فلو كنت بعض المقرفين وعاجزا لكنت اسيرا في حبال محـارب

وقول عمير بن الاسود الكلبي الاجداري جاهلي ايضا :

فان يك صادقا بالتيم ضني يشب الحرب الوية كرام
فما ادري وعلي سوف ادري احل مال اهيب ام حرام
واهيب معشر من جذم كلب لهم نسب والتهم قدام

علي بمعنى لعلي وقول عمرو بن سلمة الارحبي من همدان قال : قدم مع محمد بن الاشعث على معاوية في الصلح بينه وبين الحسن بن علي (ع) فرآه معاوية جميلا جهيرا فقال له امن مضر انت ؟ فقال :

فاني لمن قوم بنى الله مجدهم على كل باد في الانام وحاضر
ابوتنا اباء صدق نما بهم الى المجد اباء كرام العناصر
واماتنا اكرم بهن عجائزا ورثن العلا عن كابر بعد كابر
خباهن كافور ومسك وعنبر وليس ابن هند من خباة المغافر

وقول عمر بن القباع الدارمي :

انا القباع وابن ام الغمر ان كنت لا تدري فاني ادري

وقول كعب بن الاشرف اليهودي النظري الطائي :

رب خال لي لو ابصرته سبط المشية اباء انف
لين الجانب في اقربه وعل الاعداء سهم كالذعف

وقول كثير بن ابي كثير بن وداعة السهمي وكان يتشيع لما كتب هشام بن عبد الملك بن مروان الى عامله بالمدينة ان يأخذ الناس بسب أمير المؤمنين علي بن ابي طالب (ع) ، قال كثير :

لعن الله من يسب عليا وحسينا من سوقة وامام
أتسب للطيبين جدودا والكريمي الاخوال والاعمام

( 251)


طبت ميتا وطاب بيتك بيتا اهل بيت النبي والاسلام
رحمة الله والسلام عليكم كلما قام قائم بسلام

وهي اكثر من هذه وغير المزرباني يرويها لكثير بن ابي جمعة الخزاعي وهو كثير عزة والله اعلم بقائلها منهما . وقول مرة بن محكان السعدي احد اللصوص اسلامي :

يا ربة البيت قومي غير صاغرة ضمي اليك رحال القوم واليلبا

الى ان يقول فيها :

انا ابن محكان اخوالي بنو مطر أنمي اليهم وكانوا معشرا نجبا

وقول يزيد بن سنان بن ابي حارثة المري لما قال له النابغة الذبياني وكان حالف بين بني سهم وخصيلة بن مرة على بني يربوع بن مرة بن غطفان فسموا المحاش ، فقال النابغة :

جمع محاشك يا يزيد فانني أعددت يربوعا لكم وتميما
ولحقت بالنسب الذي عيرتني وتركت نصرك يا يزيد ذميما

فاجابه يزيد :

فلو كنت هيابا او ابن لئيمة لاعطيت ما ترضى به سخط الخصم
ولكن تمطت بي حصان نجية جميل المحيا من نساء بني غنم

وامه اسدية من غنم بن دودان بن اسد بن خزيمة وقول الحجاج بن علاط السلمي وذكره ابن اسحاق والشيخ المفيد وغيرهما في مدح مولانا امير المؤمنين علي بن ابي طالب (ع) على قتله كبش الكتيبة القرشي من ال عبد الدار يوم احد :

الله اي مذبب عن حرمة اعني ابن فاطمة المعم المخولا
سبقت يداك له بعاجل ضربة تركت طليحة للجبين مجدلا
وشددت شدة باسل فكشفتهم بالجر اذ يهون اخول اخولا

(252)



هكذا في السيرة الهاشمية وفي هامشها تفسيره اخول متفرقين وفي الارشاد وغيره اول اولا .
وفي كتاب الحيوان للجاحظ(1) قال امية بن ابي عائذ لأياس بن سهم :

فابلغ اياسا ان عرض ابن اختكم رداؤك فاصبر خشية او تبدل
فان تك ذا طول فاني ابن اختكم وكل ابن اخت من ندا الخال معتل
فكن اسدا او ثعلبا او شبيهه فمهما تكن انسب اليك واشكل
فما ثعلب الا ابن اخت ذؤالة وان ابن اخت الليث ريبال اشبل
ولن تجد الاساد اخوال ثعلب اذا كانت الهيجا تلوذ بمدخل

واورد الثعالبي في ثمار القلوب فصلا نافعا فراجعه(2) اذ شئت .
واما العوام البسطاء فقد سبق ذكر اقوالهم .
ولعلك تريد ان تعرف السبب في مشابهة الابناء للاعمام والاخوال ، وقد ورد بذلك الحديث الصحيح عن مولانا الامام الحسن بن علي (ع) سبط رسول الله (ص) ووارث علمه وانا اورده لك لتكون على ثقة ويقين :
روى الصدوق القمي قدس الله روحه في كتاب علل الشرائع(3) باسناده الى الامام محمد بن علي الباقر (ع) قال : اقبل امير المؤمنين ومعه ابنه الحسن بن علي (ع) وهو متكئ على يد سلمان الفارسي فدخل المسجد الحرام اذ اقبل رجل حسن الهيئة واللباس فسلم على امير المؤمنين (ع) فرد (ع) فجلس ثم قال : اسألك عن ثلاث مسائل - فذكر الحديث الى ان قال : - فقال له امير المؤمنين (ع) : سلني عما بدا لك .
(1) حياة الحيوان 1/173 .
(2) ثمار القلوب : ص275 .
(3) علل الشرائع : ص43 .
(253)



فقال اخبرني عن الرجل اذا نام اين تذهب روحه ؟ وعن الرجل كيف يذكر وينسى ؟ وعن الرجل كيف يشبه والده والاعمام والاخوال ؟
فالتفت امير المؤمنين (ع) الى الحسن بن علي (ع) فقال : يا ابا محمد اجبه .
فقال الحسن (ع) : اما ما سألت عنه من امر الرجل اذا نام اين تذهب روحه فان روحه معلقة بالريح والريح معلقة بالهواء الى وقت ما يتحرك صاحبها لليقضة ، فاذا اذن الله عز وجل برد تلك تلك الروح على صاحبها جذب الهواء الريح وجذب الريح الروح فلم ترد على صاحبها الى وقت ما تبعث .
واما ما سالت عنه عن امر الذكر والنسيان فان قلب الرجل في حُقٍّ وعلى الحُقِّ طبق فان هو صلى على النبي (ص) صلاة تامة انكشف ذلك الطبق عن ذلك الحق فذكر الرجل ما كان نسى .
واما ما ذكرت من امر الرجل يشبه ولده اعمامه واخواله فان الرجل اذا اتى اهله بقلب ساكن وعروق هادئة وبدن غير مضطرب استكنت تلك النطفة في تلك الرحم فخرج الولد يشبه اباه وامه وان هو اتاها بقلب غير ساكن وعروق غير هادئة وبدن مضطرب اضطربت تلك النطفة في جوف تلك الرحم فوقعت على عرق من العروق فاذا وقعت على عرق من عروق الاعمام اشبه الولد اعمامه وان وقعت على عرق من عروق الاخوال اشبه الولد اخواله الى اخر الحديث الشريف وفيه تعداد الأئمة الإثني عشر المعصومين (ع) والسائل هو الخضر (ع) .
والمراد بالريح في هذا الحديث هو النفس لا غير ، وهو التنفس الرئوي فالنفس الجاري في فضاء الخيشوم عبر عنه بالريح .
والمراد بالهواء موضع التنفس ومحل مجرى النفس من فضاء الخيشوم
(254)



الموصل الى قصبة الرئة الذي يجذب اليها الهواء من خارج وبهذا الهواء وتلك الريح التنفسية حياة الانسان ، فاذا اذن لها الله عند الانتباه باجرائها في مجاريها على العادة فالانسان النائم حي وان لم يأذن ومعناه لم يرد النفس الى محل التنفس الاصلي ومجراه الطبيعي فالانسان النائم ميت لا محالة لان الحياة تتوقف عليه .
والمراد بالحق قوة الذاكرة التي هي احدى القوى النفسية ومحلها القلب ومركزها الجانب الايمن منه .
واما الطبق فعبر به عن الاغشية التي تعلوا على القلب كالصدأ للمرايا فتغلظ وتتكاثف بحسب ما تطرأ عليها من الهموم والذنوب على ما مفصل في موضعه وبالصلاة على محمد (ص) ترتفع لك الاغشية وتتفرق كما تتفرق السحب عن الجو عند هبوب الريح فاذا صفا القلب ارتسمت فيه الصور وظهرت فيه ايضا الصور المرتسمة سابقا والتي كانت محتجبة بتلك الاغشية كما تظهر الكواكب في السماء عند صفاء الجو وانقشاع السحب .
والمراد بالهدوء والاضطراب عند اجتماع الرجل بالمرأة هو الهدوء بمعنى عدم الحركة الشديدة التي تثيرها الغلمة ويهيجها شدة الشبق فيأتي المراة بعنف وضغط يشبه ضعط فحل الحيوان الهائج المغتلم فان مثل ذلك يوجب اضطراب العروق وفتح جميع المسام وذلك لان الرحم فيه ثقوب تشرع اليها العروق التي تحمل مادة المني كما في الذكر وفيه ثقب داخلي صغير شبيه بالقفل فاذا وقعت نطفة الرجل في الرحم انفتح ذلك الغلق ورفع الغطاء فدخل فيه مقدار ما يريد الله تعالى ان يجعل منه لقاحا فيختمر في ذلك الموضع ما يتكون منه الجنين فاذا كان الجماع مع الهدوء لم ينفتح الا هذا الموضع فاذا وقع الاضطراب في الحركة الشديدة تحركت العروق الشارعة واعترضت في مجراه وحصل لها امتصاص ووقع منها مصل في ذلك المجرى وكذلك تتحرك عروق الذكر جميعا ويقع منها
(255)



مصل في ذلك المجرى فاي المصلين سبق بالوقوع في ذلك الموضع قبل ان يقفل واطبق عليه تعلق به شبه فان كان مصل الرجل هو السابق فالشبه للاعمام وان كان مصل المرأة هو السابق فالشبه للاخوال وكذلك في جانب الغلبة والقهر فاي المائين قهر الاخر كان الشبه له .
فاذا عرفت جميع ما حررناه علمت ان الولد الحسيب من الطرفين الكريم من ناحية الاصلين ايهما اشبه من ابويه او عميه وخاليه فانه يكون كريما من غير شك واذا اشبه الجميع فذاك الرجل الوحيد والفتى الممتاز .
واذا امعنت النظر في جميع ما ذكرنا من الشواهد عرفت ان توافق العقلاء على شيء يوجب القطع به وان من له شرف الاباء والامهات فهو الممدوح عند العرب ويسمونه المعم المخول كم سمعت في شعر الحجاج بن علاط السلمي في مدح مولانا امير المؤمينن (ع) ويعنون بالمعم المخول انه كريم الاعمام والاخوال والشواهد على هذا كثيرة :
منه قول ورد في منافرة جرير بن عبد الله البجلي وخالد بن ارطاة الكلبي وقول جرير : لك بالوفاء سبعون غلاما معما مخولا يوضعون على ايدي الاكفاء .(1) ومنه وقوع القعقاع : انا ابن معبد بن زرارة بن عدس وامي معاذة بنت ضرار رؤس من اعمامي عشرة ومن اخوالي عشرة .(2) ومنه قول جعدة بن هبيرة بن ابي وهب المخزومي وهبيرة هذا فارس قريش يقرن بعمرو بن عبد ود العامري وام جعدة - وكان شريفا - ام هاني بنت ابي طالب ابن عبد المطلب .
(1) انظر بلوغ الارب 1/304 .
(2) انظر بلوغ الارب 1/306 .
(256)


ابي من بني مخزوم ان كنت سائلا ومن هاشم امي لخير قبيل
فمن ذا الذي يأبى علي بخاله كخالي عليّ ذي العلا وعقيل

ومدحه الشعراء بصفين بهذا لما هزم عتبة بن ابي سفيان في قصة تركتها لطولها فقال فيه النجاشي شاعر اهل العراق :

امه ام هانئ وابوه من معد ومن لؤي صميم
ذاك هبيرة ابن ابي و هب اقرت بفضله مخزوم
كان في حربكم يعد بالف حين تلقى بها القروم القروم
وابنه جعدة الخليفة منه هكذا يخلف الفروع الاروم

يوجد لدينا فئام ينتقدون سياسة امير المؤمنين علي بن ابي طالب (ع) ويغلظونه في تعجيل منابذة معاوية واسراعه في عزله عن امارة الشام في اول وقت من خلافته ويورن الصواب في اشارة ابن عباس والمغيرة بن شعبة عليه في اقرار معاوية على الشام الى وقت ما حتى تنتظم له الامور وتستحكم قوى الخلافة وتثبت قواعد المملكة ويبايع له معاوية واهل الشام فاذا تمت له بيعتهم واستقاموا له وامن غائلة معاوية في الوثوب عليه وذلك هو الصواب في ناحية السياسة وبه يرتق هذا الفتى الذي فتقه معاوية وقد يتراءى من لا علم له ولا ادراك ولم ينظر ببصيرة وتدبر انه رأى صحيح وهو خطا صرف وجهل محض وهو ضد السياسة لا من حيث الدين فقط وانه لا يجوز استعمال من لا وثوق بديانته حسب ما ذكره الله تعالى في قوله : «وما كنت متخذ المضلين عضدا»(1) بل من حيث السياسة الدنيوية التي في محط انظار هؤلاء الغفل من المنتقدين
(1) الكهف : 51 .
(257)



فان امير المؤمنين (ع) اعلم الخلق بالسياسة واطوارها واعرفهم بشؤون الادارة وانظرهم في مصالح الامة من كل احد .
ان امير المؤمنين (ع) على ثقة ويقين ان معاوية لا ينخدع وقد علم كل احد ان معاوية كان داهية شيطان ماردا ماهرا بامور الدنيا متيقضا لدرس الفنون الدنيوية فهو غير ناس قديم الاحقاد وما بينه وبين بني هاشم من التعادي المتأصل والبغض الشديد والحقد القديم وقد قيل : كل شجر اذا قطع مات الا شجر الحقد اذا قطع عاد .
اليس معاوية هو الذي كتب في صفين الى ابي ايوب الانصاري : لا تنسى الشيباء ابا عذرتها ولا قاتل بكرها يعني انه لا ينسى قتل عثمان كما لا تنسى المرأة المسنة من افتض بكارتها ولا قاتل اول اولادها فهو كذلك غير ناس قتل عثمان وغير ناس من نفسه تهجماته على امير المؤمنين (ع) في حياة ابن عمه عثمان وشططه عليه في القول المغلظ وتهديده اياه بالقتل ان خدش عثمان بخدش او اصابه ما يرومه منه المسلمون من القتل والخلع من الخلافة عندما انكروا عليه ما احدث وينسب معاوية كل شيء قامت به الصحابة ونهضت به الامة على عثمان لأمير المؤمنين (ع) ويعده من تحريضه لانه لا يرى منافسا له غيره في نظره ويعلم بمصير الخلافة اليه بعده لايشك في ذلك فيعد تلك الاعمال ايعازات منه على عثمان ويتخيل انه يعمل على انتزاع الخلافة منه تحت السر والتكتم ولا يتظاهر الا لخاصة الذين يثق بهم .
كل هذا في نفس معاوية على امير المؤمنين (ع) فهو يتلظى عليه غيظا وحنقا لانه يأمل بامتداد ايام عثمان انتقال الخلافة اليه واذا عوجل عثمان اخفق مسعاه وغلبه عليها امير المؤمنين لان المسلمين لا يعدلون به احد وامير المؤمنين (ع) لن ينسى تلك الخطابات القاسية والكلمات الغليظة المؤلمة التي القاها معاوية
(258)



تجاه امير المؤمنين (ع) بمحضر الصحابة من دون تحاش ولا اكتراث فاستبان له (ع) من ذلك انه سيعاديه ويخالفه متى ما صار الامر اليه ولا ينقاد اليه ابدا طائعا ما وجد موافقا له على رأيه خصوصا وقد قتل عثمان وامير المؤمنين حاضر بالمدينة لم ينصره فرسخ في عقيدة معاوية ذلك الظن الذي كان يظنه وتحول الشك عنده يقينا بانه (ع) قد قتل عثمان واكد ذلك عنده وعند بني امية جميعاأخذه ادراع عثمان وخيله وهي من اموال المسلمين لا يسع الخليفة الا ردها لبيت المال خزينة الدولة وهم يرون انها من امواله لانهم لا يرون للمسلمين مالا الا لهم حق التصرف فيه وقد قال في ذلك الوليد بن عقبة :

بني هاشم كيف الهوادة بيننا وعند علي درعه ونجائبه
بني هاشم ردوا سلاح ابن اختكم ولا تنهبوه لا تحل مناهبه
هموا قتلوه كي يكونوا مكانه كما قتلت كسرى بليل مرازبه

هذا وقد صادر (ع) الاموال التي عند عمال عثمان التي هي من اموال المسلمين ورد القطائع التي اعطعها عثمان لبني امية وغيرهم من اراضي الخراج وهي جميعا حقوق المسلمين كل ذلك بمرأى من معاوية ومسمع وهو يخاف مثلها ان تمكن منه فكيف ينخدع ؟ ام كيف تثق نفسه بامير المؤمينن (ع) ؟ حتى يناصحه وينجر الى ناحيته وكيف تخفى نوايا معاوية على امير المؤمنين (ع) كلا عقله اوفى ، وعلمه اعظم ورأيه اعلى ولقد قال فيه وفي اصحابه من بني امية للخوارج يوم صفين لما رفعت المصاحف على الرماح وانخدع بها الخوارج ، قال امير المؤمنين (ع) : عباد الله انا احق من اجاب الى كتاب الله لكن معاوية وعمرو بن العاص وابن ابي معيط وحبيب بن مسلمة وابن ابي سراح ليسوا باصحاب دين ولا قران اني اعرف بهم منكم صحبتهم اطفالا ورجالا فكانوا شر اطفال وشر رجال .
(259)



فاذا اقر معاية على الشام وقد ظهرت له اثار التباعد من معاوية عنه مع بغضه له ولبني هاشم وحقده الاصيل وحسده له وغيظه الشديد على رهطه واسرته فكانه عمل على تقوية معاوية عليه ومساعدته على حربه وقد اعانه على نفسه لانه متى ما وصل الى معاوية منشور امير المؤمنين (ع) بالتولية على الشام واقراره على امارته يقرؤه معاوبة على بقر اهل الشام وطغام الامة ويقول : هذا الخليفة الجديد الامام القائم بامر امة محمد قد ارتضاني للولاية عليكم وراني اهلا ومستحقا غير اني لا ارتضيه اماما ولا مستحقا للخلافة لانه قتل امامكم عثمان مظلوما وبيعته في عنقه ولست مبايعا له حتى يخرج من تبعة دم عثمان التي لزمته فتتمكن شبهة الباطل وتتمركز دعوة الضلالة في نفوس بقر الشام وتقوى فيشتد كلبهم على امير المؤمنين (ع) ويعظم فيكون المحذور من ناحية معاوية والحال هذه اعظم والخطر اشد فيحتاج الرجل السياسي العظيم المجرب صاحب الخبرة بشؤون السياسة المصير الى غير هذا المسلك فان السياسة توجب التحرر عما يخاف منه والتحفظ مما يحذره السياسي والعقل يمنع من تمكين الانسان براثن الاسد من جسمه او تسليط الافعى على انامله ودفع السلاح الى من يريد قتله وابن عباس والمغيرة ومن هو على هذا الراي الذي هو خيال لا حقيقة لم ينظرا الى حقائق الاشياء وعواقب الامور انمانظرا الى المبادئ الحالية التي لا تجدي نفعا ، وقد قال شاعر العرب :

ان امرء امكن اعداءه من نفسه يخدع البابه

والمدار في اصابة الراي على استعمال مادة العقل في تطبيق المبادئ على النتائج فان صحت النتيجة واثمرت كان الرأي صحيحا صائبا والا فذاك الرأي فائل لا يجوز للحازم ان يعمل به ولا للعاقل ان يعول عليه وامير المؤمنين (ع) احزم عربي واعقل ملك سياسي فلا يدخله خلل من ناحية العقل والعلم والتجربة مع ما
(260)



حرسه الله به من التسديد الرباني والرعاية الالهية وان كان في ذلك عناء كلفه فان الدنيا ما خلقت مصاعب وشدائد في قبالها للصابر المحتسب الجزاء المضاعف والاجر والجزيل عند الله تعالى .
ونعود الى ما كنا بصدده والعرب تقول في من له شرف الاباء من الطرفين معرق في الشرف كما يقولون معم مخول ، قال الفرزدق :

من ال حنظلة الاغر وانني في ال ضبة للمعم المخول
فرعان قد بلغ السماء ذراهما واليهما من كل خوف يعقل

قال شبيب بن يزيد الشيباني الخارجي في خالد بن عتاب بن ورقاء : معرق في الشجاعة .
قال الطبري بعد ان سلسل القصة التي فيها مقتل عتاب ابي خالد وهجوم شبيب على الكوفة وما صنعه خالد بشبيب حتى كسره وقتل اخاه مصادا وزوجته غزالة ثم اقتفى اثر الخوارج حتى عبروا دجلة وهو في اثرهم ثم كانت لهم الكرة على خالد واصحابه فكسروهم . قال : فمظوا حتى قطعوا جسر المدائن فدخلوا ديرا هناك وخالد يقفوا اثرهم فحصرهم في الدير فخرجوا عليه فهزمهم نحو من فرسخين حتى القوا انفسهم في دجلة بخيلهم والقى خالد نفسه بفرسه فمر به ولوائه بيده فقال شبيب : قاتله الله فارسا وفرسه فرسا هذا اشد الناس وفرسه اقوى فرس في الارض فقيل له : هذا خالد بن عتاب فقال : معرق في الشجاعة والله لو علمت لاقتحمت خلفه ولو دخل النار . . . الخ .
والشواهد لهذا المعنى لا تحصى فاذن يزول الشك ويرتفع التشكيك بان ابا الفضل العباس (ع) بن امير المؤمنين (ع) اشجع العرب واشدهم بأسا من حيث انه معم مخول :
اما من حيث العمومة فما يقول القائل في بيت منهم رسول الله (ص) اشجع
(261)



الخلق قاطبة ، وقد قال امير المؤمنين (ع) في وصفه : << كنا اذا اشتد البأس لذنا برسول الله (ص) >> وقد فر عنه الجيش يوم احد وثبت هو وامير المؤمنين (ع) وانهزم الناس يوم حنين وثبت هو (ص) وتسعة معه من بني عبد المطلب .
ومنهم امير المؤمنين (ع) اشجع البشر الذي عجبت الملائكة من ثباته حتى قال قائلهم :

لا سيف الا ذو الفقار ولا فتى الا علي

وكانت له درع لها صدر ولا ظهر لها فقيل له في ذلك ، فقال (ع) : ان امكنت عدوي من ظهري فلا ابقى الله عليه ان ابقى علي .
ومنهم الحسن والحسين وطالب بن ابي طالب وهو الذي امتنع من قريش في بدر بسيفه حين رجع فلم يتبعه احد منهم خوفا وما صنع احد من قريش صنعه وفيهم كثير ممن يكره حضور بدر .
ومنهم جعفر الطيار وهو اول عربي عقر فرسه في سبيل الله .
ومنهم حمزة بن عبد المطلب اسد الله واسد رسوله .
ومنهم الزبير بن عبد المطلب صاحب حلف الفضول والذي حمى مكة ان يظلم بها احد وكانت قريش لا تبرم امرا حتى يشهده ووهو الذي طرد حرب بن امية حتى استجار منه بابيه عبد المطلب .
ومنهم ابو طالب بن عبد المطلب قائد قريش في حروب الفجار وشهد له رسول الله (ص) حيث قال : << لو ان الناس كلهم ولدهم ابو طالب ما كان فيهم الا شجاعا >> ذكره ابن ابي الحديد في قصة ام هانئ في فتح مكة وكل بني عبد المطلب شجعان .
واما من حيث الخؤلة فقد عرفت فرسان بين كلاب ومن فرسان بني عامر غيرهم كثير منهم عمرو بن عامر فارس الضحيا ومعاوية الاخيل ومعاوية بن
(262)



البكاء وخداش وجابر بن سمرة وعبد الله بن الطفيل والمنتفك وغيرهم مما طوينا عن ذكرهم صفحا ايثارا للاختصار على التطويل .
فاذن يطمئن كل ذي فكرة وروية ان نسبا تسلسل من لدن ادم حتى انتهى اليه ونظم في سلسلته محمد المصطفى وعلي المرتضى واسد الله واسد رسوله والطيار والسبطين لا نظير له ولا مثيل ولا يشك في تفوقه على كل نسب لعربي وغيره ولا شك فهو مفتخر العرب قاطبة .
وحيث اعلمناك ما للعباس (ع) من الشرف من حيث الاباء ومن حيث الامهات بقي علينا ان نحرر تراجم موجزة لاعمام العباس (ع) نقتصد فيها فانا قد ترجمنا لهم تراجم مطولة في كتاب ( الميزان الراجح ) وهذا الكتاب لا يحتمل ذلك التطويل .
عمومة العباس (ع) فريقان : فريق هم عمومته اخوة ابيه وفريق عمومة ابيه .
فالقسم الاول اعمامه ثلاثة : طالب وعقيل وجعفر :

1- طالب بن ابي طالب :

اما طالب بن ابي طالب وهو اكبر ولد ابي طالب وبه كان يكنى امه فاطمة بنت اسد بن هاشم بن عبد مناف اول هاشمية ولدت لهاشمي ولم يتزوج ابو طالب غيرها .
وكان طالب قد ادرك الاسلام وحضر بدرا مع المشركين ورجع قبل القتال رغما على اناف قريش وهو من المسلمين الذين كانوا يكتمون اسلامهم كأبيه ابي طالب وان كان علماء الرجال والنسب من اهل السنة قد حكموا بكفره وليس عندهم اكثر من انه لم يظهر اسلامه وهذا دليل ظني لا ينتج الا الظن والشواهد تقضي بضد ذلك فانهم قد حكموا في العباس بن عبد المطلب وغيره
(263)



من بني هاشم كام هاني بعض رجالهم ونسائهم انهم اسلموا وخفوا اسلامهم عن قريش فاذا جاز ذلك فيهم جاز في طالب ان يكون مثلهم قد اسلم واخفى اسلامه عن قريش وكتمهم اياه .
ومن وجهة ثانية قد نص البرنجي الشافعي في كتاب ( اسنى المطالب ) وغيره وذكرناه في ( الميزان الراجح ) في ترجمة ابي طالب من ان احدا من ولد هاشم لم يعبد صنما كلهم كانوا على التوحيد وحيث كان ذلك لم يبلغنا ان طالبا قد كفر واشرك بعد توحيده ولو كان لاشتهر كما اشتهر كفر عمه ابي لهب وابن عمه ابي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب بل بلغنا العكس وهو اسلامه في شعره الاتي .
واما عندنا فاسلامه منصوص عليه ، نص على اسلامه ابن شهر اشوب في المناقب والمجلسي في البحار وغيرهما وسنذكر كلامهما .
وكان طالب بن ابي طالب من رجال قريش وفتيان بني هاشم شجاعة وفصاحة وله شعر جيد وهو اكبر اخوته باتفاق علماء النسب نص على ذلك جماعة منهم ابن اسحاق والطبري وابن الصباغ وابن قتيبة وسبط ابن الجوزي والخوارزمي وغيرهم من السنة وابن شهر اشوب والمجلسي واليعقوبي والمسعودي وغيرهم من الشيعة .
قال الخوارزمي في مناقبه (1) عن الزبير بن بكار قال : ولد ابو طالب بن عبد المطلب طالبا لا عقب له وعقيلا وجعفر وعليا (ع) كل واحد منهم اسن من صاحبه بعشر سنين على الولاء وام هاني واسمها فاختة وام كلهم فاطمة بنت اسد بن هاشم بن عبد مناف وهي اول هاشمية ولدت لهاشمي وقد اسلمت
(1) مناقب الخوارزمي : ص11 .
(264)



وهاجرت الى رسول الله (ص) وماتت بالمدينة وشهدها رسول الله (ص) وامير المؤمنين (ع) .
وقال السبط في التذكرة(1) في ذكر اولادها : وجميعهم من ابي طالب وهم ستة اربع ذكور فانثيان ، فالذكور طالب وعقيل وجعفر وعلي (ع) وبين كل واحد وبين الاخر عشر سنين فطالب اكبر اولاد ابي طالب وبه كان يكنى وبين طالب وعقيل عشر سنين وبين عقيل وجعفر عشر سنين وبين جعفر وعلي (ع) عشر سنين فعلي (ع) اصغر ولده وطالب اكبرهم وكنيته ابو بريد وكان عالما بانساب قريش واخرجهم المشركون يوم بدر لقتال رسول الله (ص) كرها ، فقال :

لا هم اما تغزون بطالب في مقنب من هذه المقانب
وليكن المغلوب غير الغالب وليكن المسلوب غير السالب

فلما انهزم المشركون يوم بدر لم يوجد لا في القتلى ولا في الاسرى ولا رجع الى مكة ولا يدرى ما حاله ، وليس له عقب . . . انتهى .
هذه الرواية تمسك بها من نص منهم على موته كافرا كالديار بكري في تاريخ الخميس والمحب الطبري في ذخائر العقبى ولا شاهد فيها على ما ذهبوا اليه والصحيح فيها انه لم يشهد القتال وانه عاش بعد الوقعة ورثى من قتل من قريش ومدح النبي (ص) .
في السيرة الهاشمية (2) : كان بين طالب بن ابي طالب - وكان في القوم - وبين بعض قريش محاورة ، فقالوا : والله لقد عرفنا يا بني هاشم وان خرجتم معنا ان هواكم لمع محمد فرجع طالب بن ابي طالب الى مكة مع من رجع ، وقال :
(1) تذكرة خواص الامة : ص7.
(2) سيرة ابن هشام 2/209 .
(265)


طالب بن ابي طالب لا هم اما يغزون طالب
في عصبة محالف محارب في مقنب من هذه المقانب
فليكن المسلوب غير السالب وليكن المغلوب غير الغالب

وذكرها في تاريخ الخميس(1) ، وقال الطبري في تاريخه(2).
واما ابن الكلبي فانه قال فيما حدثت عنه : شخص طالب بن ابي طالب الى بدر مع المشركين اخرج كرها فلم يوجد في الاسرى ولا في القتلى ولم يرجع الى مكة وكان شاعرا وهو الذي يقول - وذكر الشعر المتقدم - .
ومثل هذه العبارة في مروج الذهب(3).
وفي عمدة الطالب (4) : اما طالب بن ابي طالب فاكرهته قريش على الخروج الى بدر ففقد فلم يعرف له خبر ، ويقال : انه اكره فرسه بالبحر حتى غرق ، وهو القائل حين اخرجته قريش كرها - وذكر الشعر - .
وقال الفاضل المجلسي في البحار(5) باسناده عن الصادق (ع) قال : لما خرجت قريش الى بدر اخرجوا بني عبد المطلب ومعهم طالب بن ابي طالب فنزل رجازهم يرتجزون ونزل طالب بن ابي طالب يرتجز - وذكر الشعر المتقدم - فقالت قريش : ان هذا ليغلبنا فردوه .
وفي رواية اخرى عن الصادق (ع) : انه كان اسلم .
(1) تاريخ الخميس 1/422 .
(2) تاريخ الطبري 2/276 .
(3) مروج الذهب 2/2 .
(4) عمدة الطالب : ص15 .
(5) بحار الانوار 6/605 .
(266)

وقال ابن شهر اشوب في المناقب(1): واخوته (ع) طالب وعقيل وجعفر وعلي (ع) اصغرهم وكل واحد منهم اصغر من اخيه بعشر سنين بهذا الترتيب واسلموا كلهم واعقبوا الا طالب فانه اسلم ولم يعقب . . . انتهى .

محبة ابي طالب لطالب وعقيل :

قال ابن الصباغ المالكي في (الفصول المهمة)(2) : لما نشأ علي بن ابي طالب (ع) وبلغ سن التميز اصاب اهل مكة جدب شديد وقحط اجحف بذوي المروة واضر بذوي العيال الى الغاية فقال رسول الله (ص) لعمه العباس - وكان ايسر بني هاشم - : اعلم ان اخاك ابا طالب كثير العيال وقد اصاب الناس ما ترى فانطلق بنا اليه لنخفف من عياله فتأخذ انت رجل واخذ انا رجل ونكفلهما له .
قال العباس : افعل .
فانطلقا حتى اتيا ابا طالب فقالا : انا نريد ان نخفف عنك من عيالك حتى يكشف الله عن الناس ما هم فيه.
فقال : اذا تركتما لي عقيلا وطالبا فاصنعا ما شئتما .
فاخذ رسول الله (ص) عليا فضمه اليه واخذ العباس جعفرا فضمه اليه فلم يزل علي (ع) مع رسول الله (ص) حتى بعث الله عز وجل محمدا نبيه (ص) فاتبعه علي (ع) امن به وصدقه . . . انتهى .

شعر طالب :

كان شاعرا مجيدا - حسبما سمعت - جمع بين الجزالة والسلالة ، في سيرة ابن هشام(3) : قال ابن اسحاق : قال طالب بن ابي طالب يبكي اصحاب القليب من قريش يوم بدر ويمدح رسول الله (ص) .
(1) مناقب ابن شهر اشوب 3/161 .
(2) الفصول المهمة : ص15 .
(3) سيرة ابن هشام 2/218 .
(267)


الا ان عيني انفذت مائها سكبا فتبكي على كعب وما ان ترى كعبا
الا ان كعبا في الحروب تخاذلوا واوردوهم ذا الدهر واجترحوا ذنبا
وعامر تبكي للملمات غدوة فياليت شعري هل ارى لهم قربا
هما اخواي لم يعدا لغبة تعد ولن يستام جارهما غصبا
فيا اخوينا عبد شمس ونوفلا فديتكما لا تبعثا بيننا حربا
ولا تصحبا من بعد ود والفة احاديث فيها كلكم يشتكي النكبا
الم تعلموا ما كان في حرب داحس وجيش ابي يكسوم اذ ملؤوا الشعبا
فلولا دفاع الله لا شيء غيره لاصبحتموا لا تمنعون لكم سربا
فما ان جنينا في قريش عظيمة سوى ان حمينا خير من وطأ التربا
اخا ثقة في النائبات مرزء كريما ثناه لا بخيلا ولا ذربا
يطيف به العافون يغشون بابه يؤمون بحرا لا نزورا ولا صربا
فوالله لا تنفك نفسي حزينة تململ حتى تصدقوا الخزرج الضربا

وفي قوله ( فلو لا دفاع الله ) في قصة ابي يكسوم صاحب الفيل .
وفي قوله : (خير من وطأ التربا) يعني به النبي (ص) دليل قاطع على اسلامه .
واما قوله : ( حتى تصدوا الخزرج الضربا) فليس هو من الدعاء على الاسلام والتحريض على المسلمين ولكنه مما اثارته العواطف الرحمية واهاجه الشعور النسبي لان قريشا قومه والقومية في الغيور داعية الحماس ولا يلام الرجل في حب قومه .
( يطيف به العاقون ) يشبه قول ابيه ابي طالب في مدحه (ص) :

تطيف به الهلاك من ال هاشم فهم عنده في نعمة وفواصل

2- عقيل بن ابي طالب :

العلامة النسابة الفصيح اللسان الحاضر الجواب الذي لا يجاري في محاورة ،
(268)



ولا يقام له في خطاب ، كان سريع البديهية حاد الذهن وقاد القريحة حاضر الجواب لسانه كسنانه وجوابه احد من شفرة السيف وكان شجاعا شهد غزوة مؤته وما بعدها من غزوات النبي (ص) واخرجته قريش كغيره من بني هاشم كرها الى بدر فاسر وفداه عمه العباس وكان ابوه ابو طالب شديد المحبة له ورسول الله (ص) يحبه حبا شديدا لأمرين سنذكرهما انشاء الله ونحن نورد هنا من اخباره ما يناسب هذا الكتاب والا فقد ترجمنا له في (الميزان الراجح) ترجمة مطولة تصح ان تكون كتابا منفردا .
وقد كان عقيل مبغوضا الى قريش لعلمه بمساويهم فهو ينشرها ولا يخفيها فيفتضحون بذلك فلذا ابغضوه ونسبوا اليه كلما يشينه ويوجب القدح فيه حتى انهم نسبوا اليه الانحراف عن اخيه امير المؤمنين (ع) وزعموا انه فارقه ولحق بمعاوية وجر هذا التشنيع عليه بغضهم له وقد ذكرنا كلما ذكروا في (الميزان الراجح ) واجبنا عنه .
وهنا كلمة للحافظ المقريزي وقعت في موقعها من الصواب وقد اوردها مورد الاحتجاج على بني امية(1) ما لفظه هذا : وهم يزعمون ان عقيلا اعان معاوية على علي (ع) فان كانوا كاذبين فما اولاهم بالكذب وان كانوا صادقين فما جازوه خيرا اذ ضرب عنق مسلم بن عقيل صبرا وقتلوا معه هاني بن عروة لانه اواه ونصره . . . الخ .
وسيجيء كلام الجاحظ في هذا المعنى .
ذكر الحفاظ الثلاثة ابن عبد البر و ابن الاثير والعسقلاني ففي كتب الصحابة
(1) النزاع والتخاصم : ص13 .
(269)



والالفاظ متقاربة ولفظ الاول(1) : عقيل بن ابي طالب بن عبد المطلب بن هاشم القرشي الهاشمي يكنى ابا زيد ، روينا ان رسول الله (ص) قال : يا ابا يزيد اني احبك حبا لقرابتك مني وحبا لما كنت اعلم من حب عمي اياك .
قدم عقيل البصرة ثم اتى الكوفة ثم اتى الشام وتوفي في خلافة معاوية وله دار بالمدينة .
قال العدوي : كان عقيل قد اخرج الى بدر مكرها ففداه عمه العباس ثم اتى مسلما قبل الحديبية وشهد غزوة مؤتة وكان اكبر من اخيه جعفر بعشر سنين وكان جعفر اكبر من علي (ع) بعشر سنين وكان عقيل انسب قريش واعلمهم بايامهم .
قال : ولكنه كان مبغضا اليهم لانه كان يعد مساويهم .
قال : وكانت له طنفسة تطرح في مسجد رسول الله (ص) يصلي عليها ويجتمع اليه في علم النسب وايام العرب وكان اسرع الناس جوابا واحضرهم مراجعة في القول وابلغهم في ذلك .
قال وحدثني ابن الكلبي عن ابيه عن ابي صالح عن ابن عباس قال : كان في قريش اربعة يتحاكم اليهم ويقف عند قولهم - يعني في النسب - عقيل بن ابي طالب ومخرمة بن نوفل الزهري وابو جهم بن حذيفة العدوي وحويطب بن عبد العزى العامري .
زاد غيره : كان عقيل اكثرهم ذكرا لمثالب قريش فعادوه لذلك وقالوا فيه بالباطل نسبوه الى الحمق واختلفوا عليه احاديث مزورة وكان مما اعانهم عليه مغاضبته لاخيه علي (ع) وخروجه الى معاوية واقامته معه ويزعمون ان
(1) الاستيعاب 2/252 .
(270)



معاوية قال له يوما بحضرته : هذا ابو يزيد لولا علمه باني خير له من اخيه لما اقام عندنا وتركه . قال عقيل : اخي خير لي في ديني واننت خير لي في دنياي وأسأل الله خاتمة خير . . . انتهى .
وزعم ابن الاثير انه بعد غزوة مؤتة عرض له مرض فلم يشهد فتح مكة وحنين والطائف واطعمه رسول الله (ص) اوساقا من خيبر كل سنة وقد قيل : انه ممن ثبت يوم حنين مع رسول الله (ص) . . . الخ .
وسنذكر بعض ما ذكره من اجوبته ثم قال : روى عنه ابنه محمد والحسن البصري وغيرهما وهو قليل الحديث .
قال العسقلاني : اخرج له النسائي وابن ماجة حديثا .
وقال ابن سعد : قالوا : مات في خلافة معاوية .
وفي تاريخ البخاري الاصغر بسند صحيح انه مات في خلافة يزيد قبل الحرة .
وقال الجاحظ في البيان والتبيين (1) : كان عقيل بن ابي طالب نسابا عالما بالامهات ، بين اللسان ، شديد الجواب ، لا يقوم له احد .
وقال (2) : واربعة من قريش كانوا رواة الناس للاشعار وعلماؤهم بالانساب والاخبار : مخرمة بن نوفل بن وهيب بن عبد مناف بن زهرة وابو الجهم بن حذيفة بن غانم بن عامر بن عبد الله بن عوف وحويطب بن عبد العزى وعقيل بن ابي طالب وكان عقيل اكثرهم ذكرا لمثالب الناس فعادوه لذلك وقالوا فيه وحمقوه وسمعت ذلك العامة منهم فلا تزال تسمع الرجل يقول للرجل يحمقه حتى الف بعض الاعداء فيه الاحاديث فمنها قولهم : ثلاثة حمقاء كانوا اخوة
(1) البيان والتبيين 1/256 .
(2) البيان والتبيين 1/ 258 .
(271)



ثلاث عقلاء والام واحدة : علي وعقيل وامهما فاطمة بنت اسد بن هاشم . وعتبة ومعاوية ابنا ابي سفيان وامهما هند بنت عتبة . وعبد الملك ومعاوية ابنا مروان امهما عائشة بنت معاوية بن المغيرة بن ابي العاص . فكيف وجعدة بن هبيرة يقول شعرا :

ابي من بني مخزوم ان كنت سائلا ومن هاشم امي لخير قبيل
فمن ذا الذي يأبى علي بخاله كخالي علي ذي الندى وعقيل

وقال قدامة ين موسى بن قدامة بن مضعون شعرا :

وخالي بغاة الخير تعلم انه جدير بقول الحق لا يتوعر
وجدي علي ذو التقى وابن امه عقيل وخالي ذو الجناحين جعفر
فنحن ولاة الخير في كل موطن اذا ما ونى عنه رجال وقصروا

وقال(1) : وكان عقيل رجلا قد كف بصره وله بعد لسانه ونسبه وادبه وجوابه فلما فضل نظرائه من العلماء بهذه الخصال صار لسانه اطول وغاضب عليا (ع) واقام في الشام فكان ذلك ايضا اطلق اللسان الساعي عليه والحاسد فيه وزعموا انه قال لمعاوية - ذكر ما قاله في الاستيعاب من قوله << انت خير لي في دنياي >> - .
وقال مرة اخرى : انت معنا يا ابا يزيد . قال : ويوم بدر كنت معكم .
وقال معاوية يوما : يا اهل الشام هل سمعتم قول الله تعالى في كتابه العزيز : «تبت يدا أبي لهب وتب»(2) ؟
قالوا : نعم .
(1) البيان والتبيين 2/260 .
(2) المسد : 1 .
(272)



قال : فان ابا لهب عمه .
فقال عقيل : هل سمعتم قول الله عز وجل : «وامراته حمالة الحطب» (1) ؟
قالوا : نعم .
قال : فانها عمته .
قال معاوية : حسبنا ما لقينا من اخيك .
وذكروا ان امرأة عقيل وهي فاطمة بنت عتبة بن ربيعة قالت : يا بني هاشم ، لا يحبكم قلبي ابدا : اين ابي ؟ اين اخي ؟ اين عمي ؟ كان اعناقهم اباريق الفضة ترد انفهم قبل شفاههم .
قال لها عقيل : اذا دخلت جهنم فخذي على شمالك .
وقال ابن الاثير(2) : ان عقيل بن ابي طالب لزمه دين فقدم على علي (ع) الكوفة فانزله وامر ابنه الحسن (ع) فكساه ، فلما امسى اتى بعشائه فاذا خبز وملح وبقل ، فقال عقيل : ما هو الا ما ارى ؟
قال : نعم .
قال : فتقضي ديني ؟
قال : كم دينك ؟
قال : اربعون الفا .
قال : ماهي عندي ولكن اصبر حتى يخرج عطائي فانه اربعة الاف ادفعها اليك .
قال عقيل : بيوت المال بيدك وانت تسوفني بعطائك ؟!
قال : أتأمرني ان ادفع اليك اموال المسلمين وقد ائتمنوني عليها ؟
(1) المسد : 4 .
(2) اسد الغابة 3/224 .
(273)



فقال عقيل : فإني آتي معاوية .
فأذن له فأتى معاوية فقال له : يا ابا يزيد كيف تركت عليا واصحابه ؟
قال : كأنهم اصحاب محمد (ص) الا اني لم ار رسول الله (ص) فيهم ، وكأنك اصحاب ابو سفيان واصحابه الا اني لم ابا سفيان فيكم .
فلما كان الغد قعد معاوية على سريره وأمر بكرسي الى جنب السرير ثم أذن لعقيل فقال : يا معاوية ، من هذا معك ؟
قال : الضحاك بن قيس .
فقال : الحمد لله الذي رفع الخسيسة وتمم النقيصة هذا الذي كان ابوه يخصي بهمنا بالابطح ، لقد كان بخصائها رفيقا .
فقال الضحاك : اني لعالم بمحاسن قريش وان عقيلا عالم بمسوائها .
فامر له معاوية بخمسين الف ، فاخذها ورجع . . . الخ .
وهذه القصة رواها المفيد الحسن بن الشيخ الطوسي رحمة الله عليهما في مجالسه(1) وفيها يقول : قال معاوية : مرحبا بك يا ابا يزيد ، ما نزع بك الينا ؟
قال : طلب الدنيا في مضانها .
قال : وفقت واصبت وقد امرنا لك بمائة الف درهم . ثم قال : اخبرني عن العسكرين الذين مررت بهما قبل عسكري وعسكر علي ؟
قال : في الجماعة اخبرك ام في الوحدة ؟
قال : بل في الجماعة .
قال : مررت على عسكر علي (ع) فاذا ليل كليل النبي (ص) ونهار كنهار النبي (ص) الا ان رسول الله (ص) ليس فيهم ومررت على عسكرك فاذا اول من
(1) مجالس ابن الشيخ : ص89 .
(274)



استقبلني ابو الاعور وطائفة من المنافقين والمنفرين برسول الله (ص) الا ان ابا سفيان ليس فيهم .
فكف عنه حتى اذا ذهب الناس قال : يا ابا زيد اي شيء صنعت بي ؟
قال : الم اقل لك في الوحدة ام في الجماعة ؟ فابيت علي .
قال : اما الان فاشفني من عدوي .
قال : ذلك عند الرحيل .
فلما كان من الغد شد غرائره ورواحله زاقبل نحو معاوية وقد جمع معاوية خوله فلما انتهى اليه قال : يا معاوية ، من ذا على يمينك ؟
قال : عمرو بن العاص .
فتضاحك ثم قال : لقد علمت قريش انه لم يكن اخصى لتيوسها من ابيه . ثم قال : من هذا على شمالك ؟
قال : ابو موسى .
فتضاحك وقال : لقد علمت قريش بالمدينة انه لم يكن بها امرأة اطيب من قب امه .
ثم قال له : اخبرني عن نفسي يا ابا زيد .
قال : اتعرف حمامة ؟ ثم سار .
فالقى في خلد معاوية وقال : ام من امهاتي لست اعرفها ، فدعى بنسابين من اهل الشام فقال : اخبراني عن ام من امهاتي يقال لها حمامة لست اعرفها .
فقالا : نسألك بالله لا تسالنا عنها اليوم .
قال : اخبراني او لاضربن اعناقكما ولكما الامان .
قالا : فان حمامة جدة ابي سفيان السابعة وكانت بغيا ولها بيت توفي فيه . . . انتهى .
(275)



في تعليقة النزاع والتخاصم(1) : يقال : ان الزرقاء هذه هي ام بني امية بن عبد شمس واسمها ارنب وكانت في الجاهلية من صواحب الرايات وذكر ابن ابي الحديد هذه القصة .
ايضا في شرح النهج(2) لكنه ذكر ان عقيلا قال لعمرو بن العاص : هذا الذي اختصم فيه ستة نفر لغلب عليه جزار قريش ، فمن الاخر ؟
قال : الضحاك بن قيس الفهري .
قال : اما والله لقد كان ابوه جيد الاخذ لعسب التيوس . فمن هذا الاخر ؟
قال : ابو موسى الاشعري .
قال : هذا ابن السراقة .
ثم ذكر حمامة وقال : انها جدته ام ابي سفيان وكانت بغيا في الجاهلية صاحبة راية .
وقال البيهقي في المحاسن والمساوئ (3) : ان الوليد بن عقبة قال لعقيل بن ابي طالب : غلبك ابو تراب على الثروة والعدد .
قال : نعم وسبقني واياك الى الجنة .
فقال : اما والله ان شدقيه لمتوضمان من دم عثمان .
فقال عقيل : ما وانت وقريش فانما انت فيهم كمنيح المسير .
فقال الوليد : اني ارى لو ان اهل الارض اشتركوا لوردوا صعودا .
فقال عقيل : كلا ، ما ترغب له عن صحبة ابيك . . . انتهى .
(1) النزاع والتخاصم : ص22 .
(2) شرح نهج البلاغة 1/175 .
(3) المحاسن والمساوئ 2/133 .
(276)



وذكرها ابن ابي الحديد وذكر ايضا(1) قال معاوية لعقيل : ان فيكم لينا يا بني هاشم ؟
قال : نعم ان فينا لينا من غير ضعف وعزا من غير عنف وان لينكم يا معاوية غدر وسلمكم كفر .
فقال معاوية : ولا كل هذا يا ابا يزيد .
قال معاوية يوما وعنده عمرو بن العاص : لاضحكك من عقيل ، فلما سلم ، قال معاوية : مرحبا برجل عمه ابو لهب .
فقال عقيل : واهلا برجل عمته حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد .
فقال معاوية : يا ابا يزيد ، ما ضنك بعمك ابي لهب ؟
قال : اذا دخلت النار فخذ الى يسارك تجهد مفترشا عمتك حمالة الحطب افناكح في النار خير ام منكوح ؟
قال : كلاهما شر والله .
وذكر في العقد الفريد (2) قال : دخل عقيل على معاوية وقد كف بصره فاجلسه معاوية على سريره ثم قال : انتم معشر بني هاشم تصابون في ابصاركم .
قال : وانتم معشر بني امية تصابون في بصائركم .
وذكر له اجوبة كثيرة منها بعد قوله << ناكح في النار >>(3) : وقال له معاوية يوما : ما ابين الشبق في رجالكم يا بني هاشم .
قال : لكنه في نسائكم ابين . . . الخ .
وهذا كثيرجدا فهذا المقدار يكفي .
(1) شرح نهج البلاغة 2/268 .
(2) العقد الفريد 2/325 .
(3) عقد الفريد 2/226
(277)


صفة عقيل وبعض حكاياته :

قال ابو الحجاج البلوي في كتاب ( الف باء )(1) : عقيل بن ابي طالب كان طوالا وكان احد العشرة الذين طولهم عشرة اشبار . . . الخ .
سنذكر الطوال في عنوان البطولة ، وعشرة اشبار بشبر نفسه .
قال الحلبي في سيرته(2) في غزوة حنين : ان عقيلا دفع لامرته ابرة اخذها من الغنيمة ، فانها قالت له : قد علمت انك قاتلت فماذا اصبت من الغنيمة ؟
فقال : دونك هذه الابرة تخيطين بها ثيابك .
فسمع منادي رسول الله (ص) يقول : من اخذ شيئا فليرده حتى الخياط والمخيط .فرجع واخذها منها والقاها في الغنائم .
وروى بصورة اخرى وفيها زيادة : ما ارى ابرتك الا وقد اخذت منك فاخذها والقاها في الغنائم .
قال السبط ابن الجوزي في التذكرة(3) باسناده عن معاوية بن عمار قال : سمعت ابا عبد الله جعفر بن محمد (ع) يقول : قال رسول الله (ص) يوم بدر : انظروا من هاهنا من اهل بيتي من بني هاشم فجاء علي (ع) فنظر الى العباس ونوفلا وعقيلا ثم رجع فناداه عقيل : يا ابن ام والله لقد رأيتنا .
فجاء علي (ع) الى رسول الله (ص) فاخبره فجاء رسول الله (ص) فوقف على رأس عقيل فقال : ابا يزيد ، قتل ابو جهل ؟
فقال : اذن لاتنازعوا في تهامة فان كنت اثخنت القوم والا فاركب اكتافهم - وفي رواية : الان صفا لك الوادي - .
ثم رجع عقيل الى مكة واقام الى سنة ثمان من الهجرة ثم خرج مهاجرا الى
(1) الف باء : ص81 .
(2) سيرة الحلبية 3/138 .
(3) تذكرة خواص الامة : ص7 .
(278)



المدينة فشهد غزاة مؤتة واطعمه رسول الله (ص) من خيبر مائة واربعين وسقا كل عام .
قال الواقدي : اصاب عقيل يوم مؤتة خاتما عليه تماثيل فنفله اياه رسول الله (ص) فكان في يده . . . اتهى .
لم يشهد عقيل الجمل وصفين مع اخيه امير المؤمنين (ع) بل تخلف عنه لغير شك في امامة اخيه ولا خذلان له بل امتثل امر امامه بالتخلف في المدينة ليكون له عينا في الحجاز يكتب اليه بما يحدث .
وروى الصدوق القمي ( رحمه الله ) في كتاب الامالي(1) عن ابن عباس قال : قال علي (ع) لرسول الله (ص) : انك لتحب عقيلا ؟
قال : اي والله اني لاحبه حبين حبا له وحبا لحب ابي طالب له وان ولده المقتول في محبة ولدك فتدمع عليه عيون المؤمنين وتصلي عليه الملائكة المقربون . ثم بكى رسول الله (ص) حتى جرت دموعه على صدره ثم قال : اللهم اني اشكو اليك ما تلقى عترتي من بعدي . . . انتهى .
ونقلها عن جماعة منهم الوحيد البهبهاني في التعليقة وابو علي الرجالي والفاضل المجلسي وغيرهم والمشار اليه في هذه الرواية المستحق لصلاة الملائكة المقربين وبكاء المؤمنين الشهيد مسلم بن عقيل (ع) البطل العظيم فانه حري بذلك لانه وقف في الكوفة موقفا نبيلا حفظ فيه وصية المصطفى بالعترة الطاهرة وادى اجر الرسالة الذي لم يسأل الله غيره في موالاتهم حيث يقول : «قل لا اسالكم عليه اجراً إلا المودة في القربى»(2) ، فادى من محض الاخلاص
(1) الامالي للصدوق : ص88 مجلس 27 .
(2) الشورى : 23
(279)



لسيد الشهداء الحسين بن علي (ع) ما ابهر به عقول ذوي العقول وحير الباب ذوي الالباب .
رجل يقاد اسيرا ليقتل فيستعبر باكيا ليس على نفسه والنفس لا اعز منها عند اكثر البشر ولا اغلى بل للحسين (ع) فيقال له : اتبكي وانت تطلب ما تطلب ؟ فيقول : لا والله ما لنفسي بكيت وان كنت لا احب لها تلفا بل ابكي للحسين (ع) وال الحسين . فهذا لعمرك الاخلاص في المحبة وهذه هي المواساة العظيمة التي لم يعهد لها نظير في التاريخ ولم يعرف قبله رجل قيد الى المنية سحبا لا تهمه حياته وانما يهمه سيده الا هذا البطل العظيم فانه قد ابدى هذا الاخلاص العجيب وقد رفرف طير المنية على رأسه وكل حالاته معجبة .
هل سمعت او ذكر لك ان بطلا من الابطال او شجاعا من الشجعان مهما بلغ من الشجاعة حارب بلدة عظيمة باسرها واي بلدة ؟ الكوفة اعظم المدن في ذلك العصر وكبر الامصار محتشدة بالسكان مكتضة بالجيوش المرابطة للغزو وكان فيها ثمانون الف جندي مسلح سوى من لم يثبت له الديوان ( درائرة النفوس ) اسما في المتطوعة والسكان فانثالت كلها عليه رجالها تحاربه في الازقة ونساؤها وصبيانها تقذفه بالحجارة من اعالي السطوح وترمي عليه اطنان القصب المستعرة بالنيران فلم ترهبه تلك المظاهرة البدائية ولا زعزعته الكوارث المحدقة به ولا هالته اهوالها بل كان يشتد ويشد عليهم مصلتا سيفه فيهربون قدامه اشتاتا وهو يرتجز :

آليت لا اقتل إلا حرا

لم يزل هذا دابه يفني الجمع بعد الجمع ويبيد الكتيبة بعد الكتيبة حتى احدثت هجماته في البلدة رجة عظيمة ارعبت قلب الطاغي المتمرد فلاذوا منه بالامان ، فمثل هذا حري بصلاة الملائكة المقربين وبجريان دموع المؤمنين .
(280)


أولاد عقيل :

مختلف في كميتهم قلة وكثرة ، ونحن نرى الكثرة لان من حفظ حجة على من لم يحفظ ، ومن ذكر الاقل يمكن ان يكون فانه الاطلاع على الباقي :
اولاده الذكور :مسلم امه ام ولد ، عيسى امه ام ولد ، عثمان امه ام ولد ، جعفر الاكبر امه ام ولد وقيل ام البنين الكلابية ، جعفر الاصغر امه ام ولد ، سعيد امه ام سعيد العامرية ابو سعيد امه ام البنين الكلابية ، موسى امه ام ولد ، علي الاكبر امه ولد ، علي الاصغر امه ام ولد ، عبد الرحمن امه ام ولد ، عبدالله الاكبر امه ام ولد ، عبد الله الاصغر امه ام ، يزيد امه ام سعيد العامرية ، حمزة امه ام البنين الكلابية ، محمد امه ام ولد ، عون بن عقيل امه ام ولد .
بنات عقيل : زينب لام ولد ، رملة لام ولد ، اسماء لام ولد ، ام القاسم لام ولد ، ام عبد الله لام ولد ، فاطمة لام ولد ، ام هانئ لام ولد ، ام النعمان لام ولد .
اعتمدنا على في ذكر اولاده على ما في ( بحر الانساب ) و ( تذكرة سبط ) ونترك كلام العميدي ونذكر كلام سبط ونصه(1) : كان له عقب بالمدينة ومن اولاده يزيد وبه كان يكنى وسعيد وامهما ام سعيد بنت عمرو بن صعصعة ، وجعفر الاكبر وابو سعيد وهو اسمه وكان احول امهما ام البنين كلابية ، ومسلم وهو الذي بعثه الحسين (ع) الى الكوفة فقتله ابن زياد ، وعبد الله وعبد الرحمن وعلي وجعفر وحمزة ومحمد ورملة وام هاني وفاطمة وام القاسم وزينب وام النعمان لامهات اولاد شتى . . . انتهى .
والزيادة نقلناها عن ( بحر الانساب ) ويستفاد منه ومن كتب المقاتل انهم اكثر مما ذكر ( السبط ) لان فيهم علي الاكبر وعبد الله وموسى وعيسى واستشهد منهم تسعة مع الحسين (ع) .
(1) تذكرة خواص الامة :ص7 .
(281)



قال الحافظ المقريزي في النزاع والتخاصم(1) وهو يذكر اعمال بني امية وافعالهم الذميمة بما لفظه : وقتلوا لصلب علي بن ابي طالب (ع) تسعة ولصلب عقيل بن ابي طالب تسعة ، ولذلك قالت نائحتهم :

عين جودي بعبرة وعويل اندبي ان ندبتي ال الرسول
تسعة كلهم لصلب علي قد ابيدوا وتسعة لعقيل

هذا وهم يزعمون ان عقيلا اعان معاوية على علي (ع) الى اخر عبارته .
وقد خلت دار عقيل هجرة مع الحسين (ع) فلم يبق منهم احد بالمدينة سوى نساء اما الذكور فلم يبق احد منهم ولم ينجو منهم الا طفل صغير هو عبد الله بن محمد بن عقيل ومنه كان عقب عقيل ولهذا يقول الحسين (ع) : << اللهم اقتل قاتل ال عقيل >> ويقول (ع) : << صبرا ال عقيل فان موعدكم الجنة >> كما قال جده رسول الله (ص) لال ياسر تسلية لهم عن القتل << صبرا ال ياسر فموعدكم الجنة >> فانه لم يبق منهم الا عمار وقتل ابوه ياسر واخوه عبد الله وامه سمية فالحسين (ع) سلى ال عقيل بتلك التسلية ونعم العوض عن الدنيا الجنة .
ولم نعرف دارا خلت من اهلها هجرة على الدين فبقيت فارغة الا دار جحش بن رئاب الاسدي حلفاء بني امية فانهم هاجروا كلهم مع النبي (ص) وال عقيل بن ابي طالب (ع) هاجروا كلهم مع الحسين (ع) فلم يبق منهم الا نساء عند الازواج ولكن نجد الفرق الجلي بين ال جحش وال عقيل . ان ال جحش استشهد منهم رجل واحد مع النبي (ص) يوم احد وهو عبد الله بن جحش وبقي الباقون وال عقيل استشهدوا كلهم مع الحسين (ع) يوم الطف ولم يبق منهم الا عبد الله بن محمد بن عقيل طفل صغير لهذا يؤثرهم الامام زين العابدين (ع) ويبرهم .
(1) النزاع والتخاصم : ص13 .
(282)



قال الفاضل المجلسي ( رحمه الله )(1) : كان علي بن الحسين (ع) يميل الى ولد عقيل فقيل له : ما بالك تميل الى بني عمك هؤلاء دون ال جعفر ؟ فقال (ع) : اني لاذكر يومهم مع ابي عبد الله الحسين (ع) فارق لهم . . . الخ .
فمن الشهداء الذين عرفنا اسمائهم من ال عقيل :
الفقيه محمد بن عقيل .
موسى بن عقيل .
مسلم بن عقيل العلامة السفير الحسيني هو واخوه محمد فقهاء ال عقيل .
عبد الله الاكبر بن عقيل تزوج ام هاني بنت امير المؤمنين ثم اختها ميمونة .
محمد بن ابي سعيد بن عقيل تزوج فاطمة بنت امير المؤمنين بعد ان فارقها عمه .
ابو سعيد بن عقيل كان متكلما مفوها سريع الجواب يشبه اباه في البديهية .
جعفر بن عقيل تزوج ام الحسن بنت امير المؤمنين .
عبد الرحمن بن عقيل تزوج خديجة بنت امير المؤمنين .
عبد الله الاصغر بن عقيل .
علي الاكبر بن عقيل له ذكر في فتوح الشام .
احمد بن محمد بن عقيل .
محمد وعبد الله وجعفر وابراهيم بنو مسلم بن عقيل وهما المذبوحان على شط الفرات وقصة ذبحهما اشهر القصص اورها اكثر العلماء فعلى هذا يكون جميع من استشهد من ال عقيل خمسة عشر نفسا .
وعند ابن شهر اشوب عون بن عقيل وجعفر بن محمد بن عقيل ، فعليه يكون شهداء ال عقيل سبعة عشر شهيدا .
(1) كامل الزيارات : ص214 ، بحار الانوار : 46/110 ، مستدرك الوسائل 2/466 .
(283)


3- من اعمام العباس الاكبر (ع) جعفر الطيار مع الملائكة في الجنة :

ونحن نعتذر من عدم الاستيفاء عند من اعوزه العلم بحاله لكثرة فضائله ومن يجاوز مقدار الايجاز عند من كان نصيبه الوافر في العلم وحصته الوافية في العرفان يعد مسرفا وعند القاصر يعد مقصرا .
لا تحسب ان جعفر الطيار كرجل عربي شريف خاصة او بطل مجاهد فقط بل هو عالم وشجاع وكريم وعفيف وعاقل وزاهد وكل خصلة توجب التفضيل قد حيزت له مع قرابته من رسول الله (ص) وسبقه الى الاسلام وكونه من الدعاة اليه ومن الامراء المشهورين ، امره رسول الله (ص) على مهاجرة الحبشة من المسلمين وامره في سرية مؤتة التي استشهد فيها وبلغ من الشجاعة مبلغا عظيما ثبت امام جيش الرومان الجرار الذي لا ينقص عدده على ما قيل على مائة الف وهو في كتيبة صغيرة فوق الثلاثمائة رجل بيسير لم يكتف بالثبات امام ذلك الجيش الهائل دون ان عقر فرسه لتيأس نفسه من النجاة فلا تطمع في الفرار وينقطع املها من الحياة وليشد بذلك عزم اصحابه ويرتفع عنهم الضعف والوهن قد ترجمنا الطيار في الميزان الراجح ترجمة مبسوطة تشتمل على جميع ما ينبغي ان يذكر من هجرة الحبشة وهجرة المدينة واسلامه وشهادته وما شاكل ذلك ولا نذكر هنا الا ما يلزم ذكره من فضائله واخلاقه وما يجري مجرى ذلك وقد عرف نسبه مما تقدم .
قال الحلبي في سيرته(1) وفي اسد الغابة : ان ابا طالب راى النبي (ص) وعليا (ع)
(1) سيرة الحلبية 1/249 .
(284)



يصليان وعلي (ع) على يمينه فقال لجعفر (ع) : صل جناح ابن عمك ، فصلى عن يساره .
وكان اسلام جعفر بعد اسلام اخيه علي (ع) بقليل .
كنيته بابنه وفعله كان يكنى ابو عبد الله بابنه عبد الله الجواد ويكنى بـ (ابي المساكين) لحبه اياهم كناه بذلك رسول الله (ص) .
قال الحافظ ابو نعيم الاصبهاني في حلية الاولياء (1)عن ابي هريرة قال : كنت لا اكل الخمير ولا البس الحرير والصق بطني من الجوع واستقري الرجل الاية من كتاب الله هي معي كي ينقلب بي فيطعمني وكان خير الناس للمساكين جعفر بن ابي طالب وكان ينقلب فينا فيطعمنا ما كان في بيته ان كان ليخرج الينا العكة فنشقها فنلعق ما فيها .
وعن ابي هريرة قال : كان جعفر يحب المساكين ويجلس اليهم يحدثهم ويحدثونه وكان رسول (ص) يسميه ابا المساكين . . . انتهى .
وهو متفق عليه عند السنة والشيعة وفي غرر الخصائص الواضحة (2): قال جعفر بن ابي طالب : يا ابه اني لاستحي ان اطعم طعاما وجيراني لا يقدرون على مثله . فقال ابوه : اني لارجو ان يكون فيك من عبد المطلب شبه .

سرور النبي رسول الله (ص) بقدوم جعفر :

ذكر ابن عبد البر في الاستيعاب (3): كان جعفر من المهاجرين الاولين هاجر الى الحبشة وقدم منها على رسول الله (ص) حين فتح خيبر فتلقاه النبي (ص) واعتنقه وقال : ما ادري بايهما انا اشد فرحا بقدوم جعفر ام بفتح خيبر وكان قدوم جعفر في السنة السابعة من الهجرة
(1) حلية الاولياء 1/117 .
(2) غررالخصائص الواضحة : ص453 .
(3) الاستيعاب 1/81 .
(285)



واختط له رسول الله (ص) دارا الى جنب المسجد . . . الخ .
وقد رواه ايضا اكثر المحدثين من علماء الفريقين :
روى الحر العاملي في وسائل الشيعة (1) كثيرا من الاحاديث منها عن بسطام عن ابي عبد الله ( يعني الصادق ) (ع) قال : قال له رجل : جعلت فداك ايلتزم الرجل اخاه ؟
قال : نعم ان رسول الله (ص) يوم فتح خيبر اتاه الخبر ان جعفرا قد قدم فقال : والله ما ادري بايهما انا اشد سرورا : بقدوم جعفر ام بفتح خيبر فلم يلبث ان جاء جعفر فوثب رسول الله (ص) فالتزمه وقبل ما بين عينيه .
قلت الاربع ركعات التي بلغني ان رسول الله (ص) أمر جعفرا ان يصليهما ؟
فقال : لما قدم جعفر عليه قال : الا اعطيك ؟ الا امنحك ؟ الا احبوك ؟ قال : فتشوق الناس ورأوا انه يعطيه ذهبا وفضة . قال : بلى يا رسول الله . قال : صل اربع ركعات ما صليتهن غفر لك ما بينهن ان استطعت كل يوم والا فكل يومين او كل جمعة او كل شهر او كل سنة فانه يغفر لك ما بينهما الى اخر الحديث الشريف .
ولصلاة جعفر كيفية خاصة ذكرها الفقهاء في كتب الفقه .

الخصال التي شكرها الله لجعفر وهي تدل على وفور عقله:

روى الصدوق القمي ( رحمه الله ) في كتاب (من لا يحضره الفقيه)(2)عن ابي جعفر محمد بن علي الباقر(ع) قال : اوحى الله عز وجل الىرسول الله (ص) : اني شكرت لجعفر بن ابي طالب اربع خصال . فدعاه النبي رسول الله (ص) فاخبره فقال : لولا ان الله
(1) وسائل الشيعة 8/50 ح10070 ولمزيد من الاطلاع على كيفيتها واحكامها راجع ص49 وما بعدها ابواب صلاة جعفر بن ابي طالب (ع) .
(2) من لا يحضره الفقيه : 4/397 ح5847 وراجع ايضا : علل الشرائع 2/558 ح1 ، الامالي للصدوق :ص133 ح127 .
(286)



اخبرك ما اخبرتك : ما شربت خمرا قط لاني علمت اني ان شربتها ازالت عقلي وما كذبت قط لاني علمت ان الكذب ينقص المروة وما زنيت قط لاني خفت ان عَملت عُملت بي وما عبدت صنما قط لاني علمت انه لا يضر ولا ينفع . فضرب النبي رسول الله(ص) على عاتقه وقال : حق على الله عز وجل ان يجعل لك جناحين تطير بهما مع الملائكة في الجنة . . . انتهى .
ورواه المجلسي وغيره عن الصدوق(1).

شبه جعفر برسول الله (ص):

وشبهه فيه بالخلْق والخلُق .
قال الحلبي في سيرته(2) : كان رسول الله (ص) يقول له : اشبهت خلقي وخلقي . وفي لفظ :جعفر اشبه الناس بي خلقا وخلقا . . . الخ .
وذكره ابن عبد البر في الاستيعاب وابن ابي الحديد في شرح نهج البلاغة .
والذين يشبهون رسول الله (ص) من بني هاشم ، فاطمة الزهراء كانت اشبه الناس به ولهذا لما اشتد حزن امير المؤمنين (ع) لفقدها وسلاه اصحابه عنها بما يناسب شأنه من الصبر على المصائب العظيمة والفوادح المؤلمة الممضة ، اجاب انها كانت لي عزاء وسلوة وبفقدها فقدت اباها رسول الله (ص) كانت اذا تكلمت ملأت سمعي بصوت رسول الله (ص) واذا مشت لم تخرم مشيته .
وفي حديث عائشة الذي رواه المحب الطبري في ذخائر العقبى (3) قالت : كنا ازواج النبي (ص) لم نغادر منهن واحدة فاقبلت فاطمة (ع) تمشي ما تخطئ
(1) بحار الانوار 22/272 - 273 ح16 ، الجواهر السنية : ص220 ، الدرجات الرفيعة : ص70 ، شجرة طوبى 2/396 .
(2) السيرة الحلبية 3/39 .
(3) ذخائر العقبى :ص29 .
(287)



مشيتها مشية رسول الله (ص) شيئا، وذكر الحديث بطوله . واستيفاء الاحاديث يوجب القطع في الموضوع .
والحسن والحسين (ع) كانا يشبهان رسول الله (ص) في خلقه وخلقه .
قال في ذخائر العقبى(1) : عن انس قال : لم يكن احد اشبه بالنبي من الحسن بن علي .
وعنه : كان الحسن اشبه اهل بيته برسول الله (ص) .
وعن عقبة بن الحارث قال : رأيت ابا بكر حمل الحسن (ع) على رقبته وهو يقول :

بأبي شبيها بالنبي ليس شبيها بعـلي


وهو يضحك . خرجه البخاري وذكر روايات كثيرة منها عن علي (ع) قال : الحسن (ع) اشبه برسول الله(ص) ما بين الصدر الى الرأس والحسين (ع) اشبه برسو ل الله (ص) ما كان اسفل ذلك .
وعلي بن الحسين الاكبر (ع) شهيد الطف كان يشبه رسول الله(ص) خلقا وخلقا ومنطقا . قال الحسين (ع) لما اذن لابنه علي الاكبر بالبراز : اللهم اشهد على هؤلاء القوم فقد برز اليهم غلام هو اشبه الخلق برسولك وكنا اذا اشتقنا الى رؤية نبيك نظرنا اليه اللهم امنعهم بركات الارض وفرقهم تفريقا واجعلهم طرائق قددا ولا ترض الولاة عنهم ابدا . . . الخ .
وابو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب قالوا كان يشبه رسول الله وذكروا جماعة غيره .

كمية الجراحات التي اصابت جعفر يوم شهادته :

قال ابو نعيم في حلية
(1) ذخائر العقبى : ص129 .
(288)



الاولياء(1) : عن ابن عمرو قال : كنت مع جعفر (ع) في غزوة مؤته فالتمسنا جعفرا فوجدنا في جسده بضعا وسبعين ما بين طعنة ورمية .
وعنه قال : فقدنا جعفرا يوم مؤته فطلبناه في القتلى فوجدنا بين طعنة ورمية بضعا وتسعين ووجدنا ذلك في ما اقبل من جسده .
وعن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير قال : حدثني ابي الذي ارضعني وكنا في تلك الغزوة غزوة مؤته قال : والله لكاني انظر الى جعفر حين اقتحم عن فرس له شقراء ثم قاتل حتى قتل .
وعن ابن اسحاق قال :

يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وبارد شرابهــا
والروم روم قد دنا عذابها علي ان لا قيتها ضرابها(2)

قال ابن عبد البر في الاستيعاب(3): ثم غزا جعفرا (ع) مؤته سنة 8 من الهجرة فقتل فيها .
قال الزبير : بعث رسول الله (ص) بعثة الى مؤتة في جمادى الاولى سنة 8 هجرية فاصيب بها جعفر بن ابي طالب (ع) حتى قطعت يداه جميعا ثم قتل فابدله الله جناحين يطير بهما في الجنة حيث شاء .
وعن سالم بن ابي الجعد قال : رأى النبي في النوم جعفر بن ابي طالب (ع) ومنكبيه وما اقبل منه تسعين جراحا ما بين ضربة بالسيف وطعنة بالرمح وروى اربعة وخمسون والاول اثبت . . . الخ .

نعي جعفر والنياحة عليه :

قال في الاستيعاب: ولما أتى النبي (ص) نعي
(1) حلية الاولياء 1/117 .
(2) سيرة ابن هشام 3/833 .
(3) الاستيعاب 1/85 .
(289)



جعفر ، اتى امرأته أسماء بنت عميس فعزاها في زوجها جعفر ، ودخلت فاطمة (ع) وهي تبكي وتقول : وا عماه ! فقال رسول الله (ص) : على مثل جعفر فلتبكي البواكي . . . الخ .
وهذا الحديث مشهور عند الالحفاظ من اهل السنة رواه اهل السير كلهم منهم ابن اسحاق والحلبي والدحلاني وغيرهم .
قال المحب الطبري في ذخائر العقبى (1): عن انس : ان النبي (ص) نعى جعفرا وزيدا قبل ان يجيء خبرهم وعيناه تذرفان . خرجه في الصفوة .
وعن عائشة : لما جاء نعي جعفر وزيد وعبد الله بن رواحة جلس رسول الله (ص) يعرف الحزن في وجهه ، متفق على صحته .
وعن اسماء بنت عميس قالت : لما اصيب جعفر واصحابه ، دخل علي رسول الله (ص) وقد دبغت اربعين منيئا - وفي رواية : منيئة - وعجنت عجيني وغسلت بني ودهنتهم ونضفتهم فقال رسول الله (ص) : آتيني ببني جعفر ، فأتيته بهم وذرفت عيناه فقلت : يا رسول الله (ص) بأبي انت وامي ما يبكيك ؟ ابلغك عن جعفر واصحابه شيء ؟ قال : نعم ، قتل اليوم هو واصحابه . قالت : فقمنا واجتمع النساء وخرج رسول الله (ص) الى اهله فقال : لا تغفلوا عن ال جعفر ان تصنعوا لهم طعاما فانهم قد شغلوا بامر صاحبهم .
ثم ذكربعده الحديث الذي فيه ( على مثل جعفر فلتبكي البواكي ) .

تسليم جعفر على النبي (ص) بعد شهادته ورد النبي (ص) عليه سلامه :

قال الحافظ العسقلاني في الاصابة(2): عن ابن عمر قال : كنا مع النبي (ص) فرفع رأسه
(1) ذخائر العقبى : ص218 .
(2) الاصابة 1/238 .
(290)



الى السماء فقال : وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته .
فقال الناس : يا رسول الله ما كنت تصنع ؟
فقال (ص) مر بي جعفر بن ابي طالب في ملأ من الملائكة فسلم علي .
وفي الجزء الرابع من فوائد ابي سهل بن زياد القطان ، عن ابن عباس : بينما رسول الله (ص) جالس واسماء بنت عميس قريبة منه اذ قال : يا اسماء هذا جعفر بن ابي طالب قد مر مع جبرئيل وميكائيل فردي عليه السلام ، الحديث .
وفيه : فعوضه الله عن يديه جناحين يطير بهما حيث شاء . . .الخ .
والاحاديث بهذا مروية بكثرة .

مكانة جعفر ومنزلته عند امير المؤمنين (ع) :

قال الحافظ بن عبد البر في الاستيعاب والعسقلاني في الاصابة(1) ولفظه : عن الشعبي عن عبد الله بن جعفر قال : ما سألت عليا (ع) فامتنع فقلت له بحق جعفر الا اعطاني .

الافتخار بجعفر الطيار :

والحق ان جعفرا لم يكن مفخرا لبني هاشم خاصة بل هو فخر العرب والمسلمين قاطبة من حيث شجاعته الباهرة وانه ثبت امام جيش عدته مائة الف رجل - كما نص عليه ابن ابي الحديد وغيره - وهو في جيش عدته ثلاثمائة يزيدون قليلا عشرا او ثلاثة عشر وقد حاولوا الرجوع والتقهقر فقوى عزمهم وثبتهم فوقف تجاه ذلك الجيش اللجب لم يتزعزع حتى تزعزع الجبال الرواسي ولم يزول لو تزول الشم الرواسخ ثم لم يكتفي بهذا الثبات المدهش حتى عقر الشقراء واقبل نحو المنية راكضا على قدميه فقطعت يده اليمنى فالتزم اللواء والسيف باليسرى فقطعت اليسرى فضم الباقي منهما على اللواء لكيلا يسقط فيتضعضع عسكره حتى ضرب على يافوخه بالسيف فسقط هو واللواء
(1) الاصابة : ص327 .
(291)



فهذا هو موقف الفخر وهذه هي الفعلة الحميدة التي توجب التنويه والثناء على مجد الماجد ومثل هذا المجاهد الكبير الذي علم الناس كيفية التفادي للدين وكيف يكون الدفاع عن الاسلام واظهر من الحماس العربي الذي يسمى بالحفاظ ما لم يعهد صدوره من عربي قبله .
نعم لم تزل الحماة من بني هاشم مظهر كل مكرمة واعجوبة من عجائب الحروب الهائلة ولا عجب لمن كان اخوه علي بن ابي طالب (ع) وابن عمه محمد (ص) وعمه حمزه وابوه ابو طالب ان يكون في الشجاعة المثل الاعلى وفي الثبات مفخرا وقدوة وتعويض الله تعالى له الجناحين عن اليدين ما ابقى له ولولده ورهطه ولكل عربي مفتخرا باقيا على ممر الاحقاب وحري بمن افتخرفيه أئمة الهدى كامير المؤمنين علي المرتضى والحسن المجتبي والحسين شهيد كربلا وغيرهم من عظماء بني هاشم ان يكون له الصدر في اندية الفخار والكرسي الاول في مجتمعات الفضائل .
قال ياقوت الحموي في معجم الادباء (1) : ان معاوية كتب الى امير المؤمنين علي بن ابي طالب (ع) : ان لي فضائلا : كان ابي سيدا في الجاهلية وصرت ملكا في الاسلام وانا صهر رسول الله وخال المؤمنين وكاتب الوحي . فقال : أميرالمؤمنين (ع) : ابالفضائل تفتخر علي ابن اكلة الاكباد ؟ اكتب اليه يا غلام :

محمد النبي اخي وصهري وحمزة سيد الشهداء عمي
وجعفر الذي يمسي ويضحي يطير مع الملائكة ابن امي
وبنت محمد سكني وعرسي منوط لحمها بدمي ولحمي
وسبطا احمد ولداي منها فمن منكم له سهم كسهمي
(1) معجم الادباء 5/366 .
(292)


سبقتكموا الى الاسلام طرا وليدا ما بلغت امان حلمي
واوجب لي ولايته عليكم رسول الله يوم غدير خم
فويل ثم ويل ثم ويل لمن يلقى الاله غدا بظلمي

قال : فقال معاوية : اخفوا هذا الكتاب لا يقرؤوه اهل الشام فيميلوا الى ابن ابي طالب . . . انتهى .
ورواها من حفاظ اهل السنة الحافظ الهيثمي الشافعي في الصواعق المحرقة (1) واسقط منها بيت الغدير ولكنه قال : قال البيهقي ان هذا الشعر مما يجب على كل متوان في علي (ع) حفظه ليعلم مفاخره في الاسلام .
ورواه كمال الدين محمد بن طلحة الشافعي في مطالب المسؤول(2) واورد البرهان الحلبي الشافعي في سيرته (3) منها بيتا واحدا وهو ( سبقتكوا الى الاسلام) ورواها مفتي الشافعية زيني دحلان في سيرته على هامش الحلبية (4) كلفظ الهيثمي ورواه الحافظ محمد بن يوسف البلخي الشافعي في كتاب مناقب الثلاثة علي والحسن والحسين (ع) (5) .
وافتخر به ابو محمد الحسن بن علي (ع) في مجلس معاوية بقصة مطولة وافتخر به سيد الشهداء الحسين(ع) يوم كربلا ، رواه كمال الدين ابن طلحة في مطالب المسؤول(6) ورواها غيره من العلماء وهو قوله :
(1) الصواعق المحرقة : ص79 .
(2) مطالب المسؤول : ص11 .
(3) السيرة الحلبية 1/394 .
(4) سيرة زيني دحلان بهامش السيرة الحلبية : ص203 .
(5) مناقب الثلاثة : ص11 .
(6) مطالب المسؤول : ص73 .
(293)


انا ابن علي الطهر من ال هاشم كفاني بهذا مفخرا حين افخر
وجدي رسول الله اكرم من مشى ونحن سراج الله للخلق نزهر
وفاطمة امي سلالة احمد وعمي يدعى ذو الجناحين جعفر
وفينا كتاب الله انزل صادقا وفينا الهدى والوحي والخير يذكر
ونحن ولاة الامر نسقي محبنا بكاس رسول الله ماليس ينكر
وشيعتنا في الناس اكرم شيعة ومبغضنا يوم القيامة يخسر

وافتخر به الامام زين العابدين في مجلس يزيد بن معاوية وذلك حين امر يزيد الخطيب ان يرقى المنبر ويشتم عليا (ع) فقام زين العابدين (ع) وخطب ابلغ خطبة قال في جملتها : ايها الناس اعطينا ستا وفضلنا بسبع : اعطينا العلم والحلم والسماحة والفصاحة والشجاعة والمحبة في قلوب المؤمنين وفضلنا بان منا النبي المختار محمد (ص) والصديق علي (ع) ومنا الطيار ومنا اسد الله واسد رسوله ومنا سبطا هذه الامة ومنا مهديها . . . الخ . وهذه قد رواها جماعة منهم الفاضل المجلسي وابن شهر اشوب وغيرهما .
وروى المجلسي في البحار(1) عن زر بن حبيش قال : سمعت محمد بن الحنفية (رض) يقول : فينا ستة خصال لم تكن في احد ممن كان قبلنا ولم تكن في احد بعدنا : منا محمد سيد المرسلين وعلي سيد الوصيين وحمزة سيد الشهداء والحسن والحسين سيدا شباب اهل الجنة وجعفر بن ابي طالب المزين بالجناحين يطير بهما في الجنة حيث يشاء ومهدي هذه الامة يصلي خلفه عيسى ابن مريم . . . انتهى .
وهذا الباب واسع لا يسعنا ايراد اكثر مما ذكرنا ، والا فان امير المؤمنين (ع)
(1) الخصال : ص320 ، عنه بحار الانوار 22/280 ح33 .
(294)



افتخر به في مقامات عديدة واحتج به على اهل الشورى في امر البيعة .

مقدار سن جعفر حين قتل وتأبينه :

وبعد الاتفاق على انه قتل سنة 8 للهجرة .
كلمة وجيزة لاحد الاباء اليسوعيين في ذكر جعفر : قال الاب لويس في شرح مجاني الادب (1) : ابو عبد الله جعفر بن ابي طالب كان من متقدمي الاسلام هاجر الى الحبشة وكان هو واصحابه سبب اسلام النجاشي وارتفق المسلمون بجعفر واعتضدوا به وكان اميرهم في الهجرة . وهناك ولد ابنه عبد الله ثم قدم من الحبشة هو ومن صحبه من المهاجرين ومن دخل في الاسلام هناك وجاؤوا في سفينة في البحر فقدموا على رسول العرب في خيبر فاسهم منها لهم ولم يسهم لمن لم يحضرها على اهل السفينتين ثم سكن جعفر المدينة مدة حتى تولى قيادة جيش لغزو مؤتة في الشام بعد زيد فقتل هو وزيد فيها سنة 8 هـ سنة 630م وقيل : كان جعفر خير الناس للمساكين ينقلب بهم فيطعمهم ما كان في بيته وكان له يوم توفي احدى واربعين سنة . . . انتهى .
وهذا التقدير لسنه بعينه عن ابن عبد البر في الاستيعاب وفي الاصابة : استشهد بمؤته من ارض الشام مقبلا غير مدبر مجاهدا للروم في حياة النبي (ص) سنة 8هـ في جمادى الاولى وكان اسن من اخيه علي (ع) بعشر سنين فاستوفى اربعين سنة وزاد عليها على الصحيح . . . الخ .
وقال ابوالفرج الاصبهاني في مقاتل الطالبيين (2) في حديث علي بن عبدالله الجعفري : قتل وهو ابن ثلاث واربعين سنة وهذا عندي شبيه بالوهم لانه قتل سنة 8 من الهجرة وبين ذلك الوقت ومبعث النبي (ص) 21 سنة وهو اسن من اخيه
(1) شرح مجاني الادب 1/43 .
(2) مقاتل الطالبيين : ص6 .
(295)



علي (ع) بعشر سنين وقد كان لعلي (ع) حنين اسلم سنون ختلف فيها فالمكثر يقول كانت سنه 15 والمقل يقول سنه 7 وعلى اي الروايات قيل علم انه كان عند مقتله قد تجاوز هذا المقدار من السنين . . . انتهى .

تأبين جعفر :

كثير منه قول حسان بن ثابت الانصاري في قصيدة اوردها ابن هشام في سيرته عن ابن اسحاق(1) ، منها :
رأيت خيار المسلمين تواردوا بمؤتتة منهم ذو الجناحين جعفر
وزيد وعبد الله حين تتابعوا جميعا واسباب المنية تخطر
غداة مضوا بالمؤمنين يقودهم الى الموت ميمون النقيبة ازهر
اغر كضوء البدر من ال هاشم ابي اذا سيم الظلامة مجسر
فطاعن حتى مال غير مؤسد بمعترك فيه قنا متكسر
فصار مع المستشهدين ثوابه جنان وملتف الحدائق اخضر
فكنا نرى في جعفر من محمد وفاء وامرا حازما حين يأمر
وما زال في الاسلام من ال هاشم دعائم عز لا يزال ومفخر
هموا جبل الاسلام والناس حوله رضام الى طود يروق ويبهر
بهاليل منهم جعفر وابن امه علي ومنهم احمد المتبختر
وحمزة والعباس منهم ومنهموا عقيل وماء العود من حيث يعصر
بهم تفرج الاواء في كل مأزق عماس اذا ما ضاق بالناس مصدر

اولاد جعفر الطيار:

اختلف النسابون في عددهم فقيل ثلاثة وعليه اقتصر المحب الطبري في ذخائر العقبى وقيل اكثر وهو الصحيح ولعل المحب اقتصر على المشاهير منهم وان كان بعيدا .
(1) سيرة ابن هشام 3/220 .
(296)



قال سبط ابن الجوزي(1) والديار بكري في تاريخ الخميس مثل قول المحب فعدوا عبد الله الجواد وعونا ومحمدا.
واما الداوودي فقال في عمدة الطالب(2): ولد جعفر بن ابي طالب (ع) ثمانية بنين وهم عون ومحمد الاكبر ومحمد الاصغر وحميد وحسين وعبد الله الاصغر وعبد الله الاكبر وامهم اجمع اسماء بنت عميس الخثعمية .
اما محمد الاكبر فقتل مع عمه امير المؤمنين ِ(ع) في صفين .
واما عون ومحمد الاصغر فقتلا مع ابن عمهما الحسين (ع) بالطف .
هكذا في النسخة عبدالله ثلاثة ويصحح هذا الغلط بعون الاكبر وعون الاصغر . وجملة شهداء الطف من ولد جعفر الطيار على مختلف الروايات في ذلك ومجموع ما ورد في المقاتل ستة نفر :
1- عون الاكبر بن جعفر الطيار وهو زوج ام كلثوم بنت امير المؤمنين (ع) وهو اكبر هاشمي استشهد مع الامام الحسين (ع) بكربلا فإنه لدة الحسين (ع) وفي سنه ، ولد بالحبشة وهو صاحب القبر المشهور بين سدة الهندية وكربلاء كما سيجيء تحقيقه في اليوم الثالث من هذا الكتاب في جغرافية كربلاء . عون هذا الذي ذهب كافة المؤرخين من اهل السنة انه استشهد بتستر مع اخيه محمد الاكبر وقد ذكرنا في كتابنا (الميزان الراجح) في ترجمة ام كلثوم ما في هذا القول من التناقض وعليه فلا يصح قتله بتستر .
2- محمد الاصغر بن جعفر الطيار .
3- محمد بن عبد الله بن جعفر الطيار وامه زينب الحوراء (ع) .
4- عبد الله بن عبد الله بن جعفر .
(1) تذكرة الخواص :ص108 .
(2) عمدة الطالب : ص3 .
(297)



5- القاسم بن محمد بن جعفر الطيار وهو الذي زوجه الحسين (ع) ام كلثوم بنت عمه عبد الله بن جعفر وامها زينب الحوراء وهي التي خطبها يزيد بن معاوية فامتنع الحسين (ع) من تزويجها له وزوجها من القاسم فكانت هذه القصة مما اكدت حقد يزيد على الحسين (ع) .
فهؤلاء ستة نفر(1) ، اذا رجحنا رواية من يروي ان الطفلين القتيلين بالمسيب هما من ولد عبد الله بن جعفر على رواية من يقول هما من ولد مسلم بن عقيل يكون مجموع شهداء بني الطيار ثمانية .
ولعل قائلا الاقتصار على الاقل متيقن والاكثر مشكوك فيه فنقول ان القائل بالاكثر مثبت والقائل بالاقل نافي والمثبت مقدم على النافي وهذه قاعدة معمول بها عند الفريقين السنة والشيعة .
فممن نص عليها واستدل بها الصدوق القمي اعلى الله مقامه ذكر في اكمال الدين في قصة مطولة يحتج في اثبات ولد الامام الحسن العسكري (ع) على من نفى وجوده وهو الامام المنتظر الحجة عجل الله فرجه وهذه عبارته : لا يجوز ان نشك في كل من يموت ولا عقب له ظاهرا . قيل له لانشك في ان الحسن (ع) كان له ولد من عقبه شهادة من اثبت له ولدا من فضلاء ولد الحسن والحسين (ع) والاخيار لان الشهادة يجب قبولها هي شهادة المثبت لا شهادة النافي وان كان عدد النافين اكثر من عدد المثبتين الى اخر كلامه واستدل بقصة خفاء ولادة موسى (ع) .
ولا شك ان القاعدة اجماعية عند الشيعة مقررة في اصول الفقه وكذلك هي عند السنة نص عليها محمد بن ابراهيم اليماني الشافعي في الروض الباسم وغيره من علمائهم وايراد كلامهم تطويل وسيأتي لهذه القاعدة مزيد ايضاح .
(1) وهم كما ترى خمسة نفر ولم يذكر المؤلف الشخص السادس .
(298)


اعمام العباس الاكبر (ع) الذين هم اعمام ابيه وهم ولد عبد المطلب :

اختلف النسابون في عددهم وضبط اسمائهم على اقوال ثلاث :
1- هم عشرة وهو المشهور .
2- اثنى عشر .
3- ثلاثة عشر وهو الاقرب للصواب .
وقيل : ايراد اقوال النسابين مالذي يقتضيه النظر الصحيح في الكثرة والقلة فالترجيح عندي للقول بالاكثر وذلك لان النسابين والمؤرخين واهل الحديث والتراجم قد اتفقوا على نذر عبد المطلب ان رزقه الله عشر بنين يدفعون عنه فيذبح احدهم قربانا للكعبة فلما تموا بعبد الله عشرة وفى بنذره وهم يقولون اصغر اخوته لامه لا اصغرهم على الاطلاق فجاز ان يكون ولد عبد المطلب اولاد تم به العدد فكانوا اثني عشر غير عبد الله وخصوصا ما ذكره اهل العلم باتفاق منهم ان عبد المطلب عاش بعد موت ابنه عبد الله ثمان سنين وهو كافل رسول الله (ص) هذه المدة ولم يبلغنا ان عبد المطلب في ظرفها قد اعتزل النساء او عرض له عارض يمنعه من مقاربة النساء او ان نساؤه الكثر عقمن جميعا فما ولدن بعد ذلك فاذا انتفت هذه الاشياء جاز ان يولد له والنذر باستيفاء العدد المنذور لا يمنع الزيادة فلو نذر انسان ان يذبح شاة ان رزقه الله عشرة دنانير افلا يجوز ان يرزقه عشرين دينارا ؟
واذا انضم الى هذه قاعدة المثبت مقدم على النافي وشواهد اخر مثل اتغقاهم على ان حمزة رضيع رسول الله (ص) ارضعتهما ثويبة بلبن ابنها مسروح وقالوا هذا في اوله وهذا في اخره فيكون حمزة اسن من رسول الله (ص) بسنتين .
وقالوا ايضا : ان العباس بن عبد المطلب اسن من رسول الله (ص) بسنتين
(299)



ويعدون من فضائله وقد سئل انت اكبر ام رسول الله (ص) ؟ فقال : رسول الله اكبر وانا ولدت قبله وعليه فالحمزة والعباس اسن اشقائهما فاخوتهما فيهم من هو اصغر سنا من النبي (ص) .
ويحصل من جميع هذه الامور القطع بانهم اكثر من عشرة .

قول من قال انهم ثلاثة عشر :

منهم نقيب نقباء مصر ابو علي محمد بن القاضي اسعد بن علي الحسيني الجواني النسابة في ( الشجرة المحمدية ) التي الفها لخزانة السلطان الناصر صلاح الدين : اعمام النبي (ص) :
ابو لهب عم النبي ابن عبد المطلب
حجل عم النبي ابن عبد المطلب
قثم عم النبي ابن عبد المطلب
عبد الكعبة عم النبي ابن عبد المطلب
الغيداق عم النبي ابن عبد المطلب
ضرار عم النبي ابن عبد المطلب
حمزة عم النبي ابن عبد المطلب
المقوم عم النبي ابن عبد المطلب
ابو طالب عم النبي ابن عبد المطلب
الزبير عم النبي ابن عبد المطلب
الحارث عم النبي ابن عبد المطلب
العباس عم النبي ابن عبد المطلب
هكذا ذكر النسابة ووالده (ص) ثالث عشرهم .
(300)