الحاضرون وكانهم على رؤوسهم الطير اجلالا له وهيبة منه وقد اخذني من بين الجميع قزق كبير ورهب شديد لما سلف مني في حقه (ع) .

ارشاد وتنبيـــــــــــــه


ثم ان ابا الفضل العباس (ع) بدأ يحي اهل المجالس واحدا واحدا حتى اذا وصل الي قال لي : ماذا تقول انت يا فلان ؟
فكاد ان يرتج علي القول عندما واجهني بسؤاله هذا لولا ان تداركتني رحمة ربي فعزمت على ان ابوح بكل ما قلته بحقه دون زيادة ولا نقيصة وان اصارحه بما تصورته وتخيلته بالنسبة الي واليه فقصصت عليه ما جرى بيني وبينكم من حوار في حقه وذكرت له من الحديث والاستدلال حسب ما مضى معكم وانا في كل ذلك مستحي منه طالب عفوه واعذاره .
عندها التفت (ع) الي مبتسما وقال معذرا لا باس عليك ان ندمت وتبت تاب الله عليك ولكن كن على علم اني لست كما تصورته وتخيلته انت وذلك لاني قد تلقيت العمل من معينه ونميره واخذت الفضل من اصله ومعدنه فقد تلمذت على نفس رسول الله (ص) واديبه اعني ابي ووالدي الامام اميرالمؤمنين (ع) وتفقهت لديه ثم تلمذت من بعده وتفقهت على يد اخوي الاماممين الهمامين سيدي شباب اهل الجنة وريحانتي رسول الله (ص) الحسن والحسين (ع) وانا على اثر ما تلقيته من ائمتي وسادتي (ع) من المعارف الالهية والتعاليم الاسلامية كنت على يقين من ديني وبصيرة من امري .
بينما انت بعكس ذلك كله فقد اخذت انت ممن لا يقين له وصرت انت الاخر على اثره ايضا لا يقين لك تعول على الاصول والقواعد المعدة للجاهل
(301)

بالاحكام وتعمل بها عندما يعوزك الوصول الى الواقع وانا في غنى من ذلك كله لمعرفتي بواقع الاحكام من مصدر الوحي ومعدن النبوة والامامة .
اضف الى ذلك اني تأدبت وتهذبت على يدي ادباء الله ومن زكاهم الى الله وهذبهم وطهرهم من الرجس تطهيرا فصرت منهم مهذبا ومؤدبا احمل بين جوانبي من المحاسن والمكارم ما لو قسمته على جميعكم ما امكنكم حمل شيء منها ولا القيام بعبئها بينما انت بعكس ذلك كله اذ انك تحمل بين جوانبك من الصفات الرذيلة ما يبغضك الله تعالى عليها ومن غررور ورياء وجدال ومراء وغير ذلك ثم ضرب (ع) بيده الشريفة على فم الرجل وقال مؤكدا قم وتب الى الله تعالى وحاول ان تطهر نفسك مما يبغضه الله تعالى ويمقتك عليها .
قال الرجل : فانتبهت عندها من نومي فزعا مرعوبا نادما تائبا معترفا مذعنا واسرعت الى روضة ابي الفضل العباس (ع) ولذت بضريحه متوسلا به الى الله تعالى ليغفر لي ومشفعه الى الله تعالى في ليعفو عني ويرضى علي فاني لما قلت من النادمين وعلى ما صدر مني من التائبين المنيبين .

ايهما اكثر علما وفضلا


وهنا قصة ثانية تشبه القصة الانفة وتضاهيها وهي انه دار في مجلس فيه جماعة من اهل الفضل والعلم بحث حول انه ايهما اكثر فضلا وعلما ؟ هل هو ابو الفضل العباس (ع) او سلمان الفارسي الذي قال فيه رسول الله (ص) : << سلمان منا اهل البيت >> .
فاجاب احدهم : الظاهر ان اكثرهما علما وفضلا هو سلمان الفارسي ثم قال وذلك لان الامام امير المؤمنين (ع) لما قيل له حدثنا سلمان الفارسي
(302)

اجابهم قائلا : << ادرك سلمان العلم الاول والاخر وهو بحر لا ينزح وهو منا اهل البيت >> .
لكن سرعان ما رجع هذا القائل عن رأيه حيث انه لم تمض عليه الا مدة قليلة حتى عدل من كلامه وقوله ذلك .
فلما سألوه عن سبب عدوله ورجوعه قال : بعدما ابديت رأيي في افضلية سلملن الفارسي واعلميته رايت في منامي في تلك الليلة باني احضر مجلسا ضخما حافلا باهله وغاصا برواده ونظرت واذا بي ارى ابا الفضل العباس (ع) في غاية الجلال والبهاء جالسا في صدر المجلس ورأيت سلمان الفارسي قائما بين يديه يخدمه ويأتمر باوامره فلما وقع نظري عليه تذكرت ما جرى من الحديث حوله في اليقظة وما ابديته من رأيي فيه .
وبينا انا افكر في ذلك اذ بدرني سلمان الفارسي وهو يشير بيديه الي ويقول يا هذا لقد اشتبه الامر عليك اني بحر لا ينزح بالنسبة الى اترابي واقراني مثل ابي ذر وحذيفة وعمار وابن مسعود واما بالنسبة الى شبل الامام امير المؤمنين (ع) قمر بني هاشم ابي الفضل العباس (ع) فاني افتخر بان اكون خادما له وتلميذا صغيرا عنده لكي ارتشف من علمه واتزود من فضله وكماله .
(303)

الخصيصة التاسعة والثلاثون :


في انه (ع) كان عاملا بعلمه


ان العلم الذي عد في الروايات المروية عن رسول الله (ص) وعن اهل بيته الطاهرين (ع) انه فريضة على كل مسلم ومسلمة .
وانه يجب على كل فرد من المسلمين بنحو واجب العيني كالصلاة والصيام ان يتفرغ لطلبه ويتصدى لتحصيله .
وانه من اهمل معرفة هذا العلم كان كمن ترك الصلاة والصيام .
هو على ما يستفاد من الروايات الشريفة والاحاديث الكريمة مثل قول رسول الله (ص) : << انما العلم ثلاثة اية محكمة او فريضة عادلة او سنة قائمة وما خلاهن فهو فضل >> . ومثل قول الامام امير المؤمنين (ع) << ثلاث بهن يكمل المسلم التفقه في الدين والتقدير في المعيشة والصبر على النوائب >> ومثل قول الامام الصادق (ع) << وجدت علوم الناس كلها في اربع اولها ان تعرف ربك والثانية ان تعرف ما صنع بك والثالثة ان تعرف ما صنع بك والرابعة ان تعرف ما يخرجك من دينك >> ومثل قوله (ع) ايضا : << العلم اصل كل حال سني ومنتهى كل منزلة رفيعة لذلك قال النبي (ص) طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة اي علم التقوى واليقين >> هو العلم بثلاثة اشياء :
(304)

الاول مما يجب العلم به


1- العلم باصول الدين فانه يجب على كل مسلم ومسلمة الاعتقاد باصول الدين الخمسة عن دليل وبرهان وذلك بان يعلم بان الله واحد لا شريك له وانه عالم قادر مريد مدرك حي قيوم غني متكلم صادق سرمدي لا تاخذه سنة ولا نوم وانه عادل لا يظلم احد مثقال ذرة وانه ارسل الرسل لهداية البشر وانزل معهم الكتاب لارشاد الناس الى الحق اولهم ادم (ع) واخرهم النبي الخاتم (ص) وانه تعالى جعل لهم اوصياء ومعصومين وان اوصياء نبينا اثنا عشر وصيا اولهم الامام امير المؤمنين علي بن ابي طالب (ع) واخرهم المهدي المنتظر الذي يملأ الارض قسطا وعدلا بعد ان ملأت ظلما وجورا وانهم جميعا مع السيدة فاطمة الزهراء (ع) معصومون قد انزل الله «تعالى فيهم : انما يريد الله تعالى ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا» فيكون عدد المعصومين في امتنا المرحومة اربعة عشر معصوما وان الله اعد للحساب ومجازاة الناس يوم القيامة في الاخرة ليجزي المحسنين بالجنة والمسيئين بالنار وذلك كما قال تعالى : «كل نفس ذائقة الموت وانما توفون اجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وادخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا الا متاع الغرور » .
هذا ولا يخفى ان هذه الاصول الخمسة من التوحيد والعدل والنبوة والامامة والمعاد في يوم القيامة من الاصول الاعتقادية التي لا تقبل التقليد بل يجب فيها الاجتهاد وتحصيلها عن دليل وبرهان وعلم ويقين .
(305)

الثاني مما يجب بع العلم


2- العلم بفروع الدين فانه يجب على كل مسلم ومسلمة العلم باحكام فروع الدين العشرة من : الصلاة والصيام والخمس والزكاة والحج والجهاد والامر بالمعرف والنهي عن المنكر والتولي لاولياء الله والتبري من اعداء الله بل معرفة احكام الدين في كل ما يحتاجه الانسان في حياته من صغيرة وكبيرة وكلية وجزئية - ما عدا اصول الدين الخمسة - فان كل ما عدا الاصول الخمسة تعد فروعا للدين وعلى كل مسلم ومسلمة معرفة ما يبتلى بها من مسائل شرعية ويحتاج اليها من احكام دينية بالنسب الى الفروع .
هذا ولا يخفى بان الفروع يجوز التقليد فيها اي يجوز الرجوع فيها الى مرجع جامع للشرائط واخذ المسائل والاحكام منه ولا يجب الاجتهاد فيها وتحصيلها عن دليل وبرهان وعلم ويقين كما كان يجب ذلك في اصول الدين وهذا هو نوع تسامح من الله تبارك وتعالى للانسان لان فروع الدين كثيرة تحصيلها عن اجتهاد يستغرق كل وقت الانسان ولذلك اجاز فيه التقليد من مرجع جامع للشرائط .

الثالث مما يجب العلم به


3- العلم بالاخلاق والاداب الفردية والاجتماعية فانه يجب على كل مسلم ومسلمة العلم بالامور التالية :
اولا : العلم بكيفية تنسيق رابطته مع الله تعالى وكتابه ودينه ورسله واوليائه .
(306)

ثانيا : العلم بكيفية تنسيق رابطته مع نفسه وروحه وفكره وعقله وعواطفه وغرائزه وجوارحه واعضائه وسائر شؤونه الفردية .
ثالثا : العلم بكيفية معاشرته مع والديه وذويه واخوته واخواته وزوجته واولاده واصدقائه وشركائه واقرابائه وارحامه ومعلمه واستاذه وحاكمه وسلطانه وسائر افراد المجتمع سواء المجتمع الصغير وهو محيط الاسرة والعائلة ام المجتمع الكبير وهو محيط المحلة والبلدة والدولة والعالم .
رابعا : العلم بكيفية تعامله مع الاخرين في بيعه وشرائه وحرفته ومهنته وقبضه وبسطه وحله وترحاله وسفره وحضره والى غير ذلك من الامور التي يجمعها رابط العلاقات والروابط الفردية والاجتماعية ويعمها عامل العشرة والمعاشرات الخصوصية والعمومية .
هذا ولا يخفى ان هناك في مجال الاخلاق والاداب الفردية والاجتماعية روايات واحاديث كثيرة تدلنا على مكارم الاخلاق ومحاسن الاداب ما فيها لنا غنى عن غيرها ولعل من اجمعها واشملها هي ( رسالة الحقوق ) المروية عن الامام زين العابدين (ع) فانه يجب على كل مسلم بل على كل انسان حر مطالعة هذه الرسالة بدقة ومدارستها بهمة وعلقة ثم تطبيق ما جاء فيها تطبيقا حرفيا في كل شؤونه الفردية والاجتماعية وروابطه ومعاشراته الخصوصية والعمومية علما بان تطبيقها ضامن لسعادة الفرد والمجتمع ومتكفل للتقدم في الحياة الخاصة والعامة وعلينا ان نؤسس دورات تعليمية وحلقات تمرينية نعلم فيها ناشئتنا وشبابنا كيف يمارسون تعاليم هذه الرسالة المباركة ( رسالة الحقوق ) وندربهم فيها على انه كيف يطبقونها في حياتهم العملية تطبيقا حرفيا وذلك ان اردنا ان نستعيد عزنا وسعادتنا ونسترجع كياننا وسؤددنا انشاء الله تعالى .
(307)

ابو الفضل (ع) وهذه العلوم الثلاثة


سبق ان قلنا ان ابا الفضل العباس (ع) قد تخرج وهو متقن لهذه العلوم الثلاثة اصول الدين وفروع الدين والاخلاق والاداب وغيرها من العلوم الاسلامية والانسانية الاخرى من معهد رسول الله (ص) وجامعة الائمة من اهل بيته الطاهرين (ع) وعلى يدي ابيه الامام امير المؤمنين (ع) واخويه الامامين الهمامين الحسن والحسين (ع) فهو اذن عالم كامل وفقيه فاضل واستاذ بارع وعالم متضلع بامهات العلوم الاسلامية واصولها وجذور الاخلاق الانسانية وفروعها .
هذا من جهة العلم والفضل واما من جهة العمل والتطبيق الخارجي فقد كان ابو الفضل العباس (ع) من خصوصياته وامتيازاته انه كان يعمل بما يعلمه ويفقهه ويطبق في حياته الفردية والاجتماعية معارفه وثقافاته تطبيقا حرفيا دقيقا وبلا زيادة ولا نقصان .

العلم مقرون بالعمل


وانما كان ابو الفضل العباس (ع) عاملا بعلمه مطبقا لمعارفه في الخارج لانه كان قد تعلم ايضا من اساتذته الميامين وائمته المعصومين (ع) ان << العلم مقرون الى العمل ، من علم عمل ، ومن معل علم ، والعلم يهتف بالعمل فان اجابه والا ارتحل عنه >> .
وتعلم ايضا ان : << العالم بلا عمل كالشجرة بلا ثمر >> .
وتعلم ايضا ان : << العلم يهتف بالعمل فان اجابه والا ارتحل عنه >> .
(308)

وتعلم ايضا انه :<< مكتوب في الانجيل : لا تطلبوا علم ما لا تعلمون ولما تعملوا بما علمتم فان العلم اذا لم يعمل به لم يزدد صاحبه الا كفرا ولم يزدد من الله الا بعدا >> .
وتعلم ايضا ان :<< العلماء رجلان رجل عالم اخذ بعلمه فهذا ناج وعالم تارك لعلمه فهذا هالك وان اهل النار ليتأذون من ريح العالبم التارك لعلمه وان اشد اهل النار ندامة وحسرة رجل دعا عبدا الى الله فاستجاب له وقبل منه فاطاع الله فادخله الله الجنة وادخل الداعي النار بتركه علمه واتباعه الهوى وطول الامل اما اتباع الهوى فيصد عن الحق وطول الامل ينسي الاخرة >> .
وسمع ايضا اباه الامام امير المؤمنين (ع) وهو يخطب في الناس على منبر الكوفة ويقول :<< ايها الناس اذا علمتم فاعملوا بما علمتم لعلكم تهتدون ان العالم بغيره كالجاهل الحائر الذي لا يستفيق عن جهله بل قد رأيت ان الحجة عليه اعظم والحسرة ادوم على هذا المنسلخ من علمه منها على هذا الجاهل المتحير في جهله وكلاهما حائر بائر لا ترتابوا فتشكوا ولا تشكوا فتكفورا ولا ترخصوا لانفسكم فتدهنوا ولا تدهنوا في الحق فتخسروا وان من الحق ان تفقهوا ومن الفقه ان لا تغتروا وان انصحكم لنفسه اطوعكم لربه واغشكم لنفسه اعصاكم لربه ومن يطع الله يأمن ويستبشر ومن يعص الله يخب ويندم >> .
وعرف ايضا انه :<< لا يقبل الله عملا الا بمعرفة ولا معرفة الا بعمل فمن عرف دلته المعرفة على العمل ومن لم يعمل فلا معرفة له الا ان الايمان بعضه من بعض >> .
وعرف ايضا انه : << من عمل بما علم كفي ما لم يعلم >> .
وعرف ايضا ما اخبر ابن عيسى (ع) حيث قال : << رأيت حجرا مكتوبا عليه قلبني فقلبته فاذا على باطنه : من لا يعمل بما يعلم مشوم عليه طلب ما لا يعلم
(309)

ومردود عليه ما علم >> .
وعرف ايضا ما قاله (ع) : << من علم وعمل فذاك يدعى عظيما في ملكوت السماء >> .
وعلم ما الله تبارك وتعالى الى داود (ع) حيث قال له :<< ان اهون ما انا صانع بعالم غير عامل بعلمه اشد من سبعين عقوبة ان اخرج من قلبه حلاوة ذكري . . . والعامل حقا هو الذي ينطق عنه اعماله الصالحة واوراده الزاكية وصدقه وتقواه لا لسانه وتصاوله ودعواه . . . >> .
وعمل ايضا ان العلم وديعة الله في ارضه والعلماء امناؤه عليه فمن عمل بعلمه ادى امانته ومن لم يعمل بعلمه كتب في ديوان الخائنين >> .
وتعلم ايضا ما اوصى به ابوه الامام امير المؤمنين (ع) من قوله : << لا تجعلوا علمكم جهلا ويقينكم شكا واذا علمتم فاعملوا واذا تيقنتم فاقدموا >> .
وعلم ايضا بان : << اشد الناس عذابا عالم لا ينتفع من علمه بشيء >> .
وعلم ايضا بان : << العلم الذي لا يعمل به كالكنز الذي لا ينفق منه اتعب صاحبه نفسه في جمعه ولم يصل الى نفعه >> .
وعلم ايضا بان :<< بان مثل الذي يعلم الخير ولا يعمل به مثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه >> .
وعرف ايضا انه :<< ما ازداد العبد علما فازداد في الدنيا رغبة الا ازداد من الله بعدا >> .
وعرف ايضا ان : << كل علم وبال على صاحبه الا من عمل به >> وعرف ايضا ان :<< اشقى الناس من هو معروف عند الناس بعلمه مجهول بعمله >> .
(310)

العباس (ع) السباق في ميدان العمل والتطبيق


وعليه فابو الفض العباس (ع) كان من حسن تعلمه وجميل تفقهه وفضل تأدبه ومن المامه بالروايات الكريمة ومعرفته بالاحاديث الشريفة هو السباق في ميدان العمل بما تعلمه والمقدام في ساحة التطبيق الخارجي لما تفقه فيه وادل دليل على ذلك كونه (ع) مع الصادقين الذين امر الله تعالى بالكون معهم فكان (ع) ما عرفت مع ابيه الامام امير المؤمنين (ع) ثم مع اخيه الامام الحسن المجتبى (ع) ثم مع اخيه الامام الحسين (ع) وبقاؤه معه حتى اخر لحظة من حياته متحديا كل الوعود والمغريات من عرض الامان وتقديم الامارات والمناصب وغير ذلك والوقوف الى جانبه حتى اخر قطرة من دمه معلنا عن نصرته له والحماية عنه حتى اريق دمه في سبيل الله ونصرة دينه وكتابه وحماية رسوله (ص) وامامه (ع) وسقط شهيدا مظلوما بين يدي اخيه وامامه الامام الحسين (ع) ونال بذلك شرف الدنيا وفاز بسعادة الاخرة والجنة .
هذا مع ان ابا الفضل العباس (ع) كان يحمل بين جوانبه كل مؤهلات الرئاسة وكان يضم بين جوانحه جميع معدات العامة والقيادة من : جمال وكمال وعلم وحلم وحسب ونسب وعز وشرف وفصاحة وبلاغة وجود وكرم وشجاعة وشهامة وبالتالي كان فيه كل مستلزمات القائد الحكيم والزعيم المجرب والرئيس المحبوب المقدام فكان باستطاعته ان يطرح نفسه رأسا ويدعوا الناس الى ذلك ويكون رئيسا وزعيما في قومه كما فعل من هو اقل منه بكثير بل من هو بالنسبة اليه كالقطرة مقابل البحر والرشفة امام اليم والذرة لدى المجرة والهباء عند الكون العظيم اعني به عبد الله بن الزبير الذي نصب نفسه علما ودعى الناس الى نفسه وكان من امره ما كان .
(311)

نموذج من التطبيق العملي لابي الفضل العباس (ع)


نعم كان باستطاعة ابي الفضل العباس (ع) لولا التزامه بان يعمل بما علمه ويطبق ما عرفه تطبيقا حرفيا دقيقا ان يطرح نفسه رأسا ويدعو الناس الى نفسه كما فعل ابن الزبير وكان حينئذ نسبة موفقيته في ذلك بالنسبة الى موفقية ابن الزبير اكثر بكثير وهو واضح لا غبار عليه .
ولكنه (ع) لم يفعل ذلك ولم ينصب نفسه علما للناس ولم يدع الناس الى نفسه .
كما انه لم يتخذ موقف الحياد من امامه الامام الحسين (ع) ولم ينعزل عن الساحة وعن مجتمعه ولم يترك الامر على عواهنه دون ان يقوم بما يجب عليه (ع) تجاه ربه ودينه وقبال كتاب الله ورسوله (ع) وازاء اخيه وامامه الامام الحسين (ع) .
بل انه (ع) حدد موقفه في الحياة حسب ما املاه عليه دينه وعقيدته وما اوجبه عليه علمه ومعرفته وقام بما يجب عليه بكل اخلاص وتسليم وادى ما فرض عليه بامانة ونصيحة فعاضد اخاه الامام الحسين (ع) في كل موقف ومشهد ودافع عنه بكل قوة وقدرة وكان معه ناصرا ومعينا وله وليا وحميما وعليه حدبا وحانيا وبه شفيفا ورفيقا حتى نال وسام الشهادة بين يديه (ع) وفاز بسعادة الدنيا والاخرة .
وبذلك علمنا (ع) كيف نكون مع الصادقين وكيف نضم اصواتنا الى اصواتهم وهممنا الى هممهم حتى ينتصر الحق ويندحر الباطل يعلوا الاسلام والمذهب الحق مذهب اهل البيت (ع) على ما سواه ويغطي ربوع الارض
(312)

بظلاله ويسعد الناس باحكامه وتعاليمه علما بان الصادقين على ما في مجمع البيان عن جابر الانصاري عن ابي جعفر (ع) هم ال محمد صلوات الله وسلامه عليه وعليهم اجمعين فال محمد (ص) والذين عينهم ال محمد في حياتهم ومن بعدهم مرجعا يرجع الناس اليهم في دينهم ودنياهم وهم اليوم الفقهاء والمراجع هم الذين امرنا الله تعالى بان نكون معهم ولا نتفرق عنهم حق يتحقق الاسلام يعلو ولا يعلى عليه وذلك لان يد الله مع الجماعة وان نصر الله معقود على نواصي الذين اخلصوا لله واتحدوا في الله ونصحوا لعباد الله لا على نواصي الذين تفرقوا وتشتتوا وتخاذلوا وتحاقدوا ونصبوا انفسهم علما ورأسا ودعوا الناس الى انفسهم وصاروا بذلك رؤوسا كمزرعة البصل كلها رؤوس يقتلعها الزراع في الدنيا بسهولة ويدخرها الملائكة في الاخرة لشجرة الزقوم التي طلعها كأنه رؤوس الشياطين بمرونة فانهم بذلك لم ينالوا ما املوا ولم يبلغوا ما راموا وسوف يحاسبهم التاريخ في المستقبل حسابا عسيرا مخزيا ويعاقبهم الله في القيامة عقابا شديدا مهينا .

اوسمة ابي الفضل (ع) على عمله بعلمه


اجل لقد امتاز ابو الفضل العباس (ع) من بين اقرانه واصحابه في مجال العمل بعلمه وميدان التطبيق الحرفي لمعارفه بالسبق عليهم جميعا والتقدم من بينهم قاطبة حتى فازت عند الله باعلى الدرجات وحصل من رسول الله (ص) وابنته فاطمة الزهراء (ع) والائمة من اهل بيته (ع) على ارفع الاوسمة واعظم النياشين .
ونحن نشير الى ما تيسر لنا منها باختصار انشاء الله تعالى حتى يكون
(313)

نبراسا لنا نستظيء بنوره وقدوة لنا نتعلم من هديه كيف نكون مثله (ع) عاملين بعلمنا مطبقين لمعتقداتنا محققين في الخارج لمعارفنا وثقافاتنا .
علما بان ابا الفضل العباس (ع) لم يكن نبيا ولا وصيا ومع ذلك نراه قد جاز على ارقى مدارج العلم المقرون بالعمل عملا عينيا خارجيا لما علمه وفاز على اعلى مراقي المعرفة المحفوفة بالتطبيق العملي تطبيقا حرفيا دقيقا لما اعتقده وعرفه ونال سبب ذلك المقام الرفيع عند الله تبارك وتعالى والمنزلة السامية لدى رسول الله (ص) وابنته الصديقة فاطمة الزهراء (ع) والائمة من اهل بيته الطاهرين (ع) .
وعليه فيكون ابو الفضل العباس (ع) بذلك حجة بالغة علينا لانستطيع ان نقول بعدها كبف لنا الحصول على المقام الرفيع والمنزلة السامية عند الله ورسوله (ص) مع انا لسنا بانبياء ولا باوصياء انبياء فان ابا الفضل العباس (ع) مع انه لم يكن نبينا ولا بوصي نبي قد نال ما ناله من العظمة والزلفى عند الله ورسوله وعند اهل بيت رسوله (ص) بسبب عمله بعلمه عملا دقيقا من غير زيادة ولا نقصان ولا اجتهاد منه مقابل النص ولا تحوير او تحريف للواقعيات العقائدية او تمويه او تشويه للحقائق العلمية كما فعل ذلك عمر بن سعد وامثاله حيث حرف كل الحقائق وشكك فيها للوصول الى ولاية الري ولم يصل اليها ولم يتهنأ بها .
بل عمل بها ابو الفضل العباس (ع) بكل امانة وصداقة واذعان وتسليم .
واليك بعض تلك الاوسمة والنياشين والمقامات الرفيعة والمنازل السامية له (ع) عند الله ورسوله واهل بيته (ع) في الخصيصة الاخيرة من هذا الكتاب وهي الخصيصة الاربعون من خصائص ابي الفضل العباس (ع) انشاء الله تعالى.
(314)

الخصيصة الاربعون


في انه (ع) الوجيه عند الله ورسوله والائمة الطاهرين


لقد استطاع ابو الفضل العباس (ع) عبر ايمانه الراسخ وعقيدته الصلبة ونفسيته الطيبة واخلاقه الكريمة وبتطبيق معارفه الربانية في الخارج تطبيقا حرفيا دقيقا وتحقيق ثقافته الاسلامية في حياته العلمية تحقيقا وافيا واضحا ان يحلق في مقام القرب والوجاهة الى الله تعالى ويعلو في درجات الفضل والجلال عند رسول الله (ص) وابنته فاطمة الزهراء (ع) والائمة الطاهرين من اهل بيت رسول الله صلوات الله وسلامه عليهم اجمعين وذلك بما لم يستطع احد ليس هو بنبي ولا بوصي نبي ان يصل الى ما وصل اليه ابو الفضل العباس (ع) من الوجاهة عند الله تبارك وتعالى وعند رسوله الحبيب وابنته الوفية واهل بيته الطاهرين ونحن نذكر شيئا منها ونستعرض نماذج عليها بعون الله تعالى وقوته وحوله وطوله .

العباس (ع) ومنزلته عند الله


قال االه تعالى : «ولو انا كتبنا عليهم ان اقتلوا انفسكم او اخرجوا من دياركم ما فعلوه الا قليلا منهم ولو انهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم واشد تثبيتا واذا لاتيناهم من لدنا اجرا عظيما ولهديناهم صراطا مستقيما ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين انعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا ذلك فضل من الله وكفى بالله عليما »
(315)

ومن اجلى مصاديق هذه الايات الكريمة هو سبط رسول الله (ص) الشهيد بكربلاء الامام الحسين (ع) واخوه ابو الفضل العباس (ع) فقلد كتب الله تعالى على سبط رسوله الحبيب ووصى وصيه الكريم الامام الحسين (ع) الهجرة والقتال والخروج على يزيد عدو الله وعدو رسوله وابلغ ما كتبه عليه عبر امين وحيه جبرائيل وبواسطة حبيبه الرسول المصطفى (ص) اليه فامتثل الامام الحسين (ع) امر ربه وخرج فلم يخرج معه ولم يقاتل بين يديه (ع) الا القليل وكان في مقدمة هذا القليل ابو الفضل العباس (ع) وحيث انه (ع) فعل ما وعظ به وعمل بما علم كان خيرا له واشد تثبيتا ونال من الله اجرا عظيما وهدي سراطا مستقيما وحشر كما في زيارته (ع) ايضا المأثورة عن الامام الصادق (ع) على اثر طاعته لله ولرسوله ولامامه مع الذين انعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا فصدق في حقه (ع) وتحقق عليه قوله تعالى : «ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما »فطوبى لابي الفضل العباس (ع) مقامه الرفيع عند الله تبارك وتعالى وهنيئا له على منزلته السامية لديه .

مشاهد العباس (ع) الاربعة


كان هذا شيئا قليلا من جزاء الله عز وجل لابي الفضل العباس (ع) ونزرا يسيرا من ثواب الله تبارك وتعالى له في الاخرة واما جزاؤه تعالى له واجره اياه في الدنيا فحدث ولا حرج فتلك روضته المباركة وقبته السامية ملاذا للائذين وامنا للاجئين ومقصدا للزائرين ومحطا للوافدين وتلك كراماته الباهرة وعناياته الخاصة ظاهرة منها للناس اجمعين .
(316)

اضف الى ذلك مزاراته الثلاثة ومشاهده المباركة الاخرى فانها ايضا كروضته المباركة مقصدا ومزارا للناس وملاذا ومعاذا لهم علما بان تلك المزارات الثلاثة والمشاهد المباركة الاخرى هي عبارة عما يلي :

المشــــــــــهد الاول


1- مشهد الرأس الشريف : جاء في كتب المقاتل ان عمر بن سعد امر جيشه بعد ان قتلوا ابن بنت رسولهم (ص) ومن كان معهم من اهل بيته واصحابه (ع) بان يحتزوا رؤوسهم ويحملوها مع السبايا الى اين زياد ومنها الى يزيد بن معاوية .
وكذلك فعلوا فكانت للرؤوس الطاهرة في كل مكان وخاصة في الشام معجزات باهرة وكرامات ظاهرة افتضح على اثرها الامويون وخزي من جرائها يزيد وابن زياد مما ادى بيزيد ان يسلم الرؤوس الشريفة كلها الى الامام زين العابدين (ع) حتى يلحقها بالابدان الطاهرة ويدفنها معها وهذا هو المعروف والمشهور فان الامام السجاد (ع) رد الرؤوس الكريمة كلها الى كربلاء والحقها بالابدان الطاهرة ودفنها معها .
غير ان هناك بدمشق السام وفي المقبرة المعروفة باسم : << مقبرة باب الصغير >> مشهد كان قد وضع على بابه وذلك اوائل القرن الرابع عشر الهجري صخرة منحوت عليها : << هذا مدفن رأس العباس بن علي (ع) . . . >> وفي اواسط القرن الرابع عشر الهجري انهدم هذا المشهد فاعيد بناؤه وازيلت تلك الصخرة من على بابه وبني ضريح داخل المشهد ونقش عليه اسماء كبيرة لشهداء كربلاء .
هذا ما جاء في التاريخ وتعرض له كتاب اعيان الشيعة الا ان الظاهر القوي والقريب غير البعيد هو : ان هذا المشهد محل صلب تلك الرؤوس الكريمة لا محل دفنها .
(317)

المشهد الثــــــــــــاني


2- مشهد الكف اليمنى : لقد قطعت يدا ابي الفضل العباس (ع) في كربلاء غدرا وغيلة فان العدو الجبان لما لم يتجرأ على مواجهة ابي الفضل العباس (ع) يوم عاشوراء ومقاتلته وجها لوجه كمن له وراء نخلة وضربه على يده اليمنى فبترها من الزند فاتخذ محل سقوطها بعد ذلك مشهدا ومزارا ويقع مقام هذا المشهد ( مشهد الكف اليمنى ) في جهة الشمال الشرقي من الروضة المباركة وذلك على حد محلة باب بغداد ومحلة باب الخان قريبا من باب الصحن الشريف الواقع في الجهة الشرقية وعلى جدار المقام شباك صغير نقش في اعلاه بيتان من الرثاء باللغة الفارسية .

المشهد الثالـــــــث


3- مشهد الكف اليسرى : وهي ايضا اليد الاخرى التي قطعت في كربلاء غدرا وغيلة وذلك في كمين اخر كمن له شقي اخر من وراء نخلة وضربه على يده اليسرى فقطعها من الزند ايضا فاتخذ ذلك الموضع بعدها مشهدا ومزارا ايضا ويقع هذا المشهد ( مشهد الكف اليسرى ) في جهة الجنوب الشرقي من الروضة المباركة وذلك في السوق الصغير المعروف بسوق باب العباس الصغير قريبا من باب العباس الصغير من الصحن الشريف الواقع في الجنوب الشرقي وعلى جدار المقام شباك صغير كتب في اعلاه بالقاشاني الرثاء التالي :

سل اذا ما شئت واسمع واعلم ثم خذ مني جواب المفهم
ان في هذا المقام انقطعت يسرة العباس بحر الكرم

(318)

ها هنا يا صاح طاحت بعدما طاحت اليمنى بجنب العلقمي
اجر دمع العين وابكيه اسا حق ان يبكى بدمع من دم


هذه المشاهد الثلاثة بالاضافة الى مشهد روضته المباركة ومحل مرقده الشريف اربعة مشاهد ومزارات يؤمها الناس في حوائجهم ومهماتهم هي من امتيازات ابي الفضل العباس (ع) ومن خصائصه التي خصه الله بها اكراما له على عمله بعلمه ومعرفته وتقديرا له على تطبيقه لمعتقداته وثقافاته في الخارج تطبيقا حرفيا دقيقا فهنيئا لابي الفضل العباس (ع) ما ناله من عزة وكرامة ومباركا عليه ما منحه الله تعالى من مقام ومنزلة ومن جاه عريض وشرف رفيع وعز منيع وشفاعة مقبولة ووساطة مرضية محمودة .

منزلة العباس (ع) عند رسول الله (ص)


لا شك في ان جبرائيل (ع) لما اخبر رسول الله (ص) من الله تبارك وتعالى بشهادة سبطه الاصغر وريحانته في الدنيا الامام الحسين (ع) وما يجري عليه اخبره ايضا عن شهادة من يستشهد معه وخاصة عن شهادة اخيه وصنوه وحاميه والمدافع عنه والذي ابلى في نصرته بلاءا حسنا وفداه بروحه ودمه ابي الفضل العباس (ع) .
ولا شك في ان اطلاع رسول الله (ص) عن مواساة ابي الفضل العباس (ع) اخاه وامامه الامام الحسين (ع) وتعرفه على ايثاره له علما بان هذه المواساة وهذا الايثار منه (ع) هو نتيجة عمله بعلمه وتطبيقه لمعرفته ومعتقده بامامه (ع) فان ذلك جعل لابي الفضل العباس (ع) عند جده رسول الله (ص) مكانة مرموقة ومنزلة محمودة مما دعى رسول الله (ص) الى التصريح بفضل ابي الفضل
(319)

العباس (ع) وكرامته والتلويح بمقامه ومنزلته عند الله وعند رسوله (ص) كما صرح بذلك في حق سبطه وريحانته الامام الحسين (ع) ومن قبله في حق سبطه الاكبر وريحانته المجتبى الامام الحسن (ع) ولكن لم يصلنا شيء من تصريحاته (ص) في حق ابي الفضل العباس (ع) وللاسف كما وصلنا والحمد لله بعض تصريحاته (ص) في حق الامامين الهمامين الحسن والحسين (ع) .
ويدل على ذلك ما جاء في كتاب الخصال للشيخ الصدوق باب الاثنين الحديث الواحد بعد المائة فانه ( رحمه الله ) بعد ان يروي فيه عن الامام زين العابدين (ع) في حق عمه العباس بن علي (ع) الرواية المعروفة ويذكر فيها ان الله ابدله مكان يديه المقطوعتين جناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنة كما جعل لجعفر بن ابي طالب (ع) يقول ما نصه : والحديث طويل اخذنا منه موضع الحاجة ثم يضيف : وقد اخرجته بتمامه مع ما رويته في فضائل العباس بن علي (ع) في كتاب : << مقتل الحسين بن علي (ع) >> انتهى كلامه رفع الله مقامه فانه كما لم يصلنا كتاب مقتل الشيخ الصدوق فكذلك لم يصلنا ما جاء فيه وما جاء في غيره من الكتب الاخرى من فضائل ابي الفضل العباس (ع) التي ربما نقلت في حقه عن الرسول الكريم (ع) .

العباس(ع) في طليعة العلماء العاملين


هذا ولكن يمكن ان يدعي ان رسول الله (ص) كان قد عنى ابا الفضل العباس (ع) ايضا في روايته المروية عنه في مدح العلماء الابرار العاملين بعملهم والمطبقين لما عرفوه واعتقدوه من الحق في الخارج تطبيقا عمليا دقيقا وذلك لان ابا الفضل العباس (ع)هو في طليعة العلماء العاملين فيشمله مثل
(320)

قوله (ص) : << فقيه واحد اشد على ابليس من الف عابد >> مثل قوله (ص): << المتقون سادة والفقهاء قادة والجلوس اليه عبادة >> ومثل قوله (ص) : << من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين >> ومثل قوله (ص) : << نعم الرجل الفقيه في الدين ان احتيج اليه نفع وان لم يحتج اليه نفع نفسه >> ومثل قوله (ص) : << الفقهاء امناء الرسل >> .ومثل قوله (ص) : << ان علماء شيعتنا يحشرون فيخلع عليهم من خلع الكرامات على قدر :
1- كثرة علومهم .
2- جدهم في ارشاد عباد الله حتى يخلع على الواحد منهم الف الف حلة من نور . . . >>
ومثل قوله (ص) : << علماء امتي كانبياء بني اسرائيل >> . وفي رواية اخرى :<< افضل من انبياء بني اسرائيل >> ومثل قوله (ص) : << ان مثل العلماء في الارض كمثل النجوم في السماء يهتدى يها في ظلمات البر والبحر >> . ومثل قوله (ص) : << . . . وان خير الخير خيار العلماء >> ومثل قوله (ص) : << ان فضل العالم العابد كفضل الشمس على الكواكب >> ومثل قوله (ص) : << الا احدثكم عن اقوام ليسوا بانبياء ولا شهداء يغبطهم يوم القيامة الانبياء والشهداء بمنازلهم من الله تعالى على منابر من نور فقيل من هم يا رسول الله ؟ قال : هم الذين يحبون عباد الله الى الله ويحبون عباد الله الي ، قال :يأمرونهم بما يحب الله وينهونهم عما يكره الله فاذا اطاعوهم احبهم الله >> .
فكيف بابي الفضل العباس (ع) فانه اضافة الى كونه من طلايع هؤلاء العلماء العاملين هو في مقدمة الشهداء السعداء ايضا .

اشفع لمن شئت


وهنا يمكن الاستدلال ايضا على علو مقام ابي الفضل العباس (ع) عند رسول الله (ص) ورفيع منزلته لديه ما جاء في كتاب معالي السبطين من قول
(321)

رسول الله (ص) له : << ارجع اقر الله عينك فانت باب الحوائج واشفع لمن شئت >> وهذا الكلام من رسول الله (ص) لابي الفضل العباس (ع) على ما في الكتاب المذكور يكون كما يلي :
قال صاحب كتاب معالي السبطين : سمعت بعض من يعتمد عليه من الاساتيذ يقول كان رجل من اهل الخير والصلاح يسكن كربلاء المقدسة ويقطن في ارضها المباركة وكان له ولد صالح قد مرض فجاء به بعد ان اعيى الاطباء علاجه ويئسوا منه الى روضة ابي الفضل العباس (ع) وتوسل به الى الله تعالى وشفعه في طلب شفاء ابنه من الله عز وجل بات ليلته عند مرقده الشريف لائذا بضريحه المنيف وعائذا به وفي الصباح اقبل اليه احد اخلائه واصدقائه ليقول له : اني رأيت البارحة رؤيا اريد ان اقصها عليك وهي اني رأيت في المنام كأن ابي الفضل العباس (ع) قد شفع الى الله تعالى في ولدك وطلب منه شفاء ابنك وسال له العافية عندها اقبل اليه ملك من الملائكة رسولا من عند رسول الله (ص) ليقول له : يا ابا الفضل ان رسول الله (ص) يخصك بالسلام ويقول لك لا تشفع في شفاء هذا الشاب فانه قد بلغ الكتاب اجله وقد انقطعت مدته وتصرمت ايامه .
فقال ابو الفضل العباس (ع) لذلك الملك : ابلغ رسول الله (ص) عني السلام وقل له : اني استشفع بك الى الله واطلب منه بحقك شفاءه .
فمضى اليه ذلك الملك ثم عاد اليه فقال له مثل كلامه الاول فاجابه ابو الفضل العباس (ع) ايضا بمثل جوابه الاول .
تكررت هذه العملية ثلاث مرات وفي المرة الرابعة لما جاء الملك واعاد الكلام قام ابو الفضل العباس (ع) من مجلسه وقصد رسول الله (ص) بنفسه حتى اذا دخل على رسول الله (ص) وذلك بعد ان استأذنه بالدخول عليه اقبل عليه وقال له بعد التحية والسلام : يا رسول الله صلى عليك مليك الارض والسماء
(322)

اوليس من الصحيح بان الله تعالى قد منحني وسام باب الحوائج وسماني به والناس قد علموا بذلك فقصدوني واموني وهم يستشفعون ويتوسلون بي الى الله عز وجل فان لم يكن كذلك فليسلب الله سبحانه وتعالى هذا الاسم مني وليسحب هذا الوسام عني .
وهنا التفت اليه رسول الله (ص) مصدقا له والابتسامة على شفتيه رضا به وقبولا منه وقال له : << راجع اقر الله عينك فانت باب الحوائج واشفع لمن شئت وهذا الشاب المريض قد شفاه الله ببركتك >> .
وكان كما قص الرجل رؤياه حيث ان ذلك الشاب المريض قام من مرضه وشوفي من علته وعاش ما عاش بعدها بصحة وسلامة وعافية وكرامة كل ذلك ببركة شفاعة ابي الفضل العباس (ع) ووساطته عند الله عز وجل .
ومن ذلك ظهر ان الرؤيا كانت من المنامات الصادقة والاحلام الطيبة التي اخبرت الروايات الكريمة عنها قائلة : << بان رؤيا المؤمن جزءا من سبعين جزء من النبوة >> كناية عن صدقها وتحققها في الخارج .

الامام امير المؤمنين (ع) ومنزلة العباس (ع) عنده


جاء في كتاب ( قمر بني هاشم ) : ان ام البنين (ع) رأت امير المؤمنين (ع) في بعض الايام قد اجلس ولده ابا الفضل العباس (ع) وهو صغير في حضنه وشمر عن ساعديه وكفيه الصغيرتين واخذ يقبلهما ويبكي فادهشها الحال وتعجبت من هذا الامر فاقبلت على الامام امير المؤمنين (ع) تسأله مندهشة وتقول : << لا ابكى الله عينك يا امير المؤمنين وهل في ساعدي ولدي وكفيه ما يستدعي التأثر البكاء ؟
(323)

فاوقفها الامام امير المؤمنين (ع) على ما لهذا الطفل من شأن كبير عند الله ومنزلة رفيعة لديه على ما سيقوم به من نصرة اخيه وامامه الامام الحسين (ع) في يوم عاشوراء والذب عنه حتى تقطع كلتا يديه في نصرته .
فلم تتمالك الام الحنون نفسها من وقع هذا الخبر حتى بكت واعولت وشاركها من كان في الدار الزفرة والحسرة والبكاء والعويل فهدأهم الامام امير المؤمنين (ع) واسكتهم ثم بشر ام البنين (ع) بمكانة ولدها العزيز عند الله جل شأنه واخبرها بانه سوف يعوضه الله عن يديه المقطوعتين بجناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنة كما جعل مثل ذلك لجعفر بن ابي طالب (ع) ايضا .
ومعلوم ان تقبيل الامام امير المؤمنين (ع) كفي ولده ابي الفضل العباس (ع) وساعديه ليس هو من باب الشفقة والمحبة فقط بل هو من باب المقام والمنزلة ايضا .

ستقر عيني بك


وجاء في كتاب معالي السبطين وغيره ايضا انه لما كانت ليلة احدى وعشرين من شهر رمضان عام اربعين للهجرة اي في ليلة استشهاد الامام امير المؤمنين (ع) وهي الليلة الاخيرة من عمر الامام امير المؤمنين (ع) حيث اخذ الامام يودع فيها اهل بيته وخاصته ويوصيهم بوصاياه ومواعظه وفيها التفت الى ولده ابي الفضل العباس (ع) وضمه الى صدره وقال له : << ولدي عباس وستقر عيني بك يوم القيامة ولدي ابا الفضل اذا كان يوم عاشوراء ودخلت الماء وملكت المشرعة فاياك ان تشرب الماء وان تذوق منه قطرة واخوك الحسين (ع) عطشان >> .
(324)

والشاهد من هذا الخبر هو قول الامام امير امير المؤمنين (ع) لولده ابي الفضل العباس (ع) : << وستقر عيني بك في يوم القيامة >> فان قرة عين الامام امير المؤمنين (ع) لايكون الا بما يراه الامام من علو مقام ولده ابي الفضل العباس (ع) عند الله تبارك وتعالى ورفيع منزلته لديه .

منزلة العباس (ع) عند فاطمة الزهراء (ع)


جاء في كتاب ( اسرار الشهادة ) نقلا عن بعض كتب المقاتل انه اذا كان يوم القيامة واشتد الامر على الناس بعث رسول الله (ص) باذن من الله تعالى الامام امير المؤمنين (ع) الى ابنته الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء (ع) لتحضر مقام الشفاعة فيقبل الامام امير المؤمنين (ع) اليها ويخبرها بما قاله ابوها رسول الله (ص) ويطلب منها حضور مقام الشفاعة ثم يسالها قائلا : يا فاطمة ما عندك من اسباب الشفاعة ؟ وما الذي ادخرتيه لاجل هذا اليوم الذي فيه الفزع الاكبر ؟ فتجيبه فاطمة (ع) بقولها له يا امير المؤمنين كفانا لاجل هذا المقام اليدان المقطوعتان من ابني العباس .
وفي هذا الخبر دلالة كافية على قبول الله تعالى اليدين المقطوعتين لابي الفضل العباس (ع) التي قطعتا في سبيله وفي نصرة دينه ووليه وهو يدل ايضا على علو مقام صاحب اليدين المقطوعتين عند الله تبارك وتعالى وسمو منزلة لديه اضافة الى علو مقامه عند فاطمة الزهراء (ع) حيث انها دعته ابنا لها عند قولها : << كفانا لاجل هذا المقام اليدان المقطوعتان من ابني العباس >> بعد جعلها يديه القطيعتين وسيلة للشفاعة في ذلك اليوم العظيم والموقف الرهيب .
(325)

العباس (ع) ومنزلته عند الامام المجتبى (ع)


لقد خاطب الامام الصادق (ع) عمه العباس (ع) في الزيارة المعروفة التي علم شيعته زيارة ابي الفضل العباس (ع) بها وقال : << السلام عليك ايها العبد الصالح المطيع لله ولرسوله ولامير المؤمنين والحسن والحسين صلى الله عليه وسلم >> فان طاعة ابي الفضل العباس (ع) لاخيه الامام المجتبى الحسن الزكي (ع) تكشف عن مقامه عنده ومنزلته لديه وليس مقاما متواضعا ومنزلة عادية بل مقاما رفيعا ومنزلة سامية وذلك لانه (ع) كان يطيعه عن علم تام ومعرفة كاملة ويقين راسخ لانه (ع) كان يرى في اطاعته له اطاعة لامر ابيه الامام امير المؤمنين (ع) حيث اوصى بنيه وجميع اهل بيته وشيعته ومحبيه بالسمع والطاعة للامام المجتبى الحسن الزكي (ع) ثم بعده لاخيه الامام الحسين (ع) .
ومما يدل ايضا على عظيم منزلة ابي الفضل العباس (ع) عند اخيه الامام المجتبى (ع) ورفيع مقامه لديه ان شركه الامام الحسين (ع) في تجهيز الامام المجتبى (ع) وتغسيله له وتكفينه اياه مع انه لا يلي تجهيز المعصوم الا المعصوم او من اوصى المعصوم او راه المعصوم صالحا لان يشارك المعصوم في تجهيزه .
والظاهر ان ابا الفضل العباس (ع) هو من قد اوصى الامام المجتبى (ع) اخاه الامام الحسين (ع) بمشاركته له في تجهيزه ورآه الامام الحسين (ع) ايضا صالحا لذلك فشركه معه في تجهيزه كما شرك الامام امير المؤمنين ابن عمه الفضل بن العباس بن عبد المطلب في تجهيز رسول الله (ص) لكن مع الزامه في تعصيب عينيه خشية العمى ان وقع بصره على ذلك الجسد الطاهر فان غير المعصوم كما
(326)

لا يحق له تجهيز المعصوم لعدم المجانسة في العصمة والطهارة معه فكذلك لا يحق له النظر الى جسد المعصوم عند تجهيزه والا عمي بصره بينما ابو الفضل العباس (ع) قد شارك اخاه الامام الحسين(ع) في تجهيز الامام المجتبى (ع) ولم يذكر في التاريخ انه عصب عينيه او غض طرفه عند مشاركته له وهذا يدل على عظمة شأن ابي الفضل العباس (ع) وجلالة قدره .

منزلة العباس (ع) عند الامام الحسين (ع)


واما منزلة ابي الفضل العباس (ع) عند اخيه الامام الحسين (ع) فحدث ولا حرج فكم من موقف للامام الحسين (ع) مع اخيه ابي الفضل العباس كشف فيه عن علو مقامه عنده وسمو منزلته لديه .
فقد خاطبه (ع) يوم التاسع من المحرم عندم زحف الجيش الاموي على مخيم الامام الحسين (ع) بقوله : << اركب بنفسي انت يا اخي حتى تلقاهم وتسألهم عما جاءهم وما الذي يريدون ؟ >> وهذه الكلمة لها اهميتها وقدرها فانها تنبئ عن مكانة ابي الفضل العباس (ع) عند اخيه الامام الحسين (ع) وتخبر عن خطر منزلته لديه .
وقد خاطبه (ع) يوم عاشوراء ايضا وذلك لما استأذنه للبراز الى الاعداء والقتال بين يديه بقوله : << انت صاحب لوائي واذا مضيت تفرق عسكري >> وفي رواية اخرى قال له وهو يريد استبقاءه : << انت العلامة من عسكري وانت مجمع عددنا فاذا مضيت يؤول جمعنا الى الشتات وعمارتنا تنبعث الى الخراب >> .
وخاطبه في يوم عاشوراء ايضا وذلك لما وقف على مصرعه واراد حمله الى المخيم فاقسم عليه العباس (ع) بحق جده رسول الله (ص) ان يتركه مكانه لئلا
(327)

يتجر الاعداء عليه بقوله :<< جزيت عن اخيك خيرا فقد نصرته حيا وميتا >> .
وخاطبه ايضا لما قام من مصرعه وهو يبكي ويكفكف دموعه بيديه بقوله : << الان انكسر ظهري وقلت حيلتي وشمت بي عدوي >> وغيرها من المخاطبات الدالة على عظيم مقام العباس (ع) عند اخيه الامام الحسين (ع) وسمو منزلته لديه .

الامام زين العابدين (ع) ومنزلة العباس (ع) عنده


جاء في كتاب معالي السبطين ان الامام الحسين (ع) لما تفقد ولده الامام زين العابدين (ع) وعاده ليودعه سأله عن عمه العباس (ع) فاختنقت عمته زينب (ع) التي كانت تمرضه بعبرتها وجعلت تنظر الى اخيها (ع) كيف يجيبه لانه لم يكن يخبره لحد الان بشهادة عمه العباس (ع) خوفا من ان يشتد مرضه فقال (ع) له وهو يرى انه لا بد من اخباره ولاطريق لحجب هذا الخبر المفجع عنه : يا بني ان عمك قد قتل وقطعوا يديه على شاطيء الفرات فبكى علي بن الحسين (ع) بكاءا شديدا حتى غشي عليه .
ومعلوم ان سؤال الامام زين العابدين (ع) اولا وقبل كل احد عن عمه العباس (ع) وكذلك بكاؤه لما سمع باستشهاده حتى الاغماء دليل على عظمة مقام العباس (ع) عند الامام زين العابدين (ع) ورفيع منزلته لديه .

على الدنيا بعد العباس (ع) العـــــــــــــفا


وجاء في كتب المقاتل ان الامام زين العابدين (ع) لما جاء لمواراة الاجساد الطاهرة والابدان الزاكية ووارى بنفسه جثمان والده سيد الشهداء الامام الحسين (ع) واستعان ببني اسد في مواراة بقية الشهداء السعداء وفرغ منها
(328)

التفت الى بني اسد وقال لهم : انظروا هل بقي من احد ؟ قالوا : نعم بقي بطل مطروح حول المسناة وانا كلما حملنا منه جانبا سقط منه الجانب الاخر لكثرة ما به من ضرب السيوف وطعن الرماح فبكى (ع) من قولهم ذلك وقال : امضوا بنا اليه فلما راه القى بنفسه عليه يلثم نحره الطاهر ويقبل يديه المقطوعتين وهو يقول : << على الدنيا بعدك العفا يا قمر بني هاشم وعليك مني السلام من شهيد محتسب ورحمة الله وبركاته >> ثم قام (ع) وتولى امره بنفسه فشق له ضريحا وانزله في مثواه وحده ولم يشرك احدا من بني اسد في ذلك كما فعل بابيه سيد الشهداء (ع) ولما اراد بنو اسد اعانته عليه قال لهم : يا بني اسد ان معي من يعينني .
وهذا ان دل على شيء فانه يدل على ما لابي الفضل العباس (ع) من مقام كبير وشأن عظيم عند الامام زين العابدين (ع) بل عند الله تبارك وتعالى وعند رسوله (ص) وعند الائمة من اهل بيته (ع) .

رحــــــــــــم الله عمي العباس (ع)


وجاء في كتاب امالي الصدوق ان الامام زين العابدين (ع) وقع نظره يوما على عبيد الله بن العباس بن علي (ع) فتذكر به عمه ابا الفضل العباس (ع) فاستعبر ثم قال : << ما من يوم اشد على رسول الله (ص) من يوم قتل فيه عمه حمزة بن عبد المطلب (ع) اسد الله واسد رسوله وبعده يوم مؤتة قتل فيه ابن عمه جعفر بن ابي طالب (ع) ثم اضاف : ولا يوم كيوم الحسين (ع) ازدلف اليه فيه ثلاثون الف رجل يزعمون انهم من هذه الامة كل يتقرب بدمه الى الله وهو يذكرهم بالله فلا يتعظون حتى قتلوه بغيا وظلما وعدوانا ثم قال : رحم الله عمي العباس
(329)

فلقد اثر وابلى وفدى اخاه بنفسه حتى قطعت يداه فابلده الله بهما جناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنة كما جعل لجعفر بن ابي طالب (ع) وان للعباس (ع) عند الله منزلة يغبطه بها جميع الشهداء يوم القيامة >> .

بعد فاجعــــــــــة الطف


وجاء في بعض الكتب ايضا : ان الامام زين العابدين (ع) لما رجع الى المدينة بعد فاجعة الطف لازم الحزن والبكاء على ابيه الامام الحسين (ع) وعلى عمه ابي الفضل العباس (ع) وعلى سائر شهداء كربلاء وكان لا يجلس بعد ذلك في الاعياد للناس بل كان يوم العيد يوم حزنه وبكائه ويوم تجدد المصاب عليه فاراد منه شيعته ذات مرة وباصرار ان يجلس لهم في عيد مقبل عليهم كما وارسوا نسائهم الى مخدرات الرسالة ليسألن منه ذلك فاجابهم (ع) الى ذلك على شرط ان لا يأتوه مهنئين ولا مباركين له بالعيد فلما كان يوم العيد جلس (ع) لهم فلما رأى عبيد الله بن العباس بن علي (ع) وكان صغيرا ان ابن عمه الامام زين العابدين (ع) قد جلس للناس في هذا العيد ظن ان حزن الامام وبكاءه قد انقضى فاقبل الى جدته ام البنين واراد منها ان تلبسه ثياب العيد حتى يزور بها الامام زين العابدين (ع) الذي جلس للناس في هذا العيد فقات له ام البنين : نعم يا بني وكانت ام البنين قد ادخرت ثيابا للعباس (ع) من ايام الصغر فاخرجتها والبسته فجاء عبيد الله بن العباس (ع) فيها ودخل على الامام زين العابدين (ع) فلما رآه مقبلا وقد لبس ثياب ابيه العباس (ع) قام (ع) من مجلسه وقد تحادرت دموعه على خديه ليستقبل ابن عمه الصغير باكيا فقيل له : لا ابكى الله عينك يا ابن رسول الله مم بكاؤك ؟ فقال (ع) : لما وقع نظري على ابن عمي هذا عبيد الله بن
(330)

العباس (ع) المقبل علي وقد لبس ثياب ابيه تصورت عمي العباس وتصورت انه هو الذي يدخل علي فتذكرت بذلك موقفه يوم الطف فبكيت ثم فتح الامام (ع) باعه وضم ابن عمه عبيد الله بن العباس (ع) الى صدره وقبله ثم اجلسه في حجره والتفت اليه وهو يمسح على راسه بيده الكريمة ويقول له : اظننت يا ابن العم ان حزننا على عمك الامام الحسين (ع) وعلى ابيك العباس (ع) وسائر بني هاشم والشهداء قد انقضى ؟ هيهات يا ابن العم ان حزننا عليهم لا ينقضي الى يوم القيامة ثم انشأ يقول :

نحن بنو المصطفى ذوو غصص يجرعها في الانام كاظمنا
عظيمة في الانام محنتنا اولنا مبتلى واخرنا
يفرح هذا الورى بعيدهم ونحن اعيادنا مآتمنا
والناس في الامن والسرور وما يأمن طول الزمان خائفنا
وما خصصنا به من الشـ ــرف الطائل بين الانام افتنا
يحكم فينا والحكم فيه لنا جاحدنا حقنا وغاصبنا
ثم بكى و بكى من كان حاضرا معه .

منزلة العباس (ع) عند الامام الباقر (ع)

جاء في كتب المقاتل ان الامام محمد بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب (ع) المكنى بابي جعفر والملقب من قبل جده رسول الله (ص) عن الله تبارك وتعالى بلقب ( البـــــــــاقر ) (ع) كان مع ابيه الامام السجاد (ع) وجده الامام الحسين (ع) قد حضر كربلاء ومر عليه يوم عاشوراء وهو ابن خمس سنين فكان يدرك كل الوقائع المؤلمة التي وقعت فيه ويتحسس جميع الاحداث المفجعة التي
(331)

اتفقت لهم عنده فكان المصاب الاليم يعصر قلبه والرزايا العظيمة تستدر دمعه وخاصة عندما سمع بمقتل عم ابيه ابي الفضل العباس (ع) ذلك البطل الضرغام الذي كان معسكر الامام الحسين (ع) وخاصة مخيم النساء امنا في ظلاله ومطمئنا الى حمايته ودفاعه والذي بشهادته (ع) امن العدو جانب الامام ا لحسين (ع) وايقن بالسيطرة عليه وسهرت عيون الهاشميات وباتت خائفة من الاسر مرعوبة من السبي وتسلط الاعداء الجفاة عليهم .
ولذلك يمكن لنا القول بان الامام الباقر (ع) تقديرا لمواقف عمه ابي الفضل العباس (ع) المشرفة وشكرا لمساعيه الطيبة واعلانا عن مقام عمه ابي الفضل العباس (ع) عنده ومنزلته لديه قد لثم يدي عمه المقطوعتين وقبلهما بحرقة ولوعة اقتداءا بابيه الامام السجاد (ع) وجده الامام الحسين (ع) وذلك حين مروا به وبعماته والهاشميات على مصارع القتلى واطافوا بهم حول اجسادهم الموذرة واعضائهم المقطعة .
وبذلك يكون قد قبل يدي ابي الفضل العباس (ع) ولثمها خمس من الائمة المعصومين (ع) وهم الامام امير المؤمنين (ع) والامام الحسن المجتبى (ع) فانهما قبلا يديه في حال صغره وحين كانتا مثبتتين في جسمه والامام الحسين (ع) فانه قبلهما في صغره مثبتتين وفي كبره مقطوعتين والامام السجاد (ع) والامام الباقر (ع) فانهما قبلا يديه وهما مقطوعتان عن جسمه مرميتان على رمضاء كربلاء .
(332)

الامام الصادق (ع) ومنزلة العباس (ع) عنده


لقد روي عن الامام ابي عبد الله جعفر بن محمد الصادق (ع) الشيء الكثير والجم الغفير في حق عمه ابي الفضل العباس (ع) وكل واحد منها ينبئ عن علو مقامه عنده وسمو منزلته لديه بل كل واحد منها صريح في بيان ما لابي الفضل العباس (ع) من الجاه والجلال عند الله تعالى وعند رسول الله (ص) وعند فاطمة الزهراء (ع) وعند الائمة من اهل بيت رسول الله (ص) .
وقد اشتهر منها قوله (ع) في حقه : << كان عمنا العباس بن علي (ع) نافذ البصيرة صلب الايمان جاهد مع ابي عبد الله (ع) وابلى بلاءا حسنا ومضى شهيدا >> .
ويكفي ابا الفضل العباس (ع) هذا الوسام الكريم من الامام الصادق (ع) الذي هو وسام من الله تعالى لانه (ع) يتكلم عن ابائه (ع) عن رسول الله (ص) عن جبرائيل عن الله تعالى وقد ابان فيه عن مدى شخصية ابي الفضل العباس (ع) الكبيرة وكشف عبره عن مغزى نفسية العباس (ع) الرحبة وافصح في طياته عن معنوياته الواسعة والصلبة .
وقد اشتهر منها ايضا قوله (ع) فيما علمه شيعته واصحابه اذا حضروا عند مرقد ابي الفضل العباس (ع) ان يخاطبوه به من لفظ الزيارة المروية بسند صحيح متفق عليه والتي تبتدئ بتقديم التحية واهداء السلام من الله وملائكته وانبيائه ورسله وعباده الصالحين وجميع الشهداء والصديقين زاكية طيبة في كل صباح ومساء على العباس بن امير المؤمنين (ع) وتنتهي بالدعاء والثناء وطلب المغفرة والرضوان ونيل الفلاح والنجاح للزائرين الوافدين وتضم فيما
(333)

بين البدء والختم معان شامخة ومقامات سامية تضاهي ما جاء من المعاني الشامخة في زيارات المعصومين (ع) وتوازي ما روي من المقامات السامية لهم سلام الله عليهم اجمعين فالزيارة هذه اذن صريحة في عظمة ابي الفضل العباس (ع) وجلالة قدره .

منزلة العباس (ع) عند باقي الائمة (ع)


ثم ان باقي الائمة المعصومين (ع) من اهل بيت رسول الله (ص) بعد الامام الصادق (ع) وحتى الامام المهدي (ع) وان لم يصلنا منهم تصريح في حق عمهم ابي الفضل العباس (ع) سوى ما وصلنا من الامام الهادي (ع) وذلك على ما في الاقبال من زيارة الناحية المقدسة الصادرة عنها سنة مائتين واثنين وخمسين هجرية المتعرضة لاسماء الشهداء والتي يقول فيها الامام (ع) مخاطبا عمه العباس (ع) : << السلام على ابي الفضل العباس بن امير المؤمنين المواسي اخاه بنفسه الاخذ لغده من امسه الفادي له الواقي الساعي اليه بمائه المقطوعة يداه . . . >> وسوى ما بلغنا من الزيارة الصادرة من الناحية المقدسة لصاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف والتي يقول فيها الامام (ع) : << السلام على الاعضاء المقطعات >> الا انهم (ع) اقروا ما روي صحيحا عن الامام الصادق (ع) من لفظ زيارة عمهم ابي الفضل العباس (ع) وامروا شيعتهم ان يزوروا عمهم العباس (ع) بتلك الزيارة المأثورة فيكونون بذلك قد قبلوا ما تضمنته الزيارة من مقام رفيع لابي الفضل العباس(ع) وما صرحت به من مرتبته السامية فيصح لنا حينئذ ان نقول ان مقام ابا الفضل العباس (ع) عند من لم يصلنا منه تصريح في حقه من الائمة المعصومين (ع) هو نفس مقام ابي الفضل العباس (ع) عند من وصلنا من الائمة الطاهرين (ع) تصريح منه في حقه (ع) .
(334)

ام البنين (ع) ومنزلة العباس (ع) عندها


ان الام وان عرف انه يشدها الى ابنها محبة الامومة وعلاقة الحمل والرضاع والتربية والحضانة الا ان ام البنين (ع) قد فاقت في محبتها لولدها العباس (ع) على محبة الامومة وسمت في علاقتها به علاقة القرابة القريبة وذلك لمعرفتها بما يحمله ابو الفضل العباس (ع) بين جوانبه من ايمان راسخ وولاء كبير لاخيه وامامه الامام الحسين (ع) وما يضمه بين اضلاعه من اخلاص لله تعالى ولرسوله ولدينه وامامه وما ينطوي عليه من صفات خيرة وخلق كريم حيث اجتماع كل ذلك في ابي الفضل العباس (ع) والذي بشر به ارهاصات ولادته (ع) بل وقبل ولادته وحمله جعلت له مكانة عظيمة لدى امه ام البنين (ع) واحرزت له منزلة رفيعة لديها ولذلك نراها (ع) تعوذه من صغره بقولها :
اعيذه بالواحد من عين كل حاسد
قائمهم والقاعد مسلمهم والجاحد
صادرهم والوارد مولودهم والوالد


وترثيه بعد شهادته بقولها :

يا من راى العباس كر على جماهير النقد
ووراه من ابناء حيدر كل ليث ذي لبد
نبئت ان ابني اصيب برأسه مقطوع يد
ويلي على شبلي امال برأسه ضرب العمد
لو كان سفك في يدك لما دنى منك احد


(335)

وقولها الاخر :

لا تدعوني ويك ام البنين تذكريني بليوث العرين
كانت بنون لي ادعى بهم واليوم اصبحت ولا من بنين
اربعة مثل نسور الربى قد اوصلوا الموت بقطع الوتين
تنازع الخرصان اشلائهم فكلهم امسى صريعا طعين
ياليت شعري اكما اخبروا بان عباسا قطيع اليمين


نعم ان ام البنين (ع) كانت هي اول من رثى العباس (ع) - على ما في مقاتل الطالبيين - فانها كانت تخرج الى البقيع تندب اولادها الاربعة العباس (ع) واخوته عبد الله وجعفر وعثمان اشجى ندبةواحرقها فيجتمع الناس لسماع نبدتها والبكاء معها مساعدة لها حتى ان مروان هذا العدو اللدود لبني هاشم كان اذا مر بالبقيع وسمع ندبة ام البنين اقبل وجلس يبكي مع الناس لبكائها .

منزلة العباس (ع) عند السيدة زينب (ع)


واما منزلة العباس (ع) عند السيدة زينب (ع) فقد ظهر منذ ولادتها (ع) فكانت بعد امه ام البنين (ع) هي كالام الحنون له تناغيه في المهد وتربيه في احضانها وتغذيه بعلمها ومعرفتها وهي التي اتت به عند ولادته الى ابيه الامام امير المؤمنين (ع) ليقيم عليه سنن الولادة من الاذان والاقامة في اذنيه اليمنى واليسرى من التسمية وجعل الكنية واللقب له ثم سألت اباها عن اسمه ؟ فقال لها : انه عباس وعن كنيته ؟ فقال : انه ابو الفضل وعن لقبه ؟فقال : انه قمر بني هاشم وقمر العشيرة والسقاء فقالت (ع) متفائلة : اما اسمه : << عباس >> فهو علامة الشجاعة والبسالة واما كنيته : << ابو الفضل >> فهو اية
(336)

الفضل والكرامة واما لقبه << قمر بني هاشم وقمر العشيرة >> فهو وسام الجمال والكمال والصحابة والوجاهة ولكن يا ابه ما معنى انه السقاء ؟ فقال لها ابوها الامام امير المؤمنين (ع) وقد استعبر انه ساقي عطاشى كربلاء وقص عليها شيئا من حوادث عاشوراء فاجهشت السيدة زينب (ع) بالبكاء لما سمعت ذلك فهدأها ابوها بقوله : بنية زينب (ع) بالبكاء لما سمعت ذلك فهدأها ابوها بقوله : بنيه زينب تجلدي واصبري وخذي اخاك الى امه واعلمي ان له معك لموقف مشرف وشأن عظيم .
وهذا مما زاد في مقام ابي الفضل العباس (ع) عند اخته السيدة زينب (ع) واضاف في منزلته لديها حتى انها (ع) طلبت من ابيها عند ارتحاله - على ما في بعض الكتب - بان يتكفلها اخوها ابو الفضل العباس (ع) ويلتزم بحمايتها وحراستها وخاصة في كربلاء وعند السفر اليها فدعى (ع) ولده ابا الفضل العباس (ع) واخذ بيد ابنته الكبرى السيدة زينب (ع) وضعها في يده (ع) وقال له : بني عباس هذه وديعة مني اليك فلا تقصر في حفضها وصيانتها فقال العباس (ع) لابيه (ع) ودموعه تجري على خديه : لانعمنك يا ابتاه عينا .
وكان ابو الفضل العباس (ع) بعد ذلك يهتم باخته الكبرى السيدة زينب (ع) اكثر من ذي قبل ويرعاها اشد رعاية من الماضي وخاصة في اسفارها التي اتفقت لها (ع) بعد ذلك فان اول سفرها (ع) كان في ايام خلافة والدها الامام امير المؤمنين (ع) الظاهرية حيث هاجر (ع) من المدينة الى الكوفة وجعلها مقرا لخلافته فهاجرت هي (ع) اليها ايضا واما اسفارها الباقية وهي عبارة عن سفرها مع اخيها الامام المجتبى الحسن الزكي (ع) الى المدينة المنورة والرجوع الى مدينة جدها (ص) وكذلك سفرها مع اخيها الامام الحسين (ع) حين خروجه على يزيد بن معاوية عدو الله وعدو رسوله من المدينة الى مكة ومنها الى كربلاء فكان ابو الفضل العباس (ع) هو الذي تكفل ركوبها ونزولها وتعهد حراستها
(337)

ورعايتها في طوال الطريق وخاصة عند نزولها في كربلاء وعلى الاخص في الايام الصعبة والظروف العصيبة التي احاطت بهم في كربلاء من كل جانب والى يوم عاشوراء ولذلك لما اراد الاعداء السفر بها وببقية السبايا الى الكوفة ومنها الى الشام واحضروا النياق الهزل الخالية عن الوطاء والعارية عن المحامل ليركبوهم عليها ويعرجوا بهم من ربوع كربلاء التفتت السيدة زينب (ع) نحو العلقمي وصاحت برفيع صوتها والاسى يقطع نبرتاها اخي عباس انت الذي من المدينة اركبتني وها هنا انزلتني قم الان فركبني فها هي نياق الرحيل تجاذبنا بالمسير .

عباس يا حامي الظعينة والحرم بحماك قد نامت سكينة في الحرم
صرخت ونادت يوم اذ سقط العلم اليوم نامت اعين بك لم تنم
وتسهدت اخرى فعز منامها
عباس تسمع ما تقول سكينة عماه يوم الاسر من يحميني

العباس (ع) ومقامه عند محبيه وشيعته


لقد رفع الله مقام ابي الفضل العباس (ع) واعلى منزله في الدنيا والاخرة ولدى محبيه وشيعته بل ولدى الناس اجمعين حتى ان العلامة الدربندي في اسرار الشهادة - كما عن معالي السبطين - قال وهو يصف بعض ما لابي الفضل العباس (ع) من الجاه والمقام عند الناس : << ثم انظر الى اسمه الشريف عند المخالف والموالف فانه قد جعل قريبا من اسماء الائمة الحجج ولا تمضي ساعة الا وقد وقع الحلف باسمه الشريف بل الرعب منه اكثر من غيره بحيث لا يحلفون باسمه كذبا خوفا من الابتلاء والافتضاح وقد شاهدوا ذلك بام اعينهم وقصة التوسل
(338)

به في قضاء الحوائج معروفة بحيث انه لا يمضي اسبوع واحد الا وقد علا احدهم المنارة العباسية المباركة واخذ ينادي باعلى الصوت : رفع الله راية العباس وبيض وجهه فانه قد قضيت حوائجنا بتوسلنا به الى الله تعالى ونزولنا بفنائه ولجوئنا ببابه ثم قال : وكيفية النذورات له وكثرتها معلوم وواضح >> .
ويشهد لهذا التصريح المذكور في معالي السبطين والمحكي عن اسرار الشهادة التاريخ الغابر والمعاصر وكل من توفق لان يقصد ابا الفضل العباس (ع) ويتشرف بالحضور في روضته المباركة ويزوره في كربلاء المقدسة عن كثب حيث انه يشاهد كل هذه الامور قائمة في روضته المباركة على قدم وساق ولا عجب من ذلك اذ هو الذي منحه الله تعالى وسام : << باب الحوائج >> والى على نفسه ان لا يرد صاحب حاجة من بابه (ع) خائبا ولا مؤملا به محروما بل يردهم بحوائجهم مفلحين منجحين وسالمين غانمين .

العلماء اذا زاروا مرقد العباس (ع)


هذا وقد جاء في المأثور من زيارة ابي الفضل العباس (ع) المروية في المزار الكبير لابن المشهدي بسند صحيح عن الامام الصادق (ع) ان من ادابها هو ان ينكب الزائر على مرقد ابي الفضل العباس (ع) ويقبله ويقول كذا وكذا .
وجاء في مزار الشيخ المفيد ومزار السيد ابن طاووس انه عندما يستأذن الزائر في الدخول الى رزضة ابي الفضل العباس (ع) المباركة يدخل وينكب على القبر الشريف ويقول وهو مستقبل القبلة : << السلام عليك ايها العبد الصالح . . . >> .
وفي زيارة اخرى له (ع) : << ثم تنكب على القبر وتقبله وتقول : بابي انت وامي يا ناصر دين الله . . . >> .
(339)

ومن اجل ذلك كان العلماء الاعلام والمراجع العظام اذا قصدوا ابا الفضل العباس (ع) وتشرفوا بزيارته في روضته المباركة قبلوا عتبته الشريفة ولثموها عند دخولهم اليه كما يلثمون عتبة الامام الحسين (ع) ويقبلونها عند الدخول اليه والتشرف بزيارته .
وينقل عن صاحب كتاب اسرار الشهادة العلامة الدربندي انه قال يوما للشيخ الانصاري وذلك في ايام مرجعية الشيخ : ان الشيعة يرجعون اليكم ويقتدون بكم ويقتفون اثاركم فلو كنتم عند تشرفكم الى زيارة الامام الحسين (ع) تقبلون عتبته المقدسة حين دخولكم في روضته المباركة اقتدى الشيعة بكم في ذلك وفعلوا كما تفعلون فتشتركون في ثوابهم وتؤجرون باجرهم .
فاجابه الشيخ الانصاري قائلا :اني اقبل عتبة ابي الفضل العباس (ع) المقدسة والثمها ناهيك عن اعتاب الائمة الطاهرين من ائمة اهل بيت رسول الله (ص) كالامام الحسين (ع) ثم اضاف قائلا : اني انما اقبل عتبة ابي الفضل العباس (ع) والثمها لانها موطئ اقدام زواره الكرام ناهيك عن انها عتبة باب الحوائج وباب الامام الحسين (ع) ابي الفضل العباس ابن الامام امير المؤمنين (ع) .
هذا بعض ما لابي الفضل العباس (ع) من الجاه العظيم والمقام الرفيع عند الله ورسوله (ص) وعند ابنته فاطمة الزهراء (ع) وعند الائمة الطاهرين (ع) من اهل بيت رسول الله (ص) وعند امه ام البنين (ع) وعند اخته السيدة زينب (ع) وعند شيعته ومحبيه واما حقيقة مقام ابي الفضل العباس (ع) وواقع منزلته فمما لا يعلمها الا الله تبارك وتعالى رزقنا الله زيارته وحشرنا معه في الدنيا والاخرة امين رب العالمين .
(340)

الخــــــــــاتمة :


في خصائص حواريي الامام الحسين (ع)

وليس لديه ناصر غير نيف وسبعين ليثا اما هناك مزيد سطت وانابيب الرماح كأنها اجام وهم تحت الرماح اسود ترى لهم عند القراع تباشرا كان لهم يوم الكريهة عيد وما برحوا عن نصرة الدين والهدى الى ان تفانى جمعهم وابيدوا ولنذكر بتوفيق من الله تعالى في خاتمة كتابنا هذا - الخصائص العباسية - بعض خصائص حواريي الامام الحسين (ع) من اصحابه واهل بيته الذين استشهدوا معه في كربلاء وشيئا مما امتازوا به على سائر حواريي الانبياء واوصيائهم من موسى وعيسى وهارون ويوشع الى نبينا الحبيب خاتم الانبياء والمرسلين واشرف خلق الله اجمعين محمد بن عبد الله (ص) ووصيه الكريم سيد الاوصياء وامام المتقين الامام امير المؤمنين علي بن ابي طالب (ع) .
هذا ولا يخفى ان ابا الفضل العباس (ع) - على ما سبق - هو امام حواريي اخيه الامام الحسين (ع) وسيدهم وافضلهم واشرفهم واذا كان كذلك فانه اذا تكلمنا عن خصائص حواريي الامام الحسين (ع) وامتيازاتهم فقد تكلمنا في الواقع عن خصائص ابي الفضل العباس (ع) وامتيازاته ايضا علما بان ابي الفضل العباس (ع) ليس هو امام حواريي اخيه الامام الحسين (ع) فحسب بل هو امام كل
(341)

الحواريين وذلك لانه (ع) هو امام حواريي اخيه الامام الحسين (ع) وحواريوا الامام الحسين (ع) هو افضل كل الحواريين من الاولين الاخرين فيكون ابي الفضل العباس (ع) اذا هو امام كل الحواريين وافضلهم من الاولين والاخرين ويكون الحديث عنهم هو حديث عنه ايضا وحيث اتضح ذلك فلنبدأ الان بما تيسر لنا ذكره من تلك الخصائص والامتيازات الواردة في حقهم باذن الله تعالى وتأييده :

الامتياز الاول :


1- انهم كانوا بعد المعصومين الاربعة عشر (ع) في مقدمة الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه وذلك على ما جاء في ثواب الاعمال عن الامام الصادق (ع) من انه اوصى بقراءة سورة الفجر في الصلوات الفريضة والنافلة وقال : انها سورة الامام الحسين بن علي بن ابي طالب (ع) من قرأها كان مع الامام الحسين (ع) يوم القيامة في درجته في الجنة . وفي شرح الايات الباهرة مسندا عن الامام الصادق (ع) فيحديث جاء فيه : «يا ايتها النفس المطمئنة . . . » انما يعني بها : الحسين بن علي (ع) فهو ذو النفس المطمئنة الراضية المرضية واصحابه من ال محمد (ع) الراضون عن الله يوم القيامة وهو راض عنهم وهذه السورة نزلت في الحسين بن علي (ع) وشيعته وشيعة ال محمد خاصة .

الامتياز الثاني :


2- انهم كانوا ابر واوفى جميع من صحب الانبياء والاوصياء قاطبة وذلك لان الامام الحسين (ع) برواية الارشاد للمفيد مسندا عن الامام زين العابدين (ع)
(342)

جمعهم غروب يوم التاسع من المحرم اي في اول الليل من ليلة عاشوراء ورفع عنهم بيعته واذن لهم بالانصراف فلم يرضوا الا ببذل ارواحهم دونه وكان اول من بداهم هو ابو الفضل العباس (ع) عندها قال لهم الامام الحسين (ع) :<< اما بعد فاني لا اعلم اصاحابا اوفى ولا خيرا من اصحابي ولا اهل بيت ابر ولا اوصل من اهل بيتي فجزاكم الله خيرا >> .

الامتياز الثالث :


3- انهم كانوا خير من نصر الله ونصر دين الله ونصر ابياء الله واوصيائهم من الاولين والاخرين وذلك كما في الزيارة الصادرة عن الناحية المقدسة حيث جاء فيها :<< السلام عليكم يا خير انصار ، السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار >> .
ولعل تفوق هؤلاء على الجميع يكون لاجل شدة ايمانهم واخلاصهم لامامهم الاما الحسين(ع) ولاجل ان نسبتهم الى نسبة العدو كانت - حسب بعض الروايات التاريخية - نسشبة الواحد الى الالف بل اكثر ومعه قد حصل لهم العلم بانهم سوف يقتلون عن اخرهم ويقتل معهم الامام الحسين (ع) ايضا وعلموا ايضا انه لا ظفر ضاهري لهم على العدو كما انهم ايقنوا انهم لو تركوا نصرة امامهم وانسحبوا عن ساحة القتال وغادروا كربلاء لم يقتلوا ومع ذلك نصروه وارخصوا دمائهم وبذلوا ارواحهم في نصرته بينما لم تجتمع هذه الامور في غيرهم لا من حيث شدة الاخلاص ولا من حيث قلة العدد وكثرة العدو ولا من حيث اليقين بالقتل فان غيرهم كانوا على الاقل يأملون بقاء من ينصرونه .
(343)

الامتياز الرابع :


4- انهم كانوا قد اثبتوا باسمائهم واشخاصهم وعددهم وعدتهم في اللوح المحفوظ بحيث انهم لم ينقصوا ولم يزدادوا ولم يتغيروا ولم يتبدلوا ولذلك لما عنف ابن عباس على عدم نصرة الامام الحسين (ع) اجاب - كما عن مناقب ابن شهر اشوب - : << ان اصحاب الامام الحسين (ع) لم ينقصوا رجلا ولم يزيدوا رجلا نعرفهم باسمائهم من قبل شهودهم >> .
وقال المحدث القمي في مقتله المعروف بنفس المهموم نقلا عن محمد بن الحنفية انه قال : << وان اصحابه عندنا لمكتوبون باسمائهم واسماء ابائهم >> .

الامتياز الخامس :


5- انهم كانوا هم السباقون الى الخير والجنة بحيث انه لم يستطع احد من الاولين والاخرين اللحوق بهم وبدرجاتهم فكيف بالسبق عليهم ؟ وذلك لان في تهذيب الشيخ رواية عن الامام الصادق (ع) يقول فيها : مر الامام امير المؤمنين (ع) في طريقه بكربلاء فاستعبر عندها وقال ما مضمونه : ها هنا مناخ ركابهم ومصارع رجالهم شهداء لا يسبقهم من كان قبلهم ولا يلحقهم من كان بعدهم .
وروي في البحار عن خرائج الراوندي عن الامام الباقر (ع) انه قال ما معناه ها هنا مناخ ركابهم ومصارع عشاقهم شهداء لا يسبقهم من كان قبلهم ولا يلحقهم من كان بعدهم .
ولا يخفى ان التعبير بكلمة العشق لم يأت في الروايات المعتبرة سوى في هذه الرواية وفي رواية او روايتين فقط غير هذه الرواية .
(344)

الامتياز السادس :


6- انهم كانوا ارفع الشهداء درجة عند الله تعالى وذلك على ما جاء في البحار عن الامالي عن جبلة المكية انها قالت : قال لي ميثم التمار : يا جبلة اعلمي ان الحسين بن علي (ع) سيد الشهداء يوم القيامة ولاصحابه على سائر الشهداء درجة .
ومعناه : ان حواريي الامام الحسين (ع) في اسمى درجة من الدرجات التي اعدها الله تعالى للشهداء في الجنة لانهم يفوقونهم جميعا بدرجة .

الامتياز السابع :


7- انهم كانوا اعبد اهل زمانهم فقد روى السيد ابن طاووس في لهوفه وهو يصف حال اصحاب الامام الحسين(ع) ليلة عاشوراء قائلا : وبات الامام الحسين (ع) و اصحابه تلك الليلة ولهم دوي كدوي النحل ما بين راكع وساجد وقائم وقاعد فعبر عليهم في تلك الليلة من عسكر عمر بن سعد اثنان وثلاثون رجلا .
وكذا كانت سجية الامام الحين (ع) حتى قال في العقد الفريد : قيل لعلي بن الحسين (ع) ما اقل ولد ابيك ؟ فقال (ع) : العجب كيف ولدت له فانه (ع) كان يصلي في اليوم والليلة لف ركعة فمتى كان يتفرغ للنساء ؟
وقال المفيد في ارشاده وهو يذكر حوادث ليلة عاشرواء : فقام الامام الحسين (ع) الليل يصلي ويستغفر ويدعو ويتضرع وقام اصحابه كذلك يصلون ويدعون ويستغفرون ويتضرعون .
(345)

الامتياز الثامن :


8- انهم كانوا اتقى الناس واقوى شاهد على تقواهم هو استئذانهم من الامام الحسين (ع) في القتال بين يديه مع ان انفسهم كانت تائقة للشهادة بين يديه والعقل يحكم بوجوب نصرة من اوجب الله تعالى على الانسان نصرته حيث جعله اولى بالانسان من نفسه ، ولكن مع ذلك لم يبرزوا الا باذن منه سلام الله عليه فكان اذا اذن (ع) لهم تقدموا للشهادة .

الامتياز التاسع :


انهم كانوا القمة في قوة القلب ورباطة الجأش بحيث انهم في ليلة عاشوراء مع انهم كانوا قد ايقنوا انهم في الليلة الاخيرة من اعمارهم وانهم سوف يقتلون غدا باجمعهم لم يقلقوا ولم يضطربوا بل كانوا قد اشتغلوا بفارغ البال وسلامة الفكر واطمئنان القلب بالصلاة لربهم والعبادة لخالقهم وقراءة القران وترديد الاذكار والتضرع والاستغفار وبالمزاح بعضهم مع بعض احيانا .
ولنعلم ما قيل في حقهم :

اسود الوغى غاباتهم اجم القنا لهم في متون الصافنات مقيل
ليوث لهم بيض الصفاح مخالب غيوث لهم صب الدماء مسيل

الامتياز العاشر :


10- انهم كانوا بعد المعصومين (ع) اعلى الناس همة فقد عمدوا في ليلة عاشوراء وهم يعلمون انها اخر ليلة من حياتهم بعد ان تفرغوا فيها للعبادة
(346)

والصلاة والقران والدعاء الى القيام بحفر شبه خندق حول معسكرهم ومخيم النساء بتعليم من الامام الحسين (ع) وملأوه بالحطب والقصب حتى يشعلوه بالنار في الصباح لئلا يستطيع العدو من محاصرتهم واحاطتهم من كل الاطراف بل يكون القتال من جهة واحدة فقط وكذلك كان فان العدو لما بدأ القتال دار خلف المعسكر ليحاصرهم ويأتي عن اخرهم في اول جولة من الحرب ولكنه فوجئ بالخندق المملوء بالنار فتراجع خائبا خاسرا .

الامتياز الحادي عشر :


11- انهم كانوا طلايع الذين نصر الله تعالى دينه بهم لانهم كانوا نخبتهم وزبدتهم جميعا ففي مروج الذهب ان الله تعالى نصر دينه بالف رجل ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا منهم اصحاب طالوت وثلاث مائة وثلاثة عشر رجلا منهم اصحاب رسول الله (ص) في حرب بدر الكبرى وثلاثمائة وثلاثة عشرة رجلا منهم اصحاب المهدي عجل الله تعالى فرجه والباقون هم واحد وستون رجلا وهم اصحاب الامام الحسين (ع) الذين قتلوا معه في كربلاء وقد عرفت انه في مقدمة الكل وطلايع الجميع واما عدتهم فقد قال ثقة الاسلام النوري ان ما ذكره في مروج الذهب من عدهم هو خلاف المشهور بين اصحاب السير والتواريخ فان المشهور بينهم اثنان وسبعون وليس اقل الا ان يقال ان مراد مروج الذهب الاصحاب من غير بني هاشم .

الامتياز الثاني عشر :


12- انهم كانوا اخلص الناس في حبهم وولائهم لله ورسوله واهل بيته
(347)

وخاصة الامام الحسين (ع) حتى عدهم الامام امير المؤمنين (ع)( هم المحبين الواقعيين والموالين الحقيقيين وذلك في كلام له عند مروره بكربلاء ففي التذهيب عن الامام الباقر (ع) انه قال : مر علي (ع) في كربلاء في اثنين من اصحابه فقال وقد اغرورقت عيناه بالدموع وهو يشير الى الامام الحسين (ع) وحوارييه :<< ها هنا مهراق دمائهم >> ثم خاطب ارض كربلاء بقوله :<< طوبى لك من ارض يراق فيها دماء الاحبة >> .

فاظلتهم جنود كالجراد المنتشــــــر مع شمر وابن سعد كل كذاب اشـــــر
فاصطلى الجمعان نار الحرب في يوم عسر واستدارت في رحى الهيجاء انصار الحسين

الامتياز الثالث عشر :


13- انهم كانوا هم الصفوة الذين اختار الله لهم ارض كربلاء المقدسة مثوى ومضجعا وذلك اكراما منه لارض كربلاء المشرفة بسبب تواضعها لله تعالى ففي كامل الزيارة عن الامام الصادق (ع) انه قال :<< لما تفاخرت قطع الارض بعضها على بعض قالت ارض كربلاء بتواضع : انا ارض الله المباركة المقدسة الشفاء في تربتي ومائي ولا فخر بل انا خاضعة وذليلة لمن فعل بي ذلك ولا فخر على من دوني بل شكرا لله فاكرمها الله وزادها بتواضعها شكرا لله بالحسين (ع) واصحابه ولنعم ما قيل في حقها :

هي الطفوف فطف سبعا بمغناها فما لمكة مغنى مثل مفناها
ارض ولكنما السبع الشداد لها دانت وطأطأ اعلاها


(348)

وكيف لا وهي ارض ضمنت جثة ما كان ذلك لا والله لولاها
فيها الحسين وفتيان له بذلوا في الله اي نفوس كان زكاها

الامتياز الرابع عشر :


14- انهم هم الذين دعاهم سلمان الفارسي بكونهم اخوانه ففي كتاب ( نفس الرحمان ) عن رجال الكشي عن المسيب بن نجية الفزاري روى قائلا : انه لما اتانا سلمان الفارسي قادما تلقيناه فيمن تلقاه فسار بنا الى كربلاء فلما وصلنا قال : هذه مصارع اخواني هذا موضع رحالهم وهذا مناخ ركابهم وهذا مهراق دمائهم يقتل بها ابن خير النبين ويقيل بها خير الاخرين .

الامتياز الخامس عشر :


15- انهم هم سادة الشهداء يوم القيامة كما ان الامام الحسين (ع) هو سيد الشهداء من الاولين والاخرين وذلك على ما جاء في نفس المهموم عن الشيخ ابن نما عن النبي (ص) انه قال : << وذكرت ما يصنع بولدي الحسين (ع) كاني به قد استجار بحرمي وقبري فلا يجار ويرتحل الى ارض مقتله ومصرعه ارض كرب وبلاء فتنصره عصابة من المسلمين اولئك سادات شهداء امتي يوم القيامة >> .

الامتياز السادس عشر :


16- انهم السادات والسابقون والانصار والمهاجرون وذلك على ما جاء في تحفة الزائر في فقرات زيارة الشهداء المأثورة من قوله (ع) : << انتم سادات
(349)

الشهداء في الدنيا والاخرة وانتم السابقون والمهاجرون والانصار >> .
نعم انهم سادات الشهداء بعد المعصومين الاربعة عشر (ع) فلا احد من الشهداء في درجتهم لا من الاولين ولا من الاخرين كما انهم بعد المعصومين الاربعة عشر (ع) هم اول السابقون الى رضوان الله واول الفائزين بارفع الدرجات التي اعدها الله تعالى للمهاجرين في سبيل الله والانصار لدين الله من الاولين والاخرين كيف لا وقد سبقوا الناس اجمعين الى اجابة امامهم الامام الحسين (ع) وهجروا اوطانهم ودنياهم ونصروا ابن بنت نبيهم صلوات الله وسلامه عليه .

الامتياز السابع عشر :


17- انهم كانوا قد ضاهوا في شهادتهم شهادة النبيين وال النبيين فكانوا اشبه الناس بهم في الشهادة وذلك لما جاء في ( غيبة النعماني ) من ان الامام الحسين (ع) كان يحمل قتلاه الى المخيم حيث فسطاط الشهداء فكان يضع بعضهم فوق بعض وهو يقول : << قتلة مثل قتلة النبيين وال النبيين >> .

الامتياز الثامن عشر :


18- انهم كانوا قد ساووا من استشهد من الانبياء ومن قتل بين ايديهم وفي نصرتهم ففي الخبر : ان الله تبارك وتعالى هو اول من لعن قاتل الامام الحسين (ع) ثم لعنته الملائكة ثم الانبياء واحدا بعد واحد وكانوا يوصون به اولادهم وذويهم ويأخذون منهم الميثاق والعهد عليه ثم لعنه داود وامر بني اسرائيل بذلك ثم لعنه عيسى واكثر فقال : يا بني اسرائيل العنوا قاتليه وان
(350)

ادركتم ايامه فلا تجلسوا عن نصرته فان الشهيد معه كالشهيد مع الانبياء مقبل غير مدبر .

الامتياز التاسع عشر :


19- انهم يرجعون مع الامام الحسين (ع) في زمان الرجعة ويؤدون عنه ويعرفونه للناس وذلك على ما ورد في نفثة المصدور عند قوله تعالى : «ثم رددنا لكم الكرة عليهم»من خروج الامام الحسين في سبعين من اصحابه عليهم البيض المذهبة لكل بيضة وجهان المؤدون الى الناس ان هذا الامام الحسين (ع) قد خرج حتى لا يشك المؤمنون فيه .

الامتياز العشرون :


20- انهم الموصوفون بالاولياء والاصفياء والاوداء والاحباء وانهم الطيبون الفائزون كما جاء في تحفة الزائر عن الامام الصادق (ع) في رواية انه قال لصفوان الجمال وهو يعلمه كيف يزور الشهداء السعداء ثم توجه الى الشهداء وقل : << السلام عليكم يا اوصياء الله واحبائه السلام عليكم يا اصفياء الله واودائه السلام عليكم يا انصار دين الله بابي انتم وامي طبتم وطابت الارض التي فيها دفنتم وفزتم والله فوزا عظيما فياليتني كنت معكم فافوز معكم >> .

الامتياز الواحد والعشرون :


21- انهم المعروفون بشيعة الله ورسوله والائمة الطاهرين والابرار المتقون وذلك على ما جاء في زيارة الاربعين المروية عن
(351)

جابر بن عبد الله الانصاري حيث انه توجه نوح الشهداء وقال في زيارتهم : << السلام على الارواح المنيخة بقبر ابي عبد الله السلام عليكم يا شيعة الله وشيعة رسوله وشيعة امير المؤمنين والحسن والحسين السلام عليكم يا طاهرون السلام عليكم يا مهديون السلام عليكم يا ابرار . . . >> .

الامتياز الثاني والعشرون :


22- انهم هم الذين من شدة نورهم وتلألئهم شبههم رسول الله (ص) بنجوم السماء ففي البحار نقلا عن تفسير فرات عن الامام الصادق (ع) انه قال : << كان الحسين (ع) مع امه تحمله فاخذه النبي (ص) وضمه الى صدره وقال : لعن الله قاتلك ولعن الله سالبك ولعن الله المتوازرين عليك وحكم الله بيني وبين من اعان عليك فقالت فاطمة الزهراء (ع) مستفسرة : يا ابتاه يا رسول الله ماالخبر ؟ فقال (ص) في جوابها : يا بنتاه يا فاطمة لقد رأيت ابني هذا فذكرت ما يصيبه بعدي وبعدك من الاذى والظلم والغدر والبغي وهو يومئذ في عصبة كانهم نجوم السماء فيتهادون الى القتل واني انظر الى معسكرهم والى مواضع رحالهم وتربتهم . ولنعم مل قيل :

قوم اذا اقتحم العجاج رأيتهم شمسا وخلت وجوههم اقمارا
واذا الصريخ دعاهم لملمة بذلوا النفوس وفارقوا الاعمارا

الامتياز الثالث والعشرون :


23- انهم هم المقربون الى رسول الله (ص) وانه لو ادركهم لاكرمهم فقد جاء في البحار نقلا عن تفسير الثعلبي : ان الربيع بن خيثم قال لما وصله خبر
(352)

شهادة الامام الحسين (ع) ومن معه من اهل بيته واصحابه : جئتم بها ، فوالله لقد قتلتم صفوة لو ادركهم رسول الله (ص) لاعزهم واكرمهم ولاشفق عليهم وتلطف بهم .

الامتياز الرابع والعشرين :


24- انهم كانوا لشدة اشتياقهم للشهادة لا يجدون الم مس السلاح والحرب وذلك لما قد روي في خرائج الراوندي عن الامام الباقر (ع) عن الامام الحسين (ع) انه قال لاصحابه ان رسول الله (ص) قال لي : يا بني انك ستساق الى العراق وهي ارض قد التقى بها النبيون واوصياء النبيين وهي ارض تدعى عمورا وانك تستشهد بها ويستشهد جماعة من اصحابك لا يجدون الم مس الحديد ثم قرأ : «قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على ابراهيم» ثم اضاف : يكون الحرب بردا وسلاما عليك وعليهم .

الامتياز الخامس والعشرون :


25- انهم كانوا الشجعان في دينهم فلا تستهويهم المغريات والابطال في دنياهم فلا يهابون الموت ففي رجال الكشي روي في وصف حبيب بن مظاهر قائلا : كان حبيب من الرجال الذين نصروا الامام الحسين(ع) وتلقوا جبال الحديد واستقبلوا الرماح بصدورهم والسيوف بوجوههم وهم يعرضون عليهم الامان والاموال فيأبون ويقولون لا عذر لنا عند رسول الله (ص) ان قتل الامام الحسين (ع) وفينا عين تطرف حتى قتلوا حوله واستشهدوا بين يديه .

كاني به في ثلة من رجاله كما حف بالليث الاسود اللوابد
يخوض بهم بحر الوغى فكانه لواردهم عذب المجاجة بارد


(353)

الامتياز السادس والعشرون :


انهم هم الابات الحمات الذين فضلوا الموت تحت ظلال السيوف على الحياة بذلة فقد جاء في شرح النهج لابن ابي الحديد ان سيد اهل الاباء الذي علم الناس الحمية والموت تحت ظلال السيوف اختيارا عن الدنية هو ابو عبد الله الحسين (ع) عرض عليه الامان او يستسلم ؟ فانف من الذل وذلك كما قال :

الموت خير من ركوب العار والعار اولى من دخول النار


وحواريوا سيد اهل الاباء تعلموا منه الاباء والحمية واختاروا الموت تحت ظلال السيوف على الذلة والدنية ولنعلم ما قيل فيهم :

بنفسي وابائي نفوس ابية يجرعها كاس المنية مترف
وهم خير من تحت السماء باسرهم واكرم من فوق السماء واشرف


اي : اكرم على الله من الملائكة المقربين عنده واشرف منهم لديه .

الامتياز السابع والعشرون :


27- انهم هم المخصوصون بعد شهادتهم بتجهيز السماء لهم والصلاة عليهم وذلك لما روي في البحار عن كامل الزيارات مسندا عن الامام زين العابدين (ع) عن عمته الكبرى السيدة زينب (ع) عن ام ايمن عن النبي (ص) عن جبرائيل انه قال : فاذا برزت تلك العصابة الى مضاجعها تولى الله عز وجل قبض ارواحهم بيده واهبط الى الارض ملائكة من السماء السابعة معهم انية من الياقوت والزمرد مملوءة من ماء الحياة وحلل من الجنة وطيب من طيب الجنة فغسلوا جثثهم بذلك الماء والبسوها الحلل وحنطوها بذلك الطيب وصلى الملائكة صفا صفا عليهم .
(354)

الامتياز الثامن والعشرون :


28- انهم المتأهلون لان يتولى موراتهم ودفنهم رسول الله (ص) وذلك على ما جاء في البحار نقلا عن امالي الشيخ الطوسي عن الامام الصادق (ع) انه قال : اصبحت ام سلمة سوما باكية حزينة فسألوها عن سبب حزنها وبكائها فقالت : لقد قتل ولدي الحسين (ع) وذلك اني رأيت رسول الله (ص) في المنام الليلة الماضية مع اني لم اره في منامي منذ ارتحاله من الدنيا فرأيته البارحة وهو اشعث مغبر وعلى رأسه التراب فقلت له : ي رسول الله ما لي اراك اشعثا مغبرا؟ فقال بحزن وكابة : قتل ولدي الحسين (ع) وما زلت احفر القبور له ولاصحابه .
وقد جاء في المناقب لابن شهر اشوب عن ابن عباس انه قال : كنت نائما في منزلي واذا بي اسمع صرخة عظيمة وضجة عالية من بيت ام سلمة فاصغيت لها فاذا هي تنادي وتقول : يا بنات عبد المطلب اعنني على النياحة وساعدنني على البكاء فان سيدكم ومولاكم الامام الحسين (ع) قد قتل .
فقيل لها : من اين علمت ذلك ؟
فقالت : رأيت الساعة رسول الله (ص) في المنام وهو اشعث اغبر فقلت له : يا رسول الله ما لي اراك اشعث اغبر ؟
فقال بحرقة ولوعة : قتل ولدي الحسين (ع) وما زلت احفر القبور له لاصحابه .
ثم قالت : فانتبهت فزعة ونظرت الى القارورة التي فيها تراب كربلاء وكان قد دفعه النبي (ص) اليها وامرها ان تحتفظ به قائلا : اذا انقلب دما فقد قتل ولدي الحسين (ع) فرأيته قد انقلب دما .
(355)

الامتياز التاسع والعشرون :


29- انهم كانوا قد رأوا منازلهم في الجنة بام اعينهم وهم في الدنيا احياء وذلك قبل قتلهم وشهادتهم فقد جاء في علل الشرايع مسندا عن الامام الصادق (ع) ان واحدا من اصحابه قال له متسائلا : اخبرني يا ابن رسول الله عن تسابق اصحاب الامام الحسين (ع) الى القتل والشهادة . فقال (ع) : انهم قد كشف لهم الغطاء حتى رأوا منازلهم من الجنة فكان الرجل منهم يقدم على القتل ليبادر الى الحور فيعانقها والى مكانه من الجنة فينعم به :

لهفي لركب صرعوا في كربلا كانت بها اجالهم متدانية
نصروا ابن بنت نبيهم طوبى لهم نالوا بنصرتهم مراتب سامية

الامتياز الثلاثون :


30- انهم كانوا قد تأهلوا لكي يخبرهم المعصوم بنهاية امرهم وخاتمة عمرهم ولأن يريهم منزلتهم عند الله ودرجتهم لديه وذلك على ما جاء في كتاب ( نفس المهموم ) نقلا عن القطب الراوندي عن ابي حمزة الثمالي عن الامام زين العابدين (ع) انه قال : جمع ابي (ع) اصحابه مساء يوم تاسوعاء وقام فيهم خطيبا وقال : هذا الليل اتخذوه فان القوم انما يريدوني ولو قتلوني لم يلتفتوا اليكم وانتم في حل وسعة فقالوا والله لا يكون هذا ابدا فقال انكم تقتلون غدا كلكم ولا يبقى منكم رجل فقالوا الحمد لله الذي شرفنا بالقتل معك ثم رفع يديه بالدعاء وقال لهم : ارفعوا رؤوسكم وانظروا فجعلوا ينظرون الى مواضعهم ومنازلهم من الجنة .
(356)

وجاء في زيارة الناحية المقدسة : ( وكشف الله لهم الغطاء ) ولنعم ما قيل :

قوم اذا نودوا لدفع ملمـــــة والخيل بين مدعس ومكربس
لبسوا القلوب على الدروع واقبلوا يتهافتون الى ذهاب الانفـس

الامتياز الواحد والثلاثون :


31- انهم فور استشهادهم دخلوا الجنة وعانقوا الحور العين فقد جاء في كتاب الامالي عن سالم انه روى قائلا : سمعت كعب الاحبار يقول ان في كتابنا ان رجلا من ولد محمد رسول الله (ص) يقتل ولا يجف عرق دواب اصحابه حتى يدخلون الجنة فيعانقون الحور العين قال فمر بنا الامام الحسين (ع) فقلنا له وقد اشرنا اليه : هو هذا ؟ فقال : نعم .

الامتياز الثاني والثلاثون :


32- انهم يوم القيامة في طليعة من يدخل الجنة بغير حساب فقد روي في الامالي عن هرثمة بن ابي مسلم انه قال غزونا مع الامام امير المؤمنين علي بن ابي طالب (ع) صفين فلما انصرفنا نزل بكربلاء وصلى بها الغداة ثم رفع اليه شيئا من تربها وشمها ثم قال : واها لك ايتها التربة ليحشرن منك اقوام يدخلون الجنة بغير حساب .
ومن المعلوم ان حواريي الامام الحسين (ع) مع امامهم الامام الحسين (ع) هم في مقدمة اولئك الذين يحشرون من ارض كربلاء الى المحشر ويدخلون الجنة من غير وقوف ولا حساب .

هي كربلاء قف على عرصاتها ودع الجفون تسح في عبراتها


(357)

سلها باي قرى تعاجلت الاولى نزلوا ضيوفا عند قفر فلاتها
ما بالها لم تروهم من مائها حتى تروت من دما رقباتها

الامتياز الثالث والثلاثون :


33- انهم قد ارتووا من الماء على يدي رسول الله (ص) ووصية الامام امير المؤمنين (ع) في يوم عاشوراء حين الشهادة وذلك على ما جاء في كتاب ( دار السلام ) نقلا عن امالي الشيخ الطوسي عن السدي انه روى قائلا : قلت لرجل يشم منه رائحة القطران هل انت تبيع القطران ؟ فقال : لا والله اني لا اعرف القطران ولا اراه غير اني دهان وكنت ابيع الدهن في كربلاء لجيش ابن سعد ومعسكره ويعد واقعة كربلاء رأيت في المنام رسول الله (ص) والامام امير المؤمنين (ع) وهما يسقيان الشهداء السعداء ماءا فاقبلت من شدة العطش الى الامام امير المؤمنين (ع) وطلبت منه ان يسقيني فلم يسقيني فتوجهت الى رسول الله (ص) واردت منه ان يسقيني فالتفت الي وقال لي : الست انت الذي اعنت في كربلاء الاعداء على ولدي ؟ ثم امر بان يسقوني شربة من قطران فسقوني فاذا بي انتيه من نومي وانا احترق من ريح القطران والى اليوم ريح القطران تؤذيني ولم تفارقني بعد .

الامتياز الرابع والثلاثون :


34- انهم تأهلوا بسبب نصرتهم لابن بنت نبيهم ان يهتم بهم رسول الله (ص) ويجمع دمائهم في قارورة ليشتكي مظلوميتهم الى الله تعالى ففي الكامل لابن الاثير والتذكرة لابن الجوزي عن ابن عباس انه قال : رأيت رسول الله :
(358)

الله (ص) في المنام مساء اليوم الذي استشهد فيه الامام الحسين (ع) كئبا حزينا وفي يده قارورة مملوءة بالدم فقلت : يا رسول الله ما هذه الكابة والحزن ؟ وما هذه القارورة والدم ؟ فاجابني قائلا : يا ابن عباس هذا دم ولدي الحسين (ع) واصحابه لم ازل التقطه منذ اليوم ليكون سندا لشكواي مظلوميتهم الى الله تعالى .
فلما اصبح ابن عباس اخبر الناس بما راه فارخوا ذلك اليوم وكان يوم عاشوراء فلما جاء الخبر بقتل الامام الحسين (ع) ومن معه رأوه لما ارخوه .

الامتياز الخامس والثلاثون :


35- انهم كانوا متأهلين لان يبشرهم الامام الحسين (ع) بالجنان الواسعة والنعيم الدائم شكرا منه على موقفهم وتقديرا لهم على وفائهم فقد روي في البحار عن معاني الاخبار عن الامام زين العابدين (ع) انه قال ما معناه : انه لما اشتد الامر بالامام الحسين (ع) واصحابه في يوم عاشوراء واحدقت المنايا بهم نظر الامام الحسين (ع) الى صحابه نظرة اشفاق ورحمة وقال لهم مبشرا ومشجعا صبرا يا بني الكرام فما الموت الا قنطرة بعبر بكم عن البؤس والضراء الى الجنان الواسعة والنعيم الدائم فايكم يكره ان ينتقل من سجن الى قصر ؟
وما هو لاعدائكم الا كمن ينتقل بهم من قصر الى سجن وعذاب .
ثم قال (ع) ان ابي حدثني عن رسول الله (ص) ان الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر والموت جسر هؤلاء الى جنانهم وجسر هؤلاء الى جحيمهم ما كذب ولا كذيت .
(359)

الامتياز السادس والثلاثون :


36- انهم كانوا في قمة الفضائل والمكارم بحيث قد اذعن العدو لهم بذلك ولم يستطع انكاره والفضل ما شهدت به الاعداء فاه جاء في شرح الشافية لابي فراس انه قيل لرجل كان قد شهد يوم الطف مع عمر بن سعد : ويحك اقتلت ذرية رسول الله ؟
فاجاب قائلا : عضضت بالجندل انك لو كنت شهدت ما شهدنا لفعلت ما فعلنا فلقد ثارت علينا عصابة ايديها في مقابض سيوفها كالاسود الضاربة تحطم الفرسان يمينا وشمالا وتلقي بانفاسها على الموت لا تقبل الامان ولا ترغب في المال ولا يحول حائل بينها وبين الورود على حياض المنية او الاستيلاء على الملك فلو كففنا عنهم رويدا لاتت على نفوس العسكر بحذافيره فماذا كنا فاعلين لا ام لكم ؟

الامتياز السابع والثلاثين :


37- انهم كانوا الاحرار حقا لانهم قد تحرروا من هوى النفس وعن مغريات الحياة ومن تسويلات الشيطان وقد قال تعالى : «واما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى ، فإن الجنة هي المأوى»
ونقل ان ملكا قال لواحد من رعيته وكان فاضلا : لو ما تأتينا فتنال من معروفنا فانك رعيتنا ، فقال له الفاضل : كيف ذاك وانت رعية لرعيتي ؟ فقال له الملك بتعجب مشوب بغضب : كيف اكون انا رعية رعيتك ؟ فاجابه الفاضل قائلا : انك انت رعية الهوى مع ان الهوى رعيتي اني سيد هواي والهوى سيدك ومولاك فتكون انت رعية للهوى الذي هو رعيتة لي .
(360)

الامتياز الثامن والثلاثون :


38- انهم ادركوا بتسليمهم لله ولرسوله ولاوصيائه مقام العبودية الحقيقية لله تعالى وهو مقام عظيم فقد قال الله تعالى وهو يثني على عباده المخلصين : «عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بامره يعملون»وقال تعالى وهو يصف سيد رسله واشرف بريته في معراجه الى سمواته : «سبحان الذي اسرى بعبده» وقدم في تشهد الصلاة الشهادة بعبودية النبي (ص) على الشهادة برسالته وامرنا ان نقول بعد الشهادة لله تعالى بالوحدانية : «واشهد ان محمدا عبده ورسوله» .
فالعبودية الحقيقية لله تعالى هي : مقام عظيم ولا يناله الا ذو حظ عظيم فان كنهها الحرية والسيادة وثمرتها العز والشرف وعائدها الفوز والسعادة في الدنيا والاخرة وقد نالها حواريوا الامام الحسين (ع) بكل كفائة وجدارة .

الامتياز التاسع والثلاثون :


39- انهم كانوا قد نالوا بوفائهم لامامهم الحسين (ع) وسام الفتوة وهو وسام شريف فان الله تبارك وتعالى لما اراد ان يعرفنا عن اصحاب الكهف وعن موقفهم المشرف وصفهم بالفتوة فقال عز من قائل : «انهم فتية» ثم قال تعالى في ادامة وصفهم : «امنوا بربهم وزدناهم هدى» .
وفي روضة الكافي عن الامام الصادق (ع) انه قال لرجل : << ما الفتى عندكم ؟
(361)

فقال له : هو الشاب .
فقال (ع) لا ، الفتى : المؤمن . ان اصحاب الكهف كانوا شيوخا فسماهم الله عز وجل فتية بايمانهم >> .
وعليه : فحواريوا الامام الحسين (ع) وان كان فيهم شيوخ معمرون مثل حبيب بن مظاهر ومسلم بن عوسجة وبرير بن خضير يكونون فتية بل سادة الفتيان بعد المعصومين الاربعة عشر (ع) وذلك لما سبق مما هو واضح ايضا ولنعم ما قيل فيهم :

ولم انس فتيانا تداعوا لنصره وللذب عنه عانقوا البيض والسمرا
حماة حموا خدرا ابى الله هتكه فعظمه شأنا وشرفه قدرا
فاصبح نهبا للمغاوير بعدهم ومنه بناة المصطفى ابرزت حسرى
يقنعها بالسوط شمر وان شكت يؤنبها زجر ويوسعها زجرا

الامتياز الاربعون :


40- انهم بشهادتهم الخالصة لله احرزوا حياة الابد والرزق الدائم عند ربهم وذلك لقول الله تعالى في محكم كتابه ومبرم خطابه وهو يصف فضل الشهداء : «ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله امواتا بل احياء عند ربهم يرزقون فرحين بما اتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون يستبشرون بنعمة من الله وفضل وان الله لايضيع اجر المؤمنين»وحوريوا الامام الحسين (ع) على ما عرفت هم سادة الشهداء السعداء بعد الامام الحسين (ع) وابو الفضل العباس (ع) هو سيدهم وسندهم وفي مقدمتهم وطليعتهم .
(362)

وعليه فابوا الفضل العباس (ع) فيما ذكرناه من الخصائص لحواري الامام الحسين (ع) وعددناه من امتيازاتهم كان هو الفائز الاول من بينهم عليها بل هو الحائز على ارفع درجاتها واسمى مراقيها وذلك بكل كفاءة وجدارة مضافا الى ما ذكرناه له (ع) بخصوصه من خصائص وامتيازات .
فهنيئا لابي الفضل العباس (ع) مقامه الرفيع وشأنه العظيم ومنزلته السامية عند الله تبارك وتعالى وعند رسول الله (ص) وعند الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء (ع) وعند الائمة الطاهرين من اهل بيت رسول الله صلوات الله وسلامه عليهم اجمعين حتى عد زيارته (ع) وخاصة الزيارة المأثورة عن الامام الصادق (ع) بسند صحيح ومتفق عليه من افضل القربات الى الله ومن انجح الوسائل اليه تعالى لقضاء الحوائج وتيسير الامور وتفريج الكرب وكشف الغموم نسال الله تعالى التوفيق لزيارته في الدنيا والحصول شفاعته في الاخرة والفوز بمرافقته في الجنان في مقعد صدق عند مليك مقتدر امين رب العالمين .

تنصل واعـــــــــــــتذار :


لقد تم الفراغ بحمد الله تعالى ومنه من ذكر ما تيسر لنا في ترجمة ( الخصائص العباسية ) من فضائل باب الحوائج وقمر بني هاشم ابي الفضل العباس (ع) ومناقبه علما بان هذه الترجمة قد ضمت بين دفتيها كل ما جاء في الاصل : ( الخصائص العباسية ) تقريبا مع اضافة بعض ما لم يكن في الاصل مما ريناه منسجما مع الاصل واضافة بعض الخصائص الاخرى اليها لاكمال عدة الخصائص الى اربعين خصيصة فكملت والحمد لله تعالى .
(363)

وقد قمنا بذلك من باب القاعدة المعروفة التي تقول : ما لا يدرك كله لا يترك كله وذلك اداءا لبعض الواجب الذي هو علينا تجاه مقام ابي الفضل العباس (ع) ومنزل عند الله وحقه الكبير علينا فانه (ع) على ما عرفت هو الشخصية الثانية من الرجال بعد شخصية الامام الحسين (ع) التي دارت على اكتافهم قضية كربلاء وواقعة عاشوراء والتي لولاها لما بقي من الدين اسم ولا من القران رسم ولا للانسانية والعاطفة والاخلاق والاداب والكرامة والشهادة والرحمة والرفق والحضارة والمدنية والشورى والتعددية والقانون والحرية عين ولا اثر فبقاء شيء منها الى يومنا هذا انما هو مدين للامام الحسين (ع) واخيه ابي الفضل العباس (ع) وسائر الشهداء السعداء في يوم عاشوراء وعلى ارض كربلاء .
وعليه : فيكون هذا الشيء القليل والنزر اليسير منا لابي الفضل العباس (ع) العظيم ليس الا بضاعة مزجاة راجين من الله تعالى المغفرة والرضوان ومن ابي الفضل العباس العذر والقبول ومن القراء الكرام العفو والاغماض عما فيه من قصور او تقصير والاكمال والاتمام لما فيه من خطأ او نقصان وسهو او نسيان انشاء الله تعالى .



المرتجم - ربيع الميلاد عام / 1420هـ
(364)