رحمه الله) في الفقيه(1) والرضي الموسويّ في نهج البلاغة ولولا طولها لأوردتها فإنّها آية من آيات البلاغة ومعجزة من معجزات الإبانة والإفصاح.

الاستسقاء بالحسن والحسين (ع):

روى الصدوق (رحمه الله) في الفقيه (2) قال: جاء قوم من أهل الكوفة إلى أمير المؤمنين (ع) فقالوا: يا أمير المؤمنين! اُدوع لنا بدعوت في الاستسقاء، فدعا علي (ع) بالحسن والحسين (ع) فقال: ياحسن! اُدع، فقال الحسن (ع): (اللّهمّ هيّئ لنا السحاب بفتح الأبواب بماء عباب ورباب بأنصباب وأنسكاب وأسقنا مطبقة مغدقة مونقة أفتح أغلاقها وسّهل إطلاقها وعجّل سياقها بالأندية في الأروية بصوب الماء ياوهّاب أسقنا مطراً قطراً مطلاً طبقاً طبقاً عامّاً معمّاً رشّاً مرشّاً واسعاً كافياً عاجلاً طيباً مباركاً سلاطح بلاطح يناطح الأباطح مغدوقاً مطبقاً آمين). ثم قال للحسين (ع): اُدع، فقال الحسين (ع): اللهمّ معطي الخيرات من مظانّها ومنزل الرحمات من معادنها ومجري البركات على أهلها منك الغيث وأنت الغياث المستغاث ونحن الخاطئون وأهل الذنوب وانت الغفّار لا إله إلاّ أنت أرسل السماء علينا ديمة مدراراً وأسقنا الغيث وأكفاً مغزاراً غيثاً مغيثاً واسعاً مسبغاً طلاً مرئياً مريعاً غدقاً مغدقاً عباباً مجلجلاً واضحاً ضحضاحاً بساساً مسبلاً عامّاً ودقاً مطفاحاً ندفع الودق بالودق دفاعاً، ونطلع القطر منه غير خلب البرق ولا مكذب الرعد تنعش به الضعيف من عبادك وتحيي به الميت من بلادك منّة علينا
1ـ من لا يحضره الفقيه: ص105.
2ـ من لا يحضره الفقيه: ص106.
(28)

منك آمين رب العالمين) فما أتمّ كلامه حتّى صبّ الله الماء صبّاً، إنتهى.
زاد ملاّعبد الله في (مقتل العوالم)(1)فأقبل أعرابيّ من نواحي الكوفة فقال: تركت الأودية والآكام يموج بعضها في بعض ، إنتهى ولكنّه ذكرها للحسين (ع) خاصّة.

الاستسقاء بالعّباس بن عبد المطّلب:


من أراد أن يعرف فضيلة الشخص فيلنظر إلى أثره فإنّ الإمام الذي يستسقي به الناس ويستغيث فيه رعيته اولى بمنصب الإمامة ممّن يستسقي برعيته ويستغيث بهم، لا أحسب صاحب الانصاف لا يميز هذا وقد عرفت أنّ علياً وأبنيه (ع) أستغاث بهم الناس فاُغيثوا وأستسقوا بهم فسٌقوا، وهذا عمر بن الخطاب وهو الخليفة والإمام تفزع الناس إليه وتستغيث به فيفزع إلى رجل قد شمله يمنهم وبركتهم مستغيثاً به وهو العباس عمّ النبيّ (ص) وهذه القصة مشهورة نقلها عامة المحدثين من أهل السنة وذكرها الحافظ الهيثميّ الشافعيّ في الصواعق المحرقة والمحبّ الطبريّ الشافي في ذخائر العقبي والماوردي الشافي في اعلام النبوة وهذا نصه(2): ومن أعلام (ص) ما أظهره الله من كرامته في عمه العباس حين استقى به عمر متوسّلاً إليه بعمّه فخرج يستقي به وقد أجدب الناس فقال: اللّهم إنّي أتقرّب اليك بعمّ نبيك وبقيه آبائه وكبير رجاله فأحفظ اللهم نبيك في عمه فقد دلّونا به إليك مستفعين به إليك مستغفرين.
فقال العباس وعيناه تنضحان: (اللهم أنت الراعي لا تهمل الضالّة فقد ضرع الصغير ورقّ الكبير وأتفعت الشكوى وأنت تعلم السرّ وأخفى، اللهم فأغثهم
1ـ مقتل عوالم العلوم: ص 15.
2ـ أعلام النبّوة: ص78.
(29)

بغياثك من قبل أن يقنطوا فيهلكوا فإنّه لا ييأس من روجك إلا القوم الكافرون)، فنشأت السحاب وهلت السماء فطفق الناس بالعباس يمسحون أركانه ويقولون هنيئاً لك ساقي الحرمين، وقال حسّان بن ثابت:
سأل الخليفة إذا تتابع جدبنا فسقى الغمام بغرّة العّبـاس
عمّ النبي وصنو والده الذي ورث النبيّ بذاك دون الناس
أحيا به الله البلاد فـأصبحت مخضرة الأجناب بعد اليأس
وقال الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب يفخر بذلك:
بعمــى سقى الله الحجاز وأهله عشية يستقــي بشيبته عمر
توسل بالعباس في الجدب راغباً فما كرّ حقّ جاء بالديمة المطر
إنتهى، وهي واردة من طرقنا أيضاً وإن اردتها فاطلبها من (من لا يحضره الفقيه) للصدوق القمي(1) وهذا الاستسقاء إنّما كان بأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع) وأولاده حقيقة بالعباس صورة ففي بعض طرق الحديث الذي رواه الحافظ أبن عساكر الشافعي في تاريخ الشام (2) وهو نص لمن ترك نّص لمن ترك المجازفة وجانب المكابرة ولفظه عن جابر: إنّ السنة أصابت أهل المدينة سنة الرمادة استسقوا ثلاث مرات فلم يسقوا، فقال عمر: لأستسقينّ غداً بمن يسقينا الله به فأخذ الناس يقولون: بعليّ بحسن بحسين، فأرسل إلى لني هاشم أن تطهّروا وألبسوا من صالح ثيابكم وخرج إلى العبّاس فدقّ عليه الباب فلمّا أجتمع بنوا هاشم عنده طيبهم ثم خرج العباس وعليّ (ع) امامه والحسن (ع) عن يمنيه والحسين (ع) عن يساره وبنو هاشم خلف ظهره، فقال لعمر: لا تخلط بنا غيرنا ثم
1ـ من لا يحضره الفقيه: ص107.
2ـ تاريخ دمشق 7/347.
(30)

أتى المصلّى فوقف فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: (اللهم إنّك خلقتنا ولم تؤامرنا وعلمت ما نحن عاملون فلم يمنعك علمك فينا عن رزقنا اللّهم فكما تفضلت علينا في أوله فتفضل علينا في آخره)، فما برحنا حتّى سحّت السماء علينا سحّاً، فما وصلنا إلى منازلنا إلاً خوضاً، فقال العبّاس : أنا ابن المسقي ـ كرّرها خمس مرّات (1)ـ.
فقيل لموسى بن جعفر (ع) كيف ذاك؟ قال: أستسقى فسقي عام الرمادة، وأستسقى عبد المطلب فسقي زمزم فنافسته قريش فقالوا أئذن لنا فيها فأبى فحكاموه إلى راهب إيلياء فلمّا كان في الطريق قال للقرشيّين: اٌسقونا فأبوا فركب راحلته فلمّا نهضت أنبعثت من تحت خفها عين فشرب وسقاهم فقالوا: إن الذي أسقاك في الفلاة هو الذي أسقاك في الفلاة هو الذي أسقاك زمزم فأرجع فلا خصومة لنا معك.
وكان له أرض بالطائف فغلبه عليها بنو ذباب وبنو كلاب ثم غلبهم عليها فأحكموه إلى سطيح الكاهن فلما بالطريق أستسقى بني كلاب وبني ذباب فلم يسقوه وقالوا: موتوا عطشا فركب راحلته وخرج فأنبعثت له عين ماء فرجع إليه أصحابه فشربوا وشرب معهم بنو كلاب وبنو ذباب بعد ما أراقوا ماءهم الذي معهم ثمّ رحلوا إلى سطيح فقالت بنو ذبابك ما ندري اصادق فيما يقضي بيننا، فخبأ رجل منهم ساق جرادة فلمّا قدموا عليه قال الرجل: إني خبأت للك خبيئاً فما هو؟ قال: ظهره كالفقار طار فاستطار وساق المنشار، ألقى مافي يدك فألقى ساق جرادة وخبأ رجل منهم تمرة وقال: خبأت لك خبيئة، فقال: طال فبسق وأينع فاطعم ألق التمرة، وخبأ له آخر رأس جرادة خرزها في مزادة فعلّقها في عنق كلب
1ـ سقى عبد المطلب خمساً هي زمزم، والعين في مخاصمة قريش له في زمزم، والعين في مخاصمة حرب بن أمية له، واستسقى لقريش، واستسقى لقيس فهذه خمس مرات فصلها التأريخ. (المؤلف)
(31)

يقال له يسار فقال: خبأت لك فما هو؟ قالك راس جرادة خرزت في مزادة في عنق كلبك يسار ثم أختصموا إليه فقضي لعبد المطلب بالمال فغرموا فعبد المطلب مائة ناقة وغرموا لسطيح مائة ناقة فقدم عبد المطلب فاستعار قدوراً فنحر وأطعم الناس حوله ثم ارسل إلى جبال مكة فنحر فأكلته السباع والطير والناس، والخامسة أسقى الله إسماعيل زمزم ألخ، وذكر اشعاراً قيلت في مدح العباس. ومن تدبر القضايا وتبحر فيها علم أن الاستسقاء كان بعلي وابنيه الحسن والحسين (ع) ولكن السياسة العمرية أبت الا عجر فيّه وأنحرافاً فناطت الأمر بالعباس تعمية وتمويهاً بأنّه هو الذي استقى فسقي، ورمز هذه السياسة إلى صرف الناس عمن له حق الخلافة وأهلية الإمامة والزعامة دون العباس الذي أجمعو انه لا حق له لأنه من مسلمة الفتح بزعمهم فاخرجوه من السقيفة والشورى معاً لذلك، ولن العبّاس العم المبارك كان يعرف إشارات السياسة ويترجم رموزها لذلك صارح الخليفة بأن لا يخلط بهم غيرهم. وهل تعرف فائدة هذا الشرط وما الغرض منه؟ أما الفائدة فلأجل أن لا يتوهّم المتوهّم الساذج أن هذه الكرامة ظهرت لأجل الخليفة عمر أو لأجل أعيان الصحابة الموجودين فإذا أنفرد الهاشميون زال هذا الوهم وتبين الحق المحض، وأما الغرض فهو رمز خفي يشير فيه إلى أن من منه الاجابة وقد توسل ثلاثاً أن يسلّم الإمرة لمن سأل مرة فاستجيب له لكرامته عند الله وعناية الله به، هذه حسرة في نفس العبّاس بثّها وزفرة أخرجها الأسف على ما فاتهم من إدارك المنصب الالهي الذي كان لهم وكانت هذه الحسرة تخالج نفس العبّاس بن عبد المطلب منذ قال لعلي (ع): يابن اخي دعني ابايعك فيقال عم رسول الله بايع أبن أخيه فلا يختلف عليك أثنان وتجد ضمير العباس بن عبد المطلب يتوقد حماساً ويسطر
(32)

على طرس الفكر ما رمزه إذا دهى الإسلام بالدواهي وأُصيب بالفوادح النكراء دعى لتفريجها عليّ فعباس فحسن فحسين، وإذا كانت إمرة وأمر نهي وقسمة اموال وأمثالها دعي لها رجال سواهم ولسان حاله ينشد متمثلاً:
وإذا تكون كريهة اٌدعى لها وإذا يحاس الحيس يدعى جندب

ومن أنواع السقاية السليمّة تفجّر الماء من الأرض الصمّاء على جهة المعجزة والكرامة:

وهذا النوع خاص ببني هاشم فقد فجر الله لعبد المطلب عيناً بعد أن أخرج له زمزم ونازعته قريش وحاكموه إلى كاهنة بني سعد بن هذيم وكانت بمشارف الشام وفجر له عيناً اٌخرى حين نازعه حرب بن اٌميه وبنو كلاب على ماله الذي بالطائف المعروف بذي الهدم واكتفينا بالإشارة إلى القصتين بما قدّمنا في أستسقاء عمر بالعباس مراعاة للاختصار وأوردناهما تفصيلاً في كتابنا (الميزان الراجح) في ترجمة عبد المطلب وأطلب قصة المنازعة على زمزم من السيرة الهاشمية (1) وقصة المنازعة على ذي الهدم من مجمع الامثال للميداني في شرح قولهم: الأده فلاده.

نبوع العين لرسول الله (ص) بسوق ذي المجاز:

ذكر البرهان الحلبي في سيرته(2)عن أبي طالب بن عبد المطلب قال: كنت بذي الجاز وهو موضع على فرسخ من عرفة وكان سوقاً للجاهلية مع أبن أخي ـ يعني النبي (ص) ـ فأدركني العطش فشكوت إليه فقلت له: يابن أخي! قد عطشت وما قلت له ذلك وأنا ارى عنده شيئاً إلاّ الجزع اي لم يحملني على ذلك إلى الجزع وعدم الصبر. قال: فثنى وركه ونزل عن دابته ثم قال: ياعم! عطشت؟ قلت: نعم،
1ـ سيرة أبن هشام 1/134.
السيرة الحلبية 1/39.
(33)

فأهوى بعقبه إلى الارض ـ وفي رواية إلى صخرة ـ فركضها برجله وقال شيئاً فإذا أنا بالماء لم ارى مثله، فقال : أشرف فشربت حتى رويت، فقال: أرويت؟ قلت: نعمن فركضها ثانية فعادت كما كانت، إنتهى.

ظهور العين لأمير المؤمنين (ع) في مسيره إلى صفين:

رواها جماعة من المحدثين منهم من الشيعة نصر بن مزاحم في كتاب صفين، وأبن شهر آشوب في المناقب، والصدوق في الأمالي، والمفيد في الارشاد، والمجلسي في البحار، ومن السنة ابن أبي الحديد المعتزلي الحنفي في شرح النهج، والخطيب البغدادي الشافعي في تأريخ بغداد وغيرهما. قال المجلسي في بحاره(1): قال في المناقب: ذكر اهل السير عن حبيب بن الجهم وأبي سعيد التيمي، والنطنزيّ في الخصائص، والاعثم في الفتوح، والطبري في كتاب الولاية بإسناد له عن محمّد بن القاسم، وأبو عبد الله البرقيّ عن شيوخه عن جماعة من أصحاب علي (ع) أنه نزل أمير المؤمنين (ع) بالعسكر عند وقعة صفين عند قرية صندودا فقال مالك الأشتر: تنزل على غير ماء، فقال يا مالك! إن الله سيسقينا في هذا المكان فأحتفر أنت وأصحابك، فأحتفروا فإذا هم بصخرة سوداء عظيمة فيها حلقة لجين فعجزوا عن قلعها وهم مائة رجل، فرفع أمير المؤمنين (ع) يده إلى السماء وهو يقول كلمات رموز قال في آخرها: آمين رب موسى وهارون، ثم أجتذبها فرماها عن العين أربعين ذراعاً فظهر ماء أعذب من الشهد وابرد من الثلج وأصفى من الياقوت فشربنا وسقينا، ثم رد الصخرة وأمرنا أن نحثوا عليها التراب وسرنا غير بعيد فقال: من فيكم يعرف موضع العين؟ قلنا: كلّنا، فرجعنا فخفي مكانها علينا فإذا راهب مقبل من صومعة، فلمّا
1ـ بحار الانوار 9/657
(34)

بصر به أمير المؤمنين (ع) قال: شمعون؟ قال: نعم هذا أسم سمتني به اٌمي ما أطلع عليه الا الله وأنت، قال: وما تشاء ياشمعون؟ قال: هذه العين، قال: هذه عين ناحرما وهي من الجنة شرب منها ثلاثمائة وثلاثة عشر وصياً وأنا آخر الوصيين شربت منها. قال: هكذا وجدت في جميع كتب الانجيل وهذا الدير بني على هذه الصخرة ومخرج الماء من تحتها ولم يدركه اعالم قبلي غيري وقد رزقنيه الله، ثم أسلم ثمّ رحل أمير المؤمنين (ع) والراهب معه حتى نزل صفين، فلما التقى الصفان كان أول من أصابته الشهادة، فنزل أمير المؤمنين (ع) وعيناه تهملان وهو يقول: المرأ مع من أحبّ، الراهب معنا يوم القيامة، ألخ.
وفي حديث نصر بن مزاحم العطار في كتاب صفين(1): قال أبو سعيد التيميّ المعروف بعقيصا قال: كنّا مع علي (ع) في مسيره إلى الشام حتى إذا كناّ بظهر الكوفة من جانب هذا السواد عطش الناس وأحتاجوا إلى الماء، فأنطلق بنا علي (ع) حتى أتى بنا على صخرة ضرس من الارض كأنها ربضة عنز فامرنا فاقتلعناها فخرج لنا ماء فشرب الناس منه وأرتووا ثّم أمرنا فاكفأناها عليه. قال: وسار الناس حتّى إذا مضينا قليلاً قال علي (ع): منكم أحد يعلم مكان هذا الماء الذي شربتم منه؟ قالوا: نعم يا أمير المؤمنين، قال: فأنطلقو إليه، فأنطلق منّا رجال ركباناً ومشاة فأتصصنا الطريق حتى انتهينا إلى المكان الذي نرى أنه فيه، قال: فطلبناها فلم نقدر على شيء حتّى إذا عيل علينا أنطلقنا إلى دير قريب منّا فسألناه عن الماء الذي هو عندهم قالوا: ما قربنا ماء، قلنا: بلى إنا شربنا منه، قال: أنتم شربتم منه؟ قلنا : نعم، قال: ما بني هذا الدير إلا لذلك الماء، وما أستخرجه إلاّ نبي أو وصي نبيّ، إنتهى.
1ـ وقعة صفين: ص77.
(35)

وما تحدّث به الخطيب البغداديّ الشافعيّ في تأريخ بغداد(1) عن أبي سعيد عقيصا قريب من حديث نصر إلا أنه قال: أرتفع من الأنبار وصّرح بقول الراهب أنه لا يخرجه إلا نبي او وصي نبيّ وقال لفظ حديث الأعمش والآخر بمعناه، ورواه محمدّ بن فضيل عن الاعمش هكذا وإيراد الألفاظ تطويل.

نبوع العيون للحسين (ع) يوم كربلاء:

ذكر عبد الخالق اليزدي في مصائب المعصومين في حديث عاشوراء ما لفظه(2): فلمّا أشتدّ بهم العطش أخذ الحسين (ع) فأساً وجاء إلى وراء خيمة النساء فخطى في الارض تسعة عشر خطوة نحو القبلة ثم حفر هناك فنبعت له عين من الماء العذب فشرب الحسين (ع) وشرب الناس بأجمعهم وملأوا أسقيتهم ثّم غارت العين فلم ير لها أثر، وبلغ أبن زياد لعنه الله فأرسل إلى عمر بن سعد لعنه الله: بلغني أن الحسين يحفر الآبار ويصيب الماء ويشرب هو وأصحابه؛ فأنظر إذا رود عليك كتابي فأمنعهم من حفر الأبار ما أستطعت وضيق عليهم ولا تدعهم يذوقوا الماء وأفعل بهم كما فعلوا بعثمان فعندما ضيق عمر بن سعد عليهم غاية التضييق ألخ.

كلمة المؤلف حول هذه العجرفيّة النكراء:

لم زل عبيد الله بن زياد ينحوا مناحي معاوية بن أبي سفيان في العجرفية ويحذو حذوه في الميل عن خطة العدل وجادّة الانصاف فهو يسير على خطّته التي أخطتها ويسايره في طريقه المهلك جنباً لجنب.
كان معاوية في إمساكه شريعة الفرات وبمنعه الماء عن أهل العراق جيش
1ـ تأريخ بغداد 13/305.
2ـ مصائب المعصومين: ص234.
(36)

أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) يوم صفين يهتف معلناً: أقتلوهم عطشاً كما قتلو عثمان، يستغوي بذلك جيش الطغام المحتشد حوله من غوغاء أهل الشام ويستغوي سقاط العرب وإجلاف الأمة الذين جمعوا من النذالة والشقاوة لؤم العنصر ودناءة الأعراق وقبح العقيدة مع الجهل الفاضح والغباوة المفرطة قد طرقتهم الأخبار الصادقة والأنباء المصرحة لهم بغير تعمية ولا تغليط أن علياً (ع) في حصار عثمان قد التزم خطّة الحياد التامّ بعد أن رد عليه عثمان نصائحه وإرشادته في إظهار الانصاف لأمة ونشر العدل في أهل الاسلام والرفق بأصحاب محمد (ص) فرفض عثمان تلك النصائح رفضاً باتاً وردً هاتيك الارشادات رداً علنيّاً غير مكاتم ولا مسرً مؤثراً هوى مروان الأحمق، شارياً رضا الوزغ المائق الطريد اللعين بسخط الله، وأختار شغب الأمّة الصالحة بسياسة مروان الملعونة حتّى أنّ زوجته نائله عنفته وقالت: أغضبت الشيخ الناصح علي أبن أبي طالب فهو غير عائد إليك ولن يدعك مروان حتّى يوردك الحتف او ما هذا معناه فزجرها فالتاثت عليه الأٌمور وارتبكت الأحوال وأختلّ النظام السياسيّ وزلّ عن محوره فانثالت عليه جيوش المسلمين الذي أستنهضتهم صرخة الصحابة وضجيج اٌمهات المؤمنين سيّما أم المؤمنين عائشة وصحابتها حفصة إذ نادتا أن ثوب النبي لم يبلى وعثمان قد أبلى سنّته، وعائشة هي التي سمّّته نعثلاً، وطلحة والزبير المعدودين في العشرة ومن الحواري القائلين هلمّوا إلينا فإنّ الجهاد عندنا بالمدينة.
فتداعى المسلمون إجاببة لهنّ ولهم على حربه من أقطار الأرض حتّى حصروه في داره، هذا وأمير المؤمنين (ع) يدافع عنه دفاعاً سياسيّاً نظراً لما يجيء به المستقبل وتولده العاقبة من أنتشار الفتن في الإسلام وحقاً كان ذلك فإنّ عثمان كما قيل الفتنة الكبرى فدافع عنه أمير المؤمنين (ع) لذلك دفاعاً سهلاً مع التزامه
(37)

الخطة الحيادية وإحكامه القواعد السليمة وتركه الدخول في مهرجانات الحرب التي لم تضطره إليها الظروف الحرجة التي حدثت به فهو (ع) لم يزل يواصل عثمان بإرسال قرب الماء إليه مع أولاده وخدمه حين صدّت أم المؤمنين اٌم حبيبة بنت أبي سفيان ومنعت واٌريق الماء الذي كانت تحمله إلى عثمان في حصاره فلم يشرب عثمان الماء مدة الحصار إلا من ناحية امير المؤمنين (ع) لأن المتجاسر على منع غيره لا يتجاسر على منعه فحتى ذٌبح عثمان ريّان الكبد من فضل أمير المؤمنين (ع).
ثم تقابل أدعياء بني اٌمية الشجرة الملعونة في القرآن تلك الفعلة الكريمة واليد البيضاء بالجحود والكفران فتضحي ولده الحسين (ع) يوم الطفّ عطشاناً زاعمين إنهم يريدون الاقتصاص منه لعثمان تلك بهرجة المموّهين وهم سفالة الأسفلين وحثالة الأرذلين لا لعمر الله ليسوا من أهل القصاص ولا أرباب القصاص ولا من الذين يمهمهم أمر عثمان وليس يساوي دم عثمان عند معاوية قلامة، ولا يوازن ذرة من قمامة لولا أنه نصبه شرك الاحتيال لا حتبال الخلافة وانتشال صولجان الحكم واغتصاب تاج المملكة الإسلامية.
كيف وقد تربص معاوية بعثمان ولجّ في تخذيل الناس عن نصرته واقعدهم عن المسيرة إليه فقد نهض يزيد القسري مهتمّاً بنصرته عازما على المسير إلى المدينة لا ستنقاذه فثبطه معاوية واقعده مموهاً عليه بالتسويف والمواعيد الكاذبة حتّى قتل عثمان ولو سار لأدركه حيّاً، وهذا أمر نصّت عليه الأسفار التأريخيّة المعتبرة وخلّدته الصحف الاثرية المعتمدة.
فأستبان ان غرض معاوية التوصل إلى نيل السلطان وأختطاف الإمرة بواسطته لذل لم يجد بدّاً من نسبة قتله إلى أمير المؤمنين(ع) وما خبّأته نفس معاوية الشرهة قد اخرجته فلتات لسانه، أليس هو القائل لاُم المؤمنين عائشة: ليتك
(38)

قتلت يوم الجمل، قالت: مالك تتمنّى موتي، قال: إنّك تموتين بأجلك وتدخلين الجنة بمشيئة الله ونجعلك من اكبر التشنيع على عليّ بن أبي طالب! وهذا خبث عظيم وشرارة جبّارة وإذا كان هذا رأيه في اُم المؤمنين تصريحاً فهو رأيه في عثمان تلويحاً، ولو كان من أهل المودة لعثمان لجعل لواده نصيبا من السلطان او عظمهم وأكرمهم.
أليس هو الذي عزل مروان عن المدينة لأنه لم يضرب عمرو بن عثمان لما أستعدت عليه زوجته رملة بنت معاوية أنه لم يواقعها؟
ألي معاوية الذي أجاب سعيد بن عثمان جواباً غليظاً لمّا قال له: إنّك نلت الملك بأبي عثمان؟
كلّ هذه الاُمور قد اوقفنا عليها التاريخ فاي قصاص لبني اُمية عند بني هاشم إن قتل المسلمون عثمان عطشاً والصحابة ملئ المدينة فلو كان هذا عندهم حراماً أو أنه يجب ما تركوا القيام به وإنّما كان الفضل لأمير المؤمنين (ع) فيها على عثمان خاصة وعلى بني اُميه عامّة، ودعوى المدّعين أنّ الصحابة عجوزا عن مقامة الجيش الغازي لعثمان فمكابرة وتمويه، الجيش الغازي على اكثر الأقوال ألف وخمسمائة وقيل ألف وقيل ثمانمائة، والصحابة وأبناؤهم اُلوف وقد قاوموا وهم ثمانمائة جيش قريش وهم ثلاثة آلاف، وجيش الأحزاب يوم الخندق وهو عشرة آلاف فكيف يعجزون عن جيش أقلّ من عددهم وقد غزاهم في دارهم ولا يقاس بهذا جيش الحرّة فإنه كثير واُدخل بخيانة فأستدرهم فهلكوا بهذا السبب؛ فافهم وخذ النصيحة تنجيك من الهلكة.

نبوع العين لعبد الله بن جعفر:

وقد شمله يمين النبيّ وعلىّ والحسن والحسين (ع). قال الحافظ أبن عساكر
(39)

الدمشقيّ في تأريخه(1). كان عبد الله بن جعفر اسلف الزبير ألف ألف درهم، فلمّا توفّي الزبير قال أبنه عبد الله لأبن جعفر: إنّي أجد في ديوان أبي أنّ له عليك ألف ألف درهم، قال: هو صادق فأقبضها إذا شئت، ثمّ لقيه بعد فقال: يا أبا جعفر! إنّما وهمت المال لك عليه، قال: فهو له، قال: لااُريد ذلك، قال: فأختر إن شئت فهو له وإن كرهت ذلك فلك فيه نظرة ما شئت فإن لم تردّ ذلك فبعني من ماله ماشئت، فقال: أبيعك ولكن اُقوّم، فقوّم الأموال ثمّ أتاه فقال : اُحبّ أن لا يحضرني وأيّاك أحد، فقال عبد الله: يحضرنا الحسن والحسين (ع) فيشهدان لك، فقال: ما اُحبّ أن يحضرنا أحد ، قال: أنطلق، فمضى معه فأعطاه خراباً وسباخاً لا عمارة له وقوّمه عليه حتّى إذا فرغ قال عبد الله لغلامه: ألق لي في هذا الموضوع مصلّى، فألقى له في أغلظ موضع من تلك المواضع مصلّى، فصلّى ركعتين وسجد فأطال السجود يدعو، فلمّا قضى ما أراد من الدعاء قال لغلامه: أحفر في موضع سجودي فحفر فإذا عين قد أنبطها الله فقال له ابن الزبير: اقلني، فقال: أمّا دعائي وإجابة الله إيّاي فلا أقيلك، فصار ما أخذ منه أعمر ممّا في يد أبن الزبير، إنتهى.

ومن أنواع السقاية السلميّة:

سقاية الاضياف والمجتازين، وقد دلّت على هذا النوع أحاديث كثيرة نذكر بعضها تيمّناً، وهذا النوع لا يخصّ بني هاشم بل يعمّ جميع المسلمين، ولفضيلته جعل المسلمون السقايات المسمّاة بـ (السبيل) في الطرق والجواد التي هي مظنّة العطش، فقد ذكر الدربنديّ في أسرار الشهادة(2) عن الصادق (ع): من سقى الماء
1ـ تاريخ مدينة دمشق 7/332.
2ـ أسرار الشهادة:ص73.
(40)

في موضع يوجد فيه الماء كان كمن أعتق رقبة، ومن سقى الماء في موضع لا يوجد فيه الماء كان كمن أحيا نفساً، ومن أحيا نفساً فكأنما أحيا الناس جميعاً.
وعن النبي (ص) قال: إن الله يحبّ إبراد الكبد الحرّاء، ومن سقى كبداً من بهيمة او غيرها أظلّه الله يوم لا ظل إلاّ ظلّه، إنتهى في أحاديث كثيرة متقاربة المعنى، وهي وغيرها نصّ في فضل من سقى الماء في السّلم آمنااً على نفسه من القتل، واثقاً بسلامته من النتلف، فكيف لو قارن سقي الماء مظنّة تلف النفس والإشراف على العطب، وهذه الفضيلة أمتاز بها مولانا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب وولده العبّاس الأكبر (عليهما السلام) والشبل من ذلك الأسد.
وأنا اقول بلا تجاسر على مولانا أمير المؤمنين (ع): إنّ موقف العبّاس (ع) أفظع هولاً وإن كان كلا الموقفين رهيب حيث أن أمير المؤمنين (ع) سقى الصحابة في بدر والحديبيّة وليس فكره متعلّقاً بشيء سوى عطش رجال كبار يصبرون على مكابدة الظمأ وستطيعون معاناة شدة العطش وأمّا حراجة الموقف من حيث قوّة العدوّ وشدّة شوكته فلا يرهبه أمير المؤمنين (ع) لأنّه لا يخاف الأعداء قلّوا أو كثروا، وكيف وهو القائل لأهل الكوفة، اُخرجوا معي ثمّ فرّوا عنّي فإنّي والله لا اُبالي أوقعت على الموت أو وقع الموت عليّ، ولألف ضربة بسيف في سبيل الله اهون عليّ من موته على فراش، وهو القائل يوم البصرة وقد طلب شراباً فأتوه بعسل فذاقه فقال: هذا عسل طائفيّ، فقال له ابن أخيه جعفر: عجباً منك ياعمّ في مثل هذا الموقف تعرف الطائفيّ من غيره، فقال: والله يابن أخي ما ملأ صدر عمّك من جمعهم هذا شيء.
وإنّ أبا الفضل العبّاس بن عليّ (ع) سقى العطاشى بكربلاء وكان قصد المسنّاة دع عنك ما عليها من العسكر العظيم فإنّه أبن أبيه لا يرهب الجموع المتكدّسة أمامه قلّت أم كثرت وليس فكره متعلّقاً بعطش الكبار فقط بل قصد
(41)

المشرعة بعد أن سمع صراخ الأطفال وضجيج النساء: وأعطشاه، فهزّته الحميّة الشمّاء وأنهضته الهمّة العالية حين سمع له،ّ رنّة عظيمة لشدّة الظمأ والصيبة يتصارخون فمنهم من قصد مخيّم الأنصار يطلب منه الماء، ومنهم من تعلّق بأذيال الحوراء زينب وإنّها (ع) ـ كما في بعض المقاتل ـ رجّت لبعض مضارب الأنصار تطلب فيه ماء لبعض الصيبة الرضّع وخلفها لمّة كبير من الصبيان كلّهم ينادون واعطشاه، فأبت مروذة العبّاس (ع) وشيمته أن يغضي على تلك الحالة المزعجة وارتاع لها وارتاح لورد المنيّة قبل ورد المباح المحرّم عليهم وصمّم بعزمه الثابت على قصد المشرعة وإن أقامت عليها سدّاً منيعاً أسلحة الأعداء فاعتقل القناة عاقداً بها العلم حملاً للقربة متضياً مرهفه فما عاد إلاّ بالماء على رغم الأعداء.

السقاية الحربيّة:

لا خفاء إنّها اجلّ السقايات وإن كانت السقاية على نحو المعجزة عظيمة في بابها ولكن هذه تمتاز على الجميع لما فيها من المخاطرة بالنفس وتريضها للتلف ولا يتجاسر عليها إلاّ من تمّت شجاعته وكملت مروّته وحميّته وهذه أختصّ بها أمير المؤمنين (ع) وأنجاله دون سائر الصحابة وسائر العرب.
روى أبن شهر آشوب في كتاب المناقب (1) قال: في كتاب فضائل الصحابة عن أحمد وخصائص العلويّة عن النطنزيّ قال الحارث: لمّا كانت ليلة بدر قال النبيّ (ص): من يستقي لنا فأحجم الناس فقام عليّ (ع) فأختضن قربة ثمّ أتى بئراً بعيدة القعر مظلمة فأنحدر فيها فأوحى الله إلى جبرئيل وميكائيل وإسرافيل تأهّهبوا لنصر محمّد وحزبه فهبطوا من السماء لهم لغط يذعر منه من سمعه فلمّا حاذوا
1ـ المناقب لأبن شهر آشوب 2/165.
(42)

البئر سلّموا عليه من عند آخرهم إكراماً وتبجيلاً. محمّد بن ثابت بإسناده إلى أبن مسعود، والفلكيّ المفسّر بإسناده إلى محمّد أبن الحنفيّة قال: بعث رسول الله (ص) عليّاً (ع) في غزوة بدر أن يأتيه بالماء حين سكت أصحابه عن إيراده فلمّا أتى القليب وملأ القربة فجاءت ريح فأهرقته وهذا في الثانية والثالثة، فلمّا كان في الرابعة ملأها فاتى به النبي (ص) فأخبره بخبره فقال رسول الله (ص): أمّا الريح الأولى فجبرئيل في ألف من الملائكة سلّموا عليك، والريح الثانية ميكائيل في ألف من الملائكة سلّموا عليك، والريح الثالثة إسرافيل في الف من الملائكة سلّموا عليك.
وقد رواه عبد الرحمن بن صالح بإسناد عن الليث فكان يقول: كان لعليّ (ع) في ليلة واحدة ثلاثة آلاف منقبة وثلاثة مناقب ثمّ يروي هذا الخبر ثمّ ذكر ابيات السيّد الحميريّ وهي قوله (رحمه الله):
اُقسم بالله وآلائه والمرء عمّا قال مسئول
إنّ عليّ بن ابي طالب على التقى والبرّ مجبول
وأنّه كان الإمام الذي له على الاُمّة تفضيل
يقول بالحقّ ويعني به ولا تلهّيه الأباطيل
كان إذا الحرب مرتها القنا وأحجمت عنها البهاليل
يمشي إلى الروع وفي كفّه أبيض ماضي الحدّ مصقول
مشي العفرنيّ بين أشباله أصحره للقنّص الغيل
ذاك الذي سلّم في ليلة عليه ميكال وجبريل
جبيرل في إلف وميكال في ألف ويتلوهم سرافيل
في يوم بدر بدّداً كلّهم كأنّهم طير ابابيل
(43)

سقاية عليّ (ع) للصحابة يوم الحديبيّة: روى الشيخ المفيد (رحمه الله ) في الإرشاد بإسناده إلى عبد الله بن سالم قال: لما خرج رسول الله (ص) في عمرة الحديبيّة نزل الجحفة فلم يجد بها ماء فبعث سعد بن مالك ـ يعني أبن أبي وقاص ـ بالرويا حتى إذا كان غير بعيد رجع سعد بالروايا وقال: يارسول الله! ما أستطيع ان أمضي وقد وقفت قدماي رعباً من القوم، فقال له النبي (ص): أجلس، ثم بعث رجلاً آخر فخرج بالروايا حتّى إذا كان بالمكان الذي انتهى إليه الاول رجع فقال له رسول الله (ص) لم رجعت؟ فقال: يارسول الله! الذي بعثك بالحقّ نبياً ما أستطعت أن أمض رعباً، فدعا رسول الله (ص) أمير المؤمنين (ع) فأرسله بالروايا وخرج السقاة وهم لا يشكون في رجوعه لما رأوا من رجوع من تقدمه، فخرج (ع) بالروايا حتّى ورد الحرار فاستقى ثم أقبل بها إلى النبي (ص) فلما دخل كبر النبي (ص) ودعا له بخير، إنتهى.

سقاية الحسين (ع) لأهل العراق:

قد تكرّرت سقاية الحسين (ع) لأهل العراق سقاهم ثلاث مرّات بدعائه وسفه ووعائه: أما سقايته لهم بدعائه فقد تقدمت: وأما سقايته لهم بسيفه فقد روى بعض علماءنا أن معاوية لما ملك الشريعة على أهل العراق يوم صفين بعث أمير المؤمنين (ع) في الخيل الحسين بن علي (ع) ومالك بن الحارث الأشتر فأزالا أهل الشام عنها وملكاها فوردها أهل العراق وصارت في أيديهم حتّى انقضت الحرب.
وأما سقايته لهم بإناءه ووعاءه فذاك لما لقيه الحرّ بن يزيد الرياحيّ وقد أثر العطش فيه وفي جنده.
(44)

روى أبو جعفر الطبريّ في التاريخ(1) عن عبد الله بن سليم والمذري بن المشمعل الاسديين، ورواها الشيخ المفيد وغيره عنهما قالا: أقبل الحسين (ع) حتّى نزل شراف فلمّا كان وقت السحر أمر فتيانه فأستقوا من الماء فأكثرو ثم ساق القصة في مسيره ولقاء الحر وقال: فقال الحسين (ع): اُسقوا القوم وارووهم من الماء ورشفوا الخيل ترشيفاً، فقام فتيانه وسقوا القوم من الماء حتّى ارووهم من الماء وأقبلوا يملأون القصاع والطساس والانوار من الماء ثم يدونونها من الفرس فإذا عبّ فيها ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً عزلت عنه وسقوا آخر حتى سقوا الخيل كلّها.
قال هشام: حدّثني لقيط عن عليّ بن الطعان المحاربي قال : كنت مع الحرّ بن يزيد فجئت في آخر من جاء من أصحابه فلّما الحسين ما بي وبفرسي من العطش قال: أنخ الرواية، والرواية عندنا السقاء، ثم قال: يابن أخي! أنخخ الجمل فأنخته فقال:أشرب، فجعلت كلّما شربت سال الماء من السقاء فقال: أخنث السقاء اي أعطفه، قال: فجعلت لا أدري كيف افعل، قال: فقام الحسين فخنثه فشربت وسقيت فرسي ألخ.
هذه هي الهمم العالية وهذه شيم الأحرار الراقية، هذه شمائل السادات العظماء أحيا سلام الله عليه تلك النفوس الشريرة والارواح الخبيثة أنفس الطغاة الطغام التي هي بالهوان أولى منها بالكرامة، وبالإتلاف اخرى منها بالسلامة لأن هذه العصابة الفاجرة والفئة الجائرة أقبلت مصرّة على محق الحقّ وعازمة على جذّ أصول العدل ومصممة على أستئصال جرثومة الوحي وقطع شجرة النبوة الباسقة فروعاً وأغصاناً وجادة كل الجد جاهدة على إطفاء نور الله المضيء في بلاده.
1ـ تاريخ الطبري 6/338.
(45)

وقد سنحت الفرصة بقطع هذه العصابة المتمردة وأمكنت الحازم الأريب من استئصالها وأبادتها فيستريح العالم الإسلامي من جورها وعدوانها ولكن أبت نفسه الحرة واعراقه الكريمة وشيمه النفاحة بالغواضل عن ارتكاب الفعلة التي لا تلائم طباع الاحرار ولا تتفق مع شيم الازكياء وإن عدّها المحاربون حزماً ويقظة وأتخذوها فرصة سانحة وأعتبرها الساسة فتخاص معجّلاً.
فأنه (ع) وكل ذي حفيظه شمّاء وأنف وشمم يراها ويعدّها دناءة وخسة ويعتدها وصمة لا تناسب مجده التليد، ولا تلائم شرفه العتيد فأمر بإروائهم حيث أشرفوا على التلف وأشفوا على الهلاك، ولو صادفت هذه الفعلة الكريمة نفوس عرب اقحاح وأماجد أحرار ولو كانت منه إلى رجال شرفت ومفخرة لكانت منة من اعظم المنن ونعمة من اكبر النعم طواقهم بها كريم وأسدى لهم يداً بيضاء يجب شكرها على أعقاب الأعقاب ونسل النسل، ولكن ياللأسف صادفت تلك المنّة العظيمة واليد البيضاء نفوس أهل الكوفة الخسيسة ذات الأكباد الغليظة والطباع الجافية الجلفية والاعراق الدنيئة فأصبح الشكر والواجب عليها كفراناً وجحوداً، لم يمض على هذه القصة أكثر من عشرة أيام حتّى قابله اولئك الأوغاد الطغام بأشدّ ما يكون من القسوة، وأظهروا من الغلظة والجفاء والوقاحة القحّة والصلف والفظاظة مالم يقع له نظير، وحصروه في فلاة جرداء مقفرة ومفازة بعيدة عن الريف، ومنعوه ورد المباح المشترك بين سائر الحيوان، ويقول قائلهم بلا أكتراث ولا مبالاة ولا حياء ولا أمتعاض ممّا يأنف منه الاحرار، ولا يجسر على التلفظ بما دونه العربي الكريم: ياحسين! اُنظر إلى ماء الفرات كأنه بطون الحيات والله لا تذوق منه قطرة واحدة ألخ.
مع علمهم أنه أبن رسول الله (ص) وريحانته وأبن سيّد الاوصياء وابن سيدة النساء، وهو وأخوه سيد شباب أهل الجنة وإنه إمام حقّ مفترض الطاعة نصاً
(46)

صريحاً لقول رسول اله (ص) فيه وفي أخيه الحسين (ع): ولداي هذان إمامان قاما أو قعدا، فلم يرعوا تلك الحرمة ولم يفوا بتلك المنّة، ولم يجازوا بتلك اليد ولا بابعاضها فقد حملته الرقة واخذته الرأفة حتى بدوابهم التي تحملهم إلى حربه فأمر بترشيفها وإراوئها فمارق أولئك الجلاف ولا على طفله الرضيع فيرسلوا إليه جرعة من الماء قبل أن يرسلوا السهم الشرير إلى نحره الشريف وقد أحسن من قال:
أرى الإحسان عند الحرّ ديناً وعند النذل منقصة وذماّ
كماء المزن في الأصداف درّ وفي بطن الافاعي صار سمّا

مقدرة الحسين (ع) وعظمته:

وأنظر إلى هذه المقدرة العظيمة مقدرة الحسين (ع) على إرواء الف فارس وألف فرس وكل فرس لا ترويه قربة لنها تشرب اربعاً وخمساً، وهذه المقدرة تدل على ان سلطنة الحسين (ع) عظيمة، وأن استعداده الملوكيّ اكبر استعداد لم يستعدة ملك كان في العالم قبله لأنا لم نسمع أن ملكاً من الملوك المعاصرين له أو السابقين لعصره أروى بالفاضل عن كفاية جيشه هذا المقدار، ومن أروى بفاضل ماءه هذا العدد فهو عظيم جدّاً لا شكّ أن مع الحسين (ع) من العائلة والاتباع والخدم والاكرياء ومن صحبه في الطريق من أهل الامصار قاصداً إلى وطنه ما لا يقل عن الالفين، وكم تعدّ لهم من الدواب التي تحلمهم وتمل أزوادهم وأثقالهم وتحمل الماء الذي هذا مقداره حتى يكفي الفاضل منه الف فارس والف فرس، فإذا قست ذلك إلى هذا العدد ثبت أن ليس في مقدرة ملك من ملوك الدينا قبل عصر الحسين (ع) وبعده إلى زمن ظهور الآلات بالخارية والمضخات والانابيب فقد ورد في سير كثير من الملوك أنه متى أجتاز بمنزل لا ماء فيه أثر بجنده العطش وإن الحسين (ع) بنفس الماء الذي سقى به هؤلاء الأجلاف يكفي
(47)

الجيش الضخم في اي منزل على غير ماء.
للمؤلف:
سبط النبيّ علا كلّ الموك عُلا وفاقهم باقتدار غير محدود
بفاضل الماء روّى ألف راحلة والف شخص لهيف القلب مجهود
هم اهل بيت لهم في كل معضلة فضل على الناس لا يحصى بتحديد
إن تذكر الرشد فإرشاد شيمتهم أو تذكر الجود كأنوا الاُسّ للجود
لكنّ من عجب الايام إن حكمت آل الطليق بآل المصطفى الصيد
تلك السكارى نشاوي في اُسرتها وآل خير الورى صرعى على البيد

سقاية أبي الفضل (ع) لعطاشى كربلاء:

قد تكرّرت منه السقاية وليست سقاية واحدة كما توهمه بعض اهل المقاتل بل هي ثلاث مرّات جلب فيها الماء لعطاشى عيال أخيه الحسين (ع) حسبما أستفدنا ذلك من الأخبار الواردة في قصّة المقتل الشريف.

السقاة يوم كربلاء ثلاثة:

أثنان علويّان العبّاس الأكبر وعليّ بن الحسين الأكبر، وواحد همدانيّ هو برير أبن خضير.
أما علي بن الحسين (ع) فذكر قصة سقايته فخر الدين الطريحي في المنتخب(1) فراجعها، ورواها الصدوق القمي (رحمه الله) في الأمالي وأنه بعثه في ثلاثين فارساً وعشرين راجلاً وراجعها في قصّة المقتل من الأمالي، ورواها الدربنديّ في أسرار الشهادة(2).
1ـ المنتخب 2/55 طبع الحجريّ النجف ـ المطبعة المرتضوية.
2ـ أسرار الشهادة: ص262.
(48)

وأما سقاية برير فرواها صاحب اسرار الشهادة وتبعه صاحب معالي السبطين وتركنا ذكر القصتين حذر التطويل وفوت الغرض المقصود.

أما سقاية العبّاس (ع):

فقد تكرّرت منه مراراً منها ليلة العاشر نفذل بأمر أخيه الحسين (ع) لطلب الماء، ومنها يوم العاشر قبل مقتله سمع صراخ العائلة وضجّة الصبية من الظمأ فأستأذن سيّده الحسين (ع): أحمل معك القربة، وفي هذه النوبة تمكن من الوصول إلى المشرعة ومل القربة لكنّه لم يتمكن من إيصال الماء إلى العائلة لأن حرس الماء قد تداعوا عليه من كلّ صوب واحاطوا به من كلّ وجه فقطعوا عليه خطّ الرجعة وعلموا أنّ سلامة القربة تحثّه على اختراق تلك الصفوف وأن الجموع مهما تراكمت وتكاثفت عليه سيشقها نافذاً إلى الحسين (ع) وأنّه يصل إلى مقصده لا محالة فرأوا من المستحيل صدّه عن مقصده إلاّ بإراقة ماء القربة فإن إراقة ماءها يوجب ضعف عزيمته ويوهن عزمه وينهك قوى نهضته فتعمدوا القربة وجعلوها هداف ورشقوه رشقاً متواصلا فأصابها بعض السهام المسددة نحوها فشقها واريق الماء فكانت هي السبب لأن يقف هدفاً للسهام وغرضاً للأسنة والظباة وآثر حينئذٍ المنيّة على مواجهة العائلة اللهيفة التي ترقب طلوعه عليها بالمنعش والمنقذ من لهفة الصدا وأرى أنّ موته الحرّ الكريم ايسر من إيراد حجج الاعتذار، وهذه القصّة الاخيرة نوردها مفصلة في حديث شهادته في الجزء الثالث.

السقاية الاُولى:

ذكر عامّة أرباب المقاتل أنّ أهل الكوفة منغوا الحسين (ع) من الوصول إلى الشريعة ثلاثة ايام لذلك أورد أبو مخنف في المقتل الصغير وسبط أبن الجوزيّ.
(49)

في التذكرة شهادة العبّاس يوم السابع من المحرّم ولكن المرويّ عن السيدة سكينة بنت الحسين (ع) أنها قالت: عزّ ماؤنا يوم التاسع وهو الاوفق الاصوب لأن أستعداد الحسين (ع) بالماء حسبما سمعت يكفي لسدّ حاجاتهم ثلاثة ايام فتشتد حاجتهم له ليلة العاشرة.
وفي كلام أبي حنيفة الدينوري في الاخبار الطوال: إن بقايا ماء بقيت عندهم ليوم العاشر ذكر ذلك في مقتل الحسين (ع)(1) ونصه: وبقي ملياً جالساً ولو شاؤوا ان يقتلوه قتلوه غير أن كل قبيلة كانت تتكل على غيرها وتكره الإقدام على قتله، وعطش الحسين (ع) فدعى بقدح من ماء فلما وضعه في فيه رماه الحصين بن نمير بسهم فأدخله في فمه وحال بينه وبين شرب الماء فوقع القدح من يده، ولما رأى القوم قد أحجموا عنه قام يتمشى على المسنّاة نحو الفرات فحالوا بينه وبين الماء فأنصرف إلى موضعه الذي كان فيه ألخ.
وهذا القول في غاية الشذوذ والغرابة لا تفاق المؤرّخين أنه (ع) قدّم طفله الرضيع إلى الاعداء طالباً له منهم الماء لشدّة ظمأ الطفل وإنه قد أشرف على الموت من العطش فلو كان في خيامه قدح ماء آثر به الطفل وما أحتاج إلى طلب من أجلاف أنذال.
قال سبط ابن الجوزي في التذكرة(2): لما رحل الحسين (ع) من القادسية وقف يختار مكاناً ينزل فيه وإذا سواد الخيل اقبل كالليل كأنّ راياتهم أجنحة النسور واسنّتهم اليعاسيب فنزلوا مقابلهم ومنعوهم الماء ثلاثة أيام.
ثمّ قال بعد أسطر: ولمّا أشتدّ العطش بالحسين (ع) واصحابه بعث بالعبّاس بن
1ـ الأخبار الطوال: ص255.
2ـ تذكرة الخواص: ص141.
(50)