بعد سقوط اللانظام البائد في 9/4/2003م وخوف المؤمنين على عتبات العراق المقدسة عموماً بسبب الظروف والتداعيات التي رافقت إنهيار مؤسسات الدولة وغياب الأمن، وتكالب قوى الشر على العراق وخاصة من التكفيريين الذين وضعوا على رأس أولوياتهم تدمير تلك العتبات وقتل زوارها، وبسبب ما تتمتع به عتبات كربلاء المقدسة من خصوصية في نفوس الأحرار في جميع أنحاء العالم وليس فقط لدى المسلمين من أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام، وبسبب التركيز الأكبر من قوى الشر عليها، فقد تصدت ثلة من المؤمنين الأخيار من أهالي كربلاء المقدسة وبشكل طوعي لحمايتها وتأمين إنسيابية الزائرين إليها وتنظيم مواكب العزاء المزدلفة إلى صحنيها المطهرين، بعد وعيهم لتلك الأخطار، خاصة مع اقتراب موعد أكبر زيارة مليونية مخصوصة بعد تنفس العراقيين نسيم الحرية، ألا وهي زيارة الأربعينية، وكانت هذه الثلة تعمل بتوجيهات سماحة حجة الإسلام العلامة الشيخ عبد المهدي الكربلائي (دام عزه) الذي كان أيضاً يوجه المؤمنين في تسيير أمور المدينة المقدسة بنواحيها الأخرى الإدارية والخدمية والأمنية وغيرها، وفعلاً نجحت أول زيارة مليونية بعد سقوط الطاغية وشكل نجاحها منعطفاً قلب حسابات الأعداء رأساً على عقب وجعلهم يعيدون ترتيب مخططاتهم وفق ما شاهدوه من تنظيم شعبي عجيب لشؤون زيارة تحتاج لإمكانات دولة مقتدرة فكيف بها وقد حصلت في ظروف اللادولة واللاأمن الذين فرضهما الاحتلال الأميركي وبعد سقوط اعتى ديكتاتوريات العصر الحديث.
وبتسارع الأحداث ولضرورة أن تكون هناك إدارة لتلك العتبات تنظم أمورها وترعى زائريها، فقد تشكلت تلك الإدارة لكل عتبة بشكل شفوي من سماحة الشيخ الكربلائي وبإشراف مباشر منه دام عِزه في 25/4/2003م، ثم عززها بأمر تحريري صدر منه في 25/5/2003م، واصبح منذ سقوط الطاغية ولغاية تشكيل اللجنة العليا كمتول شرعي على العتبتين المقدستين ولفترة دامت حوالي 4 أشهر ونصف، كما إن إدارتي العتبتين كانت تسترشد برأي سماحة السيد أحمد الصافي دام عزه خلال تلك الفترة الحرجة، حيث تشكلت بعدها اللجنة المشرفة على إدارة العتبات المطهرة في كربلاء المقدسة من أصحاب السماحة العلامة حجة الإسلام السيد محمد حسين الطباطبائي(قدس سره) وسماحة حجة الإسلام العلامة السيد احمد الصافي وسماحة حجة الإسلام العلامة الشيخ عبد المهدي الكربلائي (دام عزهما) الذين مثلوا لجنة التولية الشرعية للعتبتين المقدستين، وبذلك عادت الشرعية المفقودة منذ نحو قرنين إليها، حيث حصلت اللجنة المذكورة على التخويل الخطي من المرجعية الدينية في النجف الأشرف ممثلة بأصحاب السماحة آيات الله العِظام، المرجع الديني الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني دلم ظله والمرجع الديني الكبير السيد محمد سعيد الحكيم دام ظله والمرجع الديني الشيخ محمد إسحاق الفياض دام ظله والمرجع الديني الشيخ بشير حسين النجفي دام ظله، إذ تشكل بموجب هذه التخويلات مجلسٌ لإدارة عتبات كربلاء المقدسة سمي (اللجنة العليا لإدارة العتبات المطهرة في كربلاء المقدسة ) متمثلة بأصحاب السماحة المذكورين آنفاً، وهم بدورهم شكلوا هيكلية إدارية في كل عتبة في 24 رجب 1424هـ الموافق 21/9/2003م وأخرى لمنطقة بين الحرمين ثم أضفيت على هذه اللجنة الصبغة القانونية الحكومية بقرار وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية( ضمن الحكومة المؤقتة والتي خلفها ديواني الوقف الشيعي والسني فيما بعد) في 1/10/2003م وهكذا أصبح لكل منها مشرف يمثل رأس الهرم الإداري وأعضاء مجلس إدارة والذي يتم من خلاله توزيع المهام وإصدار التعليمات والضوابط الصادرة من الجهة المشرعة - والتي تعتبر المرجع في العمل - ومتابعة تنفيذها، وتكونت الهيكلية المستحدثة أيضاً من لجان تختص كلاً منها بقطاع من الأعمال يتبع لكل منها أقسام ومن ثم شـُعب تختص كلاً منها بعمل معين، حيث لم تكن هذه التشكيلات الخدمية والتطويرية موجودة أصلاً، فيما كانت تتم أعمال البناء والإعمار - على ندرتها قبل سقوط الطاغية - من قبل مقاولات وأعمال هندسية من خارج العتبة وأصبحت في ظل هذه الإدارة تتم بكوادر العتبة وتشرف الأخيرة على الأعمال التي تتم بكوادر خارجية عند الحاجة إليها.
وكانت اللجان العاملة المستحدثة في العتبة في ظل الإدارة الشرعية الجديدة وقبل تطبيق قانون إدارة العتبات المقدسة والمزارات الشيعية الشريفة ذي الرقم 19لسنة 2005م وذلك بتأريخ 20/7/2007م تتألف من: لجنة حماية ورعاية الروضة، لجنة المشاريع والصيانة، لجنة النذور والهدايا، لجنة الإعلام، لجنة السادة الخدم، وتتفرع عن تلك اللجان الأقسام التالية: الحماية الخارجية للروضة، نظافة الحرم، الحسابات، المخازن، المضيف، المفقودات، الإرشاد والتوجيه الديني.
وبعد تطبيق القانون المذكور وتأسيس أمانة عامة للعتبة المقدسة تم تقسيم الهيكل الإداري للعتبة المقدسة إلى أقسام بدل اللجان السابقة ثم شعب ووحدات، حيث تحولت بعض تلك اللجان إلى أقسام واُدمجت لجان مع أخرى وشكلت أقسامٌ جديدة تتلائم والهيكلية المقرة في هذا القانون، واُنشأت شـُعبٌ أخرى ووحدات تفرعت عن تلك الأقسام، لتتحول العتبة إلى خلية نحل يعرف كل فرد من أفرادها واجبه، ويعضد الآخرين، ليصلوا بالعتبة وخلال فترة قياسية وسط ظروف أمنية وسياسية معقدة إلى مرتبة متقدمة نسبياً من حيث التطور العمراني والثقافي والتبليغي والخدمي وغيره، بالقياس إلى مثيلاتها لو كانت بنفس الظروف، خاصة لو علمنا أن هذه الإدارة الفتية أنشأت الأغلبية الساحقة من تلك التشكيلات الخدمية بعد أن لم تكن، كالتعليمية والدينية والثقافية والإعلامية والهندسية بمختلف جوانبها وغير ذلك من التشكيلات، فلم يكن موجودا غير تشكيل التنظيف وتشكيل ينظم شؤون الكهرباء والتبريد التي كانت على جانب متواضع جدا وتحولت حالياً إلى مؤسسات خدمية وفنية وعلى قدر كبير من التطور والهيكلية الإدارية، في ظل هذه الإدارة التي ما زالت مع منتسبي العتبة تواصل جهادها، بل نستطيع القول أن الهيكل الإداري الحالي للعتبة قياساً بما قبل سقوط الطاغية هو كنسبة الوجود إلى العدم تقريباً، وإن إنجازات خمس سنوات لهذه التشكيلة من الأقسام وشـُعبها خلال خمس سنوات تلت سقوط الطاغية يعادل ما اُنجز في عدة قرون من قبل الإدارات السابقة.
وما زال العمل مستمراً من أجل جعل العتبة - وكما أرادتها المرجعية- منارات هدى وأعلاماً للورى فضلاً عما تقدمه لهم من تربية روحية ودينية سابقاً وحالياً، حين يقف الزائرون إجلالاً أمام من ضحى من أجل الدين ممن ثوى فيها، فما زالت روحه ترعاهم وتقضي حوائجهم بشفاعتها لدى البارئ...
لذا فإن هذه المرحلة التأريخية المشرقة في تاريخ العتبة تمثل إنعطافة مهمة نحتاج للوقوف عندها ومعرفة ما تم استحداثه من نظام إداري متكامل يتشكل من أقسام وشعب ووحدات بعضها عبارة عن ورش وذلك لتستوعب الملاكات العراقية المتخصصة من منتسبيها، وتنضوي تحتها كل الاختصاصات من هندسية وتعليمية وثقافية وإعلامية وخدمية وطبية وغيرها، وعلى شكل مؤسسات خدمية.