مقدمة الناشر

بسم الله الرحمن الرحيم
العباس بن علي (عليهما السلام)
يد مقطوعة .......
ونحر مدمى .....
وقربة مضرجة بالجراح......
فهناك اياد كثيرة قطعت في حروب ماضية , لكن اليد الوحيدة التي لازال الزمن يذكرها هي يد العباس بن علي (عليهما السلام),لانها يد لازالت تواصل عطاءها , ولازالت تمد الى كل محتاج وصاحب حاجة .
ونحور كثيرة قطعتها الحروب , لكن نحر العباس ضل علما في دنيا الشهادة لانه بذله عن بصيرة تامة وعن وعي كامل بمسؤوليته المقدسة في الدفاع عن العقيدة وعن الامامة وعن كل المقدسات .
وقرب كثيرة تتمزق وينتشر ماؤها هنا وهناك لكن قربة واحدة ضلت حية في الضمائر وتحولت الى سنة جارية ورمز لسقاية الماء في
( 5 )


كل مكان .
فان كان العباس لم يستطع ايصال الماء الى مخيم الحسين( عليه السلام ) وبقيت غصة في صدره الا ان من جاء من بعده آلى على نفسه ان يوصل الماء الى الضامئين اقتداء بالعباس .
ويكفي ان تجتاز كثيراً من الشوارع في البلاد الإسلامية لتدرك عظمة العباس الذي تحول الى مثل أعلى في العطاء ، يكفي أن تنظر الى خزانات المياه الباردة وهي تسقي العطاشا ..
فقد تحول العباس الى رمز للعطاء ، لأنه أعطى كل شيء لله فقد أعطاه الله كل شيء.
أعطاه حتى ما لم يعط الأنبياء والصالحين .
فقد أصبح ضريحه مثوبة لأصحاب الحاجات ومجأً لأصحاب المحن.
وأصبح اسمه كلمة سرَّ بين الإنسان وربه ، كلّما جاءه طالب حاجة وتلفّظ باسمه قضى الله حاجته ، وهنا تتجلّى عظمة العباس في عطائه ..
فهو عطاء لا يعرف النضوب.
( 6 )


عطاء لم ينته بشهادته بل استمر حتى بعدما دفن ، عطاء في حياته وفي مماته ..
وهذا أكبر دليل حسّي واقعي على أنّ العباس لم يمت بل الشهداء لا يموتون لأنهم أحياء عند ربهم يُرزقون ، قال تعالى :«ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون» (1).
فخلود العباس بخلود القيم التي دافع عنها وبذل مهجته في سبيلها .. فكلما ذكرنا العباس (عليه السلام) ذكرنا معه تلك القيم التي رسمها بدمه الطاهر الزكي.
نتذكر شهامته يوم أجاب دعوة شمر بن ذي الجوشن:
أين بنو أختنا أين العباس وأخوته ؟
قال أبو الفضل العباس واخوته : ما شأنك وماذا تريد ؟ قال الشمر : يا بني أختي أنتم آمنون , فلا تقتلوا أنفسكم مع الحسين والزموا طاعة أمير المؤمنين يزيد .
أجابه العباس : لعنك الله , ولعن أمانك , تؤمننا وابن رسول الله لا أمان له وتأمرنا أن ندخل في طاعة اللعناء وأولاد اللعناء (2) .
وغيرته عندما كان ملازماً للنساء ولا سيما أخته العقلية وزينب
______________________________
(1) سورة آل عمران: الآية 169.
(2) تذكرة الخواص : ص142 , أعلام الورى : ص120 .
( 7 )


الكبرى (عليها السلام ) لايتركهن لحظة من اللحظات الاّ وكان الى جانبهنّ.
ورجولته عندما سمع الأطفال وهم يتصارخون : (العطش العطش ) ، فحمل القربة واقتحم صفوف الأعداء وملأ القربة ماء وأراد أن يوصلها للمخيم قبل أن تمزقها سهام الأعداء.
وإيثاره عندما امتنعت نفسه أن ترتوي من الماء العذب وأخوه الحسين عطشان فقال مخاطباً نفسه:
يا نفس من بعد الحســين هوني وبعـده لا كنـــت أو تكونــي
هذا الحسيـــن وارد المنــون وتشربيـــن بــارد المعيــن
هيهـات مـا هذا فعـال دينـي و لا فعــال صــادق اليقيــن(1)
وبسالته عندما وقف يتحدى الأعداء بيدين مقطوعتين غير مرتاب ولا خائف ولا وجل.وتفانبه في الدين وصلابته في العقيدة عندما حارب الأعداء لا من أجل مال و لا منصب ولا جاه بل من أجل المبدئ والقيم , أليس هو القائل :
والله ان قطعتــموا يــــميني إني أحامي أبداً عــن ديني
وعن إمام صادق اليقين نجل النبي الطاهر الأمينِ
نبيُّ صدقٍ جاءنا بالدين مصدقاً بالـــواحد الأمينِ

______________________________
(1) أسرار الشهادة :ص322 ، مقتل العوالم : ص94.
(2) أنظر مقتل المقرم ، المجالس السنية.
( 8 )


فالعباس هو كتلة قيم وفضائل.
وقد ردّ الله سبحانه جميل العباس مع أخية الحسين ومع أطفاله.. ردّ له كلّ فضيلة قام بها ، بأن أعطاه كرامة استجابة الدعاء لكل طالب حاجة .
وهذا الكتاب الذي كتبه الإمام الشيرازي ( دام ظله ) هو في هذا المضمار.
فهو ليس كتاب سيرة ..
ولا كتاب تاريخ ..
ولا كتاب روايات وأحاديث ..
بل هو ومضات ذكرها الإمام الشيرازي ليكشف بقلمه السلس الجذاب شخصية العباس (عليه السلام)) ومن خلال تجربة ذاتية مع هذا المسمّى على لسان الإمام الصادق بـ ( العبد الصالح ) (1).
مؤسسة الوعي الإسلامي

______________________________
(1) مفاتيح الجنان : ص 435 للشيخ عباس القمي .
( 9 )


العباس (عليه السلام ) والعصمة الصغرى

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وعلى آله المعصومين .
لاشكّ أنّ العصمة خاصة بالانبياء والائمة ومريم بنت عمران والصديقة الطاهرة (صلوات الله عليهم اجمعين ) .. فهؤلاء حصرا هم المعصومون المنزهون عن كل نقص , وليس عن الذنب وحسب.
يبقى هناك اشخاص هم دون هذه العصمة كالعباس ابن علي (عليهما السلام ) وعلي الاكبر ابن الامام الحسين (عليه السلام ) وزينب العقيلة (عليها السلام ) , فهؤلاء ليسو معصومين عصمة الانبياء والائمة لكنهم يمتلكون بعض خواص المعصومين , وهذه ما اسماها البعض منا بالعصمة الصغرى .
والفرق ان من له العصمة الكبرى يستحيل عليه العصيان استحالة وقوعية , واما من له العصمة الصغرى لا يعصي الله سبحانه وتعالى
( 11 )


طرفة عين وان لم يكن العصيان عليه مستحيلا .
وذلك لرفعة الانفس وقوتها في الاولين وان اختلفو , كما قال سبحانه وتعالى : « تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض .....» (1)، وأنفس الأخرين ليس لها من الرفعة والسموّ كالأوّلين.
مثلاَ درجات الأولين من المليون فأكثر ، أما درجات الأخرين فأقل من المليون وتتفاوت الدرجات فيهم أيضاً.
والمشهور عند العلماء أن الأنبياء قد يصدر منهم ( ترك الأولى ) كما ذكر في قصص عديدة من القرآن الكريم ، إلاّ أنّ المعصومين الأربعة عشر لا يصدر منهم ذلك .
لكن إقامة الدليل على صدور ترك الأولى من الأنبياء مشكل ، وظاهر الآيات والروايات في الأنبياء حاله حال ظاهر الأدعية للنبي الأكرم والإمام علي بن أبي طالب والإمام السجّاد (عليهم الصلاة والسلام).
فما يقال في هؤلاء يقال في الظواهر بالنسبة الى الأنبياء .
أما ما يقال في ما ورد عن المعصومين الأربعة عشر من أنّهم كانوا يدعون للتعليم فحسب فغير تام ، كام يظهر ذلك من الفاظهم .
ويمكن ان يقال كما ان للمعنويات مراتب حسب اختلاف الزمان والمكان والشخص والخصوصيات ، فإعطاء الفقير ديناراً ، له من الأجر
______________________________
(1) سورة البقرة : الآية 253 .
( 12 )


أكثر من إعطاء الغني الدينار ، ومن وقع في يده إذا كان فقيراًَ جدّاً يكون الدينار أكثر ثواباً في مقابل ما اذا كان متوسّط الحال في الفقر .
كذلك الحال في مراتب القصور أوالتقصير أمام الله سبحانه ، فهناك فرقٌ بين من يعصي الله سبحانه عالماً عامداً وبين من يضطر للمعصية أو ما أشبه ذلك ، إلى أن يصل إلى ما كان من لوازم الإمكان ، فالرجل الأعرج الذي لا يتكّن من القيام لعالم كبير عجزاً يعتذر عن عدم قيامه ويظهر تأسفه على العدم مع أنه لا قدره له ، وإنما يظهر التأسف ليأخذ تأسفه مكان الاضطرار الذي تعذر له .
ولكن مما لا شك فيه عدم صدور المعصية من المعصومين (عليهم السلام ) وحتى ممن له العصمة الصغرى ، كالعباس (عليه السلام ) .
ومما يستند إليه في عصمة العباس الصغرى أقوال صدرت عن المعصومين (عليهم السلام ) منها :
1_ قول الإمام الصادق (عليه السلام )في زيارته للعباس ( عليه السلام ) حيث ورد في هذه الزيارة :« ولعن الله أمة استحلت منك المحارم وانتهكت في قتلك حرمة الإسلام ».(1)
كما ورد نظير ذلك بالنسبة الى الإمام
______________________________
(1) من زيارة أبي الفضل العباس (عليه السلام ) في يوم عرفة ، مفاتيح الجنان : ص454 للمحدث الشيخ عباس القمي . كما وردت كذلك في ص436.
( 13)


الحسين (عليه السلام ) (1).
ولو تمعنا هذه العبارة «وانتهكت في قتلك حرمة الإسلام» لرأينا أن الذي ينتهلك الإسلام بقتله لا بد أن يكون شخصاً عظيماً منزهاً معصوماً إما عصمة كبرى كالإمام الحسين (عليه السلام ) أو عصمة صغرى كالعباس (عليه السلام ).
2_ قول الإمام زين العابدين (عليه السلام ) حيث ورد عنه : «وإن للعباس عند الله تبارك وتعالى منزلةً يغبطه عليها جميع الشهداء يوم القيامة»(2)، فمن هذا الذي يغبطه كل الشهداء بما فيهم المعصومين أيضاً كالشهداء من الأنبياء ، فهذا الشخص لابد أن يكون مقامه مقام العصمة الكبرى أو أدنى منه قليلاً حتى يغبطه المعصو م .
فهاتان العبارتان وغيرهما تدلان على أن للعباس (عليه السلام ) عصمةً صغرى ، وقد رفعه بعض العلماء الى درجة العصمة الكبرى التي هي للأنبياء والأئمة (عليهم السلام ). ,
أما دون ذلك اي عدم العصمة
______________________________
(1) راجع زيارة الإمام الحسين في يوم عرفة «لعن الله أمة استحلت منك المحارم وانتهكت فيك حرمة الإسلام» مفاتيح الجنان : ص 452. ,
(2) ونص الحديث كما عن الخصال : ج1 ص68 في باب الأثنين « رحم اللهُ عمي العباس بن علي ، فلقد آثر وأبلى ، وفدى أخاه بنفسه ، حتى قطعت يداه ، فأبدله الله بجناحين ، يطير بهما مع الملائكة في الجنة ، كما جعل لجعفر بن أبي طالب ، وإن للعباس عند الله تبارك وتعالى منزلة يغبطه عليها جميع الشهداؤ يوم القيمامة »
(14)



الصغرى فلم يقل به أحد من العلماء فيما نعلم (1).
إذن الآراء في عصمة العباس (عليه السلام ) بين من طابقها مع الأنبياء والأئمة وبين من اعتبرها أقل من تلك العصمة ، وسيتضح الأمر في المطالب التالية .
ثم ان بعض العلماء ذكر : إن العباس حضر غـًُسل الإمام الحسن (عليه السلام ) وأراد أن يستفيد من ذلك العصمة الكبرى فيه على اعتبار أن المعصوم لا يغسله إلاّ المعصوم .
لكن هذا الرأي مناقش فيه صغرى وكبرى ، فحضور العباس (عليه السلام ) لغُسل الإمام الحسن (عليه السلام ) إذا ثبت كان مثل حضور ابن عباس غسل الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وحضور أسماء غسل فاطمة (عليها السلام ) .
نعم ، قد تقدم إن للعباس (عليه السلام ) العصمة الصغرى الاصطلاحية ، ولكن فوق ذلك الكبرى ، ولا واسطة بين الصغرى والكبرى . ثمّ إنّ الإمام لا يغسله إلاّ الإمام ــ وبعد استشهاد الإمام الأخير في هذه الدنيا حيث لا إمام بعده .
فهناك احتمالات ، منها : أن يحيا إمام ويغسله ثم يموت بلا احتياج الى غسل ، أو أن الملائكة تغسّله وهم
______________________________
(1) يذكر السيد المقرم في كتابه العباس : وهذه النظرية في أبي الفضل - نظرية العصمة - لم ينكرها عالم من علماء الشيعة تعرفه بالثقافة العلمية والتقدم بالأفكار الناضجة ص237.
( 15 )


أيضاً معصومون منزّهون عن كل دنس ، ولكنه خارج حينئذ عن الدليل فهو تشريع لا نعلم وجهه كاملاً أو تكوين لا نعلم سببه بأن يكون بين الغسل وبين التطهير والعصمة ربطٌ تكويني ، ونحن هنا لسنا مطلعين على مثل هذا التكوين ، بل وعلى أكثر التكوينيات التي نزاولها في الليل والنهار ، فنحن كلنا ينطبق علينا قول السبزواري : نعيش دائرة «ذي التوافي» حيث يقول :
وهل بتوليد اواعداد ثبت او بالتوافي عادت الله جرت
ونحن لا نعلم هل ان ذلك من قبيل المثل الهندسية والأعداد الحسابية ، أو من قبيل الجعل الإلهي مما أمكن خلافه أيضاً ، هذا بالنسبة الى الأمور الممكنة الفهم لنا ، حيث ورد ما مضمونه :
ان العلم الظاهر للناس الى قبل ظهور الإمام المهدي ( عجل الله فرجه الشريف )
حرفان من سبعة وعشرين حرفاً ، حيث تظهر البقية عند ظهوره (2).
______________________________
(1) شرح منظومة السبزواري قسم المنطق بحث القياس ص 114 ، شرح الإمام المؤلف «دام ظله»
(2) ونص الحديث الوارد عن الإمام الصادق (عليه السلام ) :« العلم سبعة وعشرون جزء ، فجميع ما جاءت به الرسل جزءان ، لم يعرف الناس حتى اليوم غير الحرفين ، فإذا قام القائم أخرج الخمسة والعشرين حرفاً ، فبثها في الناس ، وضم اليها الحرفين ، حتى يبثها سبعة وعشرين حرفاً». منتخب الأنوار المضيئة : ص201 .
( 16 )


أما بالنسبة الى غير الممكن - والقصد بذلك الأعم منه ومن ضيق الظرف ، وما يكون لعدم المقتضي أو لوجود المانع - فلا يمكن الإحاطة به على أي حال ، قال تعالى : «وما أوتيتم من العلم إلاّ قليلاً» (1) .
من هنا يمكننا أن نقرر أنّ العباس (عليه السلام ) على عظمته وعلوّ منزلته التي لا تنالها أفهامنا لضيق ضرفنا وما ورد فيه من نصوص من المعصومين ، ليست له العصمة الكبرى كالمعصومين الأربعة عشر (عليهم السلام ) . نعم له العصمة الصغرى بلا شك .

______________________________
سورة الإسراء : الآية 85 .
( 17 )



كيف بلغ العباس هذا المقام ؟


هل العباس (عليه السلام ) وصل الى هذا المقام بعمله فقط أم بمؤهلات أخرى ؟
لا شك ان عمل العباس (عليه السلام ) هو في القمة العالية ، إلاّ إن ، جوهره كان أعلى شأناً لأنه الأساس في عمله أيضاً .
ففضل الذهب على التراب ليس بالكمية أو الوزن بل في الجوهر .
فلا يقال : إذا خلق الله الجوهر أفضل فلماذا يثاب ؟
لأنه يقال : خلق الله كلّ ممكن لا محذور فيه سواء في الآفاق أو في الأنفس ، وكل شيء له مناسب واستحقاق ذاتي أو جعلي ، والثواب من هذا القبيل .
فلا يقال : للجوهر الأَدون أن يعترض إنه إذا خُلِقتُ أفضل كان لي الاستحقاق نفسه .
لأنه يقال : اعتراضه غير وارد ، وإلاّ يلزم أن لا يعطي الله كل ممكن خلقه ، أو يلزم الظلم ، فأن الله إذا لم يخلق الأَدون ، لزم الشق
( 18 )


الأول ، وإذا خلق وأعطاه ما للأعلى ، لزم وضع الشيء في غير موضعه ، وهو خلاف الحكمة .
يبقى الشق الثالث ، وهو أن يعطي كل شيء خلقه ، ثم يثيبه بقدر استحقاقه لا أكثرإلاّبفضله.
فإن الفضل يعطى لغير من تقتضي الحكمة عدم الفضل له بينما الإستحقاق يعطى للمستحق فقط ، كما برهن في علم الكلام .
وعلى أي حال ، فهناك عدم الحرام وعدم المكروه وعدم ترك المستحب وعدم ترك الأولى وعدم السكوت عن الإعتذار عن نواقص الإمكان ، والمعصومون الأربعة عشر كانوا متصفين بكل ذلك .
أما مثل العباس (عليه السلام ) وعلي الأكبر (عليه السلام ) -حيث قرأ الإمام الحسين (عليه السلام ) : «إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين * ذريةً بعضها من بعض» (1) ، دلالةً على ان علي الأكبر (عليه السلام ) من تلك الشجرة - .
فجوهر علي الأكبر ليس كجوهر المعصومين ( صلوات الله عليهم أجمعين ) ، فهم كما قال : «نزَّلونا ....» (2) نقول بالنسبة للعباس ونحوه (عليهم السلام ) نزَّلوهم عن العصمة الكبرى ...

______________________________
(1) سورة آل عمران : الإية 33 - 34 .
(2) إشارة الى الحديث الشريف : «نزلونا من الروبوبية وقولوا فينا ما شئتم ».
وهناك رويات كثيرة في هذا الصدد ، نذكر منها ، قال الإمام الصادق (عليه السلام ) « اجعلونا مخلوقين وقولوا بنا ما شئتم » ، بصائر الدرجات : ص236 ،
و « قولوا فينا ما شئتم وا جعلونا مخلوقين » كشف الغمة : ج2 ص197.
( 19)


العباس باب الحوائج


مدلول لفظة «باب الحوائج» ربما يكون حالة نفسية يتحلى بها الشخص الموسوم بهذه الصفة.
فبعض الأنفس حسب الخلقة تناسب شيئا ، بينما الانفس الاخرى لا تناسب ذلك الشيء كالصفات الظاهرة من الجمال والفصاحة والحساسية ، والصفات الباطنة ! كالشجاعة والكرم والسماحة ، بينما البعض الآخر لها أضداد تلك الصفات كالقبح والسفاهة والبلادة والجبن والبخل والتعصّب .
فإنّ لكل صفة عرضاً عريضاً ، حتى ان حسان بن ثابت كان يخاف حتى من لمس الميت فكيف بالخروج الى الحرب وشهر السلاح بوجه الأعداء (1).
وقد قال الإمام علي (عليه السلام ) : « والله لو تطاهرت العرب على قتالي لما ولّيت عنها » (2)، والعرب هنا كناية عن شجعان الدنيا ، وإنما جاء بهذه اللفظة ، لأن العرب في ذلك اليوم كانوا مظهر الشجاعة .

______________________________
(1) راجع قصته مع نساء المدينة عندما بقي فيها وخرج المسلمون للقتال .
(2) نهج البلاغة : الكتاب 45 . الأمالي للشيخ الصدوق : ص 513 .
( 20 )


والأنفس كالأودية حيث نجد في الآية الكريمة :« أنزل من السماء ماءً فسالت أودية بقدرها ...» (1) ، وهكذا هي الأنفس البشرية مثلها مثل الأودية .
ولعل الآية الكريم جاءت على ذكر ذلك من باب المثال لكل مخلوق منه سبحانه ، فإنه قد ينزل المعقول بمنزلة المحسوس ، أو بالعكس ، أو المحسوس بعضه بمنزلة بعض آخر ، وهكذا المعقولات ، قال تعالى : «كسراب بقيعة يحسبه الظمئان ماءً» (2) ، وقال أيضاً :« كرمادٍ اشتدت به الريح ...» (3) ، ويمكن أن يكون لعمل استحق به ذلك عرضاً ، مثل مواساته أخاه في العطش بعد أن لم يكن على شربه يلومه العقل أو الشرع أو العرف .
لا يقال : إن الله غير محتاج الى الواسطة بل هو أقرب من حبل الوريد ، ويحول بين المرء وقلبه .
لأنه يقال ، الأمر كذلك لكن الله سبحانه خلق الكون بهذه الكيفية ، لأنه ممكن يتطلب الوجود - كما قال الحكماء في كلّ موجودات الكون - .

______________________________
(1) سورة الرعد : الآية 17.
(2) سورة النور : الآية 39 .
(3) سورة إبراهيم : الآية 18 .

( 21 )


وعلى اي حال فهو (عليه السلام ) يقضي حوائج المحتاجين لكن الأمر بحسب المقرّر من وجود المقتضي وعدم المانع (1).

______________________________
(1) يقول الشاعر في وصف العباس (عليه السلام )
باب الحوائج ما دعته مروعة في حاجة الا ويقضي سؤلها
بابي ابو الفضل الذي من فضله السامي تعلمت الورى منهاجها
( 22 )


كرامات العباس (عليه السلام )


كان طالب علم يدرس العلوم الدينية في كربلاء اسمه الشيخ إبراهيم ، وكان هذا الشيخ بحاجة الى الزواج ، وكان عليه دَينٌ أيضاً ، وكان أيضاً يريد الحج ولا يتمكّن من ذلك .
فجاء الى حرم الإمام الحسين (عليه السلام ) طالباً حوائجه ثم ذهب الى حرم العباس (عليه السلام ) ، وكان كل يوم يأتي الى الحرمين ويطلب حاجته وبإلحاح متواصل ومستمر .
واستمر على ذلك ستة أشهر ، وفي اليوم الآخر رأى امرأة من أهل البادية تحمل طفلاً مصاباً بمرض « الكزاز » وبلغ تقوس ظهره أن تدلى رأسه الى الخلف ، وهذا القسم لا يعالج في الطب ، وبعد أن يئس أهله من الشفاء جاءوا به الى حرم العباس (عليه السلام ) ، وضعته المرأة - ولعلها كانت أمّه - أمام ضريح العّباس تطلب منه الشفاء العاجل ، وإذا بالطفل يغفو من إغمائه ويقف على رجله كلّ هذا والشيخ ينظر إليه ، ويرى كيف تقّبل الله سعي هذه المرأة وكيف توسط العباس (عليه السلام ) في شفائه .
وهنا هاج الشيخ وسيطر عليه الحزن والألم وأخذ يخاطب
( 23 )


العباس (عليه السلام ) بلهجة لا تناسب مقامه وبلغة عامية : الحسين إمام وأنت أخوا الإمام ، وبيدكم كلّ شيء لكنّكما لا تنفعان إلاّ أقرباءكما من العرب ، ثمّ ودّع الحضرة الشرفية وذهب الى حرم الإمام الحسين (عليه السلام ) ، وقال له : أنت إمام والعباس أخو الإمام وبيدكما كل شيء ولكنكما لا تنفعان إلاّ أقرباءكما العرب .
ثمّ خرج وقرر أن يذهب الى النجف الأشرف ليخاطب الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام ) بالمنطق نفسه ثّم ليعود الى أهله وقريته في إيران .
عزم الرجل على الذهاب الى النجف الأشرف ، ولما وصل الى الصحن الشريف جلس ليستريح ، فإذا به يرى شخصاً يأتيه ويقول له : يا شيخ إبراهيم إني خادم الشيخ مرتضى الأنصاري جئتك لإبلغك رسالة رسالة الشيخ ، وأنه ينتظرك في بيته .
تعجب الشيخ إبراهيم من كلام هذا الرسول لأنه لم ير الشيخ الأنصاري من قبل ، واشتد تعجبه عن كيفية علم الشيخ به وأنّه موجود في إيوان الصحن المطهّر . قام وذهب الى دار الشيخ ، فاحترمه الشيخ الإنصاري وأعطاه ثلاث صرر قائلاً له :
هذه الصرّة لحجك وهذه لزواجك وهذه لأداء دينك ، فتعجب من معرفة الشيخ بحوائجه وازداد عجبه من عتب الشيخ عليه لأنه
( 24 )


خاطب العباس بذلك الخطاب قائلاً له : هناك فرقٌ بينك وبين ذلك الذي شافاه العباس في الحال فأنت رجلٌ عالم عارف وتلك امرأة قروّية ، فإنّ الله إذا لم يعطها حاجتها كفرت ، وأمّا أنت فلست كذلك .
رجع الشيخ الى كربلاء المقدسة وغّير رأيه في أمر العودة الى إيران .
وفتح الصرر الثلاث فإذا في كلّ صرّة بقدر كفاية الحاجة التي كانت له .
وهكذا فالعباس (عليه السلام ) هو باب الحوائح بأمر من الله سبحانه وتعالى (1) .
______________________________
(1) ونظير هذه الكرامة وردت في كتاب الكبريت الأحمر : ج3 ص50 نقلاً عن تلميذ الشيخ الأنصاري الشيخ عبد الرحيم التستري المتوفي سنة 1313هـ .
( 25 )


الرأس الشريف

أورد المؤرخون أنهم رأوا رأس العباس معلّقاً في عنق أحد القتلة في الكوفة ، وبعد ذلك ماذا حدث للرأس الشريف ؟
كما ان المؤرخين اختلفوا في رأس الإمام الحسين (عليه السلام ) ، هل هو ملحق بالجسد أو عند قبر الإمام علي (عليه السلام ) ، أو في منطقة الحنانة أو غير ذلك .
كذلك اختلفوا في مكان دفن رأس العباس (عليه السلام ) .
فهناك قول أنه مدفون مع رؤوس الشهداء في الشام (1)، والرواية هكذا : قبل مائة سنة وفي أيام سدانة السيد رشيد ، أصاب خراب المشهد ، فأتى السيد رشيد بمعمارٍ مسيحي لغرض ترميم المشهد المقدّس ، وأخذ المعمّار في أعمال الترميم ، وذات يوم أرسل الى المتولّي بلاغاً يعلمه عن تركه العمل قائلاً : إن عملي هذا يهدم ديني : فسأله المتولّي عن السبب ، قال له : تعال معي لأريك أمراً عجيباً.
أخذ بيد المتولي وجاء به الى السرداب الذي فيه الرؤوس ، فنظر المتولي فإذا به يرى الرؤوس وبينها رأس العباس (عليه السلام ) في طراوية
______________________________
(1) في مدينة دمشق في المقبرة بمقبرة باب الصغير .
( 26 )


وكأنها قطعت عن أبدانها الساعة . فعلّق المعمار على مشاهدته : إذا كان ما نراه حقّاً فديننا - يعني المسيحية - باطل ، ولهذا تركت الترميم خوفاً على ديني .
أقول : إذا كان كان المعمار المسيحي قد أدرك ان أصحاب هذه الرؤوس هم من أولياء الله ، حيث شاهد بعينه المعجزة الإلهية في عباده الصالحين الذين لم تتغير أجسادهم بعد أكثر من ألف عام :« قل فلله الحجة البالغة» (1) ، وعرف أنّ دين الإسلام هو الدين الصحيح وأنّ لهؤلاء الأولياء كرامة عند الله سبحانه فما بالنا نحن المسلمون .
وهذه القصة متواترة ورؤية السيّد رشيد مشهورة مّما يدلّ على تمامية وأحقية حتّى جزئيات حادثة كربلاء الفجيعة .
إلاّ أنّ الكلام في أنّه هل رأى في تلك الرؤوس المشرفة رأس سيّدنا العباس (عليه السلام ) أم لا ؟ (2)والرأس لم يكن محنطاً كالمومياء حتّى يصبح الأمر عادياً بل هو أمرٌ إعجازيٌّ خارق للعادة .
وهذه دلالة على ما لهذا السيّد الجليل - العباس - من كرامة عظيمة عند الله ، وبالتالي ما لزيارة الرأس الشريف بقصد القربة والرجاء من آثار كبيرة ونتائج
______________________________
(1) سورة الأنعام : الآية 149 .
(2) و لا يخفى إنّ رأس الإمام الحسين وأخية العياس (عليهم السلام ) قد دفنا مع الأجساد في كربلاء ، وهذا هو المشهور بين العلماء ، كما ذكر ذلك في البحار ومقتل العوالم واللهوف وروضة الواعظين ومثير الأحزان والمناقب وأعلام الورى .
( 27 )


محمودة بالرغم من أنّه لم نجد نصاً من المعصومين (عليهم السلام ) في ذلك ، ولا شك أنّ الَملَكَ يوصل الزيارة إليه (عليه السلام ) وهو في قبره في كربلاء (1) .
وكيف لا يكون العباس (عليه السلام ) صاحب كرامة وهو ابن أمير المؤمنين (عليه السلام ) .
وممن باب الاستطراد نذكر كرامتين للإمام أمير المؤمنين (عليه السلام ) على وجه الأختصار .
كان لوالدي ( قدس سره ) صديق هو الشيخ محمد حسن الهرسيني ، وقد قَدِمَ الى النجف الأشرف لغرض الدراسة في أيّام السيّد أبو الحسن الأصفهاني ( قدس سره ) ، وذهب صديقه الآخر الشيخ فرج الله الكاظمي ( رحمه الله ) الى كربلاء قال الكاظمي : كنت أعمل عمل البنّائين ، أعمل في الأسبوع يوماً واحداً لأحصل على معاشي الذي يكفيني طيلة الأسبوع .
أمّا الشيخ محمد حسن الهرسيني قال : في سنة لم يأت من بلدي شيءمن المال لأعيش به حتّى عزمت على الرجوع الى بلدي حيث نفد كلّ ما عندي من النقود فاضطررت للذهاب الى حرم الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام ) وقلت له : سيّدي أنت تعلّم اني جئت لأتعلّم علومكم
______________________________
(1) وهناك قصص كثيرة في كرامات العباس (عليه السلام ) ذكرت في بطون الكتب .
( 28 )


ثم لأعود الى عشيرتي في هرسين فأعلّمهم ما تعلّمت هنا .
والآن لا أستطيع البقاء هنا لأنه نفد كل ماعندي .
ثّم ودّعتُ الأمام وخرجت من الحرم قاصداً الرجوع الى بلدي .
وأنا في طريقي نحو المدرسة إذ جاءني أعرابي لا أعرفه ، سلّم علّي وأعطاني مظروفاً بدون أن تكون بيننا أيّة سابقة أو لاحقة ، ولما رجعت الى المدرسة رأيت المظروف مملوءاً بالنقود فعزمت على البقاء ، وقرّرت أن أقتصد في حياتي ليكفيني هذا المبلغ .
ذهب الى الحرم مسروراً ، وحين العودة رأيتُ الأعرابي نفسه يقدّم لي مظروفاً آخراً ، وتكرّر الأمر ثلاث مرّات هكذا ، ثّم إنّ نجل السيّد أبو الحسن الأصفهاني ( قدس سره ) السيّد حسن - الذي استشهد على أيدي بعض الأشرار - قال لي إنّ والدي يريدك ، فأسرعتُ الى السيّد الإصفهاني فعاتبني لأنّي لم أمر عليه ولم أخبره بحالي ثّم عيّن لي راتباً شهرياً كان يكفيني طيلى حياتي .

وللمدّرس الأفغاني حكاية

ونقل لي المدرس الأفغاني ( قدس سره ) إنّه قصد النجف الأشرف بصورة بالغة الصعوبة حيث وصلها ماشياً على القدمين من بلدته في أفغانستان التي تبعد عن النجف الأشرف آلاف الكيلومترات .
( 29 )


ولما لم يكن له محل في النجف الأشرف اضطر الى العيش في الصحن صباحاً ، وعند الظهر كانت أبواب الصحن تغلق ، فكان يضطر هذا الشيخ الجليل أن يأتي الى وادي السلام ويتخذ من ظلال بعض المقابر العالية مكاناً يأوي اليه في تلك الأوقات الشديدة الحرارة حتّى يتم فتح أبواب الصحن مجدّداً في العصر .
وهكذا دواليك كانت حياى الشيخ تسري بهذه الكيفية .
وقد ذكر لي : أنّه ذات مرة استيقظتُ وأنا في الوادي ةعلى مقرّبة من إحدى المقابر وقد أخذ منّي الحرّ مأخذاً شديداً وكنت في غاية العطش ، قمت من مكاني وأخذت أجوب الوادي حتّى وصلت الى ماء يسيل فشربت منه ، ثّم إنّي فحصتُ عن مصدر هذا الماء فوجدت أنّه منبعث من حوض مغتسل الأموات وهو خليط ٌ بالكافور والسدر ، فتأثرت تأثراً كبيراً وبكيتُ على حالي ، واخذت أخاطب سيّدي أمير المؤمنين (عليه السلام ) ، يا سيدي إنّني رضيت بكلّ شيء لكنّي لا أرضى بهذه الحالة ، وبعد ذلك ذهبت الى الصحن وإذا بخادم السيد أبو الحسن الأصفهاني ( قدس سره ) ينادي ويقول لي : أنت محمّد علي الأفغاني .
قلت له نعم .
قال : السيّد يريدك .
ولما ذهبت الى السيّد أعطاني غرفة وقرّر لي راتباً شهرياً ، و لا أدري من أين علم السيّد الأصفهاني بحالي فعشتُ بعدها برفاهٍ نسبي .
( 30 )


ستالين : اقتلوا كــربلاء

وقد شاهدت كيف اعتدى الشيوعيون على الحرمات والمقدسات ، وكيف أرادوا العبث بمقدرات الشعوب ، وقبل هؤلاء قام المتوكل ومن قبل هارون ومن قبلهم بنو أمية بمحاولة للقضاء على واقعة كــربلاء ومحو آثارها حتّى آلت النوبة الى ستالين ، حيث قال - وإنّي لأذكر قوله - اقتلوا كربلاء ، عندما عاد إليه القادة العسكريون قائلين إنّنا قتلنا خمسة آلاف عالم ديني وزهاء خمسة ملايين من المسلمين في المناطق الإسلامية التي تحتلّها روسيا .
قال لهم ستالين : اقتلوا كربلاء ، لأنّه طالما بقيت كربلاء فمشكلتنا باقية ، لأنها مادامت موجودة فهي تصنع المزيد من الرجال وتُخرّج المزيد من علماء الدين وتنشرهم في الآفاق .
وزعم أولئك الذين تطاولوا على إرادة الله سبحانه أنّهم قادرون على تغيير الواقع الإسلامي وإطفاء نور الله بأفواههم ، ولكن الشمس لا تنطفئ بالنفخ .
وقد شاهدت بعيني كيف أراد الشيوعيون محو الدين في كربلاء المقدسة .
( 31 )


وشاهدت كيف وضعوا لوحة كبيرة أمام باب قبلة العباس (عليه السلام ) كتبوا فيها عبارة «الله في قفص الاتّهام» ، لكن أين الشيوعية الشيوعيون ، لقد بقي العباس واندحرت الشيوعية ، ليس في كربلاء وحسب بل في العراق والعالم بأسره .
وهذا جزاء كل من يتطاول على الحرمات والمقدسات .
وتأكيداً على ما سبق أذكر هذه الحكاية .
ذات مرّة قَدِمَ إليّ الخطيب الشهير الشيخ عبد الزهراء الكعبي ( رضوان الله عليه ) وبرفقته رئيس بلدية كربلاء .
فقلت لرئيس البلدية لماذا كربلاء متسخّة بهذا الشكل ، ألستم تنادون بالنظافة وتدعون إليها ؟
قال : نعم ، لكن ليست عندنا ميزانية لتنظيف البلد .
قلت له : إنّ تنظيف البلد وبالأخصّ الروضتين الشريفتين وحولهما لا يحتاج إلى ميزانية كبيرة .
قال : حتّى الميزانية القليلة لا نملكها .
قلت : فنحن نقوم بتنظيف البلد .
قال : وكيف تتمكّن من ذلك ؟
قلت : إنّنا نطلب من الناس أن يبنوا المساجد والمدارس والمستشفيات فيسرعون إلى ذلك ، فكيف وأمر التنظيف لا يحتاج
( 32 )


إلاّ الى جهد قليل ومالٍ محدود .
ثم اضفتُ : كم تحتاجون من الأفراد لتنظيف المدينة .
قال : مائتان .
قلت: إني سأهيّأ لكم هذا العدد المطلوب من الأفراد .
وأخذ يناقشني في أمور كثيرة وأخيرا ًذكر لي بالحرف الواحد : أنا لا أتمكّن أن أسمح لكم بالقيام بهذا العمل .
قلت : ولماذا ؟
قال : لأن الأوامر تطلب منّا أن تبقى المدينة متسخة وبلا نظافة ! أجل ، هذا هو مصدر المشكلة ، الأوامر القادمة من بغداد لا تريد النظافة .
وقد شاهدت الحالة نفسها في النجف الأشر ف و الكاظمية وسامراء ، وشاهدت الأمر كذلك في بعض البلاد الأخرى المشتملة على أماكن مقدّسة .
فكان لزاماً علينا ونحن نؤمن بأن : «النظافة من الإيمان» (1) وانّ الأعداء يحاربوننا بإظهارنا بمظهر التخلّف بترك عتباتنا المقدّسة متسخة .
علينا مسؤولية رفع أية ظاهرة سلبية عن هذه المدينة المقدّسة بالحفاظ عليها من الأوساخ والقاذورات ومن الخطط الشيطانية التي تستهدف ذلك .

______________________________
(1) مستدرك الوسائل : ج 16 ص319 ، بحار الأنوار ج62 ص291 .
( 33 )


العثمانيون والعباس (عليه السلام )

حارب العثمانيون مدينة كربلاء المقدّسة أشدّ المحاربة فقد جهّزوا الجيوش وأصدروا الأوامر بقتل أهالي المدينة وحرق دور سكنهم .
وفي إحدى المرات أمر الوالي العثماني المستقر في بغداد بأنّ يُجهّز جيشٌ لمحاربة كربلاء ، قائلاً لهم : «خذوا ترابها» وهو كناية عن احتلالهم للمدينة وعدم ترك أيّ شيء فيها .
وجاء الجيش بكامل استعداده وشرعوا في تنفيذ أوامر الوالي ، بقتل الناس الأبرياء دون أدنى سبب ونهب أموالهم وهدم بيوتهم (1) . وقد نقل لي والدي ( قدس سره ) إنّ إحدى الرصاصات انطلقت على مقربة من إذُنه ،
______________________________
(1) تعرضت كربلاء للهجوم في عهد داود باشا سنة 1224هـ وعرفت بحادثة الماخور ، طذلك تعرّضت للهجوم في زمن نجيب باشا 1258هـ وقد قتل في هذه الحادثة عشرون ألفاً من الرجال والنساء والأطفال واُّبيحت المدينة ثلاثة أيام قتلاًوسلباً ونهباً ، كذلك قتل من لاذ بالحرم الشريف .
وقد دونت هذه الحوادث في الكتب التالية : شهداء الفضيلة للسيد عبد الحسين أحمد الأميني وتاريخ العراق الحديث للدكتور عبد العزيز سليمان وتاريخ كربلاء المعلى للسيد عبد الحسين الكليدار.
( 34 )


ولو انحرفت نحوه بمقدار قليل لقضت على أذنه أو عليه هكذا فعل العثمانيون بكربلاء ، ولما وصلت جيوشهم الى مقربة من صحن العباس (عليه السلام ) قامت ضجّة كبيرة في الصحنين ، وأخذ الناس يركضون ويفرون في كلّ مكان ، وإذا بألسنة النيران تنطلق من القبّة الشريفة وتلتهم أفراد الجيش ، وقد نقل لي شاهد عيان كان موجوداً أثناء وقوع الحادث ، أنَ الجيش أخذ يهرب الى طرف بغداد بكلّ قواه وبكلّ سرعته ، وكانوا يقولون لبعضهم البعض بالتركية «إمام عباس كَلدي» وهي بالعربية تعني «جاءنا الإمام العباس» .
هكذا تفرقت جموعهم وولّوا الأدبار ببركة العباس (عليه السلام ) ولم ينالوا خيراً .
ولما أخبروا الوالي بذلك أعطاهم الحقّ في الهروب وقام بدوره بإخبار الخليفة العثماني بما جرى .
فاضطر الخليفة أن يغير قراره ويأمر جنوده بالانسحاب من كربلاء ، فبقيت كربلاء سالمة ، على الرغم الهجمات الشديدة التي تعرّضت لها .
وقد هجم الجيش الوهابي الذي قَدِمَ من نَجِد عبر الصحراء لقتل الشيعة ولإحراق بيوتهم ونهب الأموال والكنوز المحفوظة في العتبات المقدّسة .
وعندما وصل الوهابيون كربلاء ، أعملوا السيوف في أهل هذه المدينة حتى بلغ عدد من قَتلوا ( 18 ) ألف إنسان ، لم يرحموا الصغير
( 35 )


ولا الكبير ولا الرجل ولا المرأة ولا العالم ولا غير ذلك ، والقصة مذكورة في جملة من التواريخ (1) . وطوال أربعين عاماً أذكرها كنت الشاهد على جرائم كثيرة ارتكبت بحقّ هذه المدينة ، فكان مرتكبها الغرب المستعمر تحت أسماء مختلفة منها الشيوعية والقومية والبعثية ، فقد فعلوا بكربلاء أكثر مّما فعله الحجّاج وابن زياد (2) .
وكان القاسم المشترك لجميع هؤلاء هو عداؤهم لهذه المدينة المقدسة ، فهم لا يريدون لكربلاء وجوداً على الأرض ولا لأهاليها حياةً بين البشرية .
ولعل الأمر سيدوم وستتواصل المحنة طالما ظلّت المعوّقات الكبرى التي تهدد الوجود الإسلامي والتي لا تنتهي إلاّ باستعادة حياة العزّة والشرف ، والانطلاق من المسلّمات والركائز الحضارية كالانتخابات الحرّة والمؤسّسات الدستورية والتعدّدية الحزبية .
وكان لكربلاء بعض الاسقرار في بعض الفترات نتجية لتوفر هذه العوامل .

______________________________
(1) واشتهرت هذه الحادثة بحادثة الطف الثانية لقساوتها وضراوتها ، فقد قام سعود بن عبد العزيز على رأس قوات نجد والحجاز وغيرها بمهاجمة كربلاء المقدسة في ذي سنة 1216هـ .
وقدّر المستر لونكريك عدد المهاجمين بستمائة هجان وأربعمائة فارس .
وقد نقل محمد جواد العاملي المتوفي سنة 1226هـ صاحب كتاب مفتاح الكرامة في الجزء الخامس ص512 عن هذه الحادثة .
(2) وقد دوّن الإمام المؤلف «دام ظله » بعض مشاهداته في كتاب : تلك الأيام .
( 36 )


القسـم بالعباس (عليه السلام )

من عجيب ماشاهدته في كربلاء ومنذ نعومة أظفاري وأنا في التاسعة من عمري حيث وصلنا كربلاء المقدسة من النجف الأشرف الى وقت خروجي الإجباري من هذه المدينة قاصداً الكويت (1)الكثير من الوقائع .
فمن مشاهداتي المتكرّرة في كربلاء هو خوف العرب والعجم والهنود والترك والكرد وغيرهم من القَسَمِ بالعباس (عليه السلام ) ، فبعضهم يهون عليه الحلف بالله سبحانه على الحلف بالعباس (عليه السلام ) .
وقد استخدمتُ هذه العقيدة القوّية لدى الناس بالعباس (عليه السلام ) في حلّ المنازعات التي كا نت تنشب بينهم ، فكنت أطلب - عند الترافع إليّ - ممن أراه على باطل أن يحلف بالعباس ، فتراه على استعداد لأن يقرّ ويعترف بذنبه ويرجّحه على القسم بالعباس (عليه السلام ).
وهذه الظاهرة لا تنحصر بالشيعة فقط بل نجدها عند أهل السنّة
______________________________
(1) هاجر إليها المؤلف سنة 1391هـ بعد أن صدر عليه حكم الإعدام غيابياً من قبل الحكومة البعثية في العراق ، ونشر الحكم في جريدة الثورة وجريدة الجمهورية آنذاك ، وبقي في الكويت ثمانية أعوام .
( 37 )


أيضاً ، فكانوا لا يقسمون بالعباس باطلاً حتّى لو كانت فيها أرواحهم .
ومّما أتذكّر في معرض الكلام حول القَسَم بالعباس (عليه السلام ) أن شاه إيران - محمّد رضا - لما طرده الشعب من إيران إبان أحداث مصدّق والسيد الكاشاني جاء الى مدينة كربلاء وذهب الى حرم العباس (عليه السلام ) ، وهناك أقسم بأن يعدّل من سلوكه ويحسن سيرته إذا رجع الى إيران . ثم إنّه ذهب الى إيطاليا بعد زيارة كربلاء ثّم عاد الى إيران بانقلاب عسكري .
ولّما لم يَبر الشاه بقَسَمِهِّ ولم يف بالحف الذي حلفه في حرم العباس شاهدنا كيف كان مصيره ، حيث عاد الى نهجه بمجرّد وصوله الى إيران ، بل ازداد طغياناً وجبروتاً ، فتكرّر مصيره مجدّداً حيث خرج من إيران لكنّه لم يعد في المرّة الثانية .
وفي الأيّام التي كنّا فيها في كربلاء ، جاء أحمد حسن البكر ومعه صالح مهدي عمّاش وحردان التكريتي ، وهم الثلاثة الذين قادوا الإنقلاب العسكري ضد عبد الرحمن عارف ، وزاروا كربلاء .
ثمّ إنّهم قدموا الى حرم العباس وحلفوا عند العباس (عليه السلام ) بأنّهم لن يَخون بعضهم بعضاً .
لكنهم لم يوفوا بحلفهم أيضاً ، كما هي عادة الحكّام الطغاة ،
( 38 )


إذ كان البكر قد انتهى بإبرة قاتلة (1) .
وتلقى عمّاش نهايته بحادث سيّارة ! أمّا حردان فقد مزّقت رصاصات رفاقه البعثيين جسده في الكويت ، فهل ترى لهم من باقية .
وأيّام الانتفاضة الشعبانية في كربلاء المقدسة ضدّ الحكم الجائر (2) ، تقدّم حسين كامل قائد عملية اجتياح كربلاء حتى بلغ ضريح الإمام الحسين (عليه السلام ) ، ثم إنّه خاطب الإمام بصلافة وعنجهية قائلاً : «أنا حسين وأنت حسين فانظر مَن الذي غَلَب» .
ولم تمض سوى بضع سنوات حتّى اختلف مع عمّه «والد زوجته »صدّام ، ففرّ الى الأردن ثّم عادّ الى العراق مجدّداً ليلقى مصيره الأسود على أيدي جلاوزة عمّه ، فقد قُتِلَ بأبشع صورة ، قُطِعَ رأسه وسُحِلَ جسده في شوارع بغداد .
ومن حقّنا أن نسأل بعدما لقاه حسين كامل : مَن الغالب حسين
______________________________
(1) لرفع السكر لديه بواسطة حقنة من قبل الدكتور صادق علوش وبأمر من صدام وكان ذلك سنة 1401هـ ( 1982م ) .
(2) والتي حدثت في شعبان سنة 1411هـ ( آذار 1991م ) حيث قاد حسين كامل قوات الحرس الجمهوري التي حاصرت كربلاء المقدسة على شكل قوس من منطقة الرزازة والى طريق بغداد ، تساندها المروحيات والمدافع .
وعندما أراد الهجوم على المدينة قال حسين كامل : أنا حسين وهو حسين ولنر من سينتصر في النهاية .
وقد استشهد من الأهالي في كربلاء ما يقارب الخمسين ألفاً.
( 39 )


بن علي (عليه السلام ) أم حسين كامل (1) . لقد ذهب الطغاة وبقيت الآية الكريمة تصدع في الآذان :« كَتَبَ اللهُ لأغلبَنّ أنا ورسُلي »(2) .

______________________________
(1) إنّ حسين كامل أصبح مثلاً عند الشعب العراقي بغبائه حتّى استخدم مثلاً للتعريض بالشخص ، يقولون : إنّه أغبى من حسين كامل .
(2) سورة المجادلة : الآية 21 .
( 40 )


كيف أصبح العباس قاضياً للحاجات ؟

سوال يطرحه الكثيرون منّا .
والجواب عليه : أنّ الله سبحانه أراد إظهار عظمة العباس (عليه السلام ) عند الناس جزاءاً لبعض مواقفه الخالده في كربلاء أو غيرها .
فالعباس (عليه السلام ) قاتَلَ وهو في رَيعان شبابه تحت لواء أبيه أمير المؤمنين (عليه السلام ) وذلك في صفين كما تدلّ على ذلك الروايات .
ثمّ مواساته لأخيه ، وموقفه من شمر بن ذي الجوشن عندما جاء طالباً منه ترك الإمام الحسين .
لاشكّ أنّ الإمام الحسين (عليه السلام ) هو أفضل من العباس لكنّ هذه الميزة أُعطيت للعباس (عليه السلام ) .
وهذا لاينافي موضوع أفضلية الإمام الحسين على أخيه العابس ، لأنّ الأفضلية راجعة الى المور النفسية (1) و ما أشبه .

______________________________
(1) كما نشاهد في الإمام الحسن والحسين (عليهما السلام ) حيث إنّ دور الإمام الحسين أكبر وإن كان الإمام الحسن أفضل ، فإن فضيلتهم راجعة الى أمور نفسية ، فلا منافاة بين الأفضل مع كون الظاهر منهم أقل .
( 41 )


وقد ورد أنّ الإمام الحجّة بن الحسن ( عجل الله فرجه الشريف ) هو أفضل من الأئمّة الذين سبقوه ابتداء من الإمام زين العابدين (عليه السلام )، لأن دوره وشأنه في تحمّل المسؤولية هو أكبر من أولئك الأئمّة (عليهم السلام ) أو لغير ذلك من الأسباب .
و لا يخفى أنّه مثلما أعطى الله للرجال - من أمثال أبي طالب وعبد الله والد النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلّم ) وعبد العظيم الحسني والعباس وعلي الأصغر - قضاء حوائج الناس أعطى لبعض النساء أيضاً هذه الكرامة ، فمن الموصوفات بهذه الصفة نذكر : الصدّيقة الزهراء وخديجة الكبرى وفاطمة بنت أسد وزينب الكبرى وفاطمة المعصمومة أخت الإمام الرضا (عليه السلام ) والسيّدة نرجس أم الإمام الحجّة ، وغيرهن من النساء المؤمنات .
فكيف استطاع هؤلاء العظام إعطاء الحوائج ؟
لا نعلم كنه ذلك ، لكنّنا نلمسه بالتجربة الحسّية .
ومن باب الاستزادة نذكر بأنّ قضاءهم للحوائج ليس حصراً على المسلمين أو المؤمنين ، بل حتّى الكفّار مشمولون لرحمة الله ( سبحانه وتعالى ) ، وعطف هؤلاء العظام ، لأنّهم ( عليهم أفضل الصلاة والسلام ) أوعيه مشيئة الله سبحانه ، يعطون المسلم والكافر .
وقد ورد في الدعاء : « يا مَن يُعطِِي مَن سأَلهُ ، يا مَن يُعِطي مَن لم يَسألهُ ومَن لم يَعرِفهُ تَحننّاً مِنه ُ
( 42 )


ورَحمةَ »
(1) . بل حتّى من يحارب الله سبحانه قد يحصل على حاجاته - في هذه الدنيا - إذا ما طالب بها وألّح عليها .
وهكذا كانت سيرة الأنبياء وسيرة الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلّم ) فلم يوقف عطاءه على المسلمين وحسب بل حتّى الكفّار والمشركين كانوا مشمولين بعطائه .
فقد قدَّم النبي ( صلى الله عليه وآله وسلّم ) الماء للكفّار في بدر ، وقدَّم الإمام الحسين (عليه السلام ) الماء لمن جاؤوا لمحاربته .

______________________________
(1) من الأدعية الواردة في شهر رجب صباحاً ومساءاً وفي أعقاب كل صلاة ، انظر مفاتيح الجنان : ص 137 للشيخ عباس القمي ، وكتاب الدعاء والزيارة : ص 283 للإمام المؤلف .
( 43 )


العباس باب الى الحسين

عرفت بعض العلماء ممن كان يعتقد بأن العباس (عليه السلام ) هو الباب الى الحسين (عليه السلام ) فإذا أرادوا حاجة من الإمام الحسين طلبوها من العباس (عليه السلام ) ، الواسطة بينهم وبين إمامهم .
وكبرى هذه المسألة هي : أنّ الله سبحانه وتعالى جعل لكل شيء باباً سواء كان ذلك الشيء مادّيا أو معنوياً ، وأمرنا أن ندخل الأشياء من أبوابها .
« وأتوُا البُيُوتَ مِن أَبوابِها » (1) ، وهذه كبرى المسألة وهي قطعية ، أمّا صغراها فلم أجد نصاً أو ما شابه .
لا إشكال في أنّ الحسين (عليه السلام ) كما كان يستجيب للعباس (عليه السلام ) حال حياتهما كذلك يستجيب له حال شهادتهما ، فـ « الأرواح جنودٌ مجنّدة ما تعارف منها ائتلف ، وما تناكر منها اختلف » (2) ، وعن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلّم ) : «أنا مدينة العلم وعليّ
______________________________
(1) سورة البقرة : الآية 189 .
(2) من لا يحضره الفقيه : ج 4 ص 380 ح 5818 ب 2 .
( 44 )


بابها فمن أراد المدينة فليدخل من بابها»
.(1) إلاّ أن الكلام في مدى توسّط العباس (عليه السلام ) عند الأمام الحسين (عليه السلام ) بعد شهادتهما ؟ إنّه نوعٌ من الرجاء لا بأس به .
وكان والدي ( قدس سره ) يذهب كلّ ليلة الى حرم العباس (عليه السلام ) ثمّ يأتي الى حرم الحسين (عليه السلام ) ويقول : إنّه بابه بعد الشهادة كما كان حال الحياة .
وفي الزيارة الجامعة والباب المبتلى به الناس (2) لأنّ الله ( سبحانه وتعالى ) جهلهم أبواب فضله وابتلى الناس بهم أيّ اختبرهم وامتحنهم ، فالله سبحانه مرتبطٌ بكلّ إنسان ويعرف ما يوسوس في صدر كلّ إنسان ومع ذلك يقول : «وابتغوا إليه الوسيلة ...» (3) .
والوسيلة هي السبيل لتقوية الإنسان وإن لم يكن محتاجاً إليها . وإذا احتملنا مثل ذلك في الإمام الحسين والعباس (عليهما السلام ) لم يكن فيه
______________________________
(1) غوالي اللئالي : د4 ص123 ، ونظير هذا الحديث ورد في كتاب الغدير : ج6 ص 61 ، ومنقتل الحسين للخوارزمي : ج1 ص 431 ، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج7 ص 219 ط مصر و ج 2 ص236 ط بيروت ، ونص الحديث : «أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد العلم فليأت الباب» . وورد أيضاً :« أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد المدينة فليأتها من بابها » الأمالي للشيخ الصدوق ص 526 وعيون أخبار الرضا ص 233 .
(2) التهذيب : ج 6 ص98 ح1 ب 22 ، من لايحضره الفقيه : ج 2 ص 613 .
(3) سورة المائدة : الآية 35 .
( 45 )


بأسٌ حتى على القاعدة العقلية القائلة : كلّ ما قرع سمعك ، فذره في بقعة الإمكان ، حتى يقوم عليه قاطع البرهان .
هذا وهناك أدلّةٌ كثيرة ٌ على إثبات ذلك .
وأدعية التوسّل مشهورة ومرويّة وكم أخذوا الحوائج بواسطتها .
أمّا الذين ينكرون هذه الحقيقة الثابتة فهم في الواقع ينكرون الشرع الوارد والعقل المقطوع به .
( 46 )


عـداءُ سـافرُ

البعض وحتّى من غير الأعداء يحارب الإمام الحسين (عليه السلام ) أويحارب العباس (عليه السلام ) بصورةٍ أو بأُخرى ، لأنّهم لا يستطيعون فهم أو تحمّل عظمتهما أو لغير ذلك ، وتبعاً لذلك فهم يحاربون مدينة كربلاء .
ومن أسبابه الحسد ، فإنّه بدأ قديماً ، بدأ من عهد أبي سفيان حيث ذكر قائلاً :« كنّا نطعم وكانوا - أي بني هاشم - يطعمون وكنّا نسقي وكانوا يسقون ، وكنّا نسعف المحتاج وكانوا يسعفون ، ثّم ظهر فيهم من يقول : أنا نبي من عند الله ، والله لاأتحمّل ذلك ، فلا بد ّ من محاربتهم».
وبدأت معركة الحسّاد مع بني هاشم ، حتّى أنّهم ألجؤوهم الى الشِعب ، وتواصلت هذه الحرب واستمرت حتى زماننا هذا .
وشمل محاربتهم للإمام الحسين (عليه السلام ) محاربتهم لكربلاء ، فلم تقتصر هذه المحاربة على زمن الديكتاتوريين ، بل كانوا يحاربونها حتى في عهد الأحزاب شبه الحرّة كالعهد الملكي(1).

______________________________
(1) ابتدأت الملوكية في العراق سنة 1339هـ (1920م) ودامت قرابة ثمانية وثلاثين سنة .
( 47 )


ومن نافلة القول ، إنّنا طلبنا من السلطات الملكية ترخيصاً لإنشاء مدرسة الإمام الصادق (عليه السلام ) الشهيرة .
فسوّفوا الأمر لمدّة ستة أشهر مع كثرة الوسائط ومع شدة اهتمامنا بالأمر ، الى غير ذلك من المعوّقات اليومية التي كانوا يضعونها سداّ أمام طريقنا في كلّ مشروع نقدم عليه .
وكنّا قد استفدنا من ظروف صراع الاحزاب والتنظيمات التي نشأت بعد قيام العهد الجمهوري - كالشيوعية والقومية والبعثية - فبدأنا بتأسيس المؤسسات وإقامة المشروعات .
وما إن استتب الأمر للحكومة حتى أخذت بهدم كل ما بنيناه من مؤسسات ومشاريع ثقافية وتعليمية ، ولم يكن منطلقهم في هذه الحرب المدمّرة سوى محاربة الحسين والعباس (عليهما السلام ) .
وذكر لي رئيس البلديات آنذاك - عباس البلداوي (1)- : إذا أردتم إجازة السينما أعطيناكم ، أما إجازة بناء المسجد في كربلاء فليس في قانوننا .
وعندما أردنا الحصول علىإجازة بناء مسجد الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام ) بالقرب من شارع العباس (عليه السلام ) صرفنا الكثير من الجهد وبعثنا بأكثر من خمسين وفداً الى بغداد ، ولم نحصل على الإجازة إلاّ بشقّ
______________________________
(1) وزير البلديات في وزارة عبد الكريم قاسم الثانية ، وعين بتاريخ 3/5/1960م وقد تطرق الإمام المؤلف الى تفصيل الحوار في مذكراته : تلك الأيام : ص 110 تحت عنوان : هكذا يفعلون بالمساجد ؟ .
( 48 )


الأنفس . وهكذا الحال بالنسبة الى بناء ضريح العالِم الجليل ابن فهد الحلي وإقامة مدرسة بالقرب من قبره ، وعندما عجزنا عن أخذ الترخيص في بناء المقبرة والمدرسة ، قال لنا متصرّف كربلاء : أنا لا أستطيع أن أمنحكم الإجازة ، اذهبوا وابنوا المقبرة والمدرسة ، وإني سأوصي إدارة البلدية بأن يغضّوا الطرف عنكم .
وهكذا كان الأمر .
إن تاريخ كربلاء مشهور ومعروف ، ولا أريد إلاّ أن أذكر بعض ما وقع في زماننا من الأحداث .
كانت عندنا «40» مكتبة لبيع الكُتب أُغلقت بكاملها ، وكانت لدينا «40» مكتبة للمطالعة العامّة في المساجد أو في الأماكن المخصّصة لهذه الغاية .
وكان لدينا «دار القرآن الحكيم» للنشر ، ولها فروع في سبعين بلداً أغلقت بالكامل ، ونهبت الحكومة كلّ كتبها .
وكانت لدينا «مكتبة القرآن الحكيم» للمطالعة مجهّزة تجهيزاً كاملاً ، أغلقت ونهبت كتبها .
وكان لدينا «نادي القرآن الحكيم» خاصّ للشباب المراهقين لممارسة بعض الآنشطة الإسلامية ، أغلق أيضاً.
وكانت لدينا ثلاث مدارس لحفّاظ القرآن الحكيم ، فيها أكثر من
( 49 )


ألف وخمسمائة طالب تمّ إغلاقها .
وكانت لدينا ثلاث مدارس لحافظات القرآن الحكيم ، وكان يدرس فيها زهاء ألف طالبة تمّ إغلاقها .
وكانت لدينا مدرسة الإمام الصادق (عليه السلام ) الابتدائية وأتبعناها بالثانوية ، وأغلقت .
وكانت لدينا مطبعة القرآن الحكيم تمّ إغلاقها وسُرق ما فيها .
وكان عندنا مستوصف القرآن الحكيم أغلق ونهب أثاثه .
وكانت عندنا «14» مجلّة كلّها أغلقت (1) ، أمّا المدارس العلمية الدينية ، فقد تجاوزت أرقامها «28» مدرسة علمية خاصّة لطلاب العلوم الدينة (2) تمّ إغلاقها بالقوة ، وبعض هذه المدارس تعرّض الى الهدم .

______________________________
(1) ومن تلك المجلات : الأخلاق والآداب ، أجوبة المسائل الدينية ، صوت التوحيد ، القرآن يهدي ، صوت العترة ، مبادئ الإسلام ، منابع الثقافة الإسلامية ، أعلام الشيعة ، ذكريات المعصومين ، صوت المبلغين ، نداء الإسلام .
(2) ومن تلك المدارس : السليمية ، الهندية الكبرى ، الهندية الصغرى ، ابن فهد ، بادكوبه ، الكتاب والعترة ، البقعة ، حسن خان ، الصدر الأعظم النوري ، السيد المجاهد ، المهدية ، الحسينية ، الرشيدية ، الجعفرية الأولى ، الإمام الصادق ، شريف العلماء ، الحسينية ، الحفاظ الأولى ، الحفاظ الثانية ، الشيخ مهدي المازندراني ، الميرزا كريم الشيرازي ، الخطيب .
( 50 )


وكانت عندنا عشرات الحسينيات التي تعرّضت للهدم والمصادرة .
وكانت لدينا مؤسسات ملحقة بمؤسّسة الحفّاظ بلغت «33» مشروعاً ومؤسّسة كلّها نُسفت وتعرّضت الى الدمار .
هذا غيض من فيض ما عملته السلطات الجائرة بحقّنا ولم يكن وراء ذلك سوى الحقد الدفين على كربلاء ، وعلى من يتوسّد هذه الأرض الطاهرة .
وقد تأكّد لنا من خلال الوثائق ، أنّ هؤلاء الذين جاءوا الى السلطة فوق ظهر الدّبابات كانوا يخططون لهذه الإبادة الحضارية لمدينة كربلاء المقدسة .
وقد يسأل البعض عن العلاج فنقول : إنّ العلاج الحقيقي للمشاكل وحتى لاتعود هذه الظواهر الخطرة مجدّداً هو الرجوع الى الأمّة الواحدة والأخوّة الإسلامية والحرّية الإسلامية ، على ما ذكرنا تفصيله في بعض كتبنا السالفة .
هذا على صعيد الأمّة .
أمّا على صعيد السلطة فإن العلاج الناجع هو قيام الحكم على نظام سياسي يحترم الآراء وبنظلق من قاعدة الاقتراع العام وينتهج نهج التعدّدية السياسية ، فهدا هو السبيل الوحيد لإنقاذ شعبنا من محن الديكتاتورية السوداء وما جلبته لبلادنا من دمار .
( 51 )


شخص لا يتمنى زيـارة العباس

كان لدينا طالب علم مغرور بنفسه لا يزور العباس (عليه السلام ) وكان يرى في نفسه أفضلية حتى على العباس (عليه السلام ) حيث كان يقول : إنّي أعلم من العباس حيث إني درست الفقه والأصول والأدب ، والعباس لم يدرس عند أحد ، وكان يستشهد بالآية التالية : «يَرفَعِ اللُه الِذينَ آمَنُوا مِنكمُ والِذّينَ أُوتُوا العِلمَ دَرَجات» (1) . فرأى هذا الرجل المغرور العباس (عليه السلام ) في منامه فعاتبه على كلامه قائلاً له :
أولاً : إني درست عند أبي أمير المؤمنين وعند أخويّ (عليهم السلام ) وكنت أعاشرهم وأعاشر الإمام السجاد (عليه السلام ).
ثانياً : إنك استنبطت الأحكام واستوعبت ظنوناً ، لكنّي علمت بالأحكام علماً قطعياً ، فاستيقظ الرجل من منامه فزعاً مرعوباً تائباً الى الله سبحانه عمّا زعمه وعما عمله ، وشرع يزور العباس بعد ذلك
______________________________
(1) سورة المجادلة : الآية 11 .
( 52 )


ويواظب على زيارته بانتظام (1). وفي أيّامنا زار العالم الشهير الميرزا باقر الزنجاني ( قدس سره ) كربلاء المقدسة مع جماعة من الطلبة راجلاً ، وحطوا رحلهم في مدرسة «بادكوبة» وأرادوا زيارة العباس (عليه السلام ) فامتنع أحد الطلاّب قائلاً : ليس العباس إماماُ ، وكلّما نصحوه لم يفد ، فتركوه في المدرسة وتوجّهوا الى حرم العباس (عليه السلام ) ، ولّما رجعوا رأوا ازدحاماً في المدرسة ، وبعد التحقق من ذلك الازدحام تبّين لهم أنّ الطالب المذكور وقع في بئر المرحاض الى رقبته ، وحاولوا بجهدٍ شديد إنقاذه قبل أن يفطس في البئر ، وبعد محاولة قاسية استطاعوا إنقاذه .
فقال أصدقاؤه هذا جزاء من لم يزر العباس (عليه السلام ) ويتطاول بلسانه عليه .
فقال : إنّي لم أكن جاداً في قولي ، فقالوا له : والعباس أيضاً لم يكن جاداً ، فلو كان جاداً لغرقت في بئر القاذورات .
وهكذا ، علينا أن نصون أفكارنا وألسنتا وأن لا نتطاول على المقدّسات وإلاّ لأصابنا مثل ما أصاب هذا الرجل ، يقول تعالى : «ولَئِن سَأَلتَهُم لَيَقوُلُنَّ إنَّما كُنَّا نَخُوضُ ونَلعَبُ قل أباللهِ وءاياتِهِ
______________________________
(1) و لا يخفى قد ورد في الحديث الشريف : ( إن العباس بن علي زق العلم زقاً ) أسرار الشهادة : ص 324 .
( 53 )


ورسُولِهِ كُنتُم تَستَهزِءوُنَ»
(1). وكما إنّ نتيجة الأمور الصحيحة ربّما تتأخر عن المقدّمات مدّة مديدة من الزمن ، كذلك في الأمور الفاسدة يحدث ذلك أيضاً ، فلا يغرّ الإنسان أنّه لا يرى النتيجة سريعاً ، فإنّ عدم تحقّق النتجية سريعاً بسبب عدم تمام المقتضي أو لوجود المانع أو لوجود المانع لا يعني عدم وقوع النتيجة ولو في المستقبل ، قال (عليه السلام ) : «والصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد »(2)، فكما إنّ الذي فقد رأسه لا آثار وجودية عنده كذلك من فقد الصبر لا آثار للإيمان عليه .
وقد عزى جماعة من علماء الأخلاق الكثير من الفضائل كالكرم والشجاعة والإقدام الى الصبر ، وهذا آخر ما أردنا إيراده في هذا المختصر والله المستعان .
سبحان ربّك ربّ العزة عمّا يصفون وسلامٌ على المرسلين والحمد لله ربّ العالمين .
قم المقدّسة
محمد الشيرازي
5 / جمادي الثانية / 1419 هـ.
______________________________
(1) سورة التوبة : الآية 65 .
(2) الخصال : ص 315 ، عيون أخبار الرضا : ص 44 ، نهج البلاغة : ج 1 ص 324 .
( 54 )


الفهرس

مقدمة الناشر ......................................................................5
العباس (عليه السلام ) والعصمة الصغرى ...........................................11
كيف بلغ العباس هذا المقام ؟......................................................18
العباس باب الحوائج.................................................................20
كرامات العباس....................................................................23
الرأس الشريف......................................................................26
وللمدرس الأفغاني حكاية...........................................................29
ستالين : اقتلوا كربلاء..............................................................31
العثمانيون والعباس (عليه السلام )..............................................34
القَسَم بالعباس (عليه السلام ).....................................................37
كيف أصبح العباس قاضياً للحاجات ؟...........................................41
العباس باب ٌ الى الحسين...........................................................44
عداءٌ سافرٌ............................................................................47
شخصٌ لايتمنى زيارة العباس.....................................................52
الفهرس...............................................................................55
( 55 )