ان الغيرة الاسلامية والانسانية والكرامة النفسية والاجتماعية تحث الانسان الى حماية نسائه واطفاله تحظه على توفير الامن والامان لهم وتدعوه الى حياطتهم ورعايتهم وذلك في كل مكان وزمان في السفر والحضر وفي الحل والترحال وفي النزول والركوب ومن اولى رعاية هذا الخلق النبيل من مؤسس الاخلاق ومهذبه ومعلم الانسانية ومزكيها ومبلغ الاسلام وحاميه الرسول الكريم (ص) والائمة من اهل بيته (ع) ولذلك كانوا (ع) اذا ارادوا بنسائهم واطفالهم السفر اركبوهم في هوادج مغطاة باغطية ومسدلة بستور حتى يأمنوا من نظر الاجانب ويحفظوا من الحر والبرد وكذلك فعل الامام الحسين (ع) حين خرج بنسائه واطفاله من مدينة جده رسول الله (ص) متجها نحو مكة المكرمة ومنها الى العراق واوكل بذلك اخاه الاغر وعضيده الوفي ابا الفضل العباس (ع) وكان موكب النساء على اثر ذلك قرير العين هادئ البال مطمئن النفس والقلب اذ على رأسه سيده الامام الحسين (ع) وفي حمايته ابو الفضل العباس (ع) وسائر ابطال بني هاشم .

مع ربيعة بن مكدم


وفي البيت الاول الذي جعلناه مطلع هذه الخصيصة يقول ناظمها السيد جعفر الحلي وهو يخاطب ابا الفضل العباس (ع) : لقد نال ابو الفضل العباس (ع) وبكل جدارة لقب حامي الظعينة وتفوق في تظحيته من اجل ظعائن الرسالة والامامة على جميع اقرانه ممن ضرب به المثل في هذا المجال : كربيعة بن مكدم الكناني وكان ربيعة واحدا من بني فراس بن غنم حيث عرف بحامي الظعن حيا وميتا واثنى عليه الشعراء وتغنوا بموقفه الشجاع فخرا واعتزازا وترنموا بكبير
(151)

شهامته وشدة غيرته على ظعنه في كل موطن وموقف وكان من قصته على ما حكي من مجمع الامثال عن ابي عبيدة : ان نبيشة ابن حبيب السلمي خرج غازيا فلقي ظعنا من كنانة بالكديد فاراد ان يحتويها فمانعه ربيعة بن مكدم في فوارس وكان غلاما له ذؤابة فشد نبيشة فطعنه في عضده فاتى ربيعة امه فقال :
شدي على العصب ام سيار فقد رزئت فارسا كالدينار

فاجابته امه قائلة :
انا بني ربيعة بن مالك نزرء في خيارنا كذلك
ما بين مقتول وبين هالك


ثم ضمدت له جراحه وعصبته فلما اراد ان يذهب الى القوم استسقاها ماءا فقالت له امه اذهب فقاتل القوم فان الماء لا يفوتك فرجع فكر على القوم فكشفهم ورجع الى الظعن وقال لهن : اني ميت من هذه الطعنة ولكن ساحميكن ميتا كما حميتكن حيا وذلك بان اقف بفرسي على العقبة واتكئ على رمحي فاذا فاضت نفسي كان الرمح عمادي فالنجاء النجاء فاني ارد بعملي هذا وجوه القوم ساعة من النهار فقطعت الظعن العقبة ووقف هو بازاء القوم على فرسه متكئا على رمحه ونزف من الدم الى ان فاضت روحه ومات وهو يتمنى ان يأتي اليه من يحمله الى اهله ويجعله بينهم ولكن خاب امله ومات وهو معتمد على رمحه كانه حي والقوم بازائه يحجمون عن الاقدام عليه فلما طال وقوفه في مكانه ورأوه لا يزول عنه رموا فرسه فقمص الفرس وسقط ربيعة لوجهه على الارض فعلموا انه ميت فتوجه القوم عندها لطلب الظعن فلم يلحقوهن ومن هذه القصة اشتهر : انه لم يعرف قتيل حمى الظعائن مثل ربيعة بن مكدم .
(152)

بين ربيعة و العباس (ع)


ولكن اين ربيعة بن مكدم من ابي الفضل العباس (ع) ؟ ان ربيعة لو كان حيا لافتخر بغيرة العباس على ظعائنه ولاندهش من شدة غيرته وعظيم حيطته ورعايته لظعائنه ان ربيعة لما طعن راح يلتجئ الى امه كي تضمد جرحه وتعصبه فتقوم امه بتشجيعه وبعث الحمية فيه بينما العباس (ع) لما قطعوا يمينه اخذ يرتجز ويقول ما يبعث الغيرة في نفس كل سامع والحمية في قلب كل انسان حر انه كان يقول يمناي لديني ولامامي - الذين علماني حماية الظعن والغيرة على الاهل والعيال وخاصة على مثل ربيبات الرسالة والامامة - الفداء والوقاء .
نعم ان ربيعة بن مكدم يطلب الماء من امه ليروي به عطشه فتصرفه امه عن شرب الماء وتوقفه على ان حماية الظعن اهم من انشغالك بشرب الماء وهن معرضات للخطر بينما ابو الفضل العباس (ع) يدخل العلقمي فاتحا للماء ويقتحمه مستوليا عليه ويدني الماء من فمه ويقربه الى فيه بلا اي مانع ولا رادع ودون اي انشغال به او تثبط له على الامر الاهم الذي هو حماية ظعائن الرسالة والامامة فانه (ع) مع ان الماء في متناوله ورحابه والشرب جائزا له ومباحا عليه اعرض عن شرب الماء مواساة لاخيه وسيده الامام الحسين (ع) ولظعائن النبوة والولاية وصرف نفسه عن الالتذاذ بشرب الماء مع شدة العطش وعظيم ظمئه ليشتغل بالاهم من ذلك الا وهو حماية الظعن والسقاية لهن .
ان ربيعة يقف بفرسه على العقبة ويتكيء على رمحه حتى اذا نزف دمه ومات يبقى معتمدا على رمحه انه اراد بذلك رد وجوه القوم عن الظعائن ساعة من النهار ثم لما رموا فرسه قمص الفرس سقط على وجهه الى الارض ميتا ،
(153)

فعل ربيعة كل ذلك ولكنه كان يتمنى عند سقوطه ان يأتي اليه من يحمله الى اهله ويجعله بين اسرته وينقذه من غربته ووحدته بينما ابو الفضل العباس (ع) لما سقط من على ظهر جواده واتاه اخوه الامام الحسين (ع) كالصقرالمنقض واراد ان يحمله الى المخيم يأبى عليه ابو الفضل العباس (ع) ذلك ويقسمه بحق جده رسول الله (ص) ان يدعه في مكانه حتى لا تندهش الظعائن بقتله ولا تنذعر ربيبات الرسالة والامامة بنبأ استشهاده وحتى لا يستسبع العدو لفقده ولا يتجاسر على اقتحام المخيم بعد موته ولو ساعة من النهار اي بمقدار ما بقي خبر شهادته مخفيا عليهن وعليهم .

الامام الحسين (ع) وحماية الظعائن


وهكذا فاق ابو الفضل العباس (ع) كل اقرانه في هذه المكرمة النبيلة وزاد عليهم ايضا في التضحية من اجلها والفداء في حمايتها حي وميتا حتى صار هو وحده الجدير بهذا اللقب الكريم : حامي الظعينة .
نعم ان الامام الحسين (ع) هو الامام المنصوص عليه من عند الله تبارك وتعالى والامام المنصوص عليه هو امام في كل المحاسن والمكارم ومنها مكرمة حماية الظعن ولذلك يكون الامام الحسين (ع) هو السباق حتى في هذه المكرمة ويكفي له دليلا موقفه (ع) بعد سقوطه من ظهر جواده في يوم عاشوراء حيث انه (ع) بقي بعدها مدة طريح الارض وقد اعياه نزف الدم والقوم يهابون الدنو منه والاقتراب اليه وقد اختلفوا ينهم في حياته وموته فمن قائل انه قد مات ومن قائل انه لم يمت وانما عمل هذا مكيدة فقال شمر بن ذي الجوشن اقصدوا مخيمه فان كان حيا لم تدعه غيرته الهاشمية ان يسكت عنكم
(154)

فقصدوا الخيام فتصارخت النسوة وعلى اصواتهن فاراد الامام الحسين (ع) النهوض اليهم فلم يستطع فنادى بهم : ويحكم يا شيعة ال ابي سفيان ان لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون المعاد فكونوا احرارا في دنياكم وارجعوا الى احسابكم اذا كنتم اعرابا .
فناداه شمر وقال : ما تقول يا ابن فاطمة ؟
قال : اقول : انا الذي اقاتلكم وتقاتلوني والنساء ليس عليهن جناح فامنعوا عتاتكم عن التعرض لحرمي ما دمت حيا .
فقال شمر : لك هذا ثم صاح بالقوم اليكم عن حرم الرجل فاقصدوه في نفسه فلعمري لهو كفؤ كريم فقصده القوم وعطفوا عليه .
والى هذا المعنى اشار الشاعر الحسيني حيث يقول :
قال اقصدوني بنفسي واتركوا حرمي قد حان حيني وقد لاحت لوائحه

فالامام الحسين (ع) اذن مؤسس هذه المكارم والمضحي من اجلها وابو الفضل العباس (ع) هو خير من اقتدى باخيه وامامه الامام الحسين (ع) وفاز السبق في هذه المكرمة ونال وسام حامي الظعينة وحامي الظعن وحامي ظعينة الامام الحسين (ع) بجدارة .
(155)

الخصيصة الواحد والعشرون :


في انه (ع) المعروف بسبع القنطرة


السبع : يقال للاسد ولكل حيوان مقدام فتاك ويطلق على الرجل الشجاع البالغ في الشجاعة والاقدام .
والقنطرة : يقال للجسر ولكل ما بني على الماء من انهار وجداول للعبور .
وسبع القنطرة يعني الرجل الشجاع الذي حمى الجسر من عبور الاعداء عليه واثبت من نفسه جدارة الحراسة للجسر وسجل عليه مواقف بطولية مشرفة .

كيف عرف (ع) بهذه الخصيصة ؟


وانما عرف ابو الفضل العباس (ع) بسبع القنطرة ، لانه - على ما روي - قد ابدى من نفسه في حرب النهروان - والنهروان بلد من بغداد باربعة فراسخ - جدارة عالية في حراسة القنطرة والجسر الذي كان قد اوكله ابوه امير المؤمنين (ع) مع مجموعة من الفرسان بحفظه يوم النهروان من الخوارج وسجل عليه مواقف شجاعة وبطولات هاشمية مشرفة فانه لم يدع بشجاعته وبسالته جيش الخوارج ان يعبروا من عليه ولا ان يجتازوه الى حيث يريدون بل صمد امامهم بسيفه وصارمه وصدهم عما كانوا ينوونه بعزمه وباسه ولذلك لما دخل وقت
(156)

الصلاة وطلب الامام امير الممنين ماءا يتوضأ به اقبل فارس والامام (ع) يتوضأ وقال يا امير المؤمنين لقد عبر القوم ويقصد بهم الخوارج وانهم عبورا القنطرة التي اوكل بها الامام امير المؤمنين (ع) ابنه العباس (ع) مع مجموعة من الفرسان .
فلم يرفع الامام امير المؤمنين (ع) اليه رأسه ولم يلتفت اليه وذلك وثوقا منه بشجاعة ولده المقدام ابي الفضل العباس (ع) الذي اوكله بحفظ القنطرة من سيطرة الاعداء وامره بحراستها من عبورهم عليها وتجاوزهم عنها .
هذا مضافا الى ما اخبره به رسول الله (ص) عن الله في شأن الخوارج وما يؤول اليه امرهم وفتنتهم وما اطلعه (ص) على جزئيات قضيتهم وكيفية مقاتلتهم له ومواقع نزولهم وركوبهم وسوء عواقبهم ومصارعهم .
على اثر ذلك كله اجاب الامام امير المؤمنين (ع) ذلك الفارس بقوله : انهم ما عبورا ولا يعبرونه ولا يفلت منهم الا دون العشرة ويقتل منكم الا دون العشرة ثم قال(ع) : يؤكد ذلك : والله ما كذبت ولا كذبت .
فتعجب الناس من كلام امير المؤمنين (ع) لذلك الفارس وكان هنالك مع الامام رجل وهو في شك من امره فقال : ان صح ما قال فلا احتاج بعده الى دليل غيره فبينما هم كذلك اذ اقبل فارس فقال : يا امير المؤمنين القوم على ما ذكرت لم يعبروا القنطرة .

مع خوارج النهروان


ثم ان الامام امير المؤمنين (ع) صلى بالناس صلاة الظهر وامرهم بالمسير اليهم وهم دون القنطرة ثم حمل (ع) عليهم باصحابه حملة رجل واحد - وذلك
(157)

بعد ان اتم (ع) الحجة عليهم واستتابهم مما جنوه من قتل عبدالله بن خباب وبقر بطن زوجته واخراج طفلها وقتله فرجع منهم ثمانية الاف وبقي اربعة الاف لم يتوبوا وقالوا له لنقتلنك كما قتلناه - فحمل (ع) عليهم واختلطوا فلم يكن الا ساعة حتى قتلوا باجمعهم ولم يفلت منهم الا تسعة انفس .
فرجلان هربا الى خراسان والى ارض سجستان وبهما نسلهما .
ورجلان صارا الى بلاد الجزيرة الى موضع يسمى السن .
ورجلان صارا الى بلاد عمان وفيها نسلهما الى الان .
ورجلان صارا الى بلاد اليمن .
ورجل اخر هرب الى البر ثم بعد ذلك دخل الكوفة وهو عبد الرحمن بن ملجم المرادي .
كما انه لم يقتل من اصحاب الامام امير المؤمنين (ع) الا تسعة .
فكان كما اخبر به امير المؤمنين (ع) تماما من دون زيادة ولا نقصان .
(158)

الخصيصةالثانية والعشرون :


في انه (ع) المعروف بالضيغم


حتى اذا اشتبك النزال وصرحت صيد الرجال بما تجن وتكتم
وقع العذاب على جيوش امية من باسل هو في الوقائع معلم
ما راعهم الا تقحم ضيغم غيران يعجم لفظه ويدمدم

الضيغم هو الاسد ويقال للرجل الشجاع البالغ في الشهامة والشجاعة والبطولة والاقدام وابو الفضل العباس (ع) عرف بين الناس بالضيغم لكبير شهامته وعظيم شجاعته وشدة بأسه وخفة ساعده فقد كان اذا قابله العدو وواجهه ضربه بضربة قاضية تاتي على حياته ولكن من سرعة الضربة وخفة الساعد وحدة السيف وقوة القبضة كان لا يلتفت المضروب الى ما جرى عليه فلو انه (ع) ان قد ضرب رقبته بقي رأسه ثابتا على جثته فاذا فر لينجو بنفسه وتحرك سبقه الراس متقدما على الجثة وسقط ومات وقد وصف السيد جعفر الحلي هذا المعنى من شجاعة ابي الفضل العباس (ع) في قصيدته حيث يقول :
ما كر ذو بأس له متقدما الا وفر ورأسه المتقدم

مع ابي ايوب الهمداني


وجاء في كتاب صفين لنصر بن مزاحم عن ابي روق الهمداني عن ابيه
(159)

عن عم له يدعى بابي ايوب قال : حمل يومئذ ابوايوب على صفوف اهل الشام ثم رجع فوافق رجلا صادرا قد حمل على صفوف اهل العراق ثم رجع فاختلفا بضربتين فنفحه ابو ايوب فابان عنقه فثبت رأسه على جسده كما هو وكذب الناس ان يكون ابو ايوب قد ضربه وارابهم امره حتى اذا دخل في صفوف اهل الشام وقع ميتا وندر رأسه فقال الامام امير المؤمنين (ع) : والله لانا من ثبات رأس الرجل اشد تعجبا مني لضربته وان كان اليها ينتهي وصف الضارب وغدا ابو ايوب الى القتال فقال له علي (ع) انت كما قال القائل :
وعلمنا الضرب اباؤنا وسوف نعلمه ايضا بنينا

من مواقف العباس (ع) في صفين


ولقد جاء في كتاب الكبريت الاحمر وغيره بان ابي الفضل العباس (ع) قد اشترك مع ابيه امير المؤمنين (ع) في حرب صفين وابدى من نفسه مواقف بطولية مشرفة اثبتت جدارته لمنازلة الابطال ومقارعة الاقران ولعله منها ومن امثالها عرف عند الناس بالضيغم واشتهر لديهم ومن تك المواقف الشجاعة موقف احتلال الفرات وازاحة جيش معاوية عن الماء فان معاوية كان قد سيطر على الفرات ووكل به الاف المقاتلين ويمنعوه عن معسكر الامام امير المؤمنين (ع) حتى اضر العطش بجيش اللامام (ع) وعند ذلك القى الامام (ع) خطبة حماسية على اصحابه حرضهم فيها على احتلال الفرات ثم انتدب لهذا الامر سبط رسول الله (ص) الامام الحسين (ع) فحمل الامام الحسين (ع) مع جماعة من الفرسان وكان يعضده اخوه ابو الفضل العباس (ع) حتى احتلوا الفرات وازاحوا جيش معاوية عنه وارتووا من الماء ثم انهم لم يقابلوا معاوية بالمثل وانما اباحوا الماء لهم لم يمنعوهم عنه .
(160)

العباس (ع) بين الصفين


ومن تلك المواقف الشجاعة لابي الفضل العباس (ع) في صفين خروجه مبارزا بين الصفين وعلى وجهه نقاب فهابه الناس وخافوا منه فانتدب له معاوبة ابا الشعثاء ذلك وانف من الخروج اليه وقال : ان اهل الشام يعدونني بالف فارس فلا يليق بي ان اخرج اليه ولكن سوف ابعث له احد اولادي وكانوا سبعة وكلما خرج اليه واحد منهم قتله حتى اتى عليهم جميعا فغضب ابو الشعثاء غضبا شديدا وامتلأ على هذا الشاب غيضا وحنقا وقال : لأخرجن اليه ولأثكلن بقتله والديه ثم خرج يشتد نحوه حتى اذا اقترب منه حمل عليه فابتدره ابو الفض العباس (ع) بضربة قاضية اتت عليه والحقته باولاده السبعة .
عندها خافه جيش معاوية وهابوه ولم يجرأ احد منهم بعد ذلك على مقارعته وقتاله ولا على مبارزته ومنازلته مما اضطره للرجوع الى وحدته ومقره .
هذا من جهة جيش معاوية اما من جهة جيش الامام امير المؤمنين (ع) فقد تعجبوا من شجاعة هذا الشاب وشهامته وتلهفوا الى معرفته والتطلع واليه ولذلك عندما رجع هذا الشاب الى مقره اقبل اليه الامام امير المؤمنين (ع) وهو يحبذه ويستحسنه ثم ازال النقاب عن وجهه فاذا هو ولده قمر بني هاشم ابو الفضل العباس (ع) .
(161)

الخصيصة الثالثة والعشرون :


في انه (ع) المعروف بالعبد الصالح


لعل اسمى المنازل وارفع المقامات وارقى الاوسمة وارفع النياشين لابي الفضل العباس (ع) هو وسام ونيشان : << العبد الصالح >> الذي وسمه به الامام الصادق (ع) وذلك في زيارته المعروفة التي نقلها عنه ابو حمزة الثمالي والتي جاء فيها : << السلام عليك ايها العبد الصالح المطيع لله ولرسوله ولامير المؤمنين والحسن والحسين صلى الله عليه واله وسلم >> فان تركيب كلمة العبد مع كلمة الصالح والتعبير به عن الامام الصادق (ع) في حق ابي الفضل العباس (ع) ينبئ عن عظيم ايمان ابي الفضل العباس (ع) بالله وشدة عبوديته له وكبير اخلاصه وتسليمه لامر الله وجميل هديه وصلاحه في نفسه اذ العبودية لله تعالى هي في نفسها منزلة المعصومين من الانبياء والاوصياء وما مدح الله انبياءه الا بانهم عباده كما لم يعتز الانبياء والاولياء الا بكونهم عباد الله فاذا قرنت العبودية لله بالصلاح والهدى ازدادت نظارة وجمالا وعلوا وارتفاعا .

عباد الله الصالحون في القران


قال تعالى في خصوص << عباده الصالحين >> مبشرا لهم من بين الناس كلهم بوراثة الارض والتمكين منها واقامة العدل والقسط فيها : «ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر ان الارض يرثها عبادي الصالحون»
(162)

قال الامام ابو جعفر كما في شرح الايات الباهرة : هم ال محمد صلوات الله عليهم .
وفي تفسير قوله تعالى : «اهدنا الصراط المستقيم ، سراط الذين انعمت عليهم غير المغضوب عليهم » قال الامام العسكري (ع) عن ابائه (ع) اي : اهدنا صراط الذين انعمت عليهم بالتوفيق لدينك وطاعتك وهم الذين قال الله تعالى فيهم : «ومن يطع الله والرسول فاولئك مع الذين انعم الله عليهم من النبيين والصدييقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا » وفي شرح الايات الباهرة عن النبي (ص) انه قال اما النبيون فانا واما الصديقون فاخي علي واما الشهداء فعمي حمزة واما الصالحون فابنتي فاطمة واولادها الحسن والحسين (ص) .

استنتاج واستنباط


فعباد الله الصالحون في الاية الاولى - كما عن الامام ابي جعفر (ع) - هم ال محمد صلوات الله عليهم واذا كان كذلك فاعطاء الامام الصادق (ع) لعمه ابي الفضل العباس (ع) وسام : << العبد الصالح >> ادخال له (ع) في ال محمد صلوات الله عليهم كما ان عباد الله الصالحين في الاية الثانية - حسب ما جاء تفسيرها عن النبي (ص) - هم : ابنة رسول الله (ص) فاطمة الزهراء (ع) واولادها الامامين الهمامين الحسن والحسين (ع) ومنح الامام الصادق (ع) عمه ابا الفضل العباس (ع) نيشان العبدالصالح حشر له (ع) في اولاد فاطمة الزهراء (ع) .
وليس ذلك بعجيب الم يرو عن النبي (ص) انه قال : القريب من قربته المودة ، ومن اكبر مودة من ابي الفضل العباس (ع) لاماميه وسيديه سبطي رسول الله (ص) وريحانتيه الامام الحسن والامام الحسين (ع) .
(163)

الم ينقل عن فاطمة الزهراء (ع) انها كانت تدعو العباس (ع) ابنا لها وتعده في زمرة اولادها وذلك تقديرا لاخلاصه (ع) ومودته وشكرا له على تضحيته وحسن بلائه.
ومما يذكر شاهدا على ذلك قصة ذلك الزائر المعروف بالصلاح والسداد والخير والتقوى الذي كان يزور الامام الحسين (ع) في كل يوم مرتين او ثلاث مرات ولا يزور ابا الفضل العباس (ع) الا مرة واحدة كل عشرة ايام . فانه - بحسب نقل احد العلماء الثقاة - رأى ذات ليلة في المنام فاطمة الزهراء (ع) فتقدم اليها وسلم عليها فاعرضت عنه ولم تعبأ به فتأثر من ذلك واحس بالتقصير من نفسه واخذ يعتذر منها قائلا : اني اعترف بالتقصير ولكن اريد يا سيدتي ان تعرفيني بتقصيري حتى اجتنبه ولايتكرر عندي فقالت (ع) : ان تقصيرك هو الاقلال من زيارة ولدي فاجاب وبكل انشراح قائلا اني ازوره يا سيدتي في كل يوم اكثر من مرة واحيانا تصل زيارتي الى ثلاث مرات يوميا ولست تاركا لزيارته (ع) ، فقالت (ع) له : صحيح انك تزور ولدي الامام الحسين (ع) كذلك ولكنك لا تزور ولدي العباس الا قليلا .
نعم كان كل ذلك وليس هو ببعيد فقد تواتر عن النبي (ص) انه قال في حق سلمان الفارسي : << سلمان منا اهل البيت >> وتواتر عنه (ص) النهي عن تسمية سلمان باسم : << سلمان الفارسي >> وامر ان يسمونه باسم : << سلمان المحمدي >> واذا كان مثل ذلك في حق سلمان تقديرا لولائه ومحبته وشكرا له على حسن فعاله وعظيم بلائه فليس هو عن ابي الفضل العباس (ع) بغريب من عظيم بلاء ابي الفضل العباس (ع) يوم عاشوراء وكبير عنائه في الله تعالى ، وجميل تضحيته من اجل سيده وامامه واخيه الامام ابي عبد الحسين (ع) .
(164)

الامام الكاظم (ع) ووسام << العبد الصالح >>


ومما يدل على ان وسام العبد الصالح لابي الفضل العباس (ع) ادخال له في ال محمد صلوات الله وسلامه عليهم اجمعين وحشر له في اولاد فاطمة الزهراء (ع) هو منح الله تعالى الامام موسى بن جعفر (ع) الذي هو من ال محمد صلوات الله عليهم بنص رسول الله (ص) وهو ايضا من اولاد فاطمة الزهراء (ع) من حيث النسب وسام : << العبد الصالح >> كما في تلك القصة المعروفة المنقولة في المناقب عن كتاب الانوار وهي ان هارون العباسي كان يحاول بشتى الوسائل والطرق ان ينال من شخصية الامام موسى بن جعفر (ع) وان يخدش سمعته فكان يتذرع بكل الحيل والمكائد لالقاء التهمة على الامام (ع) ويسعى في الافتراء عليه حتى يتمكن من قتله والانتقام منهخ علانية وذات مرة فكر في حيلة جديدة وهي ان ينفذ الى الامام جارية له كانت ذات جمال ووضاءة بعنوان انها تخدمه في السجن ليتسنى له ان يتهمه عبرها ويفتري عليه بواسطتها .
فما ان جاء بها السجان الى الامام (ع) رفض قبولها منه وقال له : قل لهارون : «بل انتم بهديتكم تفرحون »انه لاحاجة لي في هذه ولا في امثالها .
فلما رجع السجان الى هارون واخبره بالخبر استطار هارون غضبا وغيضا وقال ارجع اليه وقل له : ليس برضاك حبسناك ولا برضاك اخذناك ثم اترك الجارية عنده وانصرف .
فعل السجان كل ما امر به هارون وترك الجارية في السجن عند الامام (ع) ورجع .
(165)

عندها قام هارون من مجلسه وانفذ الخادم اليه ليتجسس عن حالها ويستعلم اخبارها ولكن ما راع الخادم الا ان راى الجارية قد وقعت على الارض ساجدة لربها لا ترفع رأسها من سجدتها وهي في سجودها تكرر تقديس ربها وتنزيهه وتقول : قدوس قدوس سبحانك سبحانك فهرع الخادم الى هارون ورفع اليه خبرها .
وهنا حيث راى هارون عكس ما كان يتوقعه من مكيدته هذه فانه كان يحاول بها النيل من الامام (ع) والتذرع عبرها لالصاق التهمة به والانتقام منه وقتله بينما قد انقلبت مكيدته الى منقبة للامام (ع) ورفعة لشخصيته ومقامه ولذا تشبث بكيل التهمة المتعارفة لدى فراعنة كل زمان وهو القذف بالسحر فالتفت الى من كان عنده وقال : سحرها والله موسى بن جعفر بسحره .

تحول وانقلاب


ثم قال هارون : علي بالجارية ، فاتى بها وهي ترعد شاخصة ببصرها نحو السماء فانتهرها هارون قائلا ما شأنك ؟
قالت : شأني الشان البديع اني كنت واقفة عند العبد الصالح وهو قائم يصلي ليله ونهاره فلما انصرف عن صلاته التفت اليه وهو يسبح الله ويقدسه وقلت : يا سيدي هل لك حاجة اعطيكها ؟
فقال لي متسائلا : وما حاجتي اليك ؟
قلت : اني ادخلت عليك لحوائجك .
فقال وقد اشار بيده الى جانب من السجن : فما بال هؤلاء ؟
قالت : التقت الى جانب الاشارة ونظرت فاذا روضة مزهرة غناء ، لا ابلغ
(166)

اخرها من اولها بنظري ولا اولها من اخرها فيها مجالس مفروشة بالوشي والديباج وعليها وصفاء ووصايف لم ار مثل وجوههم حسنا ولا مثل لباسهم لباسا عليهم الحرير الاخضر والاكاليل والدر والياقوت وفي ايديهم الاباريق والمناديل ومن كل الطعام فخررت ساجدة لله تعالى خاشعة لعظمته مسلمة لامره معترفة بما انعم به على اوليائه ومااتحفهم به من عظيم كرامته وكنت في حالتي هذه حتى اقامني هذا الخادم فرايت نفسي حيث كنت .
فغضب هارون عندما سمع ذلك منها وازداد عليها غيضا وحنقا ثم اخذ يحاول التنويه لما قالته والتشويه للحقائق الذي ابدته والتغطية على السامعين لذلك قال لها وبكل غلظة : يا خبيثة لعلك سجدت فنمت فرأيت ما قصصتيه علينا في منامك وما ذلك الا اضغاث احلام فقالت وهي منبهرة بما رأته من الواقع ومتأثرة به لا والله ما رأيت كل ذلك الا قبل سجودي وانما سجدت لما رأيت ما رأيت .
عندها اغتاض هارون من كلامها بشدة وقال : اقبض اليك هذه الخبيثة واحبسها حتى لا يسمع احد منها هذا الكلام .
قال الخادم فاخذت الجارية وحبستها فاقبلت الجارية في الصلاة وكانت اذا سألت عن قصتها وقيل لها في ذلك اجابت قائلة : هكذا رأيت << العبد الصالح >> (ع) .
قال فسألتها عن قولها : << العبد الصالح >> .
فقالت : اني لما عاينت من الامر ما عاينت ورأيت ما رأيت نادتني الجواري يا فلانة : ابعدي عن << العبد الصالح >> حتى ندخل عليه فنحن له دونك ثم قال : فما زالت كذلك حتى ماتت قبل الامام موسى بن جعفر (ع) بايام يسيرة .
ولا يبعد ان هارون امر بدس السم اليها كما امر بدس السم الى الامام الكاظم موسى بن جعفر (ع) .
(167)

السلام على العباس في الصلاة


اذن فكما ان الامام موسى بن جعفر (ع) الذي هو من اولاد فاطمة الزهراء (ع) وهو من ال محمد صلوات الله عليهم يدعى عند الله باسم << العبد الصالح >> فكذلك يكون ابو الفضل العباس (ع) عندما دعاه الامام الصادق (ع) باسم << العبد الصالح >> واذا كان كذلك شمل ابو الفضل العباس (ع) التحية والسلام المخصوص في تسليم الصلاة حيث نقول في التسليم الثاني اي بعد التسليم على رسول الله (ص) بقولنا السلام عليك ايها النبي ورحمة الله وبركاته ، نقول بعدها السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، فقولنا هذا في تسليم الصلاة يشمل وبكل كفاءة ابا الفضل العباس (ع) ايضا فكل مصل مسلم هو في الواقع يدعو لابي الفضل العباس (ع) ويسلم عليه في صلاته وذلك في كل يوم خمس مرات على الاقل وهذا حظ عظيم لا يناله الا من هو اهل له كابي الفضل العباس (ع) .
(168)

الخصيصة الرابعة والعشرين :


في انه (ع) المعروف بالعابد


قال الله تعالى : «سيماهم في وجوههم من اثر السجود ».
وقال الامام الصادق (ع) : << افضل طبائع العقل العبادة >> .
وروى الصدوق في ثواب الاعمال عن ابي الفضل العباس (ع) بانه كان يبصر بين عينيه اثر السجود وروي ايضا خبر ورود الرؤوس وبينها راس ابي الفضل العباس (ع) الى الكوفة مسندا عن القاسم ين الاصبغ بن نباته - صاحب امير المؤمنين (ع) وحوارييه - انه قال : قدم علينا رجل من بني دارم ممن شهد قتل الامام الحسين (ع) وحضر وقعة كربلاء وهو مسود الوجه وكان قبل ذلك رجلا جميلا شديد البياض ، فقلت له : ما كدت اعرفك لتغير لونك فما هو السبب في ذلك ؟ فقال بتلكؤ وانفعال : لقد قتلت في كربلاء رجلا من اصحاب الامام الحسين ابيض بين عينيه اثر السجود وجئت براسه الى ابن زياد في الكوفة ، وهو يعني من الذي قتله : ابا الفضل العباس (ع) الذي كان بين عينيه من كثرةالعبادة لله تعالى اثار العبادة والسجود ، قال القاسم : لقد رأيته على فرس له وقد علق الراس بلبانها وهو يصيب ركبتها فقلت عندها لابي : لو انه رفع الرأس قيليلا حتى لا تصيبه الفرس بيديها ، فقال لي ابي : يا بني ما اصيب به هو اشد لقد حدثني قاءلا انه ما نام ليلة منذ ان قتل العباس بن علي (ع) الا و اتاه في منامه واخذ بضبعه وقاده منطلقا به الى
(169)

جهنم وقذف به فيها حتى يصبح ، قال القاسم : فسمعت امرأة بذلك الذي قاله الى ابي وكانت جارة لذلك الرجل فقالت مؤيدة قول ابي : ان الرجل ما يدعنا ننام شيئا من الليل من صياحه وصراحه ، قال القاسم : فقمت في مجموعة من شباب الحي واتينا امرأة ذلك الرجل وسألناها عن امر زوجها فقالت انه قد فضح نفسه وابدى سره وقد صدقكم .

سمة العابد : الحرية والتحرر


سمة العبيد من الخضوع عليهم لله ان ضمتهم الاسحار
فاذا ترجلت الضحى شهدت لهم بيض الصوارم انهم احرار

هذان البيتان من قصيدة للسيد حيدر الحلي يصف فيها الامام الحسين (ع) واصحابه وفي طليعة اصحابه اخوه ابو الفضل العباس (ع) كما هو واضح .
ونظم الدمستاني قصيدة ايضا في وصف الامام الحسين (ع) والشهداء معه وفي مقدمة الشهداء ابي الفضل العباس (ع) وقد جاء فيها :
الا ترى اولياء الله كيف قلت طيب الكرى في الدياجي منهم المقل
يدعون ربهم في فك عنقهم من رق ذنبهم والدمع ينهمل
نحف الجسوم لا يدرى اذا ركعوا قسي نبل هم ام ركع نبل
خمص البطون طوى ذبل الشفاه ظمى غمش العيون بكا ما عبها كحل
يقال مرضى وما بالقوم من مرض او خولطوا خبلا حاشاهم الخبل
تعادل الخوف فيهم والرجا فلم يفرط بهم طمعا يوما ولا وجل
ان ينطقوا ذكروا او يسكتوا شكروا او يغبطوا غفروا او يقطعوا وصلوا


(170)

توضيـــــــح وتبيين


نعم لقد اجاد السيد حيدر الحلي في بيتيه وابدع وكذلك ابدع الدمستاني واجاد غير ان وصف الامام الحسين (ع) واخيه ابي الفضل العباس (ع) وسائر اصحابه في قصيدة الدمستاني اقتباس من خطبة المتقين التي خطبها الامام امير المؤمنين (ع) بالتعريف بالمتقين بينما وصف الامام الحسين (ع) واخيه ابي الفضل العباس وسائر الشهداء في البيتين من قصيدة السيد حيدر الحلي تصوير لمعنى جميل ورد به الكتاب والنص الشريف ، وهو ان العبودية لله تعالى تساوي الحرية في كل ما هو سوى الله تعالى فالعابد هو حر بمعنى الكلمة لانه بعبادته لله تعالى يستلهم الكرامة والاباء ويستوحي الحرية وعزة النفس والانسان الحر لا يخضع لشيء من التهديد والتطميع ولا يركع امام الهوى والمغريات ولا يكسره ما يحدق به من البلايا والرزايا وما يحيط به من المصائب والشدائد وابو الفضل العباس (ع) حيث كان هو العابد الناصح والناسك المخلص فانه كان كذلك ايضا اذ هو الى جنب عبوديته لله تعالى وظهور اثار السجود على جبهته وسيماء الصالحين في وجهه كان فوق التطميع والتهديد وارفع من الاغراء والتسويل وموقف المشرف في كربلاء تجاه الاغراء من عرض الامان والوعد بالجاه والمقام هو خير دليل على ذلك .

بين الرهبانية والمادية


ثم لا يخفى انه ليس في الاسلام رهبانية صرفة كما ابتدعها النصارى ولا مادية صرفة كما اخترعها اليهود وانما الانسان دين المعنويات والماديات معا ،
(171)

ودين الروح والجسم مجتمعين ودين الدنيا والاخرة مقترنين والنبي الاكرم (ص) واهل بيته الاطهار قد جمعوها معا فكانوا في وقت واحد رهبانا وساسة وعبادا وقادة وزهادا وسادة وكان ابو الفضل العباس (ع) خير من اقتدى بهم صلوات الله عليهم في هذه الصفة وانتهج نهجهم في هذه الخصلة فكان راهبا في الليل يبيت لله تعالى قائما وراكعا وساجدا ويقضي ليله في عبادة ربه حتى بان على جبهته من شدة عبادته لله تعالى وكثرة سجوده لربه اثار العبادة وصار مصداقا لقوله تعالى : «سيماهم في وجوههم من اثر السجود»وفي نفس الوقت كان اسدا في النهار وقائدا في جيش اخيه الامام الحسين (ع) وحاملا للوائه العظيم منذ بداية نهضته (ع) وحتى استشهاده هو في يوم عاشوراء وعلى ارض كربلاء فابو الفضل العباس (ع) هو العابد المتهجد في الليل والاسد الباسل والمحنك العاقل في النهار .
هذا وقد قال الشيخ المفيد في ارشاده في اخبار ليلة العاشر من المحرم ان الامام الحسين (ع) قام ليله كله يصلي ويستغفر ويدعو ويتضرع وقال اصحابه كذلك يصلون ويدعون ويستغفرون ومن المعلوم ان ابو الفضل العباس (ع) كان في طليعة اصحاب الامام الحسين (ع) في كل خير ومكرمة فان ابا الفضل العباس (ع) في ليلة عاشوراء مضافا الى قيامه بحراسة المخيم كان في طليعة المتعبدين لله تعالى والراكعين والساجدين له من بين اصحاب الامام الحسين (ع)
وقال السيد ابن طاووس في كتابه المعروف ( اللهوف ) مثل ما قاله الشيخ المفيد في كتابه المزبور ( الارشاد ) انه قال : وبات الامام الحسين (ع) واصحابه تلك الليلة ولهم دوي كدوي النحل بين راكع وساجد وقائم وقاعد فعبر اليهم والتحق بهم في تلك الليلة من معسكر ابن سعد اثنان وثلاثون رجلا على اثر ذلك ،
(172)

وجاهدوا في يوم عاشوراء بين يدي الامام الحسين (ع) حتى استشهدوا ومن الواضح ان ابا الفضل العباس (ع) هو في مقدمة الاصحاب في السبق الى المكارم والفضائل وفي مقدمة من كان مع الامام الحسين (ع) من اهل بيته ايضا .

العابـــــــــد هو : المطيـع


ولقد ذكرنا فيما سبق انه جاء في زيارة ابي الفضل العباس (ع) المروية عن الامام الصادق (ع) بسند معتبر ما يثبت لابي الفضل العباس (ع) هذا الوسام المنيف ويحرز له هذا النيشان الشريف وذلك حيث يقول (ع) : << السلام عليك ايها العبد الصالح >> فان الامام الصادق (ع) الذي بيده موازين السماء ولا يمنح احدا ما لا يستحق قد منح عمه العباس (ع) وسام العبودية لله تعالى مقرونا بوصف الصدق والصلاح وليس وساما مجردا عن هذه الصفة فان العبودية المحبوبة عند الله تعالى والممدوحة عند رسوله واوصيائه هي العبودية المقرونة بالصدق والصلاح التي اثبتها لعمه ابي الفضل العباس (ع) بقوله : << المطيع لله ولرسوله ولامير المؤمنين والحسن والحسين صلى الله عليهم وسلم >> فان العبادة الخالصة والعبودية الصادقية هي : الاطاعة لله تعالى ولرسوله (ص) والائمة الطاهرين من ال بيت الرسول (ص) ولقد كان ابو الفضل العباس (ع) المثل الاعلى والنموذج الافضل في مضمار العبادة ومعنى الطاعة فهو اذن بحق وجدارة العابد والمطيع .

الوحي ووسام العبودية


العبودية لله تعالى حيث تربط العبد بخالقه وتقطعه عمن سواه وتفطمه عن
(173)

العبودية لغير الله من الهوى والشهوات والطواغيت والشياطين هي اكبر الاوسمة واعلى النياشين التي يمكن لانسان ان ينالها منحه من السماء وهدية من خالق الانسان ولذلك نرى ان الله سبحانه وتعالى منح هذا الوسام واهدى هذا النيشان الى الصفوة من خلقه والخيرة من بريته الا وهم الانبياء (ع) وعلى رأسهم الرسول الخاتم (ص) الذي خلق الله الكون لاجله وبرء الخلق في محبته ومحبة اهل بيته (ع) فقال في محكم كتابه الكريم ومبرم خطابه العظيم واصفا معراج رسوله الحبيب المصطفى (ص) «: سبحان الذي اسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام الى المسجد الاقصى الذي باركنا حوله لنريه من اياتنا » .
وقال تعالى واصفا عبادة نبيه الكريم واجتماع الجن للاسلام على يده : «وانه لما قام عبد الله يدعوه كادوا عليه لبدا» كما وامرنا ان نقول في تشهد الصلاة : << واشهد ان محمدا عبده ورسوله >> مقدمين العبودية على الرسالة .
وقال تعالى في حق سائر انبيائه : «كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر».
وقال عز من قائل : «واذكر عبادنا ابراهيم واسحاق ويعقوب اولي الايدي الابصار » .
وقال سبحانه وتعالى : «واذكر عبدنا داود ذا الايد انه اواب ».
وقال سبحانه وتعالى : «ووهبنا لداود سليمان نعم العبد انه اواب » .
وقال سبحانه وتعالى : «واذكر عبدنا ايوب اذ نادى ربه اني مسني الشيطان بنصب وعذاب » .
وقال تعالى على لسان عيسى بن مريم (ع) : «قال اني عبد الله اتاني الكتاب وجعلني نبيا » وغير ذلك مما يدل على ان وسام العبودية خاص بالانبياء والاوصياء ومن حذا حذوهم كابي الفضل العباس (ع) .
(174)

الخصيصة الخامسة والعشرون :


في انه (ع) المعروف بالطيار


الطيار صيغة مبالغة من طار يطير طيرانا ويصطلح اليوم على قائد الطائرة ومديرها فيقال لقائد الطائرة والمحترف لسياقتها في هذا الزمان ( الطيار ) ولكن رسول الله (ص) اطلق اسم الطيار على ابن عمه جعفر بن ابي طالب (ع) كما ان ابنه الامام زين العابدين (ع) اطلق اسم الطيار على عمه ابي الفضل العباس (ع) فعرف على اثرهما كل من جعفر بن ابي طالب (ع) وابي الفضل العباس (ع) بالطيار وذلك لشبه كبير بينهما في التضحية وكيفية الشهادة في سبيل الله بحيث استحقا بسببه النيل على وسام ( الطيار ) .

الطيـــــــار الاول


اما جعفر بن ابي طالب (ع) فهو ابن عم رسول الله (ص) واخو الامام امير المؤمنين علي بن ابي طالب (ع) ورأس المهاجرين الى الحبشة الذين استطاعوا ادخال الاسلام اليها وجذب النجاشي الى الاسلام وقصته في التاريخ مندرجة وواضحة وهو الذي لما قدم من الحبشة كان قد تم فتح خيبر على يد اخيه الامام امير المؤمنين (ع) فالتزمه رسول الله (ص) وجعل يقبل بين عينيه ويقول : ما ادري بايهما اشد فرحا ؟ بقدوم جعفر ام بفتح خيبر ؟ وهو الذي
(175)

بعثه رسول الله (ص) الى مؤتة لحرب هرقل ملك الروم ودفع الراية اليه واستعمل على الجيش معه زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة وقال ان قتل جعفر فزيد بن حارثة على الناس وان قتل زيد فعبد الله بن رواحة وان اصيب ابن رواحة فليرتض المسلمون احدهم .
قال رجل من اليهود : ان كان محمد نبيا كما يقول سيقتل هؤلاء الثلاثة لانه ما بعث نبي سرية وقال ان قتل فلان فبعده فلان الا وقتل وكان كذلك فقد قتل هؤلاء الثلاثة ونالوا درجة الشهادة معا .

من انبــــاء مؤتة


قال جابر فلما كان اليوم الذي وقع فيه القتال صلى النبي (ص) بنا الفجر ثم صعد المنبر فقال - وهو يرى بامر الله ساحة الحرب - : قد التقى اخوانكم مع المشركين فاقبل يحدثنا بكرات بعضهم على بعض الى ان قال . . . لقد اخذ الراية جعفر بن ابي طالب (ع) وتقدم للحرب بها ثم بكى (ص) وقال : قطعت يده وقد اخذ الراية بيده الاخرى ، ثم قال : قطعت يده الاخرى وقد ضم اللواء الى صدره الى ان اخبر بشهادته ، فبكى عندها رسول الله (ص) وبكى جميع من حضر من المسلمين ولم يكن علي (ع) حاضرا فعند ذلك دخل علي (ع) في المسجد فلما بصر به النبي (ص) قال ان عليا لا يطيق ان يسمع خبر اخيه فانصتوا واسكتوا فسكتوا فلما دخل علي (ع) فلما دخل علي (ع) ونظر في وجوه الناس قال متسائلا : يا رسول الله ، هل لك علم باخي جعفر ؟ فبكى رسول الله (ص) وقال : اجرك الله يا ابا الحسن في جعفر لقد قتل فبكى امير المؤمنين (ع) وقال انا لله وانا اليه راجعون الان انقصم ضهري .
(176)

في دار جعفر


ثم نزل النبي (ص) عن المنبر وصار الى دار جعفر فدعى بعبد الله بن جعفر فاجلسه في حجره فجعل يمسح على راسه فقالت امه اسماء بنت عميس : انك لتمسح على راسه كانه يتيم ؟ فقال (ص) وقد دمعت عيناه : لقد استشهد جعفر وقد قطعت يداه قبل ان يقتل فبكت اسماء فقال (ص) لها : لا تبكي فان جبرائيل اخبرني ان الله تعالى قد ابدله من يديه جناحين من زمرد اخضر فهو يطير بهما في الجنة مع الملائكة كيف يشاء فهدات اسماء لما سمعت ذلك وسكنت ثم قالت : يا رسول الله لو اعلمت الناس بذلك فعجب رسول الله (ص) من عقلها فقام ورقى المنبر والحزن يعرف عليه وقال : ان المرء كثير باخيه وابن عمه الا ان جعفرا قد استشهد وجعل له جناحان يطير بهما في الجنة ثم نزل (ص) ودخل بيته وقال لفاطمة (ع) بعد ان امرها ان تتخذ طعاما لاسماء بنت عميس ثلاثة ايام : يا فاطمة اذهبي فابك على ابن عمك فان لم تدعي بثكل فما قلت فقد صدقت فاجتمعت النسوة يساعدن اسماء بالبكاء على جعفر وفاطمة (ع) تقول وا عماه فقال (ص) على مثل جعفر فلتبك الباكية وكان (ص) بعد ذلك اذا دخل بيته كثر بكاؤه على جعفر حتى تقطر لحيته وهو يقول اللهم ان جعفرا قد قدم اليك الى احسن الثواب فاخلفه في ذريته باحسن ما خلفت احدا من عبادك في ذريته .
وجعفر الطيار هذا قد اثنى عليه بعد الله تعالى ورسوله (ص) امير المؤمنين (ع) وسائر الائمة الطاهرين (ع) ففي نهج البلاغة وفي كتاب للامام امير المؤمنين (ع) الى معاوية جاء فيه : << ان قوما قطعت ايديهم في سبيل الله ولكل
(177)

فضل حتى اذا فعل بواحدنا ما فعل بواحدهم قيل له الطيار في الجنة وذو الجناحين .

الطيار الثـــــــــاني


واما العباس بن امير المؤمنين (ع) فهو اخو الامام الحسين (ع) وابن والده وكافل اهل بيته وحامل لوائه وقائد جيشه وكبش كتيبته وحامي ظعنه وساقي عطاشا حرمه وانفس ذخائره الاخ الناصح الشقيق المدافع والمحامي الناصر والوفي المناجز ابو الفضل العباس (ع) الذي لم يستطع صبرا على البقاء بعد ان راى اخاه الامام الحسين (ع) وحيدا فريدا قد قتل جميع اصحابه واهل بيته فاقبل اولا نحو القوم فوعظهم وارشدهم فلما لم ير اثرا فيهم اقبل نحو اخيه الامام الحسين (ع) بتواضع وتأدب وطلب منه الرخصة للقتال قائلا : هل من رخصة ؟ فلم يأذن له الامام الحسين وقال له وهو يبكي بكاءا شديدا : يا اخي انت صاحب لوائي والعلامة من عسكري فقال العباس (ع) بالتماس وانكسار قد ضاق صدري من هؤلاء المنافقين واريد ان اخذ ثأري منهم فامره الامام الحسين (ع) ان يطلب الماء للاطفال فركب العباس (ع) جواده واخذ القربة واتجه نحو المشرعة فاحاط به اربعة الاف ورموه بالنبال فلم يعبأ بهم ابن امير المؤمنين ابو الفضل العباس (ع) بل حمل عليهم وكشفهم عن المشرعة وحده ونزل الى الفرات وملك الماء ولواء الحمد يرف منشورا بيده ويلوح خفاقا على رأسه وروى البعض : بان الموكلين بالشريعة واصلوا حملاتهم على ابي الفضل العباس (ع) ست مرات وكان في كل مرة يحمل عليهم فيكشفهم حتى ابعدهم في المرة الاخيرة عن المشرعة كثيرا ودخل الماء .
(178)

الفرات في تصرف العباس (ع)

استولى ابو الفضل العباس (ع) استيلاءا كاملا على الماء ولم يجرأ احد من اولئك الموكلين بالماء بعد اكشافهم على ان يذوده عنه او يصده عن الشرب او عن ان يملأ القربة ماءا ولذلك اقبل ابو الفضل العباس (ع) وبكل تؤدة واطمئنان ودون ما اي خوف واضطراب على اغتراف غرفة من الماء ليروي بها عطشه ويطفئ عبرها حر كبده لكنه لما قرب الماء من فمه تذكر عطش اخيه الامام الحسين (ع) كما وتذكر وصية ابيه امير المؤمنين (ع) وقوله له : بني عباس اذا كان يوم عاشوراء ودخلت المشرعة فاياك ان تشرب الماء واخوك الامام الحسين (ع) عطشان لذا صب الماء على الماء وهو يقول والله لا اذوق الماء وسيدي الامام الحسين عطشان ، ثم خاطب نفسه :
يا نفس من بعد الحسين هوني وبعده لا كنت او تكوني
هذا الحسين وارد المنون وتشربين بارد المعين
تالله ما هذا فعال ديني ولا فعال صادق اليقين


ثم ملأ القربة ماءا وركب جواده وتوجه نحو المخيم فقطعوا عليه الطريق فوقع فيهم يحصد رؤوسهم ويختطف ارواحهم حتى كشفهم عن الطريق وهو يقول :
لا ارهب الموت اذا الموت زقا حتى اوارى في المصاليت لقا
نفسي لسبط المصطفى الطهر وقا اني انا العباس اغدو بالسقا
ولا اخاف الشر يوم الملتقى

(179)

من اساليب العدو الجبان


عرف العدو عجزه وعدم قدرته على مقابلة العباس بن علي (ع) وجها لوجه وخاف من جهة ثانية وصول الماء الى مخيم الامام الحسين (ع) فاخذ يفكر في صده بالوسائل الجبانة ويتذرع للتخلص منه بما يتذرع به الجبناء اللئام ففكر في نصب الكمين له والارصاد لقتله غدارا وغيلة وانتخب لتنفيذ هذه الخطة الجبانة اشد الاعداء قساوة واكثرهم شراسة وضراوة الا وهو زيد بن الرقاد الجهني فكمن له زيد من وراء نخلة وعاونه على ذلك حكيم بن الطفيل السنبسي فضربه على يمينه فقطعها فاخذ السيف بشماله وجعل يضرب فيهم ويقول :

والله ان قطعتم يميني اني احامي ابدا عن ديني
وعن امام صادق اليقين نجل النبي الطاهر الامين


ثم كمن له الحكيم بن الطفيل من وراء نخلة فضربه على شماله فبراها فضم اللواء الى صدره وهو يقول :

يانفس لا تخشي من الكفار وابشري برحمة الجبار
مع النبي السيد المختار قد قطعوا ببغيهم يساري
فاصلهم يا رب حر النار


الاعداء يمثلون بالعباس (ع)


عند ذلك امن الاعداء سطوة ابي الفضل العباس (ع) وباسه ولم يرهبوا بعد من سيفه ورمحه ولا من ضربه وطعنه .

وهل يملك الموتور قائم سيفه ليدفع عنه الضيم وهو بلا كف
(180)

فتكاثروا عليه من كل جانب ينتقمون منه ويمثلون به واتته السهام كالمطر فاصاب القربة سهم واريق ماؤها وجاء سهم فاصاب صدره وسهم اخر اصاب عينه وحمل عليه رجل فقطع رجله اليمنى ثم حمل عليه اخر فقطع رجله اليسرى ثم حمل عليه ثالث فضربه بعمد من حديد على رأسه ففلق هامته وهوى (ع) عندها من على ظهر جواده الى الارض وهو ينادي يا اخاه ادرك اخاك فاتاه الامام الحسين (ع) فلما راه بتلك الحالة انحنى عليه وبكى بكاءا شديدا عاليا وقال : وا اخاه وا عباساه الان انكسر ظهري وقثلت حيلتي وشمت بي عدوي ثم انشأ يقول :

تعديتم يا شر قوم ببغيكم وخالفتم دين النبي محمد
اما كان خير الرسل اوصاكم بنا اما نحن من نجل النبي المسدد
اما كانت الزهراء امي دونكم اما كان من خير البرية احمد
لعنتم واخزيتم بما قد جنيتم فسوف تلاقوا حر نار توقد


وفي رواية ان الامام الحسين (ع) لما جاء الى مصرع اخيه ابي الفضل العباس (ع) وراه بتلك الحالة جلس عنده واخذ راسه ووضعه في حجره واخرج السهم من عينه ثم مسح الدم والتراب عن عينيه وكان (ع) به رمق فتح عينيه في وجه اخيه الامام الحسين (ع) وبكى فقال له الامام الحسين (ع) بلوعة ورحمة : ما يبكيك يا اخي يا ابا الفضل العباس ؟ فقال (ع) بصوت منقطع ضعيف : وكيف لا ابكي وقد جئتني ورفعت رأسي عن التراب وجعلته في حجرك ولكن بعد ساعة من يأتي اليك ليرفع رأسك عن التراب ويضعه في حجره ويمسح الدم والتراب عن وجهك ؟ وبينا هو يكلمه واذا به يشهق شهقة وفارقت الدنيا روحه الطيبة عندها بكى الامام الحسين (ع) ونادى : وا اخاه وا عباساه .
(181)

العباس (ع) واصابة السهم عينه


نقل عن المرحوم اية الله السيد محمد ابراهيم القزويني انه يؤم الناس في صلاة الجماعة في صحن الروضة المقدسة لابي الفضل العباس (ع) وكان يرق المنبر بعد انقضاء صلاةالجماعة الخطيب الشهير والواعظ العروف انذاك سماحة الشيخ محمد علي الخراساني وفي ليلة من الليالي تعرض سماحة الشيخ الخراساني في منبره لطريقة استشهاد ابي الفضل العباس (ع) وتذكر بالخصوص اصابة السهم عينه الكريمة فبكى المرحوم اية الله السيد القزويني على اثر حكاية سماحة الشيخ الخراساني هذا المصاب بكاءا شديدا وتأثر من ذلك تأثرا كبيرا فلما نزل سماحة الشيخ الخراساني من المنبر قال له اية الله السيد القزويني : شيخنا ارجو من سماحتكم ان لاتذكروا في منبركم مثل هذه المصائب العظيمة والرزايا المفجعة والمشجية التي يظن انه لا سند قوي لها ولااصل ثابت يمدها ظاهرا .
ولكن المرحوم اية الله السيد القزويني نفسه التقى سماحة الشيخ الخراساني في اليوم التالي واخذ يعتذر من سماحة الشيخ ويطلب عفوه من اعتراضه عليه يوم امس فلما سأله سماحة الشيخ الخراساني عن سبب الاعتذار اجاب قائلا : لقد رأيت البارحة في منامي ابا الفضل العباس (ع) فتشرفت بخدمته وفزت بلقائه وسعدت بتنبيهه (ع) اياي فانه (ع) التفت الي مشيرا الى ماجرى بيني وينك بالامس وقال مخاطبا اياي ايها السيد كيف اعترضت على الشيخ الخراساني في ما ذكره من المصاب مع انك لم تكن واقعة كربلاء ولم تكن شاهدا ما جرى علي يوم عاشوراء ؟ اعهلم ايها السيد انهم لما قطعوا يدي
(182)

غدرا وغيلة وظلما وعدوانا رشقوني بالسهام كرشق المطر ورموني بالنبال رمي النار الشرر فاصاب عيني سهم منها ونبت في حدقتها فحاولت اخراجه وازاحته من عيني وحيث انه لا يد لي حركت رأسي بشدة ليقع السهم منها ولكن كلما حركت رأسي لم يخرج السهم وانما وقعت العمامة من رأسي عندها رفعت ركبتي وقربت رأسي حتى اخرج السهم بركبتي فاذا بي اجابه بضربة عمد من حديد على راسي ادت بي الى ان اهوى من على ظهر جوادي . . .
قال السيد عندها بكيت واشتد بكائي وعلى اثره انتبهت من نومي نادما حزينا وعلمت اني كنت مشتبها في اعتراضي مخطئا في انتقادي وانا الان استغفر الله واتوب اليه مما صدر مني .

الامام الحسين (ع) بعد مقتل العباس (ع)


ثم ان الامام الحسين (ع) قام من عند مصرع اخيه ابي الفضل العباس (ع) ورجع الى المخيم منكسرا كئيبا حزينا باكيا وهو يكفكف دموعه بكمه ويكتم اثار الحزن عن وجهه كي لا تراه النساء ولا تعرف ما اعتراه وقد تدافعت الرجال على مخيمه فنادى بصوت عال يسمعه الجميع ويعيه الكل قائلا : اما من مغيث يغيثنا ؟ اما من مجير يجيرنا ؟ اما من طالب حق ينصرنا اما من خائف من النار فيذب عنا فاتته ابنته سكينه واخذت بعنان جواده وقالت متسائلة يا ابة اين عمي العباس ؟ اراه قد ابطأ علينا بالماء فقال لها وقد تمالك نفسه ، بنية استرجعي واصبري فان عمك العباس قد قتل فسمعته السيدة زينب (ع) فلم تملك نفسها حتى صرخت ونادت : وا خاه وا عباسه واضيعتاه من بعدك فبكت النسوة وبكى الامام الحسين (ع) معهن ، ونادى مواسيا لهن : واضيعتاه بعدك يا ابا الفضل ،
(183)

نادى وقد ملا البوادي صيحة صم الصخور لهولها تتألم
ااخي من يحمي بنات محمد اذ صرن يسترحمن من لا يرحم
ما خلت بعدك ان تشل سواعدي وتكف باصرتي وضهري يقصم
هذ حسامك من يذل به العدا ولواك هذا من به يتقدم
هونت يا ابن ابي مصارع فتيتي والجرح يسكنه الذي هو االم
فاكب منحنيا عليه ودمعه صبغ البسيط كانما هو عندم
قد رام يلثمه فلم ير موضعا لم يدمه عض السلاح فيلثم

بين الطيارين : العباس وجعفر (ع)


نعم لقد شارك ابو الفضل العباس (ع) في شهادته عمه جعفر بن ابي طالب (ع) وشابهه من حيث قطع يمينه وشماله قبل قتله ولكن زاد ابن الاخ على عمه ان قطع العدو الحاقد رجلي ابا الفضل العباس (ع) ورضخو هامته بعمد من حديد وقطعوه بسيوفهم اربا اربا ولذلك كان الامام زين العابدين علي بن الحسين السجاد (ع) كلما تذكر عمه العباس بكى وتذكر به عمه جعفر بن ابي طالب (ع) وبكى عليه ايضا وذات مرة - كما في امالي الصدوق عن ابي حمزة الثمالي - وقع نظره (ع) على عبيد الله بن العباس بن امير المؤمنين (ع) فاستعبر ثم قال : << ما من يوم اشد على رسول الله (ص) من يوم قتل فيه عمه حمزة بن عبد المطلب اسد الله واسد رسوله وبعده يوم مؤتة قتل فيه ابن عمه جعفر بن ابي طالب (ع) ولا يوم كيوم الحسين ازدلف اليه ثلاثون الف رجل يزعمون انهم من هذه الامة كل يتقرب الى الله بدمه وهو يذكرهم بالله فلا يتعظون حتى قتلوه بغيا وظلما وعدوانا ثم قال : رحم الله عمي العباس فلقد اثر وابلى
(184)

وفدى اخاه بنفسه حتى قطعت يداه فابدله الله بهما جناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنة كما جعل لجعفر بن ابي طالب (ع) وان للعباس عند الله تبارك وتعالى منزلة يغبطه بها جميع الشهداء يوم القيامة >> .
ومن المعلوم ان كلمة << جميع >> في قول الامام زين العابدين (ع) : << يغبطه بها جميع الشهداء >> عامة وشاملة فتشمل غير المعصومين عامة حتى مثل حمزة بن عبد المطلب وجعفر بن ابي طالب فانهم جميعا يغبطون العباس بن علي (ع) على منزلته ومقامه عند الله في القيامة وما ذلك الا لعظيم بلائه وشديد محنته وكبير رزيته حيث ان جيش بني امية في كربلاء نكلوا به ومثلوا بجسمه وهو حي وذلك حنقا منهم عليه وحقدا وغيظا منهم له وانتقاما من شجاعته وشهامته فانهم من قساوتهم وضراوتهم لم يكتفوا باغتياله والغدر به بقطع يمينه ويساره وانما قطعوا رجله اليمنى وبتروا رجله اليسرى ورضخوا هامته وقطعوه اربا اربا بعد ان رشقوه بالسهام حتى صار جلده كالقنفذ منة كثرة النبال التي نبتت في جسمه .

من ادلة قساوة بني امية


ويدل على قساوة جيش بني امية وانهم نكلوا بالعباس (ع) ومثلوا به وهو حي وقطعوه اربا اربا وهو بعد به رمق امور كثير نشير الى واحدة منها وهي كالتالي :
جاء في التاريخ ان مرقد ابي الفضل العباس (ع) اصابه ذات مرة خسف وواحتيج الى التعمير والترميم وكان ذلك في زمان العلامة السيد محمد مهدي بحر العلوم المتوفى اوائل القرن الثالث عشر الهجري القمري والذي كان هو واحد من
(185)

كبار علماء الشيعة وكان كثيرا ما يتشرف بزيارة الامام الامام المهدي صاحب العصر والزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف ) وله المقام المرموق عند اهل البيت وشيعتهم فاخبروا العلامة بذلك فانتدب العلامة احد المعماريين الماهرين لترميم المرقد الشريف وجاء معه الى روضة ابي الفضل العباس (ع) ونزلا معا في السرداب الذي يقع فيه القبر الطاهر فلما وقع عين المعمار على القبر المبارك وراه من حيث الحجم والمساحة اقل من الحجم والمساحة المتعارفة لبقية قبور الناس المتوسطين في الطول والقامة بينما يلزم ان يكون قبر العباس (ع) مع اشتهر عن العباس (ع) من طول القامة ورشادة الهيكل والهندام ان يكون في الحجم والمساحة اكبر واطول من بقية القبور المتعارفة فتولد في ذهن المعمار سؤال حول هذا الموضوع الذي اثار تعجبه وحيرته فالتفت الى العلامة السيد بحر العلوم وقال له : اتأذن لي يا سيدي في السؤال عن موضوع بدر الى ذهني واشغل بالي منذ رأيت قبر العباس بن علي (ع) ؟ فقال له العلامة وبكل رحابة : نعم تفضل واطرح سؤالك ، فقال المعمار والتعجب ظاهر على ملامح وجهه ونبرات صوته : ان كل ما سمعناه وقرأناه عن ابي الفضل العباس (ع) هو : انه كان رشيدا طويل القامة بحيث انه اذا ركب الفرس المطهم بقيت رجلاه تخطان في الارض خطا وهذا لا يتلائم مع صغر القبر وقصر مساحته طولا وانما يستدعي امتداد مساحة القبر في الطول بصورة اكثر من القبور المتعارفة ثم اضاف قائلا : فما هو يا سيدنا حل ما سمعناه وقرأناه وهذا الذي نراه بام اعيننا ؟ طرح المعمار سؤاله على العلامة وبقي ينتظر الجواب على ذلك لكنه فوجئ حيث انه لم يسمع من العلامة جوابا سوى رجعات صوت بكائه وزفرات حنينه وانينه فندم المعمار من سؤاله واخذ يعتذر من العلامة على ازعاجه وابكائه فاجابه العلامة بعد بكاء طويل : انما سمعته وقرأته عن رشادة ابي الفضل العباس وطول قامته صحيح غير ان
(186)

جيش بني امية القساة نكلوا بالعباس (ع) ومثلوا به وبتروا يديه ورجليه وقطعوه بسيوفهم اربا اربا وسؤالك هذا عن صغر قبره ذكرني بما جرى عليه (ع) من المصائب والبلايا ونبهني على عظيم مصاب الامام زين العابدين الذي جمع بيديه الشريفتين اشلاء عمه العباس (ع) ودفنه بنفسه الكريمة في هذا القبر الذي شقه له بيديه فلم اتمالك نفسي واخذتني العبرة واجهشت بالبكاء .

مع بني أســـــــــد


نعم ان صغر قبر ابي الفضل العباس (ع) مع ما روي من رشادة ابي الفضل العباس (ع) يذكرنا بدناءة بني امية وخستهم حيث قطعوه بسيوفهم اربا اربا ويشر الى عظيم محنة العباس (ع) وجليل رزئه كما يوحى بثقل المصاب وشديد وطئته على الامام زين العابدين (ع) الذي جاء الى دفن الاجساد الطاهرة دفن ابيه واعمامه واخوته واهل بيته واصحاب ابيه وذلك بعد ثلاثة ايام من شهادتهم حيث ان جيش بني امية رحلوا من كربلاء ولم يدفنوا ابدان الشهداء ولم يسمحوا لاحد بدفنها فلما كان اليوم الثالث وامن الناس شر بني امية وابن زياد اقبل بنو اسد رجالا ونساءا ليدفنوا اجساد الشهداء فلم يعرفوا الابدان لمن هي لان بني امية كانوا قد احتزوا الرؤوس من الابدان واخذوها معهم هدية الى الكوفة ومنها الى الشام الى الطاغية يزيد بن معاوية وبينا هم كذلك اذ اقبل عليهم عن طريق الاعجاز الامام زين العابدين (ع) فاخذ (ع) يعرفهم بالشهداء واحدا واحدا وقام بنو اسد يساعدونه (ع) على دفنها وذلك بعد ان ارتفع صوتهم بالبكاء والعويل وسالت دموعهم على خدودهم كل مسيل ونشرت النسوة الاسديات الشعور ولطمن الخدود .
(187)

طوبى لارض كربلاء


ثم مشى الامام زين العابدين (ع) الى جسد ابيه فاعتنقه وبكى بكاءا عاليا واتى الى موضع القبر ورفع قليلا من التراب فبان قبر محفور وضريح مشقوق فبسط كفيه تحت ظهره وقال : << بسم الله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله صدق الله ورسوله ما شاء الله لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم >> وانزله وحده ولم يشاركه بنو اسد فيه وقال لهم : << ان معي من يعينني >> .
ولما اقره في لحده وضع خده على منحره المقدس وقال : << طوبى لارض ضمت جسدك الطاهر فان الدنيا بعدك مظلمة والاخرة بنورك مشرقة اما الليل فمسهد والحزن سرمد او يختار الله لك دارك التي انت بها مقيم وعليك السلام يا ابن رسول الله ورحمة الله >> .
ثم كتب على تراب القبر بسبابته : << هذا قبر الحسين بن علي بن ابي طالب (ع) الذي قتلوه عطشانا غريبا >> .

عند جسد العباس


ثم ان الامام زين العابدين (ع) التفت الى بني اسد وقال انظروا هل بقي احد ؟ فقالوا : نعم بقي بطل مطروح حول المسناة فان هناك على مقربة من العلقمي جسدا اخر لم يدفن بعد وهو جسد موذر ومقطع بالسيوف اربا اربا بحيث كلما حملنا جانبا منه سقط الاخر فبكى (ع) لما سمع قولهم وقال بانين وزفير : اتعرفون يا بني اسد جسد من هذا ؟ انه جسد عمي العباس (ع) ثم مشى اليه فلما وقع نظره عليه القى بنفسه على جسده يلثم نحره الطاهر وهو يقول :
(188)

<< على الدنيا بعدك العفا يا قمر بني هاشم وعليك مني السلام من شهيد محتسب ورحمة الله وبركاته >> وشق له ضريحا وانزله وحده كما فعل بابيه وقال لبني اسد : << ان معي من يعينني >> .

المعصوم لا يلي امره الا المعصوم


لقد انتخب الامام زين العابدين (ع) لمواراة اجساد الشهداء اليوم الثالث من مقتل ابيه الامام الحسين (ع) ومن معه وجاء بطريق المعجزة في ذلك اليوم الى كربلاء - لانه (ع) كان في تلك الايام بحسب الظاهر مسجونا مع بقية الاسرى في سجن ابن زياد في الكوفة - وانما انتخب اليوم الثالث وجاء فيه الى كربلاء لعلمه بمجيء بيني اسد نساءا ورجالا الى مصارع الشهداء في هذا اليوم وهم يحاولون مواراة الاجساد الطاهرة ودفنها فيكونون خير اعوان له على هذه المهمة العظيمة واحسن شهود يشهدون هذا الواجب الشرعي المفروض .
وبالفعل فقد استعان الامام زين العابدين (ع) في دفن الشهداء الابرار ومواراة اجسادهم الطاهرة ببني اسد ما عدا جسد ابيه الامام الحسين (ع) وجثمان عمه ابي الفضل العباس (ع) حيث قال (ع) لبني اسد :<< ان معي من يعينني >> وانفرد هو بتجهيزهما وقام وحده بمواراتهما .
وهذا من الامام زين العابدين بالنسبة الى ابيه الامام الحسين (ع) واضح لا غبار عليه وذلك لان المعصوم لا يواريه الا المعصوم فالامام الحسيبن (ع) معصوم والامام السجاد (ع) معصوم مثله فيلي امره منفردا ويقوم بتجهيزه ومواراته لوحده لكن هذا بالنسبة الى عمه ابو الفضل العباس (ع) وقيامه بتجهيزه لوحده وانفراده بمواراة جسده الطاهر مع انه ليس من المعصومين ، ينبئ عن
(189)

عظيم مقام ابي الفضل العباس (ع) علو رتبته عند الله تعالى ورفيع منزلته وعلو شأنه عند اهل ابيت (ع) حتى انه جعله في مصاف المعصومين وفي مستوى اهل البيت (ع) الطاهرين المطهرين وانعم بابي الفضل العباس فانه اهل لذلك فلقد اثبت من خلال سيرته الطيبة وسلوكه الجميل ومواقفه الانسانية المشرفة جدارته لهذا المقام المنيف واهليته لهذه المنزلة الرفيعة الا وهي ولاية الامام المعصوم امره وتوليه تجهيزه ومواراته وانفراده بكل ذلك قائلا لبني اسد :<< ان معي من يعينني >> .
كما انه يدل على تأهيله لذلك - من ذي قبل - مشاركته اخاه الامام الحسين (ع) في تغسيل اخيه الامام الحسن المجتبى (ع) فان الامام الحسن (ع) معصوم ولا يغسله الا معصوم وهو الامام الحسين (ع) فمشاركة ابي الفضل العباس (ع) ومشاطرته اخاه في هذه المهمة العظيمة خير دليل على مكانة ابي الفضل العباس (ع) ومقامه الشامخ عند رسول الله والائمة الاطهار صلوات الله عليهم اجمعين .
ولعله لاجل ذلك كله قال مرجع عصره وفقيه دهره الشيخ محمد طه نجف في كتابه ( الاتقان ) :<< العباس بن امير المؤمنين علي بن ابي طالب (ع) ابو الفضل هو اجل من ان يذكر في هذا المقام بل المناسب ان يذكر عند ذكر اهل بيته المعصومين عليه وعليهم افضل الصلاة والسلام >> .
(190)

الخصيصة السادسة والعشرون :


في انه (ع) المعروف بالشهيد


الشهيد : هو المقتول في سبيل الله .
والشهيد : هو الحي اي حي عند ربه يرزق .
وقيل سمي الشهيد شهيدا لان الله وملائكته شهود له في الجنة والشهادة تكون للافضل فالافضل من الامة وافضلهم من قتل في سبيل الله ميزوا عن الخلق بالفضل وبين الله انهم احياء عند ربهم يرزقون فرحين بما اتاهم الله من فضله .
وقيل سمي الشهيد شهيدا لانه حي لم يمت كانه شاهد اي حاضر .
وقيل لان ملائكة الرحمة تشهده .
وقيل لقيامه بشهادة الحق في امر الله حتى قتل .
وقيل : لانه يشهد ما اعد الله له من الكرامة بالقتل . وقيل : غير ذلك .

السماء ووسام الشهيد


وكيف قال فان من عرف من قبل السماء بالشهيد وتزين بوسام سماوي رفيع المستوى باسم الشهيد وتوفق لحمل نيشان الشهادة من بين الشهداء جميعا هم اثنان :
(191)

احدهما من ائمة اهل البيت (ع) المعصومين وهو سيد الشهداء وابو الاحرار سبط رسول الله(ص) وريحانته وسيد شباب اهل الجنة الامام الحسين (ع) فانه هو الذي عرف من بين الائمة الاطهار من اهل البيت (ع) بالامام الشهيد مع ان الائمة الاطهار من اهل البيت (ع) بل المعصومين الاربعة عشر (ع) ما عدا الامام الثاني عشر الامام المهدي المنتظر عجل الله تعالى ظهوره كلهم استشهدوا في سبيل الله تعالى كما في الخبر المأثور ( ما منا الا مقتول او مسموم ) فكلهم (ع) شهداء الا ان الذي اطلق عليه اسم الشهيد من بينهم هو الامام الحسين (ع) فقد روي ان جده رسول الله (ص) قال له : << انت شهيد هذه الامة >> .
ثانيهما من ذوي اهل البيت (ع) وخاصة الائمة الاطهار وحامة المعصومين الاربعة عشر (ع) وتالي تلوهم والمحلق في مصافهم واجوائهم وهو حامل لواء الامام الحسين (ع) وكبش كتيبته المواسي له بنفسه والمضحي من اجله بطل العلقمي ابو الفضل العباس بن امير المؤمنين (ع) فلقد مر ان الامام زين العابدين (ع) كان كلما تذكر عه ابوالفضل العباس (ع) قال في حقه << . . . وان للعباس عند الله تبارك وتعالى منزلة يغبطه بها جميع الشهداء يوم القيامة >> ومر ايضا من الامام زين العابدين (ع) عندما جاء لمواراة جسد عمه الطاهر ابي الفضل العباس (ع) بكى والقى والقى بنفسه عليه واخذ يلثم نحره الشريف وهو يقول : << على الدنيا بعدك العفا يا قمر بني هاشم وعليك مني السلام من شهيد محتسب ورحمة الله وبركاته >> فاطلاق ( الشهيد ) من الامام زين العابدين (ع) على عمه ابي الفضل العباس (ع) هو وسام سماوي رفيع المستوى وسم به عمه لان المعصوم (ع) هو الذي بيده معايير السماء وموازين الوحي وقد فوض اليه تعالى جعل الحكم على واعطاء الحق لذي الحقوق ومنح الاوسمة السماوية لمستحقيها وابو الفضل العباس (ع) هو من استحق وسام ( الشهيد ) منحة
(192)

من السماء لعظيم بلائه في الله وشدة اخلاصه لله وكبير ولائه لاولياء الله فمنحه (ع) وساء الشهيد وذلك ليس مجردا وانما مقرونا بكلمة ( محتسب ) اي الشهيد الذي نوى بشهادته وجه الله تعالى ورجى ثوابه واجره كما انه ليس مجرد الشهيد المحتسب بل الشهيد المحتسب الذي يغبطهة على منزلته وعلو درجته يوم القيامة جميع الشهداء .

العباس (ع) الشهيد المظلوم


وكذلك كان ابوالفضل العباس (ع) فان مواقفه المشرفة في كربلاء وفي يوم عاشوراء وغيرها لهي خير دليل على ما قاله الامام زين العابدين (ع) في حق عمه ابي الفضل العباس (ع) واجلى برهان على جدارة ابي الفضل العباس (ع) بنيل هذا الوسام المنيف وسام الشهيد المحتسب .
كما وقد وسمه الامام الصادق (ع) بهذا الوسام العظيم ايضا وذلك حين خاطبه بزيارته المعروفة بقوله : << اشهد انك قتلت مظلوما >> وقد مر تفسير الشهيد بانه المقتول في سبيل الله والامام الصادق (ع) يشهد لعمه ابي الفضل العباس (ع) بانه المقتول في سبيل الله فابو الفضل العباس (ع) اذن بشهادة الامام الصادق (ع) هو شهيد وليس مجرد شهيد فحسب بل هو شهيد مظلوم لانه كما مر لم يأذن له اخوه الامام الحسين (ع) في البراز الى الميدان ومقاتلة الاعداء وانما اذن له في الاستسقاء وطلب الماء للاطفال فقط ، وعلوم ان الذي همته طلب الماء والاستسقاء ليس كالذي يهمه القتال ومنازلة الابطال فان من يهمه القتال يتفرغ له بينما من يهمه الاستسقاء وطلب الماء يتفرغ للاستسقاء دون القتال فلم يكن ابو الفضل العباس (ع) في كربلاء مقاتلا حتى يشف صدره من
(193)

الاعداء ويذهب غيظ قله بالانتقام منهم بل كان سقاءا وقتل من اجل الاستسقاء فقتل مظلوما .
اضف الى ذلك ان الاعداء من دنائتهم وخستهم لم يبارزوه وجها لوجه وانما اغتالوه في كمين لهم فقتلوه غيلة وغدرا ومن قساوتهم وغلظتهم لم يكتفوا بقتله بضربه و ضرتبن وانما قطعوه بسيوفهم اربا اربا بعد ان بتروا يديه وابانوا رجليه واصابوا عينيه وخسفوا رأسه وقتلوه مظلوما فصدق عليه انه الشهيد المظلوم كما شهد له الامام الصادق (ع) بذلك .

الفارس اذا سقط من فرسه


وجاء في كتاب ( مقتل الامام الحسين (ع)) للمقرم ان العالم الفاضل والخطيب البارع الشيخ كاظم السبتي ( رحمه الله ) قال لي ذات مرة اتاني بعض العلماء الثقاة وقال : اني رسول من قبل العباس (ع) اليك فقد رأيته (ع) في المنام يعتب عليك ويقول ان الشيخ كاظم السبتي لم يذكر مصيبتي ولم يتعرض لها فقلت له يا سيدي ما زلت اسمعه يذكر مصائبك ويندبك بها فقال (ع) اعني هذه المصيبة فانه لم يذكرها ولم يتعرض لها قل له يذكر هذه المصيبة للناس ويقول لهم : << ان الفارس اذا سقط من فرسه يتلقى الارض بيديه فاذا كانت السهام في صدره ويداه مقطوعتان فبماذا يتلقى الارض . . . ؟ >> .
وهذا ايضا مما يدل على شدة مظلومية ابي الفضل العباس (ع) وكبير مصيبته وعظم رزيته والمظلوم اضافة الى وجوب نصرته واعانته على ظالميه يستحب البكاء عليه وله - على ما في فقه الزهراء (ع) - كما ويستحب مشاركة المفجوعين به في بكائهم له وذلك في لتضمنه تأييدا للمظلوم ونصرة له وقد بكى
(194)

رسول الله (ص) وان وحن لبكاء عمته صفية على اخيها حمزة وانينها له وحنينها عليه وفي فضل زيارة الامام الحسين (ع) ورد : << . . . ان فاطمة (ع) اذا نظرت اليهم ومعها الف نبي والف صديق والف شهيد ومن الكروبيين الف الف يسعدونها بالبكاء وانها تشهق شهقة فلا يبقى في السماوات ملك الا بكى رحمة لصوتها . . . >> .

مقام الشهيد واجر الشهادة


وهنا اشارة الى بعض مالأبي الفضل العباس (ع) وسائر الشهداء عامة من الفضل عند الله تبارك وتعالى قال تعالى : «ان الله يحب الذين يقاتلون في سبيله ».
وقال سبحانه وتعالى : «ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله امواتا بل احياء عند ربهم يرزقون فرحين بما اتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم الا خوف عليهم ولا هم يحزنون يستبشرون بنعمة من الله وفضل وان الله لا يضيع اجر المؤمنين »
وقال رسول الله (ص) : << اشرف الموت قتل الشهادة >> .
وعن النبي (ص) انه قال : << فوق كل بر بر حتى يقتل الرجل في سبيل الله عز وجل فليس فوقه بر >> .
وقال (ص) << شان اول من قاتل في سبيل الله ابراهيم الخليل (ع) حيث اسرت الروم لوطا (ع) فنفر ابراهيم (ع) واستنقذه من ايديهم >> .
وعنه (ص) انه قال : << ما من قطرة احب الى الله من قطرة دم في سبيل الله او قطرة دمع في جوف الليل من خشية الله >> .
وعنه (ص) انه قال : << واجود الناس من جاد بنفسه وماله في سبيل الله >> .
(195)

وعن علي صلوات الله عليه انه قال : << اول من جاهد في سبيل الله ابراهيم (ع) اغارت الروم على ناحية فيها لوط (ع) فاسروه فبلغ ذلك ابراهيم (ع) فنفر فاستنقذه من ايديهم وهو اول من عمل الرايات عليه افضل السلام >> .
وفي تذهيب الشيخ الطوسي مسندا عن علي بن الحسين (ع) عن ابائه (ع) قال : قال رسول الله (ص) :<< للشهيد سبع خصال من الله :
الاولى : اول قطرة من دمه مغفور له كل ذنب .
الثانية : يقع رأسه في حجر زوجته من الحور العين وتمسحان الغبار من وجهه وتقولان مرحبا بك ويقول هو مثل ذلك لهما .
الثالثة : يكسى من كسوة الجنة .
الرابعة : تبتدره خزنة الجنة بكل ريح طيبة ايهم يأخذه معه .
الخامسة : ان يرى منزله .
السادسة : يقال لروحه اسرح في الجنة حيث شئت .
السابعة : ان ينظر الى وجه الله وهي راحة لكل نبي وشهيد >> .
(196)

الخصيصة السابعة والعشرون :


في انه (ع) الصديــــــــــــــق


الصديق : هو الدائم التصديق ويكون الذي يصدق قوله بالعمل وقيل : الصديق هم المبالغ في الصدق وقيل كل من صدق بكل امر الله لا يتخالجه في شيء منه شك وصدق النبي (ص) فهو صديق وهو قول الله عز وجل : «هم الصديقون والشهداء عند ربهم».
هذا معنى الصديق من حيث اللغة وعلماء العربية واما من هو الصديق من حيث الاصلاح القراني والسنة النبوية واحاديث اهل بيت رسول الله (ص) ؟ فهو على ما يلي :
قال الله تعالى : «والذين امنوا بالله ورسله اولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم اجرهم ونورهم »
وقال سبحانه : «ومن يطع الله والرسول فاولئك مع الذين انعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا » وفي الخصال مسندا عن النبي (ص) انه قال : << الصديقون ثلاثة علي بن ابي طالب (ع) وحبيب النجار ومؤمن ال فرعون >> .
وفي عيون الاخبار مسندا عن النبي (ص) انه قال : << لكل امة صديق وفاروق وصديق هذه الامة وفاروقها علي بن ابي طالب (ع) >> .
(197)

وفي روضة الكافي عن امير المؤمنين (ع) قال في خطبته المعروفة بخطبة الوسيلة : << واني النبأ العظيم والصديق الاكبر >> .
وفي شرح الايات الباهرة مسندا عن الامام الصادق (ع) عن ابائه عن امير المؤمنين (ع) انه قال في كلام طويل : << والميت من شيعتنا صديق شهيد صدق بامرنا واحب فينا وابغض فينا يريد بذلك وجه الله مؤمن بالله وبرسله ، قال الله تعالى : «والذين امنوا بالله ورسله اولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم اجرهم ونورهم » .
وفي محاسن البرقي مسندا عن الامام الحسين (ع) انه قال : << ما من شيعنا الا صديق شهيد >> .
وفي مزار ابن قولويه في زيارة عن الامام الصادق (ع) بسند معتبر يعلمنا ان نزور فيها عمه ابا الفضل العباس (ع) يقول فيها : << السلام عليك ايها الولي الصالح الناصح الصديق >> .
وفي زيارة اخرى يقول : << اشهد لك بالتسليم والتصديق >> .

العباس (ع) هو الصديق لغة واصلاحا


فابو الفضل العباس (ع) هو الصديق من حيث اللغة لانه (ع) كان هو الدائم التصديق لله ولرسوله ولامامه الامام الحسين (ع) وهو الذي كان عمله يصدق قوله وهو ايضا كان المبالغ في الصدق وانه كان الذي لم يختلج في قلبه شك في كل ما امر الله به .
وهو الصديق من حيث الاصلاح ايضا ، لانه (ع) كان النموذج الافضل والمصداق الامثل - بعد الائمة الاطهار (ع) - لمن امن بالله ورسوله واطاع الله
(198)

ورسوله كما كان هو (ع) ايضا في مقدمة الشيعة وطليعتهم والسباق في متابعة ائمة اهل البيت (ع) مشايعتهم لان الشيعي هو من شايع عليا (ع) والائمة من بنيه الذين سماهم القران اهل البيت (ع) والتزم متابعتهم والسير على هداهم وكيف لا يكون ابو الفضل العباس (ع) كذلك وهو ابن الامام امير المؤمنين (ع) واخو الامامين الهمامين الحسن والحسين (ع) وقد تلقى تربيته الاخلاقية والعلمية الراقية في احضانهم ومدرستهم ونال شهادته الثقافية والانسانية العالية على ايديهم وبتأييدهم .
اذن فابو الفضل العباس (ع) هو الصديق بالمعنى العام الذي جاء بالصدق في اللغة والاصلاح وذلك على ما عرفت .
وهو ايضا الصديق بالمعنى الخاص للصديق فقد شهد الامام الصادق (ع) -كما في الزيارة المأثور عنه - بالصدق في خصوص ابي الفضل العباس (ع) حيث يقول مخاطبا اياه : << السلام عليك ايها الولي الصالح الناصح الصديق >> وفي زيارته الاخرى قال (ع) : << اشهد لك بالتسليم والتصديق >> ويقول في مكان اخر من الزيارة وهو يخاطبه ايضا :<< السلام عليك ايها العبد الصالح المطيع لله ولرسوله ولامير المؤمنين والحسن والحسين صلى الله عليهم وسلم >> .
ففي الزيارةالاولى شهادة صريحة بكون ابي الفضل العباس (ع) هو الصديق كما ان في الفقرة الاولى من الزيارة الثانية شهادة خاصة لابي الفضل العباس (ع) بالتسليم والتصديق فهو الصديق لغة لمكان لفظ التصديق وفي الفقرة الثانية من الزيارة شهادة خاصة لابي الفضل العباس (ع) بالاطاعة لله ولرسوله ولاوصيائه(ع) فهو الصديق اصلاحا ايضا لان الصديق كما مر في اصلاح اصطلاح القران والسنة النبوية واحاديث اهل بيت رسول الله (ص) هو المطيع لله ولرسوله ولاوصيائه (ع) .
(199)

الحائزون على وسام الصديق


نعم وسام الصديق بالخصوص منح لشخصين من هذه الامة هما كالتالي :
1- الامام امير المؤمنين (ع) فقد سماه رسول الله (ص) بالصديق ومنحه هذا الوسام العظيم وذلك على ما عرف في تفسير قوله تعالى : «والذين امنوا بالله ورسله اؤلئك هم الصديقون . . . » وقوله سبحانه وتعالى : «ومن يطع الله والرسول فاولئك مع الذين انعم الله عليهم من النبين والصديقين » حيث قال (ص) : << الصديقون ثلاثة : علي بن ابي طالب وحبيب النجار ومؤمن ال فرعون >> . وقال (ص) : << لكل امة صديق وفاروق وصديق هذه الامة وفاروقها علي بن ابي طالب (ع) >> . وقال الامام امير الؤمنين (ع) في خطبة الوسيلة : << واني النبأ العظيم والصديق الاكبر >> .
فالفائز الاول على وسام : الصديق بل وسام الصديق الاكبر هو الامام امير المؤمنين (ع) .
2- ابو الفضل العباس بن امير المؤمنين (ع) حيث قد شهد له الامام الصادق (ع) على ما عرفت في زيارته (ع) بالتسليم والتصديق ومنحه هذا الوسام الرفيع واعطائه هذا النيشان المنيع اعني وسام << الصديق>> ونيشانه فيكون على هذا ابو الفضل العباس (ع) هو الفائز الثاني الذي حاز على وسام الصديق ونيشانه فهو اذن الصديق حقا .
(200)