ما عاش الاحرار من بني الانسان الذين يأنفون من الرضوخ لذل الاستعباد للادنياء المتسلطين عليهم بالجبروتية والعنف ويأبون الخضوع لقساوة الاستعمار .
فسيد الشهداء الحسين بن علي (ع) من الوجهتين الشرعية والعقلية كان من واجبه النهوض بالدعوة الى العدل والخروج عن طاعة امراء الجور وليس في الموت عار ولا عنه محيص وقد ردد ذلك في خطبته الرنانة كقوله (ع) : ( لا محيص عن يوم خط بالقلم ) وغيرها من خطبه العجيبة وقد جرى على لسانه كثير التمثل باشعار الحماسيين من العرب كقول بعضهم :
سأمضي وما بالموت عار على الفتى اذا ما نوى حقا وجاهد مسلمـــا

وقد تخيل بعض من لا المام له ولا وقوف على الحقائق ان خروجه (ع) عن الحجاز قاصدا للعراق طالبا مصر الكوفة خاصة عن اختيار منه وارادة ويضن ذلك في فكره القاصر ان هذا القصد خطأ في الرأي ولكن المصيب الحسين (ع) والمخطئ غيره كائنا من كان .
فالتحقيق ان الحسين (ع) اضطرته الضروف الحرجة الى قصد الكوفة فقصدها غير واثق بأهلها ولا مطمئن باستقامتهم وان كاتبوه وقد اكد فكرة الناقدين لسيره الى الكوفة اعتراض المعترضين عليه من النصحاء كابن الحنفية وابن عباس وغيرهما ونهيهم له عن الخروج عن الحجاز وان يتوجه الى غيرها من العواصم الاسلامية كاليمن او يلتحق بالشعاب والاودية ورؤوس الجبال ، هذا رأيهم اجمع ، نعم كل ناصح يشير بمبلغ علمه من الرأي بعد ان يبذل مجهوده ولكن لا ينبغي الاخذ بالنصيحة ما لم تكن على جانب السداد لكن الناصح لا يهتم اذا كان اخطأالرأي الاصوب بعد ان ادى واجب النصيحة في بذل مجهوده من التفكير . وقد اشار غير ابن عباس وابن الحنفية على الحسين (ع) بقصد اليمن ولم يكن
(401)



عند الحسين (ع) ذلك بالرأي السديد لعلمه (ع) وجهلهم بحقيقة الامر غفلة وذهولا .
كانت اليمن في عهد امير المؤمنين (ع) وعليها ولاته وامراؤه وبها شيعته كما ذكروا فارسل اليها معاوية جيشا بقيادة بسر بن ارطأة العامري ففتك بهم ذلك الفتك ولم يقفوا امامه ساعة من نهار ولا انتصفوا منه وقد احل بهم الدمار واشرف بهم على البوار ، هذا ولم تجر لهم معه معركة ولا دافعوا عن انفسهم ودفعوا عدوهم الجائر المتسلط السافك لدمائهم الذي بقر بطون الحبالى واستخرج الاجنة وذبح الاطفال فلم يقاوم تيار جوره منهم مقاوم وهم الوف اضعاف الجيش الغازي لهم بكثير ولولا همة امير المؤمنين (ع) بارسال الفي عراقي الى اليمن بقيادة جارية بن قدامة السعدي التميمي احد ثقاته فطرد بسرا عن اليمن ونفاه عن ارضهم وارجعه صادرا خاسئا ذليلا فارا منه فرار الارنب من الذئب ، ولولا ذلك لافناهم وابادهم .
فاذا كانت هذه همة هؤلاء فكيف يثق الحسين (ع) بهم ويقصدهم سيما وقد تمركزت فيهم الدعوة الاموية وسرت فيهم روح النفاق وانتشرت جراثيم الفساد في تلك الاصقاع وقد سيطر الجور والظلم على المتمسكين بالعدل من اهالي تلك البلاد فاصبح المحق منهم اسير السلطة الاموية الجائرة موثق بقيد وثيق من طاعتهم وولاة يزيد في اقطارهم هم المهينون على اليمن باسره كبحير بن ريسان الحميري واضرابه ، فلا بد من قصد العراق ، وقد علم الناس قاطبة غدر اهل العراق وخاصة الكوفة وهي الى اليوم وشيجة نابتة وسجية ثابتة ذات عروق مشتبكة والعوام في عصرنا اذا تبين لهم خيانة عشيرة او غدر قبيلة باخرى او ميلها مع المتسلط الغالب بعد توكيدها الحلف مع المغلوب يقولون في امثالهم بلغتهم الدارجة ( هوسة ما سرع دورة كنداغج ) ولذلك شواهد لا يهمنا اثباتها من
(402)



نقض العهود والمواثيق فيما شاهدنا وسمعنا ولاهمنا الا التعرض لقديمها .
فلظهور الخيانة في اهل الكوفة وتواتر الغدر فيهم انتقل عنهم ابو العباس السفاح الى المدينة الهاشمية فاختطها وسكنها وكررها اخوه ابو جعفر المنصور لقربها منهم فانتقل الى بغداد بعد ان بناها .
وقد اكثر اهل البيت في اشعارهم من وصفهم في ذلك العصر بالغدر والخيانة ونقض العهود والمواثيق ومن اعظم ما افتضح به هذا الشعب وانكشفت به سرائرهم الخبيثة وبان به نفاقهم وفجورهم ، واختزنوا به امام الامم والشعوب مقتهم فيه جميع اهل الاديان وسائر العقلاء وبقى وسما في جباههم الى يوم القيامة يمقتهم به كل واحد ، ويشنؤهم به كل حليم ويشتمهم به كل متدين ويلعنهم به كل ملَك وملِك غدرهم بالحسين ابن رسول الله (ص) وعجزهم عن الوفاء له بما كتبوا به اليه وهم سبعون الف كوفي مسلح سوى ابنائهم وعبيدهم ومواليهم .
واقبل اليهم عبيد الله عبد بني علاج وابن عاهرة ثقيف العبد الزنيم ابن زياد في عبيده وخوله بسوطه وعصاه فانقادوا له واذعنوا بالطاعة ولم يسل عليهم سيفا فيقال خافوه وانما هو تهديد وتوعيد ستجيء اليكم جيوش اهل الشام ، سيقبل اليكم جند يزيد سيطرقكم ما لا قبل لكم به وما لا تقاوموه وامثال هذا الوعيد والتهديد الذي لا يزيد حقيقة على تفزيع الصبي الرضيع والطفل الصغير اذ يقال في تفزيعه تخويفه ( اتاك الواوي ) اي الثعلب ، جائك الارنب فيسكت عن البكاء خوفا ورعبا يتخيل ان الارنب والثعلب ( الواوي ) لقلة علمه وقصور فهمه عن الادراك ان هذا من البلاء العظيم الذي لا يقاوم فيتغلغل في دماغه الجامد من الرعب ما لا يتغلغل في ادمغة الكبار المميزين من خوف السباع المفترسة كالاسد والنمر .
(403)



هكذا يتخيل اهل الكوفة من مواعيد ابن زياد لقلة ادراكهم وقصور افهامهم عن ادراك وتمييز العقلاء وقد قال لهم امير المؤمنين (ع) :<< حلول الاطفال وهقول ربات الحجال >> يضنون من جمود ادمغتهم ان الجيوش الشامية مطلة عليهم وحسبوا ان اثرها كبير في الملتقى وان امرهم مرهوب ونسوا من جهلهم انهم كافحوهم في بلادهم وضاربوهم في عواصمهم وقارعوهم حتى اغصوهم بالريق فما فما استطاعوا ان يبتلعوه خوفا ورهبة فالجؤوهم الى الفرار ولولا انهم لاذوا منهم بالمصاحف لاستأصلوهم اجمع وكانت تلك لهم ايضا خدعة الصبي عن اللبن وهم الذين طردوهم في الغارات بشرقي تدمر عين التمر واليمن وغيرها .
ولم يدر عليهم العبد الاجدع ابن مرجانة الاموال والعطايا ويفرق فيهم الجوائز حتى يقال غرتهم الاطماع وان المال ليرغب فيه السفاء ارباب الدنيا ، انما كانت مواعيد باطلة وتمنيات كاذبة تشبه مواعيد عرقوب ولمحات السراب ، يقول لهم : ان يزيد امرني ان ازيد في عطائكم مأة مأة ولم تكن تلك المأة المحقرة في النظر الموعود بها هؤلاء الالاف الغدرة والخونة الفجرة اثر يحس ولا شبح يجس فهي ايضا تشبه الاولى من كونها كخديعة الصبيان الرضع والاطفال الضغار او ان الفطام متى ما طلب الصبي او حن الى الرضاع يقال له سيجيء ابوك بالرمان وقرص النعناع والحلوى فيسكت السفيه المفرور وينخدع ذلك الصبي الكع .
هكذا يظن هؤلاء الاجلاف سخفاء العقول والاجلاف الساقطون الادنياء وان عدهم من لا خبرة له اشرافا اذ لا يكون مولانا الحسين (ع) ممن تخفى عليه رذالتهم وخلقهم الذميم ولا عنصرهم الفاجر ولا عاداتهم التعيسة واقدم عليهم لا لكونهم كاتبوه وانه وثق منهم بالنصرة راج منهم الوفاء فليس ممن ينسى عاداتهم في الغدر وانطباعهم على الخيانة ، كلا ، قد غدروا بابيه امير المؤمنين (ع)
(404)



واخيه الحسن (ع) وقد شاهد بنفسه ذلك الغدر ونظر بعينه الى تلك الخيانة لكنه (ع) سدت في وجهه الدنيا وضاقت عليه مسالك الارض العريضة فليس له مستقر ولا مأوى ولا ملجأ.
اما المدينة فقد علم كل احد اخذ عمال يزيد بن معاوية بالتشديد عليه حتى خرج عنها مطرودا مشردا خائفا مترقبا لا يدري متى يدركه الطلب وتحيط به كتائب المعتدين ولما علم يزيد بن معاوية باستقراره في مكة المشرفة حرم الله المنيع ومحل الامن الذي جعله الله حرما آمنا يتحطف الناس من حوله وعرف يزيد ان واليه الاول على المدينة ومكة لا ينفذ اوامره في الحسين (ع) ولا يفعل جميع ارادته وهو الوليد بن عتبة بن ابي سفيان وان كان ابن عمه وحميمه الادنى ورحمه الاقرب لكن فيه لين عريكة وسمة انصاف وميل وانجذاب غريزي لحفظ ناموس القرشية ومعرفة يصر بالعواقب التي يجهلها يزيد وهي ان في التعرض لسفك دماء ذرية رسول الله قصف العمر ومحق الدولة فهو في الوجهة الاولى لا يضغط على من تخلف عن بيعة يزيد يتألفهم ويداريهم ليجذبهم اليه بجاذب السياسة والسلاسة ويدري انهم انما تخلفوا عن بيعة يزيد تحرجا وتدينا ، ومن الوجهة حيث انه كان مفكر انظارا في العواقب يخشى من ناحية الحسين (ع) ان يصاب في دولتهم فيجعل الله لها البوار ويعاجلها بالدمار فلم يرض تلك الخطة التي سار عليها ملكه الشقي وامره الفاجر يزيد بن معاوية ولا اعجبت يزيد هذه الرياضة وسلاسة الاخلاق واستاء كثيرا من تأخير الفتك بالحسين (ع) او القاء القبض عليه فاجله بالعزل فكانت هذه اول خطوة خطاها يزيد لاثارة الفتنة التي طغت نيرانها المشعلة بين المسلمين فابدله على الفور بالمارد المتكبر جبار بني امية عمرو بن سعيد بن العاص الذي قال فيه رسول الله (ص) : << يرعف على منبري جبار من جبابرة بني امية >> فكان ذلك الجبار الراعف
(405)



عمرو بن سعيد فانه حين ولاه يزيد الحجاز والموسم ودخل المدينة رقى المنبر النبوي الشريف فرعف انفه دما فتقاه بعضهم بالعمامة فخطب خطبة قاسية قال بعدها : اركبوا كل بعير بين السماء والارض واطلبوا الحسين ، ثم دس مع الحجاج بصفة الحاج ثلاثين من مردة بني امية وامرهم على امر يزيد بقتل الحسين (ع) فتكا واغتيالا اينما كان وحيثما وجد ولو كان باستار الكعبة وقد علم الحسين (ع) بذلك فخاف ان تهتك حرمة الحرم بقتله وقد قال (ع) : << لان اقتل خارجا عنه بباع خيرا من ان اقتل دانيا اليه بذراع >> فاحل من احرامه وجعلها عمرة مفردة وتهيأ للخروج .
وقد كان (ع) وعد اخاه محمد بن الحنفية وقد اشار عليه ان لا يبرح الحرم ولا يفارق مكة فمناه باعادة النظر فيما قال فلم يفجأ محمد الا تصميم الحسين (ع) على مغادرة مكة والارتحال عن الحرم فطالبه محمد بالوفاء بما اوعده من النظر والامام الحسين (ع) لا يخلف وعده بالاختيار وحيث ان الامر لم يكن متضحا لمحمد بن الحنفية ولا عالما به لم يشته الحسين (ع) ان يكشفه له لئلا يتكدر عليه عيشه ويستاء من الوقوف عليه او لضرب اخر من المصلحة التي رآها الامام وخفت علينا ، فاجابه ان رسول الله (ص) امره بامر هو ماض اليه وقد كان رسول الله (ص) قد امر الحسين (ع) في حياته لما نزلت الملائكة كجبريل وملك القطر و غيرهما لتهنئة النبي (ص) بولادة الحسين واخبروه بما يجري عليه من امته بعده ، فلما شب (ع) وترعرع اكد عليه جده محمد رسول الله (ص) بان لا يرضخ لحكم بني امية ولا يقارهم على سيرتهم وقد رآهم في منامه ينزون على منبره نزو القردة فسائه ذلك وما استجمع ضاحكا حتى مات وهذه الرؤيا المشار اليها بقوله : «وما جعلنا الرؤيا التي أريناك الا فتنة للناس والشجرة الملعونة في
(406)



القرآن »(1) ، ونزلت سورة القدر والكوثر تسلية له .
ثم لما كانت اللية التي ارتحل في صبيحتها الحسين (ع) من مكة رأى جده النبي (ص) في المنام فأمره بالخروج عن مكة لئلا تستباح بقتله حرمة البيت الحرام وانه لابد ان يقتل في سبيل احياء الشرع الذي اماتته اعمال بني امية الماحقة للدين حقيقة ، ولما خرج (ع) لم يدري اين يتوجه كما قالت اخته الحوراء زينب (ع) في قولها ليزيد بعد دخولها مع السبايا مجلسه الفاضح : << اضننت يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار الارض وافاق السماء ان بنا على الله هوانا وبك عليه كرامة . . . >> الخطبة المشهورة . وقال السيد جعفر الحلي في رثائه شعرا :

لم يدر اين يريح بدن ركابه فكأنما المأوى عليه محرم

ويقول السيد حيدر في رثائها (ع) شعرا :

ضاقت بها الدنيا فحيث توجهت رأت الحتوف أمامها وورائها

وهذا السبب قد خفي على جميع من تصدى لذكر هذه الفاجعة العظمى فاغفله النمتقدمون والمتأخرون وانا اراه من الواضح الجلي الذي يرى بأدنى التفات الى واقع الامر وذلك انه (ع) خاف القتل بالمدينة وخشي الاغتال بمكة فلم يجد بالبلدين محل استقرار فتردد امره بين المسير الى اليمن او الشام او البصرة او الكوفة وبقية الاقطار تبع لهذه العواصم الاربعة :
اما الشام فسبيلها واضح وهي عاصمة بني امية ومحل تخت يزيد بن معاوية .
واما اليمن فقد عرفت امرها وانها قد استقامت ليزيد وتمهدت له وقد احتلها عماله وولاته وليس لاهل اليمن الا طاعة يزيد ومن بها من الشيعة فتحت الضغط وبحير بن ريسان الحميري والي يزيد بن معاوية متسلط عليها وتمكن سلطانه بها
(1) الاسراء : 60 .
(407)



ونفذ امره فيها وتمت سلطته وسيطرته عليها فلا يمكن الحسين (ع) ان يصير الى اليمن على هذه الصفة وهذه الحال وانه لا بد له من قوة حربية كافية يتمكن بها من احتلال البلاد وليس معه حين خرج الا اهل بيته الادنون ونفر يسير من خلص شيعته .
وامام البصرة فهي بالطبع عثمانية واحقاد يوم الجمل متوغلة في صدور اهلها وبغض اهل البيت سائد على الغالب من سكانها عليهم رجل من الازد على بغض امير المؤمنين (ع) ، فقال : كيف لا ابغض من قتل اكثر من خمسمائة من قومي في غداة واحدة ، او ما هذا معناه . اذن فقد تمركزت بها ايضا دعوة بني امية وضبطها ابن زياد ضبطا فوق العادة وقد كاتب الحسين (ع) اشرافهم فلم يحمد ردهم ، واول ما اختبر مما يوجب عدم الوثوق بهم قبضهم على رسوله سليمان ابن رزين وتسليمه الى ابن زياد فقتله رحمة الله عليه ، فكيف يطمئن الحسين (ع) بهم او يثق فيهم حتى يسير اليهم ، فلم يبق الا الكوفة .
واذا عرفت انه (ع) مقتول لا محالة اقام ام ظعن ، وسواء قصد الشام او اليمن او البصرة او الكوفة كان قصد الكوفة متعين لما فيها من شيعته وانه لو سبق ابن زياد لاستقاموا له ، هذا ما تعرفه الناس من المسوغ لقصد الكوفة وهو الظاهر عند المؤرخين واهل السير ، والذي اراه حيث ان القتل كان محيطا به فقصد الكوفة هو المتعين اتماما للحجة عليهم وتأكيدا للبرهان اذ انهم كاتبوه واوثقوه له حتى لا يقولوا لو قصد غير مصرهم من الامصار فقتل انه ما جاءنا لو جاءنا لنصرناه ومنعناه ودفعنا عنه كل ما يحيط به من الاعداء وقد قالوا لابيه امير المؤمنين (ع) مثل ذلك وقد اراد الرجوع الى المدينة بعد فراغه من حرب البصرة ليغزو منها الشام : امض معنا الى الكوفة نسير معك الى الشام ثم في رفع المصاحف خذلوه فذكر ذلك في رجز له :
(409)


دبوا دبيب النمل لا تفوتوا واصبحوا بحربكم وبيتوا
حتى تنالوا الثأر او تموتوا قد قلتموا لو جئتنا فجيت

وقد كان ما كتبوا به اليه ينبئ عن هذا حيث كتبوا اليه ان النعمان بن بشير لا نحضر معه جمعة ولا جماعة فلو اقبلت الينا لاخرناه حتى نلحقه بالشام . . . الخ .
ولاهل الامصار التي يقصدها الحسين (ع) غير الكوفة ان يعتذروا ويقولوا لم نرسل اليك ولم نكاتبك ونحن عاجزون عن مقاومة السلطان وغير قادرين على حمايتك ، وليس لاهل الكوفة هذا العذر بل يقال لهم ان كنتم لا تقدرون على منعه فلم غررتموه كما قال لهم سليمان بن صرد الخزاعي حين اجتمعوا في داره ليكاتبوا الحسين (ع) : ان كنتم تعلمون انكم ناصروه وقاتلوا انفسكم دونه فاكتبوا اليه والا فلا تغروا الرجل ودعوه في حرم جده . فقالوا كلنا نموت دونه وقد وبخهم الحر الرياحي بعد ان تحول من عسكرهم الى عسكر الحسين (ع) : انكم قد دعوتم هذا العبد الصالح وزعمتم انكم قاتلوا انفسكم دونه ثم عدوتم عليه تقاتلونه . . . الخ . وكثير مثله في كلام اصحاب الحسين (ع) .
ولعلك لا تدري وان عرفت انه بهذا السبب قصد مصر الكوفة ولم يبق في البوادي ينتقل في فجاجها الفسيحة وفيافيها الوسيعة فانه اقرب للسلامة لا سبيل الى ذلك وان كان مظنه السلامة لانه يحمل عائلة مخدرة ذات ترف ورفاهية عيش قد ربيت في ظل القصور وغضارة المدينة ونعومة الحضارة فهي لا تقوى على مكافحة الهجير ولا تقدر على مقاسات لفحات السموم ولا سبيل الى تركها في الحرمين لان بني امية يلقون القبض على عائلته لكي يدفع نفسه بيده اليهم مستسلما ، وسياسة بني امية الجائرة تسري جهة القاء الحصار على عائلات الاشراف ارباب الشهامة والغيرة واهل المروات الذين يرون اعراضهم اعز
(409)



عليهم من انفسهم ، فالحر يأنف من تسلط المغتصب على حرمه فيسلم نفسه بيده طائعا مختارا صونا لعرضه وحمية على العقائل المخدرة وقد صدرت هذه الاعمال من بني امية فانهم ذبحوا الاطفال وحبسوا النساء بجرائر الرجال واخذوا الجار بالجار والبريء بالجاني وحبسوا على الظنة وقتلوا على التهمة .
وقد قال اليعقوبي فس تاريخه : اول من حبس النساء بجرائر الرجال معاوية وقد صدق هذا عمرو بن الحمق الخزاعي قد حبس معاوية امرأته وحملها من الكوفة الى دمشق وحبس عبيد الله بن زياد امرأة عبيد الله بن الحر الجعفي ليقبض عليه وامثال ذلك .
وقد صرح السيد ابن طاوس في كتاب الملهوف ان الحسين (ع) يخاف على عائلته لما حملها معه .
فاذن لا سبيل للحسين (ع) الا التوجه بضعنه نحو الكوفة ليرى وينظر ما تجري به الاقدار ولم يكن مصمما جازما بدخول الكوفة ولذلك امتنع على الحر لما اراده على دخول الكوفة لما عرف حالات اهلها بالخيانة وتبينت له مجاهرتهم له بالغدر والنفاق ونزعوا جلباب الحياء والعفاف وانما عزم على المرور عليها يعلمهم بقصده اياهم ومن نيته السير في الارض الطويلة العريضة كما هو فحوى امتناعه من مطاوعة الحر طالبا فيها المأمن والملجأ برجاء السلامة في دينه وحياته ولو بقصد الاقاصي من المدن الشاسعة والاقطار النائية كفارس وطبرستان وغيرها لو تعيأ له السبيل الى قصدها وهو في اثناء مواصلة السير لم يفتر من الاستظهار على اهل الكوفة ويحتج عليهم توكيدا للجحة وتشددا في التبليغ بارسال الرسل تلو الرسل كعبد الله بن يقطر الحميري وقيس بن مسهر الاسدي رسوليه المقتولين في الكوفة ظلما وعدوانا ، وعرفنا بذلك رِأيه عن قصد الكوفة اخيرا بامتناعه على الحر بن يزيد الرياحي اشد الامتناع ولو كان باقيا على عزمه في قصدها لقال سر
(410)



امامي فاني متبع اثرك داخل اليها ولم يقل له اذن لا اتبعتك حتى كثر الخطاب بينهما وطال التشاجر فذعرت لذلك المذاعير من النسوة ثم ان الحر لحسن ادبه تنازل عن حق وظيفته ورضا بان يسلك الحسين (ع) معه نصفا بسيره على جادة لا يدخل بها الكوفة ولا يعود بها الى الحجاز حتى انتهى بهما المسيرالى كربلاء وقد تكاثرت عليه الجنود حتى اضطروه الى النزول ومنعوه من السير الى الامام ولو بمقدار ربع ميل .
وقوله (ع) : << دعوني امضي الى بعض الثغور >> دليل قوي على انه (ع) لم يكن يقصد الا نجاة نفسه من القتل والخلاص من سيرة بني امية الجائرة التي يجب على كل مسلم مكافحتها وعلى كل حر غيور مقاوتها لانها خرجت عن سمت الدين خرجت عن طور الانسانية فلم يدعه الذين كاتبوه وبايعوه واكدوا له المواثيق والعهود في النصرة والمعاونة على تغيير تلك السنة الاموية الممقوتة ان يمض في طلب الموضع الذي يامل فيه السلامة في الدنيا والمعافاة في الدين وساموه خطة دنيئة يلفظها كل ذي شعور ابي ويعافها كل حر غيور وهي الرضوخ لسنن بني امية والنزول على حكم العبد اللئيم ابن مرجانة ، وفي امثال العوام العبد ثمن الرحا ، فابى وهو الابي الذي اسس وعلمه الكرام العزيز النفس الذي لا يألف الدنيئة ولا يقرب الخسيسة ولا يسأم المذلة ولا يرضخ للهوان :

فسامته يركب احدى اثنتين وقد صرت الحرب اسنانها
فاما يرى مذعنا او تمو ت نفس ابي العز اذعانها
فقال لها اعتصمي بالابا فنفس الابي وما زانها
اذا لم تجد غير لبس الهوان فبالموت تنزع جثمانها

وهذا السيد قائل هذه الابيات هو السيد حيدر الحلي قد نظم معنى كلام الحسين (ع) في خطبته الحماسية المشهورة التي يقول فيها : << الا ان الدعي ابن الدعي قد ركز
(411)



بين اثنتين بين السلة والذلة وهيهات منا الذلة يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون وحجور طابت وحجر طهرت ونفوس ابية وانوف حمية من ان نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام >> . . . الخ
واذا عرفت حقيقة السياستين الحسنية والحسينية اوردنا لك ما اوعدناك من سياق بعض الاحاديث في فضائلهما مما روته حفاظ السنة خاصة مقتصرين على ذلك ولسنا نقصد بما نورده الاحاطة ولا حصر الكتب التي روت ذلك فانها مروية في الصحاح العشرة وكتب الصحابة الثلاثة وكتب الرجال كحلية الاولياء والطبقات الكبرى وميزان الاعتدال وامثالها وكتب التاريخ كالطبري وابن عساكر وابن الاثير وغيرها وكتب التفسيركالكشاف والدر المنثور والرازي وغيرها وسائر كتب المناقب كالصواعق ونور الابصار وذخائر العقبى والرياض النضرة وكتب الحديث المسانيد كمسند احمد والدارمي وغير ذلك مما يطول بتعداده الكتاب . والاحاديث نوعان : مشتركة ومختصة . اما المشتركة فكثيرة :
منها في مشارق الانوار للحمزاوي المالكي(1): عن ابن عمر : ان النبي (ص) قال : ان الحسن والحسين هما ريحانتاي في الدنيا . اخرجه الطبراني .
واخرج الترمذي والطبراني عن اسامة بن زيد ان النبي (ص) قال : هذان ابنا ابنتي ، اللهم احبهما واحب من يحبهما . . . الخ . وهذا متفق عليه عند الجميع .
وفي الجامع الصغير للسيوطي وشرحه للعزيزي : الحسن والحسين سبطان من الاسباط(2).
وعن معاوية بن حيدة : الحسن والحسين سيدا شباب اهل الجنة .
(1) مشارق الانوار : ص141 .
(2) السراج المنير 2/208 .
(412)



وعن ابي سعيد وعن عمرو وعن علي وعن جابر وعن ابي هريرة وعن اسامة وعن البراء بن عازب - قال في المؤتلف : وهو متواتر - : الحسن والحسين سيدا شباب اهل الجنة وابوهما خير منهما (1).
وعن ابي سعيد الخدري ( قال صحيح ) : الحسن مني والحسين من علي . قال الحافظ العزيزي : اي الحسن يشبهني والحسين يشبه عليا (ع) وكان الغالب على الحسن (ع) لحلم والاناة كالنبي (ص) على الحسين (ع) الشدة كعلي (ع)(2).
وروى ابن عساكر عن المقدام بن معد يكرب الكندي واسناده جيد : الحسن والحسين شنفا العرش وليسا بمعلقين . قال العزيزي : الشنف القرط المعلق في الاذن والمراد ان احدهما عن يمين العرش والاخر عن يساره .
وعن زيد بن حارثة مولى النبي (ص) ( قال الشيخ حديث صحيح ) : اتاني ملك سلم علي نزل من السماء لم ينزلها قبلها ، بشرني ان الحسن والحسين (ع) سيدا شباب اهل الجنة(3).
وعن اسامة بن زيد ( وهو حديث صحيح ) : احب اهل بيتي الي الحسن والحسين (4). . . انتهى .
وكل هذه الاحاديث متفق على روايتها عندهم .
وفي كفاية الطالب الاريب : اخرج البيهقي عن ام سلمة قالت : قال رسول الله (ص) : لا يحل هذا المسجد لحائظ ولا لجنب الا لرسول الله وعلي وفاطمة الحسن والحسين (ع)(5).
(1) السراج المنير 2/218 .
(2) السراج المنير 2/219 .
(3) السراج المنير 1/29 .
(4) السراج المنير 1/50 .
(5) كفاية الطالب الاريب : ص125 .
(413)



وروى الحافظ ابن حجر الهيثمي في الصواعق المحرقة احاديثا منها ما تقدم ومنها : عن انس : ان رسول الله (ص) قال : نحن ولد عبد المطلب سادات اهل الجنة : انا وعلي وجعفر والحسن والحسين والمهدي(1).
واخرج عن فاطمة (ع) ان الني (ص) قال : اما الحسن فله هيبتي وسؤددي واما حسين فله جرأتي وجودي (2).
وعن بريدة ان النبي (صِ) قال صدق الله : «انما أموالكم وأولادكم فتنة » (3)نظرت الى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم اصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما .
وعن ابي هريرة ان النبي (ص) قال : من احب الحسن والحسين فقد احبني ومن ابغضهما فقد ابغضني(4).
وعن عمران بن سليمان قال : الحسن والحسين اسمان من اسماء اهل الجنة ما سمت بهما العرب في الجاهلية . . . انتهى .
وسيجيء عنه وعن غيره ان النبي (ص) سماهما باسماء ولدي هارون ، وقد ذكر المحب الطبري هذه الاحاديث وغيرها ، منها :
عن علي (ع) : ان رسول الله (ص) اخذ بيد الحسن والحسين وقال : من احبني واحب هذين واباهما وامهما كان معي في درجتي يوم القيامة . خرجه احمد والترمذي ، وقال : كان معي في الجنة(5).
(1) الصواعق المحرقة : ص112 .
(2) الصواعق المحرقة : ص114 .
(3) الانفال : 28 .
(4) الصواعق المحرقة : ص115 .
(5) ذخائر العقبى : ص123 .
(414)



وعنه قال : اخبرني رسول الله (ص) ان اول من يدخل الجنة انا وفاطمة والحسن والحسين . قلت : يا رسول الله فمحبونا ؟ قال : من ورائكم . خرجه ابو سعد .
وعن يعلى بن مرة قال : جاء الحسن والحسين (ع) يستبقان الى رسول الله (ص) فجاء احدهما قبل الاخر ‘ فجعل يده على عنقه فظمه الى بطنه وقبل هذا ثم قبل هذا ثم قال : اني احبهما فاحبوهما .ايها الناس ، الولد مبخلة ومجبنة ومجهلة . خرجه احمد والدولابي .
وعن عبد الله قال : كان رسول الله (ص) يصلي والحسن والحسين (ع) يتواثبان على ظهره فباعدهما الناس فقال رسول الله (ص) : دعوهما بابي هما وامي من احبني فليحب هذين . خرجه ابو حاتم .
وعن ااسرائيل قال : سمعت رسول الله (ص) يقول : من احب الحسن والحسين فقد احبني ومن ابغضهما فقد ابغضني ، خرجه ابو سعيد في شرف النبوة .
وعن ابي هريرة مثله . خرجه ابن حرب الطائي والسلفي وابو طاهر البالسي .
واورد (1) حديث هما ريحانتي وذكر له طرقا عديدة ، وذكر حديث شبههما بالنبي (ص) وتقدم في ترجمة جعفر الطيار وحديث انهما سيدا شباب اهل الجنة ذكر له طرقا .
وقال(2): روى ابو سعيد في شرف النبوة باسناده عن النبي (ص) قال : كان رسول الله (ص) جالسا فاقبل الحسن والحسين (ع) فلما رآهما قام لهما واستبطأ بلوغها اليه فاستقبلهما وحملهما على كتفيه وقال : نعم المطي مطيهما ونعم الراكبان اتما .
(1) ذخائر العقبى : ص134 .
(2) ذخائر العقبى : ص130 .
(415)



وعن ابن عباس : بينما نحن مع النبي (ص) ذات يوم اذ اقبلت فاطمة (ع) تبكي ، فقال لها رسول الله (ص) : فداك ابوك ما يبكيك ؟
قالت : ان الحسن والحسين خرجا ولا ادري اين يا ابتاه.
فقال لها رسول الله (ص) : لا تبكين فان خالقهما الطف بهما مني ومنك ، ثم رفع يده وقال : اللهم احفظهما وسلمهما .
فهبط جبريل (ع) وقال : يا محمد ، لا تحزن فانهما في حضيرة بني النجار نائمين ، وقد وكل الله بهما ملكا يحفظهما .
فقام النبي (ص) ومعه اصحابه حتى اتى الحضيرة فاذا الحسن والحسين (ع) معتنقين نائمين واذا الملك والموكل بهما قد وضع احد جناحيه تحتهما والاخر فوقهما يظلهما ، فاكب رسول الله (ص) عليهما يقبلهما حتى انتبها من نومهما ثم حمل الحسن (ع) على عاتقه الايمن والحسين (ع) على عاتقه الايسر فتلقاه ابو بكر وقال : يا رسول الله ، ناولني احد الصبيين احمله عنك ، فقال النبي (ص) : نعم المطي مطيهما نعم الراكبان هما وابوهما خير منهما .
حتى اتى المسجد فقام رسول الله (ص) على قدميه ثم قال : معاشر المسلمين ، الا ادلكم على خير الناس جدا وجدة ؟
قالوا بلى يا رسول الله .
قال : الحسن والحسين ، جدهما رسول الله خاتم المرسلين وجدتهما خديجة بنت خويلد سيدة نساء اهل الجنة . الا ادلكم على خير الناس عما وعمة ؟
قالوا : بلى يا رسول الله .
قال : قال : الحسن والحسين ، عمهما جعفر بن ابي طالب وعمتهما ام هانئ بنت ابي طالب . ايها الناس ، الا ادلكم على خير الناس خالا وخالة ؟
قالوا : بلى يا رسول الله .
(416)



قال الحسن والحسين ، خالهما القاسم بن رسول الله وخالتهما زينب بنت رسول الله .
ثم قال : اللهم انت تعلم ان الحسن والحسين في الجنة وعمهما في الجنة وعمتهما في الجنة ومن احبهما في الجنة ومن ابغضهما في النار ، خرجه الملا في سيرته وغيره . . . انتهى .
وفي هذه الرواية حذف معلوم ما ادري عن عمد ام سهو وهو قوله (ص) : الا ادلكم على خير الناس ابا واما ؟ قالوا بلى يا رسول الله . قال : الحسن والحسين ، ابوهما علي بن ابي طالب وامهما فاطمة بنت رسول الله (ص) . . . كما ذكره غيره .
ثم قال المحب وذكر حديث بريدة (1): ان اولادكم فتنة .
وقال عن ابي هريرة قال : كنا نصلي مع النبي (ص) العشاء فاذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره فاذا رفع رأسه اخذهما بيده من خلفه اخذا رفيقا فيضعهما على الارض فاذا عاد عادا ، حتى قضى صلاته فاقعدهما على فخذيه . قال : فقمت اليه وقلت : يا رسول الله ، اردهما ؟ فبرقت برقة فقال لهما : الحقا بامكما . قال : فمكث ضوءها حتى دخلا . خرجه احمد .
وعن انس بن مالك قال : كتب النبي (ص) لرجل عهدا فدخل الرجل يسلم على النبي (ص) والنبي (ص) يصلي ، فرأى الحسن والحسين (ع) يركبان على عنق النبي (ص) مرة ويركبان على ظهره مرة اخرى ويمران من بين يديه ومن خلفه فلما فرغ من الصلاة قال له الرجل : ما يقطعان الصلاة ؟ فغضب النبي (ص) ، فقال : ناولني عهدك ، فاخذه فمزقه ثم قال : ليس منا من لم يرحم صغيرنا ولم يوقر كبيرنا ، فليس منا ولا انا منه . خرجه ابن ابي الغراني وذكر غيره احاديثا بهذا المضمون .
(1) ذخائر العقبى : ص131.
(417)



وعن ام عثمان(1)ام ولد لعلي (ع) قالت : كان لال رسول الله (ص) وسادة يجلس عليها جبرئيل لا يجلس عليها غيره ، فاذا عرج رفعت وكان اذا عرج اتنفض فسقط من زغب ريشه فتقوم فاطمة (ع) فتتبعه فتجعله في تمائم الحسن الوحسين (ع) . خرجه الدولابي .
وعن ابي هريرة قال : كان الحسن والحسين (ع) يصطرعان بين يدي النبي (ص) فكان النبي (ص) يقول : هن يا حسن . فقالت فاطمة (ع) يا رسول الله ، لم تقول هن يا حسن ؟ فقال (ص) : ان جبرئيل يقول : هن يا حسين . خرجه ابن المثنى في معجمه . ورواه عن جعفر الصادق (ع) وان القائل علي (ع) لرسول الله (ص) والحديث مثل الاول ، وقال : خرجه ابن بنت منيع ، ولا مانع ان يكون كل واحد من علي (ع) وفاطمة (ع) سال رسول الله (ص) عن سبب تحريضه الحسن على الحسين (ع) فاخبرهما ان جبرئيل يحرض الحسين على الحسن (ع) .
وعن ابي هريرة (2) عن النبي (ص) قال : تبعث الانبياء على الدواب ويحشر صالح على ناقته ويحشر ابنا فاطمة (ع) على ناقتي العضباء والقوصاء واحشر انا على البراق ، خطوها عند اقصى طرفها ، ويحشر بلال على ناقة من نوق الجنة . خرجه الحافظ السلفي . وفي هذا الحديث وهم في بلال ، فان الذي يحشر على ناقة من نوق الجنة هو امير المؤمنين (ع) كما في حديث الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد(3) عن ابن عباس قال : قال رسول الله (ص) : ما في القيامة راكب غيرنا نحن اربعة .
فقام اليه عمه العباس بن عبد المطلب فقال : من هم يا رسول الله ؟
(1) ذخائر العقبى : ص134 .
(2) ذخائر العقبى : ص135 .
(3) تاريخ بغداد 11/113 .
(418)



فقال : اما انا فعلى البراق ووجهها كوجه الانسان وخدها كخد الفرس وعرفها لؤلؤ مشوط وادناها زبرجدتان خضراوان وعيناها مثل كوكب الزهرة توقدان مثل النجمين المضيئين لها شعاع مثل شعاع الشمس بلقاء محجلة تضيء مرة وتنمي اخرى ينحدر من نحرها مثل الجمان مضطربة في الخلق ذنبها مثل ذنب البقرة طويلة اليدين والرجلين اظلافها كاظلاف البقر تسمع الكلام وتفهمه وهي فوق الحمار ودون البغل .
قال العباس : ومن يا رسول الله ؟
قال (ص) : وعمي حمزة بن عبد المطلب اسد الله واسد رسوله على ناقتي .
قال العباس : ومن يا رسول الله ؟
قال (ص) : واخي علي على ناقة من نوق الجنة زمامها من لؤلؤ رطب عليها محمل من ياقوت احمر قضبنها من الدر الابيض على رأسها تاج من نور لذلك التاج سبعون ركنا ما من ركن الا وفيه ياقوته حمراء تضيء للراكب المحث عليه حلتان خضراوان بيده لواء الحمد وهو ينادي : اشهد ان لا اله الا الله وان محمد (ص) رسول الله فيقول الخلائق ما هذا الا نبي مرسل او ملك مقرب فينادي مناد من بطنان العرش : ليس هذا ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا حامل عرش ، هذا علي بن ابي طالب وصي رسول رب العالمين وامام المتقين وقائد الغر المحجلين . . . انتهى .
واستيفاء مثل هذا يوجب قطع الكلام لان الراكب الرابع في غير رواية الخطيب هي فاطمة الزهراء (ع) .
قال المحب (1): عن علي (ع) قال رسول الله (ص) اذا كان يوم القيامة كنت
(1) ذخائر العقبى :135 .
(419)



انت وولدك على خيل بلق متوجة بالدر والياقوت فيأمر الله بكم الى الجنة والناس ينظرون . خرجه الامام علي بن موسى الرضا (ع) . ولا تضاد بينه وبين حشرهم على العضباء والقوصاء اذ يكون الحشر عليهما اولا ثم ينقلون الى الخيل او يحمل على ولده غير الحسن والحسين (ع) منهم . . . انتهى .
وهذا توجيه جيد ، اذ مثل العباس بن علي (ع) واخوته الشهداء بالطف ومحمد بن الحنفية لهم لياقة بهذا الاكرام وليس بلال باجل قدرا منهم .
وعن علي بن الهلالي عن ابيه قال : دخلت على رسول الله (ص) في الحالة التي قبض فيها فذا فاطمة (ع) عند فبكت حتى ارتفع صوتها فرفع (ص) طرفه اليها فقال لها : يا حبيبتي فاطمة ، ما الذي يبكيك؟
قالت : اخشى الضيعة من بعدك .
فقال : يا حبيبتي ، اما علمت ان الله اطلع على اهل الارض اطلاعة فاختار منها اباك فبعثه برسالته ثم اطلع اطلاعة فاختار منها بعلك واوحى الي ان انكحك اياه .
يا فاطمة ، ونحن اهل بيت قد اعطانا الله سبع خصال لم تعط احد قبلنا ولا تعط احد بعدنا : انا خاتم النبيين واكرمهم على الله عز وجل واحب المخلوقين الى الله عز وجل وانا ابوك ووصيي خير الاوصياءواحبهم الى الله عز وجل وهو بعلك وشهيدنا خير الشهداء واحبهم الى الله عز وجل وهو حمزة بن عبد المطلب عم ابيك وعم بعلك ومنا من له جناحان اخضران يطير بهما في الجنة حيث يشاء وهو ابن عم ابيك واخو بعلك ومنا سبطا هذه الامة وهما ابناك الحسن والحسين وهما سيدا شباب اهل الجنة وابوهما والذي بعثني بالحق خير منهما .
يا فاطمة ، والذي بعثني بالحق ان منهما مهدي هذه الامة اذا صارت الدنيا هرجا ومرجا وتضاهرت الفتن وتقطعت السبل واغار بعضهم على بعض فلا كبير يرحم
(420)



صغيرا و صغير يوقر كبيرا فيبعث الله عز وجل عند ذلك من يفتح حصون الظلالة وقلوبا غلفا ويقوم بالدين في اخر الزمان كما قمت به في اول الزمان ويملأ الارض عدلا كما ملأت جورا . خرجه الحافظ ابو العلاء الهمداني في اربعين حديثا في المهدي . . . انتهى .
وهذا حديث لا شك فيه وكون المهدي منهما لا ريب في ذلك لانه ينتمى من جهة الاباء الى الحسين بن علي (ع) وينتمي من جهة الامهات للحسن (ع) لان ام جده محمد بن علي وهو الامام باقر العلم (ع) فاطمة بنت الحسن السبط (ع) وقال النبي (ص) : انا ابن العواتك وليست واحدة من العواتك اما للنبي (ص) وانما هن جميعا جدات له (ص) .
واخرج ابن سعد عن سلمة بن عبد الرحمن قال : كان رسول الله (ص) يدفع لسانه للحسين بن علي (ع) فاذا رأى الصبي حمرة اللسان يهش اليه .
واخرج الحاكم عن زهير بن الارقم قال : قام الحسن (ع) يخطب فقام رجل من ازد شنؤة فقال : اشهد لقد رأى رسول الله (ص) واضعه على على حبوته وهو يقول : من احبني فليحبه وليبلغ الشاهد الغائب ولولا كرامة النبي (ص) ما حدثت به احدا .
واخرج ابو نعيم في الحلية عن ابي بكر قال : كان النبي (ص) يصلي بنا فيجيء الحسن (ع) وهو ساجد وهو اذ ذاك صغير فيجلس على ظهره ومرة على رقبته فيرفعه النبي (ص) رفعا رفيقا فلما فرغ من الصلاة قالوا :يا رسول الله انك تصنع بهذا الصبي شيئا لا تصنعه باحد ؟ فقال النبي (ص) : هذا ريحانتي وان هذا ابني سيد وحسبي ان يصلح الله به بين فئتين من المسلمين . . . الخ .
وهذه الاحاديث رواها غيره من الحفاظ وبعضها في صحيح مسلم والبخاري ،
(421)



ورواها المحب الطبري في ذخائر العقبى وزاد(1):
عن معاوية قال : كان رسول الله (ص) يمص لسان الحسن وشفته وانه لن او شفتان مصهما رسول الله (ص) . خرجه احمد .
وعن ابي هريرة انه لقي الحسن بن علي (ع) في بعض طرق المدينة فقال له : اكشف لي عن بطنك فداك ابي حتى اقبل حيث رأيت رسول الله (ص) يقبله . قال : فكشف عن بطنه فقبل سرته . خرجه ابو حاتم ، ثم قال لو كانت العورة ما كشفتها .
وعن خالد بن معدان قال (2): وفد المقدام بن معد يكرب وعمرو بن الاسود الى معاوية ، فقال معاوية للمقدام : اععلمت ان الحسن بن علي قد توفي ؟ فرجع المقدام فقال معاوية للمقدام : اتراها مصيبة ؟ قال : ولم لا اراها مصيبة وقد وضعه رسول الله (ص) في حجره وقال : هذا مني وحسين من علي . . . الخ .
والاحاديث كثيرة في فضله يطول استيفاؤها ولنذكر صفته وبعض اخلاقه وشيمه ، كل ذلك مما روته السنة :
صفته (ع) : قال الشبلنجي الشافعي في نور الابصار(3): كان الحسن (ع) ابيض مشربا بحمرة ادعج العينين سهل الخدين كث اللحية ذا وفرة كأن عنقه ابريق فضة عظيم الكراديس بعيد ما بين المنكبين ربعة ليس بالطويل ولا بالقصير من احسن الناس وجها وكان يخضب بالسواد وكان جعد الشعر حسن البدن ، ذكره الدولابي وغيره .
نبذة يسيرة من اخلاقه وشمائله : التي لا يصل اليها الطالب :
(1) ذخائر العقبى : ص136 .
(2) 1ذخائر العقبى : ص133 .
(3) نور الابصار : ص108 .
(422)



حلمه : قال الحافظ جلال الدين السيوطي في تاريخ الخلفاء(1) والحافظ الهيثمي في تطهير الجنان على هامش الصواعق - ولفظه - بسند رجاله ثقاة : ان مروان لما ولى المدينة كان يسب عليا (ع) على المنبر كل جمعة ثم ولى بعده سعيد بن العاص فكان لا يسب ثم اعيد مروان فعاد للسب ، وكان الحسن (ع) يعلم ذلك فسكت ولا يدخل المسجد الا عند الاقامة فلم يرض بذلك مروان حتى ارسل للحسن (ع) في بيته بالسب البليغ لابيه وله . . . الخ .
نصها في رواية سبط ابن الجوزي الحنفي في التذكرة(2): ان رسالة مروان كانت هكذا : ابوك الذي فرق الجماعة وقتل امير المؤمنين عثمان واباد العلماء والزهاد - يعني الخوارج - وانت تفخر بغيرك فاذا قيل لك من ابوك تقول خالي الفرس ، ثم ساق القصة كما ذكروا .
وان الحسين (ع) تهدد الرسول بالقتل فاخبره بقول مروان ، فقال : قل له : يقول لك الحسين بن علي بن فاطمة (ع) يا ابن الزرقاء الداعية الى نفسها بسوق ذي المجاز صاحبة الراية بسوق عكاظ وابن طريد رسول الله (ص) ولعينه ، فاعرف من انت ومن امك ومن ابوك .
فجاء الرسول الى مروان فاعاد عليه ما قالا ، فقال : ارجع للحسن وقل له : اشهد انك ابن رسول الله (ص) وقل للحسين : اشهد انك ابن علي بن ابي طالب .
فقال للرسول : قل له : كلاهما لي ورغما لك .
قال المبرد في الكامل(3): ذكر ابن عائشة ان رجلا من اهل الشام قال : دخلت المدينة فرأيت رجلا راكبا على بغلة لم ار احسن وجها ولا سمتا ولا ثوبا ولا دابة
(1) تاريخ الخلفاء : ص127 ، تطهير الجنان بهامش الصواعق المحرقة : ص142 .
(2) تذكرة خواص الامة : ص119 .
(3) الكامل للمبرد 2/4 .
(423)



منه فمال قلبي اليه فسألت عنه فقيل لي : هذا الحسن بن علي بن ابي طالب فامتلأ قلبي بغضا له وحسدت عليا ان يكون له ابنا مثله ، فقلت : انت ابن أبي طالب؟
فقال : انا ابن ابيه .
فقلت : فبك وبأبيك اسبهما .
فلما انقضى كلامي ، قال لي : أحسبك غريبا ؟
قلت : اجل .
قال : فمل بنا الى المنزل فان احتجت الى منزل انزلناك او الى مال اسيناك او الى حاجة عاوناك .
قال : فانصرفت عنه وما على الارض احد احب الي منه .
نزاهته عن البذائة والفحش : قال السيوطي في تاريخ الخلفاء(1): اخرج ابن سعد عن عمير بن اسحاق قال : ما تكلم احد عندي كان احب الي اذا تكلم ان لا يسكت من الحسن (ع) وما سمعت منه كلمة فحش قط الا مرة فانه كان بين الحسن (ع) وعمرو بن عثمان خصومه في ارض فعرض الحسن (ع) امرا لم يرضه عمرو فقال الحسن (ع) فليس له عندنا الا ما رغم انفه . قال : فهذه اشد كلمة فحش سمعتها .
وذكرها الهيثمي في الصواعق (2).
تواضع الحسن (ع) : ذكر الصبان الشافعي في اسعاف الراغبين(3) قال : مر (ع) بصبيان - يعني مساكين - يأكلون كسرا من الخبز فاستضافوه فنزل واكل معهم ثم
(1) تاريخ الخلفاء : ص127 .
(2) الصواعق المحرقة : ص83 .
(3) اسعاف الراغبين : ص165 .
(424)



حملهم الى منزله واطعمهم انواعا وكساهم وقال : اليد لهم لانهم لم يجدوا غير ما اطعموني ونحن نجد كثيرا مما اعطيناهم .
علمه وحكمه واجوبته الشافية : لا شك ان الحسن (ع) بعد جده وابيه اعلم الناس .
قال ابن طلحة الشافعي في مطالب المسؤول (1): كان الله عز وجل قد رزقه الفطرة الثاقبة في ايضاح مراشد ما يعانيه ومنحه الفكرة الصائبة لاصلاح قواعد الدين ومبانيه وخصه بالجبلة التي ردت لهاخلاف مادتها بصور العلم ومعانيه فحبى بفكرة منتجة نجاح مقاصد ما يقتضيه وقريحة مصحبة في كل مقام يقف فيه ثم اكتنفه الاصلان الجد والاب وفي المثل السائر ان ولد الفقيه نصف فقيه وكان يجلس في مجالس رسول الله (ص) ويجتمع الناس حوله ويتكلم بما يشفي غليل السائلين ويقطع حجج القائلين .
روى الامام ابو الحسن علي بن احمد الواحدي في تفسيره الوسيط ما يرفعه بسنده ان رجلا قال : دخلت مسجد المدينة فاذا انا برجل يحدث عن رسول اللله (ص) فقلت : اخبرني عن شاهد ومشهود ؟ فقال : نعم ، فاما الشاهد فيوم الجمعة واما المشهود فيوم عرفة . فجزته الى اخر يحدث عن رسول الله (ص) فقلت : اخبرني عن شاهد ومشهود ؟ فقال : نعم ، اما الشاهد فيوم الجمعة واما المشهود فيوم النحر . فجزتهما الى غلام اخر كان وجهه الدينار وهو يحدث عن رسول الله (ص) فقلت : أخبرني عن شاهد ومشهود ؟ قال : نعم ، اما الشاهد فحمد (ص) واما المشهود فيوم القيامة ، اما سمعته يقول : «يا أيها النبي إنا
(1) مطالب المسؤول : ص65 .
(425)



أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا»(1) وقال تعالى : «ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود»(2)، فسالت عن الاول فقالوا ابن عباس وعن الثاني فقالوا ابن عمر وعن الثالث فقالوا الحسن بن علي بن ابي طالب (ع) فكان قول الحسن (ع) احسن . . . الخ . رواها الصبان الشافعي وابن الصباغ المالكي .
قال ابن طلحة ونقل عنه (ع) انه اغتسل يوما وخرج من داره في حلة فاخرة وبزة ظاهرة بمحاسن سافرة وقسمات ناضرة ونفحات ناشرة ووجهه يشرق حسنا وشكله قد كمل صورة ومعنى والاقبال يلوح من اعطافه ونظرة النعيم تعرف من اطرافه ثم ركب بغلة فارهة غير قطوف وسار مكتنفا بحاشية وغاشية بصفوف فعرض له في طريقه من محاويج اليهود في هدم قد انهكته العلة وانكبته الذلة واهلكته القلة وجلده يستر عظامه وضعفه يقيد اقدامه وضره قد ملك زمامه وسوء حاله قد حبب اليه حمامه وشمس الظهر تشوي شواه واخمصه يصافح ثرى ممشاه وعذاب عريه عراه وطول طواه قد اضعف بطنه وطواه فاستوقف الحسن (ع) وقال : يا ابن رسول الله انصفني .
فقال (ع) : في اي شيء؟
قال : جدك يقول : الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر وانت مؤمن وانا كافر فما ارى الدنيا الا جنة لك تنعم فيها تستلذ بها وما اراها الا سجنا لي قد اهلكني ضرها واتلفني فقرها .
فلما سمع الحسن (ع) كلامه اشرق عليه نور التأييد فاستخرج الجواب الحق بفهمه من خزانة علمه واوضح لليهودي خطأ ظنه ، فقال : لونظرت الى ما اعد الله
(1) الاحزاب : 45 .
(2) هود : 103 .
(426)



للمؤمنين الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع من نعيم الجنان والخيرات الحسان في الاخرة مما لا عين رأت ولا أذن سمعت لعمت انني قبل انتقالي اليه من هذه الدنيا في سجن ضنك ولو نظرت الى ما اعد الله لك ولكل كافر في الاخرة من سعير نار الجحيم ونكال العذاب المقيم لرأيت انك قبل مصيرك اليه الان في جنة واسعة ونعمة جامعة .
فانظر الى هذا الجواب بالصواب . . . انتهى .
وقال الحافظ ابو نعيم الاصبهاني في حلية الاولياء(1)عن الحارث الهمداني قال : سال علي ابنه الحسن (ع) عن اشياء من امر المروءة ، فقال : يا بني ، ما السداد ؟
قال : يا ابت ، السداد دفع المنكر بالمعروف .
قال : فما الشرف ؟
قال : اصطناع العشيرة وحمل الجريرة .
قال : فما المروءة ؟
قال : العفاف واصلاح المال .
قال : فما الرأفة ؟
قال : النظر في اليسير ومنع الحقير .
قال : فما اللؤم ؟
قال : احراز المرء نفسه وبذله عرسه .
قال : فما السماح ؟
قال : البذل في العسر واليسر .
(1) حلية الاولياء 2/36 .
(427)



قال : فما الشح ؟
قال : ان تر ما في يديك شرفا وما انفقته تلفا .
قال : فما الاخاء ؟
قال : المواساة في الشدة والرخاء .
قال : فما الجبن ؟
قال : الجرأة على الصديق والنكول على العدو .
قال : فما الغنيمة ؟
قال : الرغبة في التقوى والزهادة في الدنيا هي الغنيمة الباردة .
قال : فما الحلم ؟
قال : كظم الغيظ وملك النفس .
قال : فما الغنى ؟
قال : رضى النفس بما قسم الله لها وان قل ، انما الغنى غنى النفس .
قال :فما الفقر ؟
قال : شره النفس في كل شيء .
قال : فما المنعة ؟
قال : شدة البأس ومنازعة اعزاء الناس .
قال : فما الذل ؟
قال : الفزع عند المصدوقة .
قال : فما العي ؟
قال : العبث باللحية وكثرة البزق عند المخاطبة .
قال : فما الجرأة ؟
قال : مواقفة الاقران .
(428)



قال : فما الكلفة ؟
قال : كلامك فيما لا يعنيك .
قال :فما المجد ؟
قال : ان تعطي في الغرم وتعفو عن الجرم .
قال : فما العقل؟
قال : حفظ القلب كما استوعيته .
قال : فما الخرق ؟
قال : معاداتك امامك ورفعك عليه كلامك .
قال : فما السناء ؟
قال : اتيان الجميل وترك القبيح .
قال : فما الحزم ؟
قال : طول الاناة والرفق بالولاة .
قال : فما السفه ؟
قال : اتباع الدناة ومصاحبة الغواة .
قال : فما الغفلة ؟
قال : تركك المجد وطاعتك المفسد .
قال : فما الحرمان ؟
قال : تركك حظك وقد عرض عليك .
قال : فما السيد ؟
قال : الاحمق في ماله المتهاون في عَرَضَه (1)يشتم فلا يجيب والمتحزن بامر عشيرته هو السيد .
(1) عَرَضَ بالحركات الثلاثة وهو العَروض عن الاموال .
(429)



فقال علي (ع) : سمعت رسول الله (ص) يقول : لا فقر اشد من الجهل ولا مال اعود من العقل .
شفقة الحسن وسخاؤه : قال الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد(1): روي عن الحسن بن علي (ع) انه كان مارا في بعض حيطان المدينة فرأى اسودا ( يعني عبدا ) بيده رغيف يأكل لقمة ويطعم الكلب لقمة الى ان شاطره الرغيف ، فقال الحسن (ع) : ما حملك على ان تشاطره ولم تغابنه فيه شيء ؟
فقال : استحت عيناي من عينيه ان اغابنه .
فقال له : غلام من انت ؟
قال : غلام ابان بن عثمان .
فقال : والحائط ؟
قال : لابان بن عثمان .
فقال الحسن (ع) : لا تبرح حتى اعود اليك ، فمر واشترى الغلام والحائط وجاء الى الغلام فقال : يا غلام قد اشتريتك .
قال : فقام الغلام قائما وقال : السمع والطاعة لله ولرسول الله (ص) ولك يا مولاي .
قال :وقد اشتريت الحائط وانت حر لوجه الله والحائط هبة مني اليك .
فقال الغلام : يا مولاي ، قد وهبت الحائط للذي وهبتني له .
اما سخاؤه فلا يحتاج الى برهان فانه اعظم الناس سخاءا وكان يعرف بـ ( كريم اهل البيت ) فمن بعض اخباره ما ذكره ابن الصباغ في الفصول المهمة
(1) تاريخ بغداد 2/34 .
(430)



وابن طلحة في مطالب المسؤول والمحب الطبري في ذخائر العقبى ولفظه فيها(1): عن سعيد بن عبد العزيز : ان الحسن (ع) سمع رجلا يسال ربه ان يرزقه عشرة الاف فانصرف الحسن (ع) فبعث بها اليه ، خرجه في الصفوة .
قال ابو نعيم في الحلية(2): عن علي بن زيد عن جدعان قال : خرج الحسن بن علي (ع) من ماله مرتين ، وقاسم الله تعالى ثلاث مرات حتى انه كان ليعطي نعلا ويمسك نعلا ويعطي خفا ويمسك خفا .
وعن ابن سيرين قال : تزوج الحسن (ع) امرأة فارسل اليها مائة جارية مع كل جارية الف درهم .
وقال البيهقي في المحاسن والمساوئ(3): كان بينه وبين اخيه الحسين (ع) طهر واحد وكان اسخى اهل زمانه ، ذكروا انه اتاه رجل في حاجة فقال : اذهب واكتب حاجتك في رقعة وارفعها الينا نقضيها لك ، قال : فرفع اليه حاجته فاضعفها له ، فقال له بعض جلسائه : ما كان اعظم بركة الرقعة عليه يا ابن رسول الله ، فقال : بركتها علينا اعظم حين جعلنا للمعروف اهلا اما علمت ان المعروف ما كان ابتداءا من غير مسألة فأما من اعطيته بمسألة فانما اعطيته بما بذل لك من وجهه وعسى ان يكون بات ليلة بكآبة الرد ام بسرور النجح فان ذلك اعظم مما نال من معروفك .
وقال (4): كان الحسن (ع) اشبه برسول الله (ص) من صدره الى قدمه وكان ايضا احد الاجواد ، دخل على اسامة بن زيد وهو يجود بنفسه ويقول : وا كرباه ، وا
(1) ذخائر العقبى : ص137 .
(2) حلية الاولياء 2/38 .
(3) المحاسن والمساوئ 1/40.
(4) المحاسن والمساوئ 1/41 .
(431)



حزناه ، فقال : وما الذي احزنك يا عم ؟ قال : يابن رسول الله ، ستون الف دينار دين علي لا اجد لها قضاءا ، قال : هي علي ، قال : فك الله رقبتك يا ابن رسول الله ، الله اعلم حيث يجعل رسالته .
وقال الشبلنجي في نور الابصار(1): وان كريما فمن كرمه ما نقل عنه ان رجلا ساله وشكا اليه حاله ، فدعا الحسن (ع) وكيله وجعل يحاسبه على نفقاته ومقبوضاته حتى استقضاها ، فقال له : هات الفاضل ، فاحضر خمسين الف درهم ، ثم قال ما فعلت بالخمسمائة دينار التي معك ؟ قال : هي عندي . قال : فاحضرها . فما احضرها دفع الدراهم والدنانير الى الرجل واعتذر منه . . . الخ .
عبادة الحسن وصلاحه : بلغ من محبته (ع) للعبادة ان اختار حج بيت الله الحرام ماشيا على قدميه والنجائب تقاد بين يديه ، ذكر ذلك الكثير من السنة والشيعة ، فمن حفاظ السنة الهيثمي والخطيب والمحب والصبان وغيرهم كثير .
قال الحافظ ابو نعيم في حلية الاولياء (2): عن محمد بن علي قال : قال الحسن (ع) : اني لاستحي من ربي ان القاه ولم امش الى بيته ، فمشى عشرين مرة من المدينة ماشيا على رجليه .
وعن ابن ابي نجيح قال : ان الحسن ين علي (ع) حج ماشيا وقسم ماله نصفين .
وقال ابن طلحة الشافعي في مطالب المسؤول (3): اعلم ان العبادة تنقسم الى ثلاثة انواع : بدنية ومالية ومركبة ، فالبدنية كالصلاة والصيام وتلاوة القران وانواع الاذكار والمالية كالصدقات والمبرات والمركب منها كالجهاد والحج وقد كان الحسن (ع) ضاربا في كل واحد من هذه الانواع بالقدح الفائز والقدح الحائز . اما
(1) نور الابصار : ص110 .
(2) حلية الاولياء 2/37 .
(3) مطالب المسؤول : ص66 .
(432)



الصلاة والاذكار وما في معناها فقيامه بها مشهور واسمه في اربابها مذكور واما الصدقات فقد صح النقل فيما رواه الحافظ ابو نعيم بسنده في حلية الاولياء وانه قد خرج من ماله مرتين وقاسم الله ثلاث مرات وساق كلام صاحب الحلية وقال عن صاحب صفة الصفوة عن علي بن زيد بن جدعان انه قال : حج الحسن بن علي (ع) خمسة عشرة حجة ماشيا وان النجائب لتقاد معه . . . انتهى .
والحافظ الهيثمي بعد رواية ابي نعيم قال(): اخرج الحاكم عن عبد الله بن عمر قال : لقد حج الحسن (ع) خسا وعشرين حجة ماشيا وان النجائب لتقاد بين يديه .
زهد الحسن (ع) ورعه : قال ابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة(2): كان الحسن (ع) من ازهد الناس في الدنيا ولذاتها عارفا بغرورها وافاتها وكثيرا ما كان (ع) يتمثل بهذا البيت شعرا :

يا طالبا لذات دنيا لا بقاء لها ان اغترار بظل زائل حمق

وقوله (ع) في بعض مواعظه : يا ابن ادم اعف عن محارم الله تكن عابدا وارض بما قسم الله تكن غنيا واحسن جوار من جاورك تكن مسلما وصاحب الناس بمثل ما تحب ان يصاحبوك به تكن عدلا انه كان بين ايديكم قوم يجمعون كثيرا ويأملون بعيدا اصبح جمعهم بورا وعملهم غرورا ومساكنهم قبورا . يا ابن ادم انك لم تزل في هدم عمرك منذ سقطت من بطن امك فجد بما في يديك فان المؤمن يتزود والكافر يتمتع ، وكان (ع) يتلو بعد هذه : «وتزودوا فإن خير الزاد التقوى » (3).
فصاحة الحسن (ع) وبلاغته : لا يستريب احد ان الحسن (ع) من بيت
(1) الصواعق المحرقة : ص83 .
(2) الفصول المهمة : ص161 .
(3) البقرة : 197 .
(433)



الفصاحة والبلاغة ، جده رسول الله (ص) افصح من نطق بالضاد وابوه امير المؤمنين (ع) ساد كل خطيب ببيانه وقد قيل لعبد الحميد الكاتب : ما ابلغك ؟ فقال : وكيف لا كون كذلك وقد حفظت من خطب الاصلع ثلاثين خطبة ومثله قال ابن المقفع صاحب رسائل البلاغة وقد اجمعوا انهما من ابلغ البلغاء في عصرهما فالحسن (ع) غصن من الدوحة المحمدية ونبعة من الشجرة العلوية وله الخطب الرنانة ذات الفصاحة المدهشة وله معها شعر جيد في مكارم الاخلاق والادب الديني فمن خطبه المشهورة خطبته التي خطبها في صبيحة الليلة التي فقد فيها اباه امير المؤمنين (ع).
قال المحب الطبري(1): عن زيد بن الحسن قال : خطب الحسن (ع) حين قتل علي بن ابي طالب فحمد الله واثنى عليه ثم قال : لقد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الاولون ولا يدركه الاخرون قد كان رسول الله (ص) يعطيه رايته فيقاتل بها ، جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن شماله فما يرجع حتى يفتح الله عليه وما ترك على وجه الارض لا صفراء ولا بيضاء الا سبعمائة درهم فضلت من عطائه اراد ان يبتاع بها خادما لاهله .
ثم قال : ايها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فانا الحسن بن علي انا ابن الوصي انا ابن البشير انا ابن النذير انا ابن الداعي الى دين الله باذنه والسراج المنير انا من اهل بيت اذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا وانا من اهل بيت الذي افترض الله مودتهم على كل مسلم ، فقال الله تعالى لنبيه (ص) : «قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد
(1) ذخائر العقبى : ص138 .
(434)



له فيها حسنا»(1)فاقتراف الحسنة مودتنا اهل البيت . خرجه الدولابي . . . انتهى .
وتروى هذه الخطبة بطرق عديدة بالفاظ متفاوتة ذكر بعض الفاظها الطبري في التاريخ(2)انه (ع) قال وقد قام خطيبا : لقد قتلتم الليلة رجلا في ليلة نزل فيها القران وفيها رفع عيسى بن مريم (ع) وفيها قتل يوشع بن نون فتى موسى (ع) ، والله ما سبقه احد كان قبله ولا يدركه احد يكون بعده . . . الخ .
وقد رواها اكثر العلماء من اصحابنا رضوان الله عليهم ورواية ابي الفرج الاصبهاني في كتاب المقاتل كرواية المحب الطبري .
ومن خطبه (ع) في مجلس معاوية المحشد بالوفود المكتضة بالمستمعين وقد أمره معاوية ان يخطب ليسقطه وذلك بمشورة ابن العاص .
قال ابن البيهقي في المحاسن والمساوئ (3): ذكروا ان عمرو بن العاص قال لمعاوية ذات يوم : ابعث الى الحسن بن علي (ع) فمره ان يخطب على المنبر فلعله ان يحصر فيكون ذلك مما نعيره به , فبعث اليه فاصعده المنبر وقد جمع الناس فحمد الله واثنى عليه ، ثم قال :
ايها الناس ، من عرفني فانا الذي يعرف ومن لم يعرفني فانا الحسن بن علي بن ابي طالب (ع) ابن عم النبي (ص) انا ابن البشير النذير السراج المنير انا ابن من بعث رحمة للعالمين وسخطا على الكافرين انا ابن من بعث الى الجن والانس اجمعين انا ابن المستجاب الدعوة انا ابن الشفيع المطاع انا ابن اول من ينفض رأسه من التراب انا ابن اول من يقرع باب الجنة انا ابن من قاتلت معه الملائكة ونصر بالرعب عن مسيرة شهرين .
(1) الشورى : 23 .
(2) التاريخ الطبري 6/19 .
(3) المحاسن والمساوئ 1/63 .
(435)



فافتن في هذا الكلام ولم يزل حتى اظلمت الدنيا على معاوية ، فقال : يا حسن ، قد كنت ترجوا ان تكون خليفة ولست هناك .
فقال : انما الخليفة من سار بسيرة رسول الله (ص) وعمل بطاعة الله وليس الخليفة من دان بالجور وعطل السنن واتخذ الدنيا ابا واما ولكن ذلك ملك اصاب ملكا يتمتع فيه قليلا وكان قد انقطع عنه واستعجل لذاته وبقيت عليه تبعته فكان كما قال الله تعالى : «وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع الى حين»(1) ثم انصرف .
فقال معاوية لعمرو : والله ما اردت الا هتكي وما كان اهل الشام يرون ان احدا مثلي حتى سمعوا من الحسن ما سمعوا . . . انتهى .
وذكرها الجاحظ في المحاسن والاضداد (2) بهذا اللفظ وخطبه (ع) كثيرة ومشهورة .
شعر الحسن بن علي (ع) : لم يكن شعر اهل البيت تكلفا ولا صنعة كما هي عند الشعراء ، والشعر من حيث هو شعر نقص في الكامل ولكن شعر اهل البيت نفثة صدر ينطق بالحكمة الموزونة والادب المؤسس المحكم فيجيء احكم شعر وابدع منظوم وخير الشعر ما جاء طبعا عفوا وخلا من التكلف والمبالغة التي هي عادة الشعرءا وسجية الادباء .
قال الشبلنجي في نور الابصار(3): ومن كلامه المنظوم كما ذكره العلامة عبد القادر الطبري المالكي في شرح الذرية :

اغن عن المخلوق بالخالق تغني عن الكاذب والصادق

(1) الانبياء : 111 .
(2) المحاسن والاضداد : ص96 .
(3) نور الابصار : ص110 .
(436)


واسترزق الرحمن من فضله فليس غير الله بالرازق
من ظن ان الناس يغنونه فليس في الرحمن بالواثق
من ظن ان الرزق من كسبه زلت به النعلان من حالق

وقال(1): قيل للحسن (ع) لاي شيء نراك لا ترد سائلا ؟ قال : عودني عادة وعودته عادة ، عودني ان يفيض نعمه علي وعودته ان افيض نعمه على الناس فاخشى ان قطعت العادة ان يمنعني العادة ، وانشد :

اذا ما اتاني سائل قلت مرحبا بمن فضله فرض علي معجل
ومن فضله فضل على كل فاضل وافضل ايام الفتى حين يسأل

وفاة الحسن الزكي (ع) : توفي مسموما باتفاق امة محمد (ص) ولكن بعض المتعصبين من حفاظ اهل السنة يحيلون ذلك الى يزيد بن معاوية تحرجا منهم ان ينسبوه الى معاوية الذي هو عندهم صحابي مقدر ، وهذا باطل بلا شبهة لان وفاة الحسن (ع) على اكثر الاقوال في سنة 51 ومعاوية هو الخليفة والسلطان فكيف يقدم يزيد على هذا الامر العظيم بدون مطالعة رأي ابيه ؟
وكيف كان فقد قال الحافظ الهيثمي في الصواعق(2): وكان سبب موته ان زوجته جعدة بنت الاشعث بن قيس الكندي دس اليها يزيد ان تسمه فيتزوجها ويبذل لها مائة الف درهم ففعلت فمرض اربعين يوما فمات فبعثت الى يزيد تسأله الوفاء بما وعدها فقال لها : انا لم نرضك للحسن افنرضاك لانفسنا ؟ وبموته مسموما شهيدا جزم غير واحد من المتقدمين كقتادة وابي بكر بن حفص والمتأخرين كالزين العراقي في مقدمة شرح التقريب . . . الخ .
(1) نور الابصار : ص111 .
(2) الصواعق المحرقة : ص113 .
(437)



وقال الحافظ ابو عمر ابن عبد البر في الاستيعاب على هامش الاصابة(1): قال قتادة وابو بكر بن حفص : سم الحسن بن علي (ع) سمته امرأته جعدة بنت الاشعث بن قيس الكندي وقالت طائفة : كان ذلك منها بتدسيس معاوية اليها وما بذل لها في ذلك . . . الخ .
وهذا امر مفروغ منه ، فقد ذكروا في سعد بن ابي وقاص ان معاوية دس اليه والى الحسن بن علي (ع) سما ليتفرغ لبيعة ابنه يزيد لانهما اكبر معارض له ولهما اهلية الخلافة وهما المستحقان لها في نظر العامة لانها للحسن (ع) بالشرط و لسعد بالشورى وايراد المقال تطويل قليل الجدوى .
تعطيل الاسواق لموت الحسن بن علي (ع) : ان من اعظم الفواجع وامض الفوادح واوجع المصائب على المسلمين عامة وعلى بني هاشم خاصة فقد الحسن (ع) ولا تعبأ بسرور امية الشجرة الملعونة فان مصاب الحسن (ع) من اشد المصائب التي طرقت المسلمين ولا ينسى اهل المدينة ولا سائر اهل الحجاز انهم خسروا بموته اعظم كافل واجل مصلح واشبه مخلوق بالنبي العظيم (ص) فافتقاده افتقاد لرسول الله (ص) لانه بفقده تم انقطاع رؤية رسول الله (ص) عن الابصار فقد كانوا اذا عاينوه فكأنما كانوا يشاهدون رسول الله (ص) في هيكله وافتقدوا به اهل الكساء لانه الرابع منهم وافتقداو كنزهم به لانه (ع) عان يعول قطرا ويمول اقليما وعطاياه وهباته دارة عليهم فهم يتذكرون تلك الطلعة الغراء وتلك اليد البيضاء التي غمرتهم بنائلها فيتأسفون لتلك الشمائل الرائعة ويتلهفون لتلك الفضائل اللامعة .
وقد كان مروان ابن الحكم عدوه الالد وخصمه الانكد الذي كان يجرعه الغيظ
(1) الاستيعاب بهامش الاصابة 1/375 .
(438)



في حياته ويقصده بانواع الاذى وهو الذي رمى جنازته بالسهام جاء حين عزموا على دفنه بالبقيع فاحتمل نعش الحسن (ع) ومشى به الى البقيع فقال له الحسين (ع) - فيما ذكره السيوطي وغيره - اتفعل هذا وقد منت تجرعه الغيظ ؟ قال : نعم افعل هذا بمن يوازن حمله الجبال الرواسي .
وعن ابي جعفر(1)قال : مكث الناس يبكون على الحسن بن علي سبعا ما تقوم الاسواق .
وعن عائشة بنت سعد قالت : حد نساء بني هاشم على الحسن بن علي سنة .
وعن داود بن سنان قا ل : سمعت ثعلبة بن مالك قال : شهدنا الحسن بن علي يوم مات ودفناه بالبقيع وقد رأيت البقيع لو طرحت فيها ابرة ما وقعت الا على رأس انسان . . . انتهى .
قال المحب الطبري في ذخائر العقبى(2): قال ابو عمر وغيره : توفي الحسن (ع) بالمدينة سنة 49 هـ وقيل سنة 50 هـ وقيل سنة 51 هـ وهو يومئذ ابن 47 سنة منها 7 مع النبي (ص) و30 مع ابيه و10 بعدها . وقيل : مات وهو ابن 45 سنة وغسله الحسين ومحمد والعباس بنو علي بن ابي طالب (ع) ودفن بالبقيع . . . الخ .
اولاد الحسن بن علي (ع) : قد وقع الاختلاف فيهم كثرة وقلة ونحن نورد بعض الاقوال فيهم .
قال ابن قتيبة في كتاب المعارف ولد الحسن حسنا وهو المثنى امه خولة بنت منظور بن زبان الفزارية وزيدا وام الحسن امهما بنت عقبة ابن مسعود البدري وعمر وامه ثقفية والحسين الاثرم لام ولد وطلحة وامه ام اسحاق بنت
(1) ذكره الطبري في الذيل 13/15 .
(2( ذخائر العقبى : ص141 .
(439)



طلحة بن عبيد الله وام عبد الله لام ولد .
وقال المحب الطبري في ذخائر العقبى(1) : وخلف الحسن بن علي (ع) من الولد : 1- حسن بن الحسن ، 2- وعبد الله ، 3- وعمر ، 4- وزيدا ، 5- وابراهيم ، وذكره الدولابي وذكر ابن الذراع ابوبكر بن احمد في كتاب مواليد اهل البيت انه ولد احد عشر ابنا وبنتا : 1- عبد الله ، 2- والقاسم ، 3- والحسم ، 4- وزيدا ، 5- وعمرو ، 6- وعبد الله ، 7- وعبد الرحمن ، 8- واحمد ، 9- واسماعيل ، 10- والحسين ، 11- وعقيل ، 12- وام الحسين .
وقال السبط ابن الجوزي في التذكرة(2): قال الواقدي وهشام : كان له خمسة عشر ذكرا وثمان بنات ، فمن الذكور : 1- علي الاكبر ، 2- وعلي الاصغر ، 3- وجعفر ، 4- وفاطمة ، 5- وسكينة ، 6- وام الحسن ، 7- وعبد الله ، 8- والقاسم ، 9- وزيد ، 10- عبد الرحمن ، 11- واحمد ، 12- واسماعيل ، 13- وحسين ، 14- وعقيل ، 15- وحسن . وهذا هو ترتيب الواقدي وهشام . واما محمد بن سعد فرتبهم في الطبقات على غير هذا الترتيب وزاد فقال : كان للحسن (ع) من الولد : محمد الاصغر وجعفر وحمزة وفاطمة درجوا امهم ام كلثوم بنت الفضل بن العباس بن عبد المطلب . ومحمد الاكبر - وبه كان يكنى - والحسن امهم خولة بنت منظور غطفانية . وزيد وام الحسن وام الخير امهم ام بشر بنت ابي مسعود الانصاري واسمه عقبة بن عمرو . واسماعيل وي عقوب امهما جعدة بنت الاشعث بن قيس التي سمته . والقاسم وابو بكر وعبد الله قتلوا مع الحسين (ع) يوم الطف امهم ام ولد ولا بقية لهم وقيل اسم امهم نفيلة . وحسين الاثرم
(1) ذخائر العقبى : ص143 .
(2) تذكرة خواص الامة : ص123 .
(440)



وعبد الرحمن وام سلمة لام ولد تسمى ظمياء . وعمرو لام ولد لا بقية لهم . وام عبد الله وهي ام ابي جعفر محمد بن علي بن الحسين (ع) وامها ام ولد تدعى صافية . وطلحة لا بقية له امه ام اسحاق بنتطلحة بن عبد الله التميمي . وعبد الله وامه زينب بنت سبيع بن عبد الله اخي جرير بن عبد الله ، وهذا اصح .
والشيخ المفيد اقتصر على خمسة عشر ذكرا .
والسيد الداودي ذكر سبعة عشر واعقب منهم اربعة اثنان انقرض عقبهما في اوائل دولة بني العباس وهما عمرو والحسين وبقي زيد والحسن .
الشهداء من اولاد الحسن (ع) : استشهد منهم مع عمهم الحسين (ع) خمسة وجرح السادس ثم برأ من جراحاته وهو الحسن المثنى والقاسم الاكبر استشهد بسبب جراحات اصيب بها في النهروان مع جده امير المؤمنين (ع) .

2- الحسين السبط شهيد كربلاء :

ريحانة رسول الله (ص) ما اختص به من الفضل نحن لا نذكر في فضله الا ما روته حفاظ اهل السنة وهو ان كان كثيرا نذكر منه ما لا يخل ولا يمل .
روى الحافظ جلال الدين السيوطي الشافعي في الجامع الصغير عن البراء بن عازب قال : قال النبي (ص) حسين مني وانا منه ، احب الله من احب حسينا ، الحسن والحسين سبطان من الاسباط .
قال الحافظ العزيزي الحنفي في السراج المنير في شرحه(1): وسببه كما في ابن ماجة عن سعيد ابن ابي راشد ان يعلى بن مرة حدثهم انهم خرجوا مع النبي (ص) الى طعام دعوا له فاذا حسين يلعب في السكة ، قال : فتقدم النبي (ص) امام القوم
(1) السراج المنير 6/208 .
(441)



وبسط يديه فجعل الغلام يفر ها هنا وها هنا فيضاحكه النبي (ص) حتى اخذه فجعل احدى يديه تحت ذقنه والاخرى في فاس رأسه فقبله وقال : حسين مني وانا منه ، الحديث .
وهذا حديث صحيح ومشهور عند الحفاظ وله طرق عديدة وليس قوله << حسين مني وانا منه >> انه منسوب اليه نسبة القرابة للقرابة ولا انه منسوب اليه نسبة المنتسب لمن نسب اليه فقط والا لما كان لهذا التخصيص الكبير فائدة لمشاركة غيره من الارحام له ، ولا المقصود بيان انه ابن بنته خاصة والا فقد شاركه غيره من ابناء بناته كعلي بن زينب ابنته الكبرى شقيق امامة ولكنه ورد لبيان ان دم الحسين (ع) ولحمه اختلط بدم النبي (ص) ولحمه على جهة الامتزاج وان نفسيهما واحدة في واقع الامر وان اختلف الجسمان على حد ما قيل :

روحي مع روخك ممزوجة وربما تمزج روحـــــان

لانه ورد في الاحاديث المعتبرة وصرح به بعض فطاحل العلماء انه (ص) ظهرت معجزته في الحسين (ع) حيث كان يلقمه اصبعه ولسانه فيمتص منها ما يغذيه ويغنيه عن لبن المرضعات حتى نبت لحمه من لحم رسول الله (ص) واختلط جوهره بجوهره فكان الحسين (ع) منه بهذه النسبة وقد قال السيد مهدي الطباطبائي بحر العلوم ( رحمه الله ) في قصيدته :

ذادوا عن الماء ظمآنا مراضعه من جده المصطفى الساقي اصابعه
يعطيه اصبعه انا واونه لسانه فاستوت منه طبائعه
لله مرتضع لم يرتضع ابدا من ثدى انثى ومن طه مراضعه
غرس سقاء رسول الله من يده فطاب من بعد طيب الاصل فارعه

وهنا يحمل الحقد واللجاج السيد علي جلال الحسيني في كتابه ( الحسين ) على انكار المعجزة النبوية لانها فضيلة للحسين (ع) امام الشيعة قينتقد الكليني
(442)



وغيره من علماء الشيعة الذين رووا هذا الحديث بانه لا يقبله العقل وانه مخالف لطبيعة البشر ومن الاسف ان يدعي كل واحد حكم العقل ولا يدري ما العقل وما الذي يحيله العقل وما الذي يخالف الطبيعة .
ويقال لهذا الماهر الفني : ما المعجز ؟ وهل هو الا نقض الطبيعة ومصادمتها ؟ وهل سمعت في اخبار الخليل (ع) واختفائه في الغار وان الله فجر له من ابهامه لبنا وعسلا عاش عليه اياما ؟ قل هذا لا يقبله العقل وهذا خلاف الطبيعة .
بقاء موسى في التابوت وتحريم الله تعالى عليه المراضع اياما حتى اعيد الى امه ، لا يقبل العقل .
بقاء يونس في بطن الحوت بلا طعام لا يقبله العقل وهو خلاف الطبيعة .
ايها الاستاذ ، ليس من شرط حياة المولود التغذية التغذية بلبن الانثى بل شرط التغذية بما يناسب الطبيعة من اي لبن كان واي غذاء كان حتى من الالبان الصناعية ويزعم الاطباء ان اللبن الصناعي انفع للمولود فاذا كانت الطبيعة لا تحيل الحياة بغير لبن الانثى فما الذي تنكر من هذه المعجزة ؟ وما سقته من الشواهد التاريخية من ان له اخا من الرضاعة ورؤيا ام الفضل كل ذلك لا يجديك نفعا لامرين :
الاول : ان اسم المرضعة يطلق على الظئر والحاضنة وان لم ترضع ويقال ( الاخ الرضاعي ) توسعا في الكلام .
والثاني : ان القائل بانه لم يرضع من ثدي انثى الرضاع الكامل وعليه فيجوز انه ارتضع بعض الرضعات من بعض الاناث فكان له اخوة من الرضاعة بهذا فالحسين قطعة من لحم رسول الله (ص) غذيت بروحه حيث تقجر له اللبن من ابهامه كما تفجر لابيه امير المؤمنين (ع) فيما رواه الحلبي الشافعي وغيره والسيوف التي وزعت جسم الحسين (ع) بكربلا انما وزعت جسم رسول الله والخيل التي وطأت جثمانه انما وطأت جثمان رسول الله (ص) .
(443)



( احب الله من احب حسينا ) المراد بالمحنة محبة التبجيل والاحترام والطاعة والانقياد والاعتراف بما له من واجب الحق وهو الامامة على ما نص عليه في قوله : ( ولداي هذان امامان قاما او قعدا ) ومن اثار المحبة سلامته من القتل والمذلة جميعا فالامة لو امتثلت في الحسين وال محمد امر النبي (ص) بالمحبة التي هي الطاعة والانقياد لهم ، لكانت القوة والغلبة لهم على اعدائهم فلم يقتل علي والحسين بالسيف ولا الحسن بالسم ودعوى المدعين انهم يحبون ال الرسول وميلهم لغيرهم حتى سبب ذلك اضعافهم وتقوية اعدائهم فحلت فيهم باسباب ذلك الفوادح والنكبات فمن المكابرة الصرفة والمباهتة المحضة والتمويه المزيف اذ المحبة شرطها مشاركة المحبوب في السراء والضراء ، حلو العيش ومره .
الا ترى المحبة الصادقة كيف قادت صاحبها الى الجنان المزخرفة ؟ هذا جون مولى ابي ذر يعلن عن محبته الصادقة وهو عبد اسود يقول له الحسين (ع) : يا جون انما تبعتنا لطلب العافية فلا تبل بنا ، انت في حل فاذهب حيث شئت .
فيقول الصادق المودة المخلص في الولاء : أفي الرخاء الحس قصاعكم وعند الشدائد أخذلكم ؟ لا والله حتى يختلط هذا الدم الاسود بدمائكم .
ويقول الاخر وقد اذن له الحسين (ع) ان يمضي ليسعى في فكاك ولده المأسور بثغر الري : أكلتني السباع حيا ان فارقتك وأسأل عنك الركبان .
فلا تصدق المحبة الصحيحة والمودة الخالصة الا بالطاعة والانقياد وقد قال الشاعر الموحد في حكيمياته :

تعصي الاله وانت تضره حبه هذا لعمرك في القياس بديع
لو كان حبك صادقا لاطعته ان المحب لمن يحب مطيع

ف المحبة من المعاني الخفية والاسرار القلبية وانما تظهرها الافعال والاعمال
(444)



فمن كان صادق المحبة اطاع محبوبه وامتثل اوامره ونواهيه ، وتابعه في العسر واليسر والسراء والضراء وتحمل معه المصاعب ولاقى في سبيل محبته المشاق والمتاعب وكابد الاهوال والشدائد كما فعل المخلصون من شيعتهم ف المحبة ليست دعوى مجردة ولا مقالة كاذبة فقد قطعت الالسن والايدي وابينت الرؤوس والمفاصل على المحبة .
ونعود الى ما قطعنا من ذكر الاحاديث في فضل الحسين (ع) :
روى الحافظ ابو عمر بن عبد البر المالكي في الاستيعاب على هامش الاصابة(1) عن معاوية بن مزرد عن ابيه قال : أبصرت عيناي هاتان وسمعت أذناي رسول الله (ص) وهو اخذ بكفي حسين وقدماه على قدم رسول الله (ص) وهو يقول : ( ترق عين بقة ) . قال : فرق الغلام حتى وضع قدميه على صدر رسول الله (ص) ثم قال له رسول الله (ص) : افتح فاك ، ثم قبله ، ثم قال : اللهم اني احبه .
وروى عز الدين ابن الاثير الجزري الشافعي في اسد الغابة(2)عن اسماعيل بن رجاء عن ابيه قال كنت في مسجد رسول الله (ص) في حلقة فيها ابو سعيد الخدري وعبد الله بن عمرو بن العاص فمر بنا حسين بن علي فسلم فرد القوم السلام فسكت عبد الله حتى فرغوا فرفع صوته وقال : عليك السلام ورحمة الله وبركاته ، ثم اقبل على القوم فقال : الا اخبركم باحب اهل الارض الى اهل السماء ؟
قالوا : بلى .
قال : هو هذا الماشي ، ما كلمني كلمة منذ ليالي صفين ولان يرضى عني احب الي من ان يكون لي حمر النعم .
(1) الاستيعاب بهامش الاصابة 1/382 .
(2) اسد الغابة 3/234 .
(445)



فقال ابو سعيد : الاتعتذر اليه ؟
قال : بلى . فتواعدا ان يغدوا اليه .
قال فغدوت معهما فاستأذن ابو سعيد فاذن له فدخل ثم اسـأذن لعبد الله فلم يزل به حتى اذن له فلما دخل قال ابوسعيد : يا ابن رسول الله (ص) انك لما مررت بنا امس فاخبره بالذي كان من قول عبد الله بن عمر .
فقال الحسين (ع) : يا عبد الله اعلمت اني احب اهل الارض الى الهل السماء ؟
قال : اي ورب الكعبة .
قال : فما حملك على ان تقاتلني وابي في صفين ، فوالله لابي خير مني ؟
قال : اجل ولكن عمرو شكاني الى رسول الله (ص) فقال : يا رسول الله ان عبد الله يقوم الليل ويصوم النهار فقال لي رسول الله (ص) : صل ونم وصم وافطر واطع عمرا . قال : فلما كان يوم صفين اقسم علي فخرجت ، اما والله ما اخترطت سيفا ولا طعنت برمح ولا رميت بسهم .
واخرجه الحافظ العسقلاني الشافعي في الاصابة مختصرا وهذا يدل على جمود ادمغة اهل الحجاز وبلادة هذا الصحابي الفقيه بزعمهم وقلة فقهه في الدين اما علم انه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ؟ ولا يطاع الله من حيث يعصى ؟ وقد قال الله تعالى : «وإن جاهداك على تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما » (1) .
واما قول النبي (ص) ( أطع اباك ) يعني في تخفيف الصوم والصلاة خاصة لا مطلقا لانه شكى اليه اكثاره منهما فخاف ان ذلك يضنيه وحيث ان العبادة على مقدار الوسع والطاقة كان التخفيف هو المطلب الشرعي وكان موافقا لارادة ابيه
(1) لقمان : 15 .
(446)



فامره به ، وهو صريح قوله : ( صل ونم وصم وافطر واطع عمرا ) في هذا المتقدم من قوله ( صل ونم ) لا مطلقا .
وذكر الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد(1) في ترجمة محمد بن الحسن النقاش عن ابي العباس قال : كنت عند النبي (ص) وعلى فخذه الايمن الحسن بن علي وعلى فخذه الايسر ابنه ابراهيم تارة يقبل هذا وتارة يقبل هذا اذ هبط جبرئيل (ع) بوحي من رب العالمين ، فلما سرى عنه قال : أتاني جبرئيل (ع) عن ربي فقال لي : يا محمد ان ربك يقرؤك السلام ويقول لك : لست اجمعهما لك فافتدي احدهما بصاحبه . فنظر النبي (ص) الى ابراهيم فبكى ، ونظر الى الحسين فبكى ثم قال : ان ابراهيم امه امة ومتى مات لم يحون عليه غيري ، وام الحسين فاطمة وابوه علي ابن عمي ولحمي ودمي ومتى مات حزنت ابنتي وحزن ابن عمي وحزنت انا عليه وانا اؤثر حزني على حزنهما ، يا جبرئيل ، يقبض ابراهيم ، فديته بابراهيم . قال : فقبض بعد ثلاث ، فكان النبي (ص) اذا رأى الحسين (ع) مقبلا قبله وضمه الى صدره ورشف ثناياه وقال : فديت من فديته بابني ابراهيم . . . انتهى .
ورميه احد رواته مردود عليه بعد ان رواه العمد والمعتبرون من الحفاظ وهم اجل المراجع عندهم مثل الدارقطني وابن شاهين وابن رزقويه وابن مجاهد وغيرهم من رواته من الحفاظ المذكورين ولولا هؤلاء ما عرف الخطيب ولا غيره غث الحديث من سمينه فالقادح فيهم منهم متهم وقدحه فيهم قدح في نفسه بلا ارتياب وقد تكلم في اعظم العلماء نباهة كأبي حنيفة أحد أئمة المذاهب والشيخ المفيد اعظم فقهائنا الامامية وقدح في صحيح مسلم ومن كان هذا سبيله وحاله فقدحه لا يضر ويجب الوقوف على عكس قوله لما عرفت .
(1) تاريخ بغداد 2/304.
(447)



وذكر المحب الطبري في ذخائر العقبى حديث البراء ويعلى المتقدمين عن السراج المنير(1) ، ثم قال(2): عن انس : لما قتل الحسين بن علي (ع) جيء براسه الى ابن زياد لعنه الله فجعل ينكته بقضيب على ثناياه وقال : ان كان لحسن الثغر ، فقلت في نفسي : لأسوئنك ، لقد رأيت رسول الله (ص) يقبل موضع قضيبك ، خرجه ابن الضحاك ، رواه الحافظ الهيثمي وغيره بأتم من هذا .
وعن يزيد بن ابي زياد قال(3) : خرج النبي (ص)من بيت عائشة فمر على بيت فاطمة (ع) فسمع حسينا يبكي فقال : الم تعلمي ان بكائه يؤذيني ؟ خرجه ابن بنت منيع . . . انتهى .
أحسب ان بكاءالحسين (ع) لفقد احبته في كربلا عند فقد اخيه العباس وابنه علي الاكبر اشد اذى لرسول الله (ص) من بكائه وهو طفل في المهد .
وفي كفاية الطالب(4) عن ربيعة السعدي قال : لما اختلف الناس في التفضيل رحلت راحلتي واخذت زادي وخرجت حتى دخلت المدينة فدخلت على حذيفة بن اليمان فقال لي : ممن الرجل ؟
قلت : من اهل العراق .
قال : من اي العراق ؟
قلت : رجل من اهل الكوفة .
قال : مرحبا بكم يا اهل الكوفة .
قال : قلت : قد اختلف الناس علينا في التفضيل فجئت لاسألك عن ذلك .
(1) ذخائر العقبى : ص122 .
(2) ذخائر العقبى : ص127 .
(3) ذخائر العقبى : ص143 .
(4) كفاية الطالب : ص272 .
(448)



فقال : على الخبير سقطت ، اما اني لا احدثك الا ما سمعت اذناي ووعاه قلبي وابصرته عيناي : خرج علينا رسول الله - كأني انظر اليه كما انظر اليك - حامل الحسين بن علي على عاتقه ، كأني انظر الى كفه الطيبة واضعها على قدمه يلصقها الى صدره ، فقال :
ايها الناس ، لاعرفن ما اختلفتم فيه من الخيار بعدي : هذا الحسين بن علي خير الناس جدا وجدة ، جده محمد رسول الله سيد النبيين وجدته خديخة بنت خويلد سابقة نساء العالمين الى الايمان بالله وبرسوله .
هذا الحسين بن علي خير الناس ابا وخير الناس اما ، ابوه علي بن ابي طالب اخو رسول الله ووزيره وابن عمه وسابق رجال العالمين الى الايمان بالله وبرسوله وامه فاطمة بنت محمد سيدة نساء العالمين .
هذا الحسين بن علي خير الناس عما وعمة ، عمه جعفر بن ابي طالب المزين بالجناحين يطير بهما في الجنة حيث شاء وعمته ام هانئ بنت ابي طالب .
هذا الحسين بن علي خير الناس خالا وخير الناس خالة ، خاله القاسم بن محمد رسول الله وخالته زينب بنت محمد .
ثم وضعه على عاتقه فدرج بين يديه وجثا ، ثم قال : ايها الناس : أيها الناس الناس هذا الحسين بن علي جده وجدته في الجنة وابوه وامه في الجنة وعمه وعمته في الجنة وخاله وخالته في الجنة وهو واخوه في الجنة انه لم يؤتى من ذرية النبيين ما اوتي الحسين بن علي ما خلاف يوسف بن يعقوب .
قلت : هذا السند اجتمع عليه جماعة من أئمة الامصار منهم ابن جرير ذكره في كتابه ومنهم امام اهل الحديث ومحدث العراق ومؤرخه ابن ثابت الخطيب ذكره في تاريخه ومنهمو محدث اهل الشام وشيخ اهل النقل ابن عساكر الدمشقي ذكره في تاريخه . . . انتهى . وهذا القدر كاف .
(449)



نبذة من مزاياه وسجاياه :

ولنذكر نبذة من مزاياه وسجاياه المحمودة وليعلم الناظر ان لسيد الشهداء الحسين بن علي (ع) اكمل المزايا واجل الصفات التي بها يحصل الشرف ويتكامل المجد اذ كل خصلة منها توجب بنفسها استقلالا لمن اتصف بها التقدم على غيره فكيف اذا اجتمعت كلها كالعلم والشجاعة وجرأة الجنان وفصاحة اللسان وحسن البيان والعفة والاباء والزهد والصلاح والعبادة والايثار والشفقة والمروءة والسخاء وبذل المعروف والحلم الى غير ذلك من من معالى الاخلاق مع ما له من شرف الاباء المتصل والمجد الوراثي المتسلسل وله مكرمة قصرت عنها يد المتناول ودقت دونها عنق المتطاول وهي اعظم مكرمة واجل فضيلة وهي ولادة رسول الله (ص) ولجميع هذه الخصال كانت له المنزلة الرفيعة عند اعيان الصحابة ، وقد سمعت قصة عبد الله بن عمرو بن العاص وهاك بعض القضايا لتعرف حقيقة ذلك تفضيلا .
ذكر الخطيب في تاريخ بغداد والكنجي في كفاية الطالب والحاظف العسقلاني في الاصابة(1)- ولفظه- : عن عبيد بن حنين قال : حدثني الحسين بن علي (ع) قال : أتيت عمر وهو يخطب على المنبر فصعدت اليه فقلت : انزل عن منبر ابي واذهب الى منبر ابيك ، فقال عمر : لم يكن لابي منبر ، واخذني واجلسني معه اقلب حصى بيدي فلما نزل انطلق بي الى منزله فقال لي : من علمك ؟ قلت والله ما علمني احد ، قال : بأبي لو جعلت تغشانا .
قال : فأتيته يوما وهو خال بمعاوية وابن عمر الباب ، فرجع ابن عمر فرجعت
(1) الاصابة 1/333.
(450)