- وفي نسخة البحار : وجدود - طابت وحجور طهرت وانوف حمية ونفوس ابية من ان تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام . . . الخ ، فرفض العباس بن علي (ع) خطة المذلة والهوان أنفة من الضيم وتفاديا من الرضوخ للوضعاء ، وقد قال في مثل ذلك الموقف الرهيب شاعر الحماسة :

ابا قومنا ان ينصفونا فأنصفت قواطع في أيماننا تقطر الدما

على حين اعطي العباس (ع) الامان وضمن له حفظ حياته وتكفل له بسلامة نفسه لكنه رفض تلك الخطة الذميمة التي يلفضها الحسب الكريم مؤثرا هذه القتلة السعيدة على تلك الحياة التعيسة التي يلازمها الضيم المقيم والهوان المخيم في نظر الحر دناءة ، وفي رأي الغيور لؤم لايرتكبه امثاله من اهل الحفاظ وارباب البصائر الدينية فانهم يخوضون غمرات الحروب قاذفين بنفوسهم في المتالف حياطة للحفيظة ورعاية للشرف وصيانة للتدين من جميع ما لاترضاه الشريعة ولا يقبله دين الله القويم فيتقدم لورد حياض المنية تقدم العطاش لورد الزلال العذب ببصيرة مبصرة وعزم ثاقب ويقين قويم فيلاقي الاهوال بحماس الدين والحفيظة ، ويستسهل الصعاب بالعزيمة والعزم الراسخين في طبيعته الراسيين في غريزته ، وحينما تقطب وجوه الابطال تلوح اسارير النور على جبهته ويتألق ضياء السرور على غرته ويستنير سناء بهجته المشرق من طلعته المنيرة الغراء فتنجلي بضيائها اللامع دياجير الرهج المتراكم قتامه وكلما ازدادت وجوه الابطال كلوحة وعبوسة ازداد ابتهاجا وابتساما وازدان وجهه ضياءا واشراقا رافضا كل علاقة لا تناسب منصبه السامي ومرتبته الرفيعة فامتشق ابو الفضل بل ابو الفضائل بذلك الحماس الابائي والشعور الانفي يوم الطف حساما قاطعا يرشح بالمنية ويرعف بالمنون .
(101)



للمؤلف :

سل الحسام فلا ترى مذ سله الا هوى يـــد وقحفة رأس

اما بالنسبة من حيث الامهات فانه (ع) يشارك رسول الله (ص) في العواتك والفواطم ويفارقه في اثنين منهما فاطمة بنت اسد ام ابيه امير المؤمنين (ع) وفاطمة بنت ابي المحل الكلابية وهي امه ام البنين الصغرى ونحن نذكرهما معا ونورد ما يتعلق بشرفهما متوسطين بين الاطناب والايجاز :

1- فاطمة بنت أسد بن هاشم :

ابن عبد مناف وهي ام امير المؤمنين علي بن ابي طالب (ع) كانت امرأة جليلة محترمة عاقلة من النساء مبجلة ذات قدر وجلالة وشرف في قومها وصحابية من اجل الصحابيات وافضلهن وكانت من الفقيهات المحدثات ، وهي من السابقات في الاسلام وكانت قد ربت رسول الله (ص) احسن تربية وقامت بخدمته احسن قيام فكانت تبره وتؤثره على اولادها وتحرص على خدمته وتجهد ان لا يجوع ولا يعرى ولا يشعث ، فلم تزل مجتجهدة في مواصلة بره والطافه حتى كبر وتزوج واستقل بامر نفسه فلذلك كان يعدها اما واستاء عند وفاتها وحزن ومشى خلف جنازتها حافيا ونزل في قبرها واضجع فيه وكساها ثوبا من ثيابه وضع فوق اكفانها لتحشر يوم القيامة كاسية وفضائلها كثيرة ذكرناها في كتاب ( الميزان الراجح ) ونورد هنا ما ناسب هذا الكتاب .
تزوجها ابن عمها ابو طالب سلام الله عليه ولم يتزوج امرأة غيرها فولدت له اربعة بنين وبنتين ، فالبنون : طالب وهو الاكبر وبه كني ابوه ثم عقيل وهو العلامة النسابة ثم جعفر وهو الطيار ذو الجناين ثم علي وهو امير المؤمنين ووصي رسول رب العالمين وهو اصغرهم سنا واكبرهم سناءا وكل واحد منهم اصغر من
(102)



الاخر بعشر سنين على الترتيب من امير المؤمنين (ع) الى طالب ، واما البنتان فهما جمانة وفاختة المكناة بام هاني .
ونسب فاطمة من الاباء قد تقدم . وابوها اسد كان سبب انشاء الرحلتين ذكر رفاعة في ( مناهج الالباب المصرية )(1) عن ابن عباس ان السبب في ذلك هو ان قريشا كانوا اذا اصاب واحد منهم مخمصة خرج هو وعياله الى موضع وضربوا على انفسهم خباء حتى يموتوا الى ان جاء هاشم بن عبد مناف وكان سيد قومه وكان له ابن يقال له اسد وكان له ترب من بني مخزوم يحبه ويلعب معه فشكى اليه الضر والمجاعة فدخل اسد على امه يبكي فارسلت الى اؤلئك العيال بدقيق وشحم فعاشوا اياما ثم اتى ترب اسد اليه مرة اخرى فشكى اليه من الجوع فقام هاشم خطيبا في قريش ، فقال : انكم اجدبتم جدبا تقلون فيه وتذلون وانتم اهل حرم الله واشرف ولد ادم ، الناس لكم تبع .
قالوا : نحن تبع لك ، فليس عليك منا خلاف .
فجمع كل بني اب على الرحلتين في الشتاء الى اليمن وفي الصيف الى الشام . فما ربح الغني قسمه بينه وبين الفقير حتى كان فقيرهم كغنيهم فجاء الاسلام وهم على ذلك . . . الخ .
نسبها من الامهات في ( مقاتل الطالبيين )(2) : فاطمة بنت اسد امها فاطمة وتعرف بحبى بنت هرم بن رواحة بن حجر بن عبد بن معيص بن عامر بن لؤي .
وامها حذية بنت وهب بن ثعلبة بن واثلة بن عمرو بن سنان بن محارب بن فهر .
(1) مناهج الالباب المصرية : ص148 .
(2) مقاتل الطالبيين : ص3 .
(103)



وامها فاطمة بنت عبيدة بن منقذ بن عمرو بن معيص بن عامر بن لؤي .
وامها سلمى بنت عاصم بن ربيعة بن هلال بن اهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر .
وامها عاتكة بنت ابي همهمة - واسم همهمة عمرو بن عبد العزى - بن عامر بن عميرة بن وديعة بن الحارث بن فهر .
وامها تماضر بنت ابي عمرو بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي .
وامها حبيبة وهي امة الله بنت عبد ياليلى بن سالم بن مالك بن حطيط بن جشم ابن قسي وهو ثقيف .
وامها فلانة بنت مخزوم بن اسامة بن صبح بن وائلة بن نصر بن صعصعة بن ثعلبة بن كنانة بن قين بن فهم بن عمرو بن قيس عيلان بن مضر .
وامها ريطة بنت يسار بن مالك بن حطيط بن جشم بن ثقيف .
وامها كلية بنت قصيبة بن سعد بن بكر بن هوزان .
وامها حبى بنت الحارث بن النابغة بن عميرة بن عوف بن نضر بن معاوية بن بكر بن هازن .
وفاطمة بنت اسد اول هاشمية تزوجت هاشميا وولدت له وادركت النبي (ص) فاسلمت وحسن اسلامها . ثم اورد نبذة من فضائلها .
وقال السيد الداودي في عمدة الطالب (1) : هي اول هاشمية ولدت لهاشمي وكانت جليلة القدر ، كان رسول الله (ص) يدعوها ( أمي ) ولما توفيت صلى عليها ودخل قبرها وترحم عليها .
(1) عمدة الطالب : ص15 .
(104)



وقال الحافظ العسقلاني في الاصابة(1) : قال الزبير بن بكار : هي اول هاشمية ولدت خليفة ثم بعدها فاطمة الزهراء (ع) .
قال ابن سعد : كانت امرأة صالحة وكان النبي (ص) يزورها ويقيل في بيتها . . . انتهى .
وذكرها ابن عبد البر في الاستيعاب وغيره.

نبذة من فضائلها :

على سبيل الاختصار على ما روته السنة : روى الحافظ ابو نعيم الاصبهاني في حلية الاولياء(2) باسناده عن انس ين مالك ، قال : لما ماتت فاطمة بنت اسد ابن هاشم ام علي بن ابي طالب (ع) دخل عليها رسول الله (ص) فجلس عند رأسها فقال : يرحمك الله فانك كنت امي بعد امي ، تجوعين وتشبعيني وتعرين وتكسيني ، وتمنعين نفسك طيب الطعام وتطعميني تريدين بذلك وجه الله والدار الاخرة ثم امر ان تغسل ثلاثا ثلاثا فلما بلغ الماء الذي فيه الكافور سكبه رسول الله (ص) بيده ثم خلع رسول الله (ص) قميصه والبسها اياه كفنها فوقه ثم دعا رسول الله (ص) اسامة بن زيد وابو ايوب الانصاري وعمر بن الخطاب وغلاما اسود يحفرون قبرها فلما بلغوا اللحد حفره رسول الله (ص) واخرج ترابه بيده فلما فرغ دخل رسول الله (ص) فاضطجع فيه ثم قال : الحمد لله الذي يحيي ويميت وهو حي لا يموت اغفر لامي فاطمة بنت اسد ولقنها حجتها واوسع عليها مدخلها بحق نبيك والانبياء الذين من قبل فانك ارحم الراحمين وكبر عليها اربعا وادخلوها اللحد هو والعباس . . . الخ .
(1) الاصابة 4/390 .
(2) حلية الاولياء 3/121 .
(105)



قوله ( اربعا ) على مذهبهم والصحيح خمسا وما روته السنة كثير وما روته الشيعة اكثر .
منه ما رواه ثقة الاسلام الكليني في اصول الكافي (1) باسناده عن جعفر بن محمد الصادق (ع) قال : ان فاطمة بنت اسد ام امير المؤمنين (ع) كانت اول امرأة هاجرت الى رسول الله (ص) من مكة الى المدينة على قديمها وكانت من ابر الناس برسول الله (ص) .
فسمعت رسول الله (ص) يقول : ان الناس يحشرون يوم القيامة كما ولدوا ، فقالت : وا سوأتاه . فقال لها رسول الله (ص) : اني اسأل الله تعالى ان تكوني كاسية . وسمعته يذكر ضغطة القبر فقالت : وا ضعفاه . فقال لها رسول الله (ص) : اني اسأل الله تعالى ان يكفيك ذلك .
فقالت لرسول الله (ص) يوما : اني اريد ان اعتق في سيل الله هذه . فقال لها (ص) : ان فعلت اعتق بكل عضو منها عضوا منك من النار .
فلما مرضت اوصت الى رسول الله (ص) وامرت ان يعتق خادمها واعتقل لسانها فجعلت تؤمي الى رسول الله (ص) ايماءا ، فقبل رسول الله وصيتها .
فبينا هو ذات يوم قاعد اتاه امير المؤمنين (ع) وهو يبكي ، فقال رسول الله (ص) : ما يبكيك ؟ فقال (ع) : ماتت امي فاطمة . فقال رسول الله (ص) : امي والله . وقام (ص) مسرعا حتى دخل اليها وبكى ثم امر النساء ان يغسلنها وقال (ص) : اذا فرغتن فلا تحدثن شيئا حتى تعلمنني ، فلما فرغن اعلمنه بذلك فاعطاهن احد قميصيه الذي يلي جسده وامرهن ان يكفنها فيه وقال للمسلمين : اذا رأيتموني افعل شيئا لم افعله من قبل فاسألوني لم فعلت ؟ فلما فرغن من غسلها
(1) اصول الكافي : ص182 .
(106)



وكفنها دخل رسول الله (ص) فحمل جنازتها على عاتقه ، فلم يزل تحت جنازتها حتى اوردها قبرها ثم وضعها ودخل القبر فاضطجع فيه ثم قام فاخذها على يديه حتى وضعها في القبر ثم انكب عليها طويلا يناجيها ويقول لها : ابنك ، ابنك ، ثم خرج وسوى عليه ثم انكب على القبر فسمعوه يقول : لا اله الا الله اللهم اني استودعها اياك ، ثم انصرف .
فقال له المسلمون : انا رايناك فعلت شيئا لم تفعله من قبل .
فقال : اليوم فقدت بر ابي طالب ، ان كانت ليكون عندها الشيء فتؤثرني به على نفسها وولدها واني ذكرت القيامة وان الناس يحشرون عراة فقالت : وا سوأتاه ، فضمنت لها ان يبعثها الله كاسية ، وذكرت ضغطة القببر ، فقالت : وا ضعفاه ، فضمنت لها ان يكفيها الله ذلك ، فكفنتها بقميصي واضجعت في قبرها لذلك وانكببت عليها فلقنتها ما تسأل عنه ، فانها سئلت عن ربها فقالت وسؤلت عن رسولها فاجابت وسئلت عن وليها وامامها فارتج عليها ، فقلت : ابنك ابنك . . . انتهى .
المراد بابنها هو امير المؤمنين (ع) .
تعيين قبرها من بقيع المدينة المنورة وطيبة المطيبة فان الحادث العظيم الذي حدث في هدم قبور الائمة الحسن السبط وزين العابدين والباقر والصادق وسائر قبور الصلحاء والعلماء الذين قبروا بالحجاز اوجب علينا نقل كلام مطول لتعرف مواضع قبوره فان التلاشي موجب للتناسي .
قال السيد السمهودي الشافعي في ( وفاء الوفاء )(1) : قبر فاطمة بنت اسد ام علي بن ابي طالب (ع) : روى زبالة عن محمد بن عمر بن علي بن ابي طالب ، قال : دفن رسول الله (ص) فاطمة بنت اسد بن هاشم وكانت مهاجرة مبايعة في بالروحاء مقابل
(1) وفاء الوفاء 2/86 .
(107)



حمام ابي قطيفة . قال : وثم قبر ابراهيم بن النبي (ص) وقبر عثمان بن مظعون ،وسيأتي ما قاله ابن شبة في قبر العباس من قول عبد العزيز بن عمران انه دفن عند قبر فاطمة بنت اسد بن هاشم في اول مقابر بني هاشم التي في دار عقيل .
قلت : وهذا كله صريح في مخالفة ما عليه الناس اليوم من ان قبرها في المشهد الاتي ذكره .
واول من ذكر انها بذلك المشهد ابن النجار ، وتبعه من بعده ولم اقف علي مستند والا ثبت عندي ما هنا اذ يبعد ان يدفنها النبي (ص) بذلك الموضع القاصي ويترك ما قرب من عثمان بن مظعون ، وقد قال : وادفن اليه من مات من اهلي .
وايضا فلا يظهر ان المضوع المعروف بمشهدها من البقيع لان مشهد عثمان كما سيأتي ليس من البقيع وهذا المشهد بطرف زقاق في شامية الى المشرق .
فان قيل : النخيل التي تقابل هذا المشهد قال ابن النجار انها لم تعرف بالحمام وقد قال في الرواية الاولى مقابل حمام ابي قطيفة .
قلت : الظاهر ان ذلك منشا الوهم في ذلك وما نقله ابن شبه يدفع ذلك . ويعين ان المراد موضع كان يعرف بحمام ابي قطيفة بجهة مشهد سيدنا ابراهيم وكان ابن النجار لم يقف الا على صدر الرواية الاولى فانه قال : قبر فاطمة بنت اسد وعليه قبة في اخر البقيع ثم ذكر صدر الرواية الاولى الى قوله : مقام حمام ابي قطيفة ثم قال : واليوم يقابلها نخل يعرف بالحمام . . . انتهى .
على ان النخل التي بقرب هذا المشهد هي التي تقابله من جهة المشرق والشام وانما تعرف قديما وحديثا بالخضاري ( أحسبه دقل الحضري ) وانما يعرف بالحمام النخل الذي في شامي مشهد سيدنا ابراهيم عند الكومة وهو البعيد عن المشهد المعروف بفاطمة وان كان في جهة مقابلة من المغرب .
(108)



ثم قال(1) في حديث عن ابن زبالة : ثم قال : واما قبر فاطمة بنت اسد ام علي بن ابي طالب (ع) فان عبد العزي - وذكر سنده الى محمد بن عمر بن علي بن ابي طالب - قال : لما استقر موت فاطمة وعلم بذلك رسول الله (ص) فامر بقبرها فحفر في موضع المسجد الذي يقال له اليوم قبر فاطمة ثم لحد لها ولم يضرح لها ضريحا فلما فرغ منه نزل فاضطجع في اللحد وقرأ فيه القران ثم نزع قميصه وامر ان تكفن فيه ثم صلى عليها عند قبرها فكبر تسعا وقال : ما اعفي احد من ضغطة القبر الا فاطمة بنت اسد . قيل : يا رسول الله ولا القاسم ؟ قال(ص) : ولا ابراهيم . وكان ابراهيم (ع) اصغرهما .
وروى ابن شبة عن جابر بن عبد الله قال : بينما نحن جلوس مع رسول الله (ص) اذ اتاه ات فقال : يا رسول الله ان ام علي وعقيل وجعفر قد ماتت . فقال رسول الله (ص) : قوموا الى امي فقمنا كأن على رؤوس من معه الطير(2) ، فلما انتهينا الى الباب نزع قميصه فقال (ص) : اذا غسلتموها فاشعروها اياه تحت اكفانها فلما خرجوا بها جعل رسول الله (ص) مرة يحمل ومرة يتقدم ومرة يتأخر حتى انتهينا الى القبر فتمعك باللحد ثم خرج فقال (ص) : ادخلوها باسم الله وعلى اسم الله ، فلما دفنوها قام
(1) وفاء الوفاء 2/88 .
(2) كأن على رؤوسهم الطير ، هذا مثل تضربه العرب في الهدوء والسكون اذا ارادت المبالغة في الهدوء .
قال الميداني في مجمع الامثال : يضرب للساكن الوادع وفي صفة مجلس رسول الله (ص) ذا تكلم اطرق جلساؤه كأن على رؤوسهم الطير والطير لا تسقط الا على ساكن .
وفي حياة الحيوان ذكر له معنيين : احدهما ان الغراب يقع على البعير يلتقط منه القراد فلا يتحرك البعير لئلا يطير . وثانيهما ان طير الرسائل يقع بالاخبار المشوشة والحوادث السيئة فيؤثر في الناس وجوما فيطرقون لذلك ساكنين وجوما لها .
(109)



قائما فقال : جزاك الله من ام ومربية خيرا فنعم الام ونعم المربية كنت لي .
قال فقلنا له - او قيل له - : يا رسول الله لقد صنعت شيئين ما رأيناك صنعت مثلهما قط .
قال : ما هو ؟
قلنا : نزعك قميصك وتمعكك في اللحد ؟
قال : اما قميصي فاريد ان لا يمسها النار انشاء الله واما تمعكي في اللحد فاردت ان يوسع الله عليها قبرها .
وذكر روايات بهذه المضامين في فضلها .
وقول ابن النجار هو الذي اعتمده ابن بطوطة وعول عليه فانه لما ذكر قبر عثمان بن عفان في رحلته ، قال (1) : وعلى مقربة منه قبر فاطمة بنت اسد ام علي بن ابي طالب (ع) وذكر ان قبر الحسن السبط عند قبر العباس وهو ايضا قول ابن جبير الرحالة المشهور بهذا اللفظ(2) .
والصحيح الذي اختاره السمهودي فان الحسن السبط دفن عند قبر جدته فاطمة بنت اسد حسبما ذكر علماؤنا رضوان الله تعالى عليهم .
قال ابن شهر اشوب في حديث وفاة الحسن بن علي (ع) : حكي ان الحسن (ع) لما اشرف على الموت قال له الحسين (ع) : اريد ان اعلم حالك يا اخي - ثم ذكر الحديث بطوله الى ان قال(3) - : فلما توجه بالحسن (ع) الى قبر جده اقبلوا اليهم في جمعهم وجعل مروان يقول : يا رب هيجا هي خير من دعه ، ايدفن عثمان في اقصى المدينة ويدفن الحسن مع النبي (ص) لا يكون ذلك ابدا وانا
(1) رحلة ابن بطوطة 1/76 .
(2) انظر رحلته : ص154 .
(3) مناقب ابن شهر اشوب 4/65 .
(110)



احمل السيف ، فناداه ابن عباس وقال : ارجع من حيث جئت فانا لا نريد ان ندفنه ها هنا ولكن نريد ان نجدد به عهدا بزيارته ثم نرده الى جدته فاطمة فندفنه عندها بوصيته فلو كان وصى بدفنه عند النبي (ص) فاعلم انك اقصر باعا من ردنا عن ذلك ولكنه كان اعلم بحرمة قبره . . . الى اخر ما ذكر .
وذكر المفيد في ( الارشاد ) مثله وقال (1) : ومضوا بالحسن (ع) ودفنوه بالبقيع عند جدته فاطمة بنت اسد بن هاشم بن عبد مناف رضي الله عنهما .
وكذلك ذكره غيره وصرح بذلك جماعة من علماء السنة منهم ابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة(2) قال : وصلى عليه الحسين (ع) ودفن في البقيع عند جدته فاطمة بنت اسد (ع) .
والكنجي الشافعي في كفاية الطالب(3) قال : سقي (ع) سما فبقي مريضا اربعين يوما ومات في صفر سنة 50 من الهجرة وله ويومئذن 48 سنة وتولى اخوه دفنه عند جدته فاطمة بالبقيع . . . انتهى .
وغيرهما كذلك ولا فائدة في التطويل .

2- من امهات العباس (ع) فاطمة الكلابية :

من ال الوحيد اهلها من سادات العرب واشرافهم وزعمائهم وابطالهم المشهورين وابوها ابو المحل اسمه حرام - بالحاء المهملة والراء المهملة بعدها الف وميم - ويأتي في عديد من النسخ حزام - بالزاء المعجمة - وهو غلط قطعي .
(1) الارشاد للمفيد : ص299 .
(2) الفصول المهمة . ص171 .
(3) كفاية الطالب . ص268 .
(111)



وعن تاريخ الخميس : ان اسمها وايس(1) .
قال الحافظ العسقلاني في الاصابة (2) : حرام بن خالد بن ربيعة بن الوحيد بن كلاب بن ربيعة العامري ثم الوحيدي ، له ادراك .
وتزوج علي بن ابي طالب (ع) ابنته ام البنين بنت حرام فولدت له اربعة اولاد : العباس وعبدالله وجعفر وعثمان ، قتلوا مع اخيهم الحسين (ع) يوم كربلاء وذكر ذلك بن هشام الكلبي والزبير بن بكار . . . انتهى .
وهنا ايضاح لا بد منه نذكره للفارقة فان في بني كلاب من اسمه حرام غير والد ام البنين وقد وقع في هذه المزلة بعض العلماء كما سيمر عليك فيما بعد لاجل ذلك نورد هنا ما قاله في ( الاصابة ) فانه قال بعد كلامه بلا فصل : حرام بن ربيعة بن عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب العامري ثم الجعفري اخو لبيد الشاعر له ادراك وسيأتي ذكر ابيه وجده وكان ولده مالك من رؤساء الكوفة وهو من قتله المختار بن ابي الوليد عند طلبه بدم الحسين (ع) ويشتبه بحرام بن ربيعة بن الوحيد بن كعب بن كلاب والد ام البنين امرأة علي (ع) . ولدت له العباس وجعفر وغيرهما وابوهما من اهل هذا القسم ايضا . . . انتهى .
قال الداودي في عمدة الطالب(3) : وامه وام اخوته عثمان وعبد الله وجعفر ام البنين بنت حزام بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن .
وامها ليلى بنت سهل بن مالك وهو ابن ابي براء عامر ملاعب الاسنة ابن مالك ابن جعفر بن كلاب .
وامها عامرة بنت الطفيل بن عامر .
(1) تاريخ الخميس 2/317 .
(2) الاصابة 1/175 .
(3) عمدة الطالب : ص323 .
(112)



وامها كبشة بنت عروة الرحال بنت عتبة بن جعفر بن كلاب .
وامها فاطمة بنت عبد شمس بن عبد مناة . . . الخ .
وفي هذا الكلام ملاحظة تعرف مما سبق ويأتي فانه تبين الخطأ فيه وحيث اتصل النسب الى هوازن فهو هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن الناس بن مضر وهنا يلتقي نسب ابائه وامهاته .
قال ابو الفرج في مقاتل الطالبيين(1) : امه ام البنين بنت حرام بن خالد بن ربيعة ابن الوحيد وهو عامر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة .
وامها ثمامة بنت سهيل بن عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب .
وامها عمرة بنت الطفيل - فارس قرزل - بن مالك الاحزم - رئيس هوازن - بن جعفر بن كلاب .
وامها كبشة بنت عروة الرحال بن عتبة بن جعفر بن كلاب .
وامها ام الخشف بنت ابي مغولة فارس هوازن بن عبادة بن عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة .
وامها فاطمة بنت جعفر بن كلاب .
وامها عاتكة بنت عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب .
وامها امنة بنت وهب بن عمير بن نصر بن قعين بن الحرث بن داود بن اسد ابن خزيمة .
وامها بنت جحدر بن ضيعة الاغر بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن ربيعة بن نزار .
وامها بنت مالك بن قيس بن ثعلبة .
(1) مقاتل الطالبيين : ص22 .
(113)



وامها بنت ذي الرياستين - وهو خشين - ابن ابي عصم بن شمخ بن زفارة .
وامها بنت عمرو بن صرمة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان . . . الخ .
وقال الشيخ المفيد في الارشاد(1) : العباس وجعفر وعثمان وعبد الله الشهداء مع اخيهم الحسين (ع) بكربلاء امهم ام البنين بنت حزام ابن خالد بن دارم . . . انتهى .
ومثله في الفصول المهمة لابن الصباغ(2) ولم اجد لهما موافقا على ذلك ولم يثبت احد من النسابين في اباء ام البنين من يقال له دارم .
قال ابو جعفر الطبري في التاريخ (3) : ثم تزوج - يعني امير المؤمنين - بعدها ام البنين بنت حزام - وهو ابو المحل - بن خالد بن ربيعة بن الوحيد بن كعب بن عامر بن كلاب فولد لها منه العباس وجعفر وعبد الله وعثمان قتلوا من الحسين (ع) بكربلاء ولابقية لهم غير العباس (ع) . . . الخ .
والعلامة الفاضل شيخنا محمد بن ادريس الحلي ( رحمه الله ) اراد في كتاب ( السرائر ) ان يصحح غلط الشيخ المفيد بزعمه فوقع في خطأ اعظم من ذلك لان ما في الارشاد يمكن حمله على السهو او غلط النساخ او ما يجري مجراه من التوجه المقبول اذ من المستبعد جدا خفاء مثل هذا على الشيخ المفيد اما ابن ادريس فلا يمكن توجيه غلطه ولا الاعتذار عنه بكل صورة لانه قد صرح ونص في كتاب السرائر في اخر كتاب الحج بما لفظه ونسب شيخنا المفيد في الارشاد العباس بن علي (ع) فقال : امه ام البنين بنت حزام بن خالد بن دارم وهذا خطأ وانما ام العباس المسمى بالسقا ويسميه اهل النسبة ابا قربة المقتول بكربلاء صاحب
(1) الارشــــــاد : ص190 .
(2) الفصول المهمة : ص144 .
(3) تاريخ الطبري : 5/89 .
(114)



راية الحسين (ع) ذلك اليوم امه ام البنين بنت حزام بن خالد بن ربيعة وربيعة هذا هو اخو لبيد الشاعر بن عامر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة وليست من بني دارم التميميين . . . الخ .
وانا اقول باحتشام وتعظيم للعلامة صاحب السرائر وبلا تجاسر عليه ولا مس لكرامته ان في كلامه وهم ظاهر وخطأ من ثلاث وجوه ان كان خطأ المفيد ( رحمه الله ) من وجه واحد : اما الوهم فظنه ان المفيد عنى دارم تميم وهذا وهم منه اذ ليس في كلام المفيد تصريح به ولم يصل النسب حتى يصح ما قال صاحب السرائر ، غايته انه ذكر ان في ابائها من يسمى دارما وعنده انه دارم العامري لا دارم التميمي وغفل ابن ادريس عن تصريحات المفيد في مواضع عديدة بانها كلابية وعامرية كما في قضية الشمر وخطابه للعباس (ع) غيرها من القضايا التي غفل عنها ابن ادريس .
اما الخطأ فمن وجوه ثلاثة :
احدهما : حلطة بين حرام والد ام البنين وبين الذي هو اخو لبيد وقد فرق بينها في الاصابة كما سمعت وقد اوردنا لرد هذا الاشتباه .
ثانيهما : جعله ربيعة اخا للبيد الشاعر وربيعة انما هو والد لبيد لا اخوه باتفاق النسابين .
وثاثهما : الخلط والخبط بين البطنين فان لبيد جعفري وام البنين وحيدية والوحيد وجعفر اخوان كلاهما ابنا كلاب ومن كان جعفريا لا يكون وحيديا الا ان تفرض الاخوة من جهة الامهات .
قال ابن قتيبة في المعارف(1) : اما كلاب بن ربيعة وكان فيه نوك وولده جعفر
(1) المعارف : ص39 .
(115)



ومعاوية وربيعة وابو بكر وعمر والوحيد وورواس والاضبط وعبدالله فمن بنى رواس وكيع المحدث ومن بني الوحيد ام البنين كانت عند علي بن ابي طالب فولدت له العباس و عبد الله وجعفر .
واما معاوية بن كلاب فمنهم الضباب وهم حسل وحسيل وضب بنو معاوية واما عمر بن كلاب فلهم عدد كثير وفيهم قوم يقال لهم دودان ومن عمر يزيد بن الصعق .
واما جعفر بن كلاب فولده الاحوص وخالد ومالك وعتبة بنو جعفر بن كلاب .
ثم ذكر ما سنذكره من اشرافهم ، وقال : واما ربيعة فهعو ابو لبيد الشاعر واما ابو بكر بن كلاب فمن ولده القرطات : قرط وقريط ومقرط .
ومنهم الضحاك ابن السفيان استعمله رسول الله (ص) على بني سليم .
ومنهم المحلق بن حنتم الذي قال فيه الاعشى : وبات على النار الندى والمحلق . . . انتهى .
والتطويل في ذلك لا طائل تحته .
وهذه المرأة النبيلة الصالحة ذات الفضل والعفة والصيانة والورع والديانة التي هي والدة العباس (ع) كريمة قومها وعقيلة اسرتها تنتمي - كما عرفت - الى اشرف العرب قبيلة واكرمها فصيلة فان قبيلتها من اشرف القبائل العربية شرفا واجمعهم للمآثرالكريمة التي تفتخر بها سادات العرب يعترف لها بالسيادة حتى اضدادها وحسادها ومعادوها ولذلك لكثرة نوابغها من الرجال المبرزين والزعماء الممتازين باكمل الصفات الكريمة واتم الخصال الممدوحة كالكرم والشجاعة والفصاحة شعرا وخطابة . هذه كانت مفاخر العرب في العصر الجاهلي ولا فضيلة عندهم افضل من فضيلة الشعر ولا خصلة عندهم توجب التقدم انبل من الشجاعة وليست هذه الفضيلة مما يختص بها الدور الجاهلي المظلم ، ولا
(116)



العصر الهمجي وحده ، بل فضلها ظهر في الدورة المدنية وعصر النور حيث اكدتها شريعة الاسلام المقدسة وقد نوه الباري تعالى في كتابه تنويها عظيما فمرة جل وعلا يحض على الثبات والزحف واخرى يذكر محبته لمن ثبت في مركزه الحربي في الجهاد على الدين والاخرى يوعد بجزيل الحباء لاهل هذه الصفة وقد ذكر ذلك في ايات كثيرة :
كقوله تعالى : «إذا لقيتم فئة فاثبتوا »(1) .
وقوله تعالى : «إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص »(2).
وقوله تعالى متوعدا ومتهددا لمن فر عن الزحف ولم يثبت في مركزه الحربي : «إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار ، ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال او متحيزا الى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير »(3) .
واما الايات الموعدة بالحباء فكثيرة والاحاديث اكثر منها ، قوله (ع) : ان الله يحب الشجاع ولو على قتل حية .
ويكفي في الاستشهاد لهذا ما في خطب امير المؤمنين (ع) الواردة في نهج البلاغة .
اما العرب فكانت تأنف من الفرار وتعده عارا ومقتا وسبة وتعد الثبات في الحرب فخرا ومجدا والشجاعة سؤددا وقد كانت على ذلك جاهلية واسلاما وكانت في اسلامها تبالغ في الثبات في المواقف الحرجة وتحرص على الرسوخ
(1) الانفال : 45 .
(2) الصف : 4 .
(3) الانفال : 15 - 16 .
(117)



في مراكزهاخصوصا في الحروب العظيمة ذات الاهوال الشديدة واعتبر ذلك في القادسية واليرموك ونهاوند وصفين بل كانت صفين اعظم المواقف التي وقفتها العرب وافضع المعارك التقى فيها جيشان عربيان وانما طحنتهم تلك الحرب وابادتهم وهم ثابتون في مراكزهم لان فيهم بقايا حمية الجاهلية وبصيرة الدين فتفانوا . وسنذكر بعض اقوال الخطباء والشعراء العرب في هذه المعارك الاربعة نبذة ، وكذلك كانت الخوارج تأنف من الفرار وتعده كفرا وخروجا عن الدين .
ومن محبة العرب الاسلاميين للثبات اشتقوا لبعض شجعانهم اسماء مناسبة لذلك كما لقبوا هاشما بـ ( المرقال ) وحبيب بن المهلب بـ ( الحرون ) كما لقبت اهل الجاهلية فرسانها فسموا عتيبة بن الحارث ( صياد الفوارس ) وعامر بن مالك الجعفري ( ملاعب الاسنة ) وعبد الله الكناني ( جذل الطعان ) ثم الزموا كل بطل سمة ما اتصف به ، فقالوا ( زيد الخيل ) للطائي و( سليك المناقب ) للتميمي ( وعنترة الفوارس ) للعبسي و( زيد الفوارس ) للضبي وامثال هؤلاء .
فاذا كان للشجاعة هذه المكانة عند عموم العرب وانها من موجبات السؤدد والشرف فاذن اباء ام البنين واسرتها سادات العرب شجاعة وفروسية وشعرا وخطابة وكرما وجودا فحق لامير المؤمنين (ع) ان يرغب في الوصلة الصهرية بهم لان البنت التي قد ولدها مثل هؤلاء الابطال الشجعان لجديرة ان تنجب فيما تلد ولا تلد الا شجاعا بطلا قد ضم بين طرفي البطولة والفروسية عمومة وخوئلة فقول امير المؤمنين (ع) لاخيه عقيل كما سنذكر : ( اختر لي امرأة ) حقيقة بصحة الاختيار فقد انجبت هذه الامرأة المحترمة اعظم الرجال شجاعة وثباتا وتقدما واقداما ، وهو حري بتلك الشجاعة الباهرة لانه معرق فيها من كلا طرفيه وهذا امر تعرفه العرب في قديمها وحديثها .
(118)



فقد قال شبيب الخارجي في خالد بن عتاب الرياحي وقد رآه يخوض دجلة على متن فرسه ولوائه يده لم يسقط فتعجب شبيب وقال : لله دره فارسا ودر فرسه فرسا .
فقال اصحابه : اتعرفه ؟
فقال : لا .
قالوا : هذا خالد بن عتاب .
فقال شبيب : معرق في الشجاعة لو علمت انه هو لاقتحمت خلفه ولو دخلت النار ، في القصة المشهورة ، رواها الطبري وابن ابي الحديد وغيرهما وقد كانت العرب تمدح الرجال وتطريهم من هذه الحيثية فيقولون : فلان معم مخول وقد كثر ذلك في اشعارهم وحكاياتهم .
قال علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب لما منعه اخواله من كندة من تحكم مسلم بن عقبة المري فيه وتعسغه في اهتضامه وذلك يوم الحرة المشهور :

أبي العاس قرم بني قصي وأخوالي الملوك بنو وليعتي

وسنذكر الشواهد الشعرية بعد الحديث .
قال السيد الداودي في عمدة الطالب(1) : قد روي ان امير المؤمنين (ع) قال لاخيه عقيل (رض) - وكان نسابة عالما بانساب العرب واخبارهم - انظر لي امرأة قد ولدتها الفحولة من العرب لاتزوجها فتلد لي غلاما فارسا .
فقال له : تزوج ام البنين الكلابية فانه ليس في العرب اشجع من ابائها ، فتزوجها . .. الخ .
(1) عمدة الطالب : ص324 .
(119)



وقال الفاضل الدربندي في اسرار الشهادة(1) : قيل : ان زهير بن القين اتى عبد الله بن عقيل قبل ان يقتل ، فقال له يا اخي ناولني الراية .
فقال له عبد الله : أفي قصور ؟
قال : لا ولكن لي بها حاجة .
قال : فدفعها اليه ، فاخذها زهير واتى العباس بن علي (ع) وقال : يا ابن امير المؤمنين أريد ان احدثك بحديث .
فقال : حدث فقد حلا وقت الحديث .

حدث ولا حرج عليك فانما تروي لنا متتابع الاسنـاد

فقال له : اعلم يا ابا الفضل ان اباك امير المؤمنين لما اراد ان يتزوج بامك ام البنين بعث الى اخيه عقيل وكان عارفا بانساب العرب فقال له : يا اخي اريد منك ان تخطب لي امرأة من ذوي البيوت والنسب والحسب والشجاعة لكي اصيب منها ولدا يكون شجاعا وعضدا ينصر ولدي هذا - واشار الى الحسين (ع) - يواسيه في طف كربلاء وقد ادخرك ابوك لمثل هذا اليوم فلا تقصر عن حلائل اخيك واخواتك .
فارتعد العباس (ع) وتمطى في ركابه حتى قطعه وقال : يا زهير ، اتشجعني في مثل هذا اليوم . . . الخ .
وقد صدق مولانا امير المؤمنين (ع) فيما امله وترجاه من شجاع ابي الفضل العباس (ع) ومواساته لاخيه الحسين (ع) اللذين حير بهما افكار العقلاء وادهش الباب المفكرين وصدق هذا المقال من مولانا امير المؤمنين (ع) كصدق سائر مقالاته لانه (ع) وقعت له اخبارات كثيرة بالمغيبات وقعت كلها في ازمنة متقاربة
(1) اسرار الشهادة : ص318 .
(120)



فلم يقدر احد من الناس على تكذيبها لوقوع الحوادث على وفق ما اخبر به كقوله لعمر بن سعد : انك تقتل ولدي الحسين (ع) .
وكقوله لتميم التميمي : ان في بيتك سخلا يقتل ابن رسول الله (ص) وكان ابنه حصين غلام يدرج .
وكقوله لاعشى همدان وقد قال لامير المؤمنين (ع) في حديث حدث به : ما اشبه هذا بحديث خرافة ، فقال : يا غلام ، سلط الله عليك غلام ثقيف - يعني الحجاج - فقتله الحجاج بعد ذلك .
وكإخباراته لاصحابه بصفات ما يقتلون به مثل قوله لهاني بن عروة يرمى به من طمار وقصة ميثم ورشيد وغيرهما مما هو مشهور وصدقه (ع) عندنا مستند الى علمه الغيبي الذي اخذه عن رسوله الله (ص) واخذه رسول الله (ص) عن جبرئيل (ع) وتلقاه جبرئيل عن اللوح المحفوظ عن الله عز وجل واما عند غيرنا فالمحققون منهم على ما نقول ، وغير المحققين لا يستريبون بصحته لما شاهدوا من وقوع اخباراته ولما عاينوه معاينة ومشاهدة او نقله لهم الثقاة عنه مما هو مطابق لقوله ، لكنهم يقولون هي فراسة صادقة .
وقد صحت الاثار الكثيرة بصدق الفراسة سيما فراسة اهل الايمان فقد جاء في الحديث : اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله ، وحيث كتبنا في كتابنا ( السياسة العلوية ) فصلا مطولا في الفراسة أغنانا ذلك عن اعادته هنا ولكنا نشير اليه قدر ما يستفيد منه القارئ حتى يعرف كيف تبلغ الفراسة اصابة المخفي .
قال الشريف الجرجاني في التعريفات(1) : الفراسة في اللغة التثبت والنظر وفي اصطلاح اهل الحقيقة هي مكاشفة اليقين ومعاينة الغيبة.
(1) التعريفات : ص111 .
(121)



وقال محمد صادق في خلاصة السياسة في علم الفراسة(1) اعلم ان علم الفراسة عند العرب من العلوم الشريفة الطبيعية المعتمد عليها اذ هي الواسطة للاستدلال بالخلق الظاهر على الخلق الباطن ومن المعلوم ان القدماء كانوا على شيء من علم الفراسة وفي العصور المظلمة في الجاهلية قبل الاسلام ولكنهم كانوا لا يجدون حكما بينا ولا برهانا مقنعا ولا دليلا قاطعا يحكمون به على اخلاق الشخص بل كان حكمهم على سبيل البداهة ليس الا واول من تكلم في هذا الموضوع ابو الطب سنة 450 قبل الميلاد وهو يعتقد بتأثير العوارض الخارجية على الاخلاق الباطنية وظهور اثار ذلك في ملامح الوجه وكذلك كان مذهب جالينوس واقليدس الحكيم اليوناني كتب فصولا مطولة في علم الفراسة .
الى ان قال(2) : ومن حيث ان الفراسة قريحة خاصة تجدها في شخص دون الاخر بمعنى انه كلما زادت قوى المرء العقلية بالعلوم زادت قوى اعطافه الذوقية وظهرت على وجهه ملامح الذكاء التي تدل على اصابة الحكم وسرعة الخاطر والبداهة الفطرية فحينئذ تصيب احكامه الفراسة ولو لم يتلقاها عن احد انما تكون في هذه الحالة ملكة خاصة بحكم الاميال الطبيعية ومن كانت هذه صفته وتناول علم الفراسة كان من التابعين فيها بحكم الشخص الاخر الذي لم يستعمل عقله في شيء فتراه مكبا على اللهو واللعب غير مبال بالاحكام الدينية ولا مكترث بالامور السياسية معرضا عن الواجبات العقلية فهذه تكون علامات الغباوة والحمق والجهل ناطقة على وجهه وحين ذاك لو ذكرت له علم الفراسة ومعناها والغرض منها واسهبت له في الموضوع لم يزدد بها الا جهلا حيث لم يكن له
(1) خلاصة السياسة في علم الفراسة : ص3 .
(2) خلاصة السياسة في علم الفراسة : ص4 .

(122)



شعور عقلي ولا اميال طبيعية ولا غريزة فطرية تنبهه او تنشطه او تجعل له استعدادا لتلقي العلوم فيرى ان ذلك ضربا من الخرافات لانه لا يمكنه فهم شيء منها ولا ادراك مغزاه بل ولا مطابقته عقليا .
ومن المعلوم لدى علماء الفراسة ان بعض النساء لهن موهبة الفراسة واصلية الحكم وسرعة الخاطر في الاحكام على الاخلاق الشخصية من النظر الى هيئة الرجل وشبه كلامه ، ولو طلبت منها الدليل على ما حكمت به على اخلاق ذلك الشخص لم تستطع لذلك سبيلا ولا تقدر ان تعبر عنه بدليل ولا برهان والدليل على ذلك ظاهر كالشمس وهو انها تحكم باعطافها وبداهتها واميالها اما الرجل فيحكم بعلمه وممارسته وعقله ، وهذه المزايا يعترف بها اكثر علماء الفراسة .
ومن الناس من تكون له تلك المواهب طبيعية يشب عليها بفطرته الغريزية من غير علم ولا تلقين ولا مدارسة ونرى اناسا يقضون اعمارهم في ممارسة هذا العلم ولا يتقنونه ، ومن المشهور ان محمد علي باشا الكبير كان احس الناس فراسة يستطلع اخلاق المذنب ويحكم عليه بمجرد ما يظهر من ملامحه وهو امي لا يقرأ ولا يكتب وقد كان يفعل مثل ذلك علي بك الكبير أمير المماليك في القرن الثامن عشر وممن نبغ في الفراسة واشتهر بالذكاء وسرعة الخاطر الحسن ابن السقاء كان من موالي بني سليم بلغ في فراسته انه ينظر الى السفينة فيحرز ما فيها فلا يخطئ وكان حرزه في المكميول والموزون والمعدود سواء .
الى ان قال(1) : اما فروع علم الفراسة فكثيرة اشهرها اعتمادا عند علماء هذا الفن عشرة فروع منتشرة ومستعملة وهي : فراسة الامم وفراسة المهن وفراسة المقابلة وفراسة الاختلاج وفراسة الحركة وفراسة الامزجة وفراسة الرأس ،
(1) خلاصة السياسة في علم الفراسة : ص6 .

(123)



فراسة الهيئة وفراسة الكف وفراسة الكتابة الى اخر ما ذكر وهو كتاب خاص بهذا الفن .
ومن فراسة الامم على قوله يكون تفرس امير المؤمنين (ع) في ام ولده العباس الاكبر (ع)لان طبائع الاصول تؤثر في الفروع كما سنبين ذلك انشاء الله .
وربما يسال سائل : لم عول امير المؤمنين (ع) على اخيه عقيل في الاختيار ولم يختر هو لنفسه ؟ فهل كان عقيل اعرف منه باصول العرب ؟ مع انكم تعتقدون ان الامام اعلم من غيره في كل العلوم واعرف ممن سواه في كل شيء .
الجواب : نعم هو كذلك عندنا ، ولكن العادة التي اقتضتها همم الاكابر من الملوك والعظماء انه اذا اراد التزويج لنفسه او لواحد من ولده اناب عنه من يقوم به من خاصته فيوجه من يعتمد عليه من اهل المعرفة والحزم ليختار له ترفعا منهم عن ذلك . لان المرأة مهما بلغت في الجلالة وعظم القدر هي بالنسبة الى ذلك العظيم محقرة ويرى ان مباشرته للخطبة بنفسه انحطاطا لقدره , وهذا نبينا محمد (ص) لما اراد الزواج بخديجة (ع) مع رغبته التامة فيها وعلو قدر خديجة وعظم شأنها في قريش لم يباشر (ص) خطبتها بنفسه وانما باشر ذلك اعمامه ابو طالب والزبير حمزة . والقضايا التاريخية اذا سرت عليها ارتك ما نقوله جليا .
ولكن من الملوك من يختر عقل المرأة اذا كان عارفا بنسبها بارسال خبير ومنهم من يرسل امرأة حازمة لتختبر عقلها ومحاسنها كما فعل ذلك الحارث بن عمرو ملك كندة لما اراد التزويج بابنة عوف بن ملحم الشيباني الذي يقال فيه : لأحر بوادي عوف ارسل اليها امرأة من كندة يقال لها عصام ، وفيها قيل : ما ورائك يا عصام . ومن الملوك من لا يريد التزويج بامرأة بعينها بل غرضه التزويج بامرأة شريفة ممن لها نسب كريم ، فترددت بين نساء كثير من ذوات الشرف كل واحدة تصلح ان تكون زوجة له لشرفها وعقلها وجمالها فيرسل خبيرا معتمدا فيقول له :
(124)



اختر لي امرأة من ذوات الشرف او من ولدها الملوك مع علمه ومعرفته ان ذلك الرسول المعتمد لا يعدو اختياره الذي في نفسه من حيث فطانته وعقله وعلمه بانه لا يريد الا المتقدمة بشرفها على نظرائها فهو لا يختار الا ما اختاره في نفسه ، فكانه قال له اخطب عند ال فلان لامتيازهم على من كافأهم في الملك والرياسة .
ولما كان في عصر امير المؤمنين (ع) كثير من ذوي الشرف وبيوت الرئاسة والشجاعة من العرب مثل بين دارم وبني مقاعس في بني تميم وال ذي الجدين في ربيعة وال بدر في غطفان وبني كلاب في بني هوزان ورأيه الشريف في الكلابية لعلمه باسرتها البواسل ، شاور اخاه عقيلا في ذلك لعلمه ان عقيلا لا يعدوها من حيث ان له المعرفة التامة بانساب العرب علامة بهذا الفن فهو لا ينصرف عنها فيختار غيرها والدليل على صحة هذا الاختيار ما احاط بها من مشاهير رجال تلك العائلة المشهورة واكتنفها من فرسانها البواسل .
وحيث استوفينا الكلام عن بني عامر في كتابنا ( السياسة العلوية ) وذكرنا بطون هذه القبيلة وافخاذها ومن ينتمي اليها رأينا ان لا نعيده هنا فنطيل به ولكن نذكر هنا ما يناسب الكتاب مما لها من المآثر اجمالا ككونهم من الحمس وانهم لقاح لا يدينون لاحد من الملوك ونذكر بني كلاب خاصة لانهم بيت بني عامر وما قيل فيهم ونذكر جماعة من ابطالهم وساداتهم ليعرف قدر ام البنين .
في السيرة الهاشمية (1) : قال ابن اسحاق : قد كانت قريش لا ادري قبل الفيل ام بعده ابتدعت رأي الحمس رأيا رأوه وأداروه ، قالوا : نحن بنو ابراهيم واهل الحرمة وولاة البيت وقطان مكة وساكنها فليس لاحد من العرب مثل حقنا ولا مثل منزلتنا ولاتعرف لها العرب مثلما تعرف لنا فلا تعظموا شيئا من الحل كما
(1) سيرة ابن هشام 1/189 .
(125)



تعظمون الحرم فانكم ان فعلتم ذلك استخفت بكم العرب وقالوا : قد عظموا من الحل مثلما عظموا من الحرم فتركوا الوقوف في عرفة والافاضة منها وهم يعرفون انها من المشاعر والحج ودين ابراهيم (ع) ويرون لسائر العرب ان يقفوا عليها وان يفيضوا منها الا انهم قالوا نحن اهل الحرم فليس ينبغي لنا ان نخرج من الحرمة ولا نعظم غيرها كما يعظمها غيرنا ونحن الحمس ، و الحمس اهل الحرم ، ثم جعلوا لمن ولدوا من العرب من ساكن الحل والحرم مثل الذي لهم بولادتهم اياهم يحل لهم ما يحل لهم ويحرم عليهم ما يحرم عليهم وكانت كنانة وخزاعة دخلوا معهم في ذلك .
قال ابن هشام : وحثني ابو عبيدة النحوي : ان بني عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن دخلوا معهم في ذلك وانشدني لعمرو بن معد يكرب الزبيدي :

اعباس لو كانت شيارا جيادنــا بتثليث ما ناصبت بعدي الاحامسا

يعني بالاحامس بني عامر بن صعصعة وعباس هو عباس بن مرداس السلمي وكان اغار على بني زبيد بتثليث وانشدني للقيط بن زرارة الدارمي في يوم جبلة :

اجذم اليك انها بنـــو عبس المعشر الجلة في القوم الحمس

لان بني عبس كانوا يوم جبلة حلفاء في بني عامر بن صعصعة . . . الخ .
وحديث الحمس اطول من هذا ذكرناه بطوله في ( السياسة العلوية ) .
قال ابن الاثير في التاريخ الكامل(1) في حديث يوم السلان : قال ابو عبيدة : كانت بنو عامر بن صعصعة حمسا والحمس قريش ومن له فيهم ولادة والحمس يتشددون في دينهم وكانت عامر ايضا لقاحا لا تدين للملوك . . . الخ .
(1) الكامل في التاريخ 1/224 .

(126)



وقال ابن الاثير الجزري المحدث في النهاية(1) : الحمس جمع احمس وهم قريش ومن ولدت قريش وكنانة وجديلة قيس سموا حمسا لانهم تحمسوا في دينهم اي تشددوا والحماسة الشجاعة كانوا يقفون بمزدلفة ولا يقفون بعرفة ويقولون : نحن اهل الله فلا نخرج من الحرم وكانوا لا يدخلون البيوت من ابوابها وهم محرومون .
وقال ابن واضحة في تاريخه(2) : كانت الرياسة والحكومة في قيس ثم انتقلت الى عدوان وكان اول من حكم منهم ورأس عامر بن الضرب ثم صارت في فزارة ثم صارت في عبس ثم صارت في بني عامر بن صعصعة ولم تزل فيهم .
وقال ابن الاثير المؤرخ في تاريخ الكامل(3) في سياق مقتل شاس بن زهير بن جذيمة العبسي عند منصرفه من النعمان بن المنذر بما لفظه وسار زهير الى ديار غني وهم حلفاء بني عامر فاجتمعوا عنده فحلفوا انهم لم يعلموا خبره فقال : لكني اعلمه .
فقال ابو عامر : فما الذي يرضيك منا ؟
قال : واحدة من ثلاث : اما ان تحيوا ولدي واما ان تسلموا لي غنيا اقتلهم بولدي واما الحرب بيننا وبينكم ما بقينا وبقيتم .
فقالوا : ما جعلت لنا مخرجا في هذا فاما احياء ولدك فلا يقدر عليه الا الله . واما تسليم غني اليك فانهم يمنعون مما تمنع منه الاحرار واما الحرب بيننا وبينك فوالله انا لنحب رضاك ونكره سخطك ولكن ان شئت الدية وان شئت نطلب قاتل ابنك ونسلمه اليك او تهب دمه فانه لا يضيع في القرابة والجوار .
(1) النهاية 1/358 .
(2) تاريخ اليعقوبي 1/186 .
(3) الكامل في التاريخ 1/301 .
(127)



فقال : ما افعل الا ما ذكرت .
فلما رأى خالد بن جعفر بن كلاب تعدي زهير على اخواله من غني ، فقال : ما رأيت كاليوم تعنت رجل على قومه .
فقال زهيرا : تحب ان تكون طلبتي عندك واترك غنيا ؟
فقال : نعم .
فانصرف زهير وهو يقول :

فلولا كلاب قد اخذت قرينتــــــي برد غنى أعبدا ومواليــــــــــا
ولكن حمتهم عصبة عامريــــــة يهزون في الارض القصار العواليــــا
مساعير في الهيجا مصاليت في الوغى اخوهم عزيز لا يخاف الاعاديـــــــا
يقيمون في دار الحفاظ تكرمـــــا اذا ما قنى القوم اضحت خواليـــــــا

قال ابو الفرج في الاغاني(1) في سياق حديث يوم جبلة الشهير ، فقال الناس للقيط ما ترى ؟ قال : أرى ان تصعدوا اليهم .
فقال شاس الاسدي : لا تدخلوا على بني عامر فاني اعلم الناس بهم قد قاتلتهم وقاتلوني وهزمتهم وهزموني فما رأيت قوما قط اقلق بمنزل من بني عامر ، والله ما وجدت لهم مثلا الاالشجاع فانه لا يقر في حجرة قلقا وسيخرجون اليكم والله لإن نمتم هذه الليلة لا تشعرون بهم الا وهم منحدرون اليكم . . . الخ
لقيط بن زرارة التميمي وهو القائد العام لجيش جبلة العرمرم على حرب بني عامر وفيه اربعة من الملوك ولم يسمع في الجاهلية بجيش اضخم منه وفضحتهم بنو عامر بقتل الاشراف والملوك واسرهم .
(1) الاغاني 10/36 .
(128)



واما شاس فهو رئيس بني أسد وجد عرار الشاعر في عصر عبد الملك وابو عمرو الصحابي الشاعر وقد افتخر المجبر بن اسلم القشيري في حرب قيس وقضاعة ايام غارات عمير بن الحباب السلمي على حميد بن مجدل الكلبي وفناء كلب حتى افنت ديارها هربا :

كل حي اذقت نعمي وبؤسي ببني عامر الطوال الرمــاح

قال ابن عبد البر في كتاب الانتباه(1) : قال ابو عمر :جاء الاسلام واربعة احياء قد غلبوا الناس كثرة : شيبان بن ثعلبة وجشم بن بكر بن تغلب وعامر بن صعصعة وحنظلة بن مالك فلما جاء الاسلام خمد حيان وطمى حيان طمى بنو شيبان وعامر بن صعصعة وخمد جشم وحنظلة .
وقال ابن العماد في شذرات الذهب(2) في حديث ابن القرية فصيح العرب ما لفظه كتب الحجاج الى عماله ان لا يجدوا احدا من اصحاب ابن الاشعث الا ارسلوه اسيرا فكان فيمن ارسلوا ابن القرية فسأله الحجاج عن البلدان والقبائل . فقال : اهل العراق اعلم الناس بحق وباطل واهل الحجاز اسرع الناس الى فتنة واعجزهم عنها واهل الشام اطوع الناس لخلفائهم واهل مصر عبيد من غلب - اي خدع - واهل البحرين نبط استعربوا واهل عمان عرب استنبطوا واهل الموصل اشجع الفرسان واهل اليمن اهل اهواء وصبر عند اللقاء واهل اليمامة اهل جفاء واختلاف وريف كثير وقرى يسير .
واما القبائل فقريش اعظم الناس احلاما واكرمهم مقاما وبنو عامر اطولها رماحا واكرمها صباحا وثقيف اكرمها جدودا واكثرها وفودا وبنو زيد الزمها
(1) الانباه : ص97.
(2) شذرات الذهب . 1/93 .

(129)



للرايات وادركها للثارات وقضاعة اعظمها اخطارا واكرمها نجارا وابعدها اثارا والانصار اثبتها مقاما واحسنها اسلاما . . . الخ .
وذكرها اليافعي في تاريخ مرآة الجنان (1) .
وفي الخبر العامي ذكره الخطيب في تاريخ بغداد (2) عن ابي هريرة : ذكرت القبائل عند النبي (ص) فقالوا يا رسول الله ما تقول في هوزان ؟ فقال (ص) : زهرة نبع .
فقالوا : ما تقول في بني عامر ؟ فقال (ص) : جمل ازهر يأكل من اطراف الشجر .
قالوا : فما تقول في بني تميم ؟ فقال (ص) يابى الله لبني تميم الا خيرا ، ثبت الاقدام عظام الهام رجح الاحلام هضبة حمراء لا يضرها من ناواها .
وفي ذيل امالي القالي(3) في قصة ذكر فيها معاوية بن ابي سفيان سالا فيها دغفلا النسابة عن قبائل العرب العدنانية ، قال فاخبرني عن قيس ؟
قال : كانوا لا يفرحون اذا اديلوا ولا يجزعون اذا ابتلوا ولا يبخلون اذا سئلوا .
قال فاخبرني عن اشرفهم في الجاهلية ؟
قال غطفان بن سعد وعامر بن صعصعة وسليم بن منصور فاما غطفان فكانوا كراما سادة وللخميس قادة وعن البيض ذادة واما بنو عامر فكثير سادتهم مخشية سطوتهم ظاهرة نجدتهم واما بنو سليم فكانوا يدركون الثار ويمنعون الجار ويعظمون النار . . . الخ .
(1) مرآن الجنان 1/175 طبع حيدر اباد .
(2) تاريخ بغداد 2/195 .
(3) امالي القالي : ص25 .

(130)



اعظام النار اكثار وقودها للاضياف وليهتدي بها الضال في البيداء .
وحسبنا ما ذكرنا .
وام عامر بن صعصعة بنت عامر بن الضرب العدواني ، ذكر الجاحظ في البيان والتبيين وابو حاتم السجستاني في المعمرين ، ولفظ الاول(1) : خطب صعصعة بن معاوية الى عامر بن الضرب العدواني بنته عمرة وهي ام عامر بن صعصعة ، فقال : يا صعصعة ، انك اتيتني تشتري مني كبدي وارحم ولدي عندي وابغيتك او رددتك والحسيب كفؤ الحسيب والزواج الصالح اب بعد اب وقد انكحتك خشية ان لا اجد مثلك ، افر من السرالى العلانية انصح ابنا واودع ضعيفا قويا . يا معشر عدوان خرجت من بين اضهركم كريمتكم من غير رهبة ولا رغبة اقسم لو قسم الخطوط على قدر الجدود ما ترك الاول للاخر ما يعيش به .
وفي رواية ابي حاتم بعد قوله << من غير رغبة >> عنكم من خط له شيء جاءه رب زارع لنفسه ما حصد غيره وبعد قوله << ما يعيش به >> ولكن رزق اكل من اجل وعاجل ، ان الذي ارسل الحيا انبت المرعى ثم قسمه لكل فم بقلة ومن الماء جرعة ترون ولا تعلمون وان يرى ما اصف لكم الا كل قلب واعي ولكل مرعى راعي ولكل خلق خلق كيس او احمق وما رأيت شيئا قط الا سمعت حسه ووجدت مسه وما رأيت شيئا خلق نفسه وما رأيت موضوعا الا مصنوعا وما رأيت شيئا الا ذاهبا ولا غانما الا خائبا ولا نعمة الا ومعها بؤس ولو كان يميت الناس الداء لاحياهم الدواء . . . الخ .
استل هذا العربي الساذج العاري عن الفلسفة والحكمة النظرية بفطنته الغريية وعقله الفطري على اثبات الباري تعالى وابطال المادة بامور :
(1) البيان والتبيين 2/59 .
(131)



احدها ان الاتحاد بين الخالق والمخلوق باطل فلا بد من التغاير للضرورة القاضية ان المصنوع غير الصانع فاذا كانت المادة متأثرة في نفس وجودها فلا بد من وجود مؤثر فيها لأنه لم ير شيئا خلق نفسه من حيث انه كان عدما والمعدوم لا يؤثر يفي الموجود شيئا فلا بد ان يكون المؤثر فيه موجودا وهو غيره وهو الذي انقذه من العدم الازلي .
ثانيهما الاستقراء والتتبع فانا تتبعنا الاشياء الموجودة واستقرينا كل مصنوع فلم يوجد الا من له صانع فالبناء له باني والزرع له زارع وهكذا بقية الاشياء فينتج هذا الاستقراء ان لهذا الكون مكونا والا لجاز ان يكون المصنوع بلا صانع .
ثالثهما اختلاف الطبائع ودليل اختلافها اختلاف الاخلاق ولو كانت الطبيعة هي الموجدة لما تباينت الاخلاق ولوجب ان يكون كل انسان بليدا وكل انسان فطنا اذ الطبيعة واحدة والمادة لا تختلف في افراد العاقل والمجنون فهي فيهما سواء .
رابعها ان جميع الموجودات مدركة بالحواس وكلما ادركته الحواس فهو حادث وذلك في قوله << سمعت حسه ووجدت مسه >> .
خامسها الفناء وذلك ان القديم لا يجوز عليه الفناء اذ لو جاز عليه الفناء لاختل النظام القائم بتدبيره فلو كانت المادة هي الموجدة لما جاز عليها الفناء لما ذكرنا من بقاء النظام وفناؤها كاشف عن وجود محدث لها وهو المدبر لهذا الكون والحافظ لنظامه .
ثم استدل بسير الحوادث المدركة للمسرات في ان الدنيا ليست دار بقاء لكثرة ما فيها من الارزاء والبؤس ولو كانت دار بقاء لخلت من ذلك فلا بد ان يكون وراءها دار تدوم فيها لنعمة ولا يطرأ عليها البؤس .
ثم رد من يزعم ان الامراض التي تعرض للنفوس مسببة عن جراثيم او ما
(132)



شاكلها وانها اذا تمادت اوجبت تلاقي القوى وانحلالها فتؤدي الى التلف فلا بد من مكافحتها بالادوية والعقاقير لتحفظ للنفس صحتها وبقاءها ، فقال : << لو كان الداء كما زعوا قاتلا لكان الدواء محييا >> فانك تزعم ان الدواء يعيد للنفس صحتها وعندك ان ذلك فيما جربته في الاصحاء ونحن نقول ان هؤلاء قسم الله لهم بقاء مدة اراد ان يبلغهم اياها ولكن جرب دواءك في من مات فان احياه دواءك عرفنا ان الداء هو الذي قتله فاذا الدواء لم يحييه فالداء لم يقتله وانما اماته الله باستيفاء طعمته وانقضاء مدته .
بنو كلاب خاصة : جاء في حديث وقعة حنين المشهورة في السيرة الهاشمية(1) : قال ابن اسحاق : لما سمعت هوازن برسول الله (ص) وما فتح الله عليه من مكة جمعها مالك بن عوف النصري فاجتمع اليه مع هوازن ثقيف كلها واجتمعت نصر وجشم كلها وسعد بن بكر وناس بن بني هلال وهو قليل ولم يشهدها من قيس عيلان الا هؤلاء وغاب عنها فلم يحضرها من هوازن كعب وكلاب فلم يشهدها منهم احد له اسم وفي بني جشم دريد ابن الصمة شيخ كبير ليس فيه شيء الا التيمن برأيه ومعرفته بالحرب وكان شيخا مجربا وفي ثقيف سيدان لهم في الاحلاف قاب بن الاسود بن مسعود بن متعب وفي بني مالك ذو الخمار سبيع الحارث بن مالك وأخوه احمر بن مالك وجماع من أمر الناس الى مالك بن عوف النصري .
فما اجمع المسير الى رسول الله (ص) حط مع الناس اموالهم ونساءهم وابناءهم فلما نزل باوطاس اجتمع اليه الناس وفيهم دريد بن الصمة في شجار له يقاد به فلما نزل قال : يأي واد انتم ؟
(1) سيرة ابن هشام 3/266 .

(133)



قالوا : باوطاس .
قال : نعم مجال الخيل لاحزن ضرس ولاسهل دعس مالي اسمع رغاء البعير ونهاق الحمير وبكاء الصغير ويعار الشاء ؟ قالوا : ساق مالك بن عوف مع الناس اموالهم ونسائهم وابنائهم .
قال : اين مالك ؟
قيل : هذا مالك ودعي له .
فقال : يا مالك ، قد اصبحت رئيس قومك وان هذا يوم كائن له ما بعده من الايام ، مالي اسمع رغاء البعير ؟ فاعاد الكلام بعينه .
فقال : سقت مع الناس اموالهم وابنائهم ونساءهم .
قال : ولم ذاك ؟
قال : اردت ان اجعل خلف كل رجل منهم اهله وماله ليقاتل عنهم .
قال : فانتص به ثم قال : راعي ضأن والله هل يرد المنهزم شيء ؟ انها ان كانت لك لم ينفعك الا رجل بسيفه ورمحه وان كانت عليك فضحت في اهلك وفي مالك .
ثم قال : ما فعلت كعب وكلاب ؟
قالوا : لم يشهدها منهم احد .
قال : غاب الحد والجد ولو كان يوم علاء ورفعة ما غاب عنه كعب ولا كلاب ، فمن شهدها منكم ؟
قالوا : عمرو بن عامر وعوف بن عامر .
قال : ذانك الجذعان لا ينفعان ولايضران ، يا مالك ، انك لم تصنع بتقديم البيضة بيضة هوازن الى نحو الخيل شيئا ارفعهم الى متمنع بلادهم وعليا قومهم ، ثم القى الصبا على متون الخيل فان كانت لك لحق بك من وراءك وان كانت عليك الفاك ذلك وقد احرزت اهلك .
(134)



قال لا والله لا افعل ذلك انك قد كبرت وكبر عقلك والله لتطيعنني يا معشر هوازن او لا اتكئ على هذا السيف حتى يخرج من ظهري ، وكره ان يكون لدريد ابن الصمة فيها ذكر او رأي .
قالوا : اطعناك .
فقال دريد : هذا يوم لم اشهده ولم يفتني :

يا ليتني فيها جذع اخبت فيها وأضع
أقود وطفاء الزمع كأنها شاة صـدع

الى اخر القصة .
ودريد ابن الصمة هو فارس هوازن واحد ابطال العرب المشهورة قتل في هذه الوقعة كافرا وقد عاش مائتي سنة .
قال الميداني في مجمع الامثال (1) : قال يونس بن حبيب : زعموا ان رقية بنت جشم بن معاوية ( يعني ابن بكر بن هوازن ) ولدت نميرا وهلالا وسواءة ثم اعتاطت فأتت كاهنة بذي الخلصة فأرتها بطنها وقالت : اني قد ولدت اعتطت فنظرت اليها ومست بطنها وقالت : رب قبائل فرق ومجالس حلق وطعن خرق في بطنك فامخضت ربيعة بن عامر . . . الخ .
وهو ابو كلاب وكعب وام كلاب اسمها مجد من قريش .
قال الحافظ ابن عبد البر في كتاب الانباه (2) : قال لبيد العامري :

سقى قومي بني مجد وأسقى نميرا والقبائل من هـــلال

ومجد هي ام كلاب وكليب وكعب بني ربيعة بن عامر بن صعصعة ، وهي بنت
(1) مجمع الامثال 1/221 .
(2) الانباه : ص87 .

(135)



تيم بن مرة بن غالب بن فهر وهي التي جعلت بني عامر حسما ، والقصة التي ذكرها ابن عبد ربة في العقد الفريد اوردناها بطولها في كتاب ( السياسة العلوية ) ولا يسع نقلها وملخصها :
ان كسرى فضل جميع الامم على العرب وان النعمان انتصر للعرب واجاب بجواب مطول فضل فيه العرب على الامم قاطبة ولم يستثن ولا قوم كسرى ولما رجع الى الحيرة عاصمة ملكه احب ان يجمع اشراف كل قبيلة شريفة من العرب وينتخب النبلاء من ذوي البيوت والسابقة في المجد والسيادة يرسلهم الى كسرى ليبرهنوا على مجد العرب وليفتخروا عليه بفضلهم في بلاطه فان ذلك اقوى للحجة عليهم ، فجمع من اشراف العرب من سلمت له الرئاسة واعترف بزعامته واجتمعت العرب على شرف بيته وسؤدد اسرته وهم : اكثم بن صفي من بني عمرو بن تميم وحاجب بن زرارة من بني حنظلة بن مالك بن تميم والارث بن عباد فارس النعامة من بني يشكر بن بكر بن وائل وقيس بن مسعود وهو ابن ذي الجدين من بني شيبان من بكر بن وائل وخالد بن جعفر من بني مالك بن كلاب علقمة بن علاثة من بني الاحوص بن كلاب من بني عامر وعامر بن الطفيل من بني كلاب وعمرو بن الشريد من بني سليم وعمرو بن معد يكري من زبيد من مذحج ، والحارث بن الظالم من بني مرة من غطفان وجميع هؤلاء من العدنانية سوى الزبيدي فانه يماني .
ثم ساق القصة وتكلم كل واحد بما قدر عليه من الكلام في البلاط الكسروي امام ذلك المجتمع المكتظ بوفود الملوك ورجال الدولة ، فذكر (1) ما لفظه :
ثم قام خالد بن جعفر الكلابي فقال : احضر الملك اسعادا وارشده
(1)
(1)العقد الفريد 1/171 .

(136)



ارشادا ان لكل منطق فرصة ولكل حاجة غصة وعيّ المنطق اشد من عيّ السكوت وعثار القول انكأ من عثار الوعث ، وما فرصة المنطق عندنا بما نهوى وغصة المنطق بما لا نهوى غير مستساغة وترك ما اعلم من نفسي ويعلم من سمع اني له مطيق احب الي من تكفلي ما اتخوف ويتخوف مني وقد اوفدنا اليك ملكنا النعمان وهو لك من خير الاعوان ونعم حامل المعروف والاحسان انفسنا بالطاعة لك باخعة ورقابنا بالنصيحة خاضعة وايدينا لك بالوفاء رهينة .
قال كسرى : نطقت بعقل وسموت بفضل وعلوت بنبل .
ثم قام علقمة بن علاثة العامري الكلابي فقال : نهجت لك سبيل الرشاد وخضعت لك رقاب العباد ان للاقاويل مناهج وللاراء موالج وللعويص مخارج وخير القول اصدقه وافضل الطلب انجحه انا وان كانت المحبة احضرتنا والوفادة قربتنا فليس من حضرك منا افضل ممن عزب عنك ، بل لو قسمت كل رجل منهم وعلمت منهم ما علمنا لوجدت له ابائه دنيا أندادا واكفاء كلهم الى الفضل منسوب وبالشرف والسؤدد موصوف وبالرأي الفاصل والادب النافذ معروف يحمي حماه ويروي ضماه ويذود اعداه لا تخمد ناره ولا يحترز منه جاره ، ايها الملك من يبلو العرب يعرف فضلهم فاصطنع العرب فانها الجبال الرواسي عزا والبحور الزواخر طميا والنجوم الزواهر شرفا والحصى عددا فان تعرف لهم فضلهم يعزوك وان تصتصرخهم لا يخذلوك .
قال كسرى - وخشي ان يأتي منه كلام يأتي على السخط عليه - : حسبك ابلغت واحسنت .
ثم قال (1) ثم قام عامر بن الطفيل العامري الكلابي فقال كثر فنون المنطق ،
(1) العقد الفريد 1/172 .

(137)



وليس القول اغمى من حندس الظلماء وانما الفخر بالفعال والفخر بالنجدة والسؤدد مطاوعة القدرة وما اعلمك بقدرنا وابصرك بفضلنا وبالحري ان ادالت الايام وثابت الاحلام ان تحدث امور لها اعلام .
قال كسرى : وما تلك الاعلام ؟
تجتمع الاحياء من ربيعة ومضر على أمر يذكر .
قال كسرى : وما الامر الذي يذكر ؟
قال : ما لي علم باكثر مما خبرني به مخبر .
قال كسرى : متى تكهنت يا ابن الطفيل ؟
قال : لست بكاهن ولكني بالرمح طاعن .
قال كسرى : فان اتاك ات من قبل عينك العوراء فما أنت صانع ؟
قال : ما هيبتي في قفاي دون هيبتي في وجهي ، وما أذهب عيني عبث ولكن مطاوعة اللبث الى اخر القصة وذكر فيها ان كسرى اعترف لهم بالسيادة وكتب الى النعمان في التوصية بهم ، وان كل واحد منهم سيد يصلح لموضعه وقد علمت ان ثلاثة منهم من قبيلة ام البنين ورهطها الادنى وهم بنو كلاب .

استطراد الى ذكر فرسان بني عامر ومشاهير قوادهم على سبيل الاجمال :

ذكر ابن اثير الجزري في تاريخ الكامل في سياق حديث غزو بني عامر يوم رحرحان الذي اسر فيه معبد بن زرارة التميمي وذلك بسبب استجارة الحارث بن ظالم المري ببني تميم عقيب مقتل خالد بن جعفر الكلابي والقصة مطولة يقول فيها(1) :
فلما وصلوا مياه بني دارم رأوا امرأة تجني الكمأ ومعها جمل لها ، فاخذها
(1) الكامل في التاريخ 1/202 .
(138)



رجل من غني فتركها عنده فلما كان الليل نام فقامت الى جملها فركبته وسارت حتى صبحت بني دارم وقصدت سيدهم زرارة بن عدس واخبرته الخبر وقالت : اخذني امس قوم لا يريدون غيرك ولا اعرفهم .
قال : صفيهم لي .
قالت : رأيت رجلا قد سقط حاجباه فهو يرفعهما بخرقة صغير العينين وعن امره يصدرون .
قال : ذاك الاحوص سيد القوم .
قالت : ورأيت رجلا قليل المنطق اذا تكلم اجتمع الناس اليه كما تجتمع الابل حول فحلها احسن الناس وجها ومعه ابنان له يلازمانه .
قال : ذاك مالك بن جعفر وابناه عامر وطفيل .
قالت : ورأيت رجلا جسيما كان لحيته محمرة معصفرة .
قال : ذاك عوف ابن الاحوص .
قالت : ورأيت رجلا هلقاما جسيما .
قال : ذاك ربيعة بن عبد الله بن ابي بكر بن كلاب .
قالت : ورأيت رجلا اقرن الحاجبين كثير شعر السبلة يسيل لعابه على لحيته اذا تكلم .
قال : ذاك جندع ابن البكاء .
قالت : ورأيت رجلا صغير العينين ضيق الجبهة يقود فرسا ومعه جفير لا يفارق يده .
قال : ذاك ربيعة بن كعب بن عقيل .
(139)



قالت : ورايت رجلا معه ابنان اصهبان اذا اقبلا رماهما الناس بابصارهم فاذا ادبرا كانا كذلك .
قال : ذاك الصعق بن عمرو بن خويلد بن نفيل وابناه يزيد وزرعة .
قالت : ورأيت رجلا لا يقول كلمة الا وهي احد من شفرة .
قال : ذاك عبد الله بن جعدة بن كعب . . . الخ .
وقال الالوسي في بلوغ الارب (1) : افتخر رجلان بباب معاوية بن ابي سفيان احدهما من بني شيبان والاخر من بني عامر بن صعصعة فقال العامري : انا اعد لك عشرة من بني عامر فعد لي عشرة من بني شيبان .
فقال الشيباني : هات اذا شئت .
فقال العامري : خذ عامر بن مالك ملاعب الاسنة ، والطفيل بن مالك قائد هوازن وفارس قرزل ، ومعاوية بن مالك معوذ الحكام وربيعة بن مالك فارس ذي علق ، وعامر بن الطفيل وعلقمة بن علاثة وعتبة بن سنان ويزيد بن الصعق واربد بن قيس وهو اربد الحتوف .
فقال الشيباني : خذ قيس بن مسعود رهينة بكر بن وائل ، وهاني بن قيس امين النعمان بن المنذر ، وقبيصة بن مسعود وافد المنذر ، ومفروق بن عمرو حاضن الايتام ، وسنان بن مفروق ضامن الدمن ، والاصم عمرو بن قيس صاحب رؤوس بني تميم وعمران بن مرة وهو الذي اسر يزيد بن الصعق مرتين ، وعوف بن النعمان .
فقال : معاوية : عامر افخر هوازن وشيبان افخر بكر بن وائل ، الى اخر القصة وفيها طول .
(1) بلوغ الارب 1/283 .

(140)



وقال(1) في ذكر بيوت العرب المعظمة في الجاهلية ومن جملتها وفرعا ربيعة بن عامر بن صعصعة جعفر وابو بكر ابنا كلاب . . . الخ .
وقال ابن مقبل في شعره :

كلاب وكعب لا بيت أخـوهم ذليلا ولا تعيي عليه المسالك

فرسان بني كلاب وابطالهم ورؤسائهم الذين قادوا هوازن في الحروب وشهرت نكاياتهم في العرب ونحن ان اوردنا كل فرسان بني عامر يطول بنا المقام ويضيع الوقت ولكن نذكر فرسان بني كلاب في العصر الجاهلي الى القرن الاول الاسلامي ولا نذكر كلهم بل نذكر مقدار ما يستبين به اهمية هذه القبيلة وصحة اختيار مولانا امير المؤمنين (ع) لها على سائر نساء العرب . واذا عرفت فرسان رهطها الادنى لا يخفى عليك فرسان بقية قومها من بني عامر مثل بني نمير الذين هم جمرة العرب وبني قشير وبني عقيل وبني البكاء وامثال هؤلاء كعمرو ابن عامر فارس الضحيا وخداش بن زهير وغيرهما من الفرسان المضروب بهم المثل .
ولدت ام البنين الكبرى لمالك بن جعفر بن كلاب خمسة كل واحد منهم سيد من سادات قومه ورئيس من رؤسائهم وقائد من قوادهم وهم : ربيعة بن مالك وهو ربيعة المقترين وهو ابو لبيد الشاعر ، ومعاوية بن مالك بن جعفر وهو معوذ الحكام ، والطفيل بن مالك وهو فارس قرزل وهو ابو عامر بن الطفيل ، وعامر بن مالك وهو ملاعب الاسنة ، وسلمى بن مالك وهو نزال المضيق ، وفيها ضرب المثل فقالت العرب : انجب من ام البنين ، ذكره ابو هلال العسكري في جمهرة
(1) بلوغ الارب 2/190 .

(141)



الامثال على هامش الميداني(1) والميداني ايضا في مجمع الامثال(2) ، وهي ابنة عمرو بن عامر فارس الضحيا العامري وبهؤلاء الخمسة افتخر لبيد بن ربيعة في مجلس النعمان حيث يقول :

نحن بنو ام البنين الاربــــــــــعة

وجعلهم اربعة لضرورة الشعر اضطرته القافية الى ذلك .
ومن بني جعفر خالد بن جعفر مدرك الثار والاحوص بن جعفر قائد مضر يوم خزازي وقائد قومه يوم شعب جبلة وعامر بن الطفيل احد فرسان العرب المجمع على فروسيتهم في الجاهلية ولبيد الشاعر المشهور صاحب المعلقة احد فرسانهم واجوادهم جاهلية واسلاما واربد بن قيس وهو اربد الحتوف بطل مارد وهو اخو لبيد وجبار بن صخر بن سلمى فارسهم في الجاهلية والاسلام ويزيد بن الصعق الكلابي وعتبة بن جعفر وابنه عروة الرحال وعلقة بن علاثة الصحابي والضحاك بن سفيان الكلابي والمحلق ممدوح الاعشى وذو الجوشن الضبابي ابو الشمر وجواب وهو مالك بن كعب الكلابي وشتير بن خالد وابنه عتبة بن شتير وغيرهم ممن ستعرف اسمائهم .

1- ربيعة المقترين :

وهو ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب وهو فارس ذي العلق ووالد لبيد
(1) جمهرة الامثال على هامش مجمع الامثال 2/242 .
(2) مجمع الامثال 2/205 .

(142)



الشاعر المشهور الذي كان من سادات بني عامر جودا وشجاعة وقيادة قادهم في كثير من الحروب وقتلته بنو اسد .
قال ابن قتيبة الشعر والشعراء (1) في ترجمة لبيد ابنه : وكان يقال لابيه ربيعة المقترين وقتله بنو اسد في حرب . ويقال : قتله منفذ بن طريف الاسدي ويقال : قتله صامت بن الافقم من بني الصيداء يقال : ضربه خالد بن نضلة وتمم عليه هذا وادرك بثار ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب أخوه ، وذلك انه قتل قاتله . . . الخ .
وذكر قصة مقتله ابن الاثير الجزري في تاريخه الكامل(2) : يوم ذي علق وهو يوم التقى فيه بنو عامر ين صعصعة وبنو اسد بذي علق فاقتتلوا قتالا شديدا قتل في المعركة ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب العامري ابو لبيد الشاعر ، وانهزمت بنو عامر فتبعهم خالد بن نضلة الاسدي وابن حبيب والحرث بن خالد بن المضلل وامعنوا في الطلب فلم يشعروا الا وقد خرج عليهم ابو براء عامر بن مالك من وراء ظهورهم في نفر من اصحابه فقال لخالد : يا ابا معقب ، ان شئت اجزتنا و اجزناك حتى نحمل جرحانا وندفن قتلانا .
قال : قد فعلت ، فتوقفوا .
فقال له ابو براء : هل علمت ما فعل ربيعة ؟
قال : نعم تركته قتيلا .
قال : ومن قتله ؟
قال : ضربته انا واجهز عليه صامت بن الافقم .
فلما سمع ابو براء بقتل ربيعة حمل على خالد هو ومن معه فمانعهم خالد
(1) الشعر والشعراء : ص88 .
(2) الكانل في التاريخ 1/396 الطبعة الاولى .

(143)



وصاحباه واخذوا سلاح حبيب بن خالد ولحقهم فاخذوا سلاح اصحابهم وحموهم ، فقال الجميع :

سائل معدا عن الفــوارس لا أوفوا بجيرانهم ولا سلموا
يسعى بهم قـــرزل ويستمع الناس اليهم وتخفق اللمم
ركضا وقد غـادروا ربيعة في الاثار لنا تقارب النســم

قرزل فرس الطفيل والد عامر بن الطفيل .
وقال لبيد من قصيدة يذكر اباه :

ولا من ربيعة المقترين وريته بذي علق فاقني حيائك واصبري

2- معاوية بن مالك بن جعفر بن كلاب

وهو معوذ الحكام ضبطه الفيروز ابادي في القاموس ( معود ) بالدال المهملة ، والكل محتمل فيصلح ان يكون من عوده عادة وعوذه اذا اجاره من الخطل والخطأ ولكن فرق الامدي بين معوذ الحكام فجعله معاوية الجعفري وبين معود الفتيان - بالدال المهملة - فجعله ناجي الجرمي كلام الامدي احرى بالصواب من الفيروز ابادي .
ومعوذ الحكام سيد من سادات بني عامر ومن شعرائهم وابطالهم المشهورين وهو القائل - وذكره عبد الرحيم العباسي في معاهد التنصيص(1) - :

أجد القلب من سلمى اجتنابا وأقصر بعم ما شابت وشابا
وشاب لداته فعدلن عنــه كما انضيت من لبس ثيابـا
فإن يك نبلها طاشت ونـبلي فقد نرمي بها حقبا صيابـا

(1) معاهد التنصيص 1/288 .

(144)



فتصطاد الرجال اذا رمتهم واصطاد المخبأة العكابـا
وكنت اذا العظيمة افزعتهم نهضت ولا أدب لها دبابا
بحمد الله ثم عطاء قــوم يفكون الغنائم والرقابــا
اذا نزل السماء بارض قوم رعيناه وان كانوا غضابا
بكل مقلص عبل شــواه اذا وضعت اعنتهن سابـا

ولم يذكر البيت الذي لقب بسببه انه به سمي معوذ الحكام وهو قوله :

أعوذ مثلها الحكام مثلي اذا ما الامر في الاشياع نابا

ذكره في القاموس وغيره .
قال المرزباني في معجم الشعراء(1) : معوذ الحكام الجعفري اسمه معاوية بن مالك بن جعفر بن كلاب وهو عم لبيد الشاعر وسمي معود الحكام بييت قاله وهو القائل :

تفاخرني بكثرتها قريــط فيالك والد الحجل الصقور
بغاث الطير اكثرها فراخـا وأم الباز مقلات نــزور
فان اك في عدادكم قليــلا فاني في عدوكم كثيــر

وذكر بيتين من البائية .
وقال الامدي في المؤتلف والمختلف(2) : معوذ الحكام معاوية بن مالك بن جعفر بن كلاب وقيل له : معوذ الحكام لشيء كان جرى بين بني عقيل وبني قشير فاصلح بنهم وهو غلام حديث السن :

أعوذ بعدها الحكــام مثلي اذا ما الامر في الاشياع نابا

في ابيات كثيرة .
(1) معجم الشعراء : ص391 .
(2) المؤتلف والمختلف : ص188 .

(145)


3- الطفيل بن مالك بن جعفر بن كلاب فارس قرزل :

وهو ابو عامر بن الطفيل فارس العرب وكان الطفيل من فرسان بني عامر في الجاهلية ومن الرؤساء والاجواد والشعراء .
قال ابن قتيبة في ترجمة ابن عامر (1) : وابوه فارس قرزل ، وقال بعض الشعراء لعامر :

فانك يا عام بن فارس قرزل عن القصد اذ يممت ثهلان جائر

والطفيل واخوه ملاعب الاسنة اسرا معبد بن زرارة التميمي يوم رحرحان .
قال ابن عبد ربة في العقد الفريد(2) بعد ان ذكر هرب الحارث بن ظالم المري حين اغتال خالد بن جعفر الكلابي ونبت به الدار فلجأ الى معبد بن زرارة فأجاره فقالت بنو تميم لمعبد : مالك اويت هذا المشؤوم الانكد واغريت بنا الاسود ؟ وخذلوه غير بني معاوية وبني عبد الله بن دارم قال : وبلغ الاحوص بن جعفر بن كلاب مكان الحارث بن ظالم عند معبد زرارة فغزا معبدا فالتقو برحرحان فاهزمت بنو تميم واسر معبد بن زرارة واسره عامر والطفيل ابنا مالك بن جعفر بن كلاب فوفد لقيط بن زرارة في فدائه ، فقال لهما : لكما عندي مائتا بعير .
فقالا : يا ابا نهشل ، انت سيد الناس واخوك سيد مضر فلا نقبل فيه الا دية ملك فابى ان يزيدهم .
فقال معبد للقيط : لا تدعني يا لقيط فوالله ان تركتني لا تراني ابدا .
(1) الشعر والشعراء : ص18 .
(2) العقد الفريد3/313 .
(146)



فقال : صبرا يا ابا القعقاع فاين وصاة ابينا << لا تؤالكوا العرب انفسكم ولا تزيدوا بفدائكم على فداء رجل منكم فتذأب بكم ذؤبان العرب >> . ورحل لقيط فمنعوا معبدا الماء وضاروه حتى مات هزالا . ففي ذلك يقول عامر ابن الطفيل :

قضينا الحزن من عبس وكانت منية معبد فينــــا هزالا

وذكر في الاغاني في يوم شعب جبلة : اسر حسان بن الجون الكندي وكان اخوه قد اسره عوف بن الاحوص واطلقه فقتلته بنو عبس فغضب عوف وطلب منهم احياءه او يأتوه بملك مثله فخافوه فاستغاثوا بملاعب الاسنة فاحالهم على اخيه سلمى بن مالك فشفع لهم عند اخيه الطفيل والقصة تاتي في ترجمة عوف بن الاحوص فوهب لهم الطفيل اسيره حسان فدفعوه الى عوف فجز ناصيته واطلقه فسمته العرب الجزاز وقال فيها : ان الطفيل لما رأى القتال يوم جبلة قال : ويلكم ، أين نعم هؤلاء ، فاغار على نعم عمرو واخوته وهم من بني عبد الله بن عطفان ثم من بني الثرماء فاستاق الف بعير فلقيه عبيدة بن مالك فاعطاه مائة بعير ، وقال : كأني بك وقد لقيت ضبيان بن قرة بن خالد فقال لك : اعطاك من الف مائة فغضبت ، فلقي عبيدة ظبيان فقال ، فقال له : كم أعطاك ، فقال : مائة ، فقال : مائة من الف ، فغضب عبيدة . . . الخ .

4- سلمى نزال المضيق :

وهو سلمى بن مالك بن جعفر بن كلاب وهو والد جبار بن سلمى .
قال في الاصابة(1) في ترجمة ابن جبار وكان يقال لابيه نزال المضيق ، وضبطه سلمى - بالضم - ويقال سلمى - بالفتح - وذكر الميداني والعسكري في امثالهما ،
(1) الاصـــــابة 1/219 .
(147)



وانه نزال المضيق وعامة علماء النسب واكثر المؤرخين يقولون سلمى نزال المضيق الا ابن الاثير فانه ذكر ان اسمه عبيدة ويمكن الجمع بين القولين بان له اسمين احدهما عبيدة وثانيهما سلمى وهو به اذكر واشهر كما ان عبد الله ابن الصمة اخا دريد له ثلاثة اسماء وثلاثة كنى كما سنذكر ولولا اتفاق علماء النسب والتاريخ ان اولاد مالك بن جعفر خمسة لقلنا ان سلمى غير عبيدة قتل يوم ذي نجب .
قال ابن الاثير في تاريخه(1) : يوم ذي نجب ومن حديثه ان بني عامر لما اصابوا من تميم ما اصابوا يوم شعب جبلة رأوا ان يستأصلوهم فكاتبوا حسان بن كبشة الكندي وكان ملكا من ملوك كندة وهو حسان بن معاوية بن حجر فدعوه الى ان يغزو معهم بني حنظلة من تميم فاخبروه انهم قد قتلوا فرسانهم ورؤساءهم فاقبل معهم بصنائعه فلما اتى بني حنظلة الخبر بمسيرهم قال لهم عمرو بن عمرو : يا بني مالك ، انه لاطاقة لكم بهذا الملك وما معه من العدد فانتقلوا من مكانكم وكونوا في اعالي الوادي مما يلي مجيء القوم وكانت بني يربوع باسفله فتحولت بني مالك حتى نزلت خلف بني يربوع فلما رأوا ما يصنع بنو مالك استعدوا وتقدموا الى طريق الملك فلما كان وجه الصبح وصل ابن كبشة فيمن معه وقد استعد القوم فاقتتلوا قتالا شديدا فضرب جشيش بن نمران الرياحي ابن كبشة الملك على رأسه فصرعه فمات ، وقتل عبيدة بن مالك ابن جعفر وانهزم طفيل بن مالك على فرسه قرزل وقتل عمرو بن الاحوص بن جعفر وكان رئيس بني عامر وانهزمت بنو عامر وصنائع بنو كبشة . . . الخ .
(1) الكامل في التاريخ 1/217 .
(148)



وسماه ابن نباتة في شرح رسالة ابن زيدون ( نزار ) فتحصل له ثلاثة اسماء : سلمى وعبيد ة ونزار ويحمل ان يكون نزار تصحيف نزال فكثيرا ما يفعل النساخ ذلك فيقع في الخطأ بسببهم .
وفي معجم البلدان(1) وذكر ملخص القصة وقتل ابن كبشة الملك واسر يزيد ابن الصعق وغيرهم من وجوه عامر فقال سحيم بن وثيل الرياحي :

ونحن ضربنا هامة ابن خويلـد يزيد وضرجنا عبيدة بالــدم
بذي نجب اذ نحن دون حريمنا على كل جياش الاجاري مرجم

وسماه المرتضى عبيدة الوضاح(2). وفي الاغاني في قصة شعب جبلة : ان عبيدة تسرع يومئذ الى القتال فهناه اخواه عامر وطفيل ان يفعل حتى يرى مقاتلا فعصاهما وتقدم فطعنه رجل في كتفه حتى خرج السنان من فوق ثديه فاستمسك فيه السنان فاتى طفيلا وقال : دونك السنان فانزعه فابى ان يفعل غضبا فاتى عامر فلم ينزعه منه غضبا فاتى سالم بن مالك فانتزعه منه والقى جريحا مع النساء حتى فرغ القوم من القتال .

5- ابو براء ملاعب الاسنة :

واسمه عامر - على المشهور - وقيل عمرو بن مالك بن جعفر بن كلاب فارس العرب مجمع على فروسيته ادرك الاسلام واسلم على المشهور وقيل : لم يسلم . وهو الذي اجار اصحاب رسول الله (ص) فغدر بهم عامر بن الطفيل يوم بئر معونة فمات ابو براء كمدا وحزنا وينبغي ان تكون ترجمته اوسع مما ذكرناه
( 1) معجم ا لبلدان 8/356 .
(2) الامالي لسيد المرتضى 1/137 .
(149)



لكثرة اثاره واشتماله على سبب تسميته ملاعب الاسنة واخفار ابن اخيه ذمته وما يتعلق باسلامه وفروسيته وشرفه عند عرب الجاهلية .
قال العسقلاني في الاصابة : ابو براء المعروف بملاعب الاسنة ذكره خليفة والبغوي وابن البرقي والعسكري وابن قانع البارودي وابن شاهين وابن السكن في الصحابة ، وقال الدار قطني : له صحبة .
وروى ابن الاعرابي في معجمه من طريق مسعر ابن خرشم بن حسان عن عامر ابن مالك قال : بعثت الى رسول الله (ص) التمس منه دواء فبعث الي بعكة من عسل .
ورواه ابن مندة بهذا الوجه ثم ذكر له طرقا كثيرة وذكر ما ينافيها وذكر عقده لاصحاب رسول الله (ص) الذمام حتى اخرجهم فقتلوا في بئر معونة واشار الى القصة اشارة ولم يذكرها مفصلة .
ثم قال ذكر عمر بن شبة في الصحابة له باسناده عن مشيخة بني عامر قالوا : قدم على رسول الله (ص) خمسة وعشرون رجلا من بني جعفر ومن بني ابي بكر فيهم عامر بن مالك الجعفري فنظر اليهم فقال : قد استعملت عليكم هذا - واشار الى الضحاك بن سفيان الكلابي - وقال لعامر بن مالك : انت على بني جعفر . وقال للضحاك : استوص به خيرا .
فهذا يدل على انه وفد بعد ذلك مسلما .
واول من لقبه ملاعب الاسنة ضرار بن عمرو القيسي ولقبه الرويم وذلك في يوم السوبان ثم ذكره ما سنورده عن غيره .
قال ابن قتيبة في الشعراء(1) : ملاعب الاسنة هو عم لبيد وهو عامر بن مالك ،
( 1) الشعر والشعراء : ص90 .
(150)