لما كانت سنة 232ه تولى الحكم المتوكل العباسي وكان شديد البغض للإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام ولذلك عمد إلى هدم قبر الإمام أبي عبد الله الحسين عليه السلام أربع مرات:
أ) المرة الأولى: عام 233ه وذلك إثر ذهاب إحدى جواريه المغنيات إلى زيارة شعبان في كربلاء، فأنفذ عمر بن فرج الرخجي لهدم ما عمره المأمون العباسي وأمر بتخريب قبر الحسين عليه السلام وحرثه، فلما صار إلى الناحية أمر بالقبر فمر بها على القبور كلها فلما بلغت قبر الحسين عليه السلام لم تمر عليه، ثم إن الموالين لأهل البيت عليهم السلام رغم الاضطهاد والتنكيل عمدوا إلى تعمير مرقده الشريف وإنشاء البيوت من حوله.
ب) المرة الثانية: سنة 236ه حيث عمد المتوكل أيضاً إلى هدم الضريح المطهّر وملحقاته وزرعه بعد تسوية أرضه، كما أمر بهدم ما حوله من المنازل والدور ثم منع زيارة المكان وغيره من البقاع الشيعية المقدسة وهدد الزوار بفرض عقوبات صارمة عليهم، فنادى بالناس: من وجدنا عند قبره بعد ثلاثة حبسناه في المطبق، وإلى هذا يشير السماوي في أرجوزته فيقول:
ثم تناهى جعفر بالمخر والحرث للارض ونـــــبث القبر
لمأتين وثلاثين وســـت إذ فوض الأمر إلى علق وست
وأوعز مهمة الهدم لرجل يهودي اسمه إبراهيم الديزج فبعثه المتوكل إلى كربلاء لتغيير قبر الإمام الحسين عليه السلام(1)، وإن الديزج حسب أمر المتوكل لم يكتف بهدم القبر وإنما ضرب ما حوله فهدم مدينة كربلاء كلها، وكربها وارسل الماء عليها، فلما وصل القبر لم يتقدم إليه احد خوفاً، فأحضر قوماً من اليهود فكربوه، وأجروا الماء عليه، وأنه أوكل في أطرافها المسالح لمنع الزائرين من الزيارة بالعنوة وبعقاب القتل (2) وجعل المتوكل عقوبة على زائري الإمام الحسين عليه السلام وهي قطع يده للمرة الأولى، ورجله للمرة الثانية(3).
والتقى أبو علي العماري بإبراهيم الديزجٍ وسأله عن صورة الأمر، فقال له: أتيت في خاصة غلماني فقط، وأني نبشت فوجدت بارية جديدة عليها بدن الحسين بن علي، ووجدت منه رائحة المسك فتركت البارية على حالها وبدن الحسين على البارية، وأمرت بطرح التراب عليه وأطلقت عليه الماء، وأمرت بالبقر لتمخره وتحرثه فلم تطأه البقر، وكانت إذا جاءت إلى الموضع رجعت عنه، فحلفت لغلماني بالله وبالإيمان المغلظة لئن ذكر أحد هذا لأقتلنه (4) ويصف السماوي الحادثة كلها ومنها يقول:
ثم حرثنا الأرض لكن البقر تأتي إلى ذاك المــــــقام وتذر
وكلما تضرب للـــــــــكراب تقهقرت تمـشي على الأعقاب
ثم مخرنا الـماء فوق القبر فحار عنه واقفاً لا يجري (5)
ويبدو أن محبي أهل البيت عليهم السلام، لم يتركوا قبر إمامهم على حاله بل عمروه بما يتناسب على رغم تضييق السلطات عليهم.
ج) المرة الثالثة: عام 237ه حين بلغ المتوكل أن أهل السواد يجتمعون بأرض نينوى لزيارة قبر الإمام الحسين عليه السلام فيصير إلى قبره منهم خلق كثير فأنفذ قائداً من قواده واسمه هارون المعري وضم الوزير معه وغيرهم إضافة إلى إبراهيم الديزج لينفذ الهدم والحرث إضافة إلى الجند، ليشعِّث قبر الحسين عليه السلام ويمنع الناس من زيارته والاجتماع إلى قبره، ففعلوا ما أمروا به (6) ويعلق أحد الباحثين (إن الطاغية لم يوفق في هذه المرة إلى مثل ما ارتكبته يداه في المرات السابقة وذلك لتأثير الرأي العام من جهة ومن جهة أخرى تجاه المقاومة الفعلية الشديدة التي لاقاها جنوده من قبل الأهلين)(7) ولم يزل زواره عليه السلام يقصدونه ويصلحون قبره الشريف عن الهدم المتكرر.
وفي سنة 240ه توجه الأشناني وهو من محبي أهل البيت عليهم السلام إلى زيارة قبر الإمام الحسين عليه السلام سراً برفقة أحد العطّارين فلما وصلا القبر الشريف جعلا يتحريان جهة القبر حتى عثرا عليه وذلك لكثرة ما كان قد مخر وحرث حوله فشاهداه وقد قلع الصندوق الذي كان حواليه واحرق، وأجري عليه الماء فانخسف موضع اللبن وصار كالخندق حول القبر ولما أتما مراسيم الزيارة نصبا حول القبر علامات شاخصة في عدة مواضع من القبر(8) ويصف الأشناني الوضع الأمني آنذاك بقوله: (... فخرجنا زائرين نكمن النهار ونسير الليل حتى أتينا نواحي الغاضرية، وخرجنا منها نصف الليل فسرنا بين مسلحتين وقد ناموا حتى أتينا القبر فخفي علينا فجعلنا نشمه...الخ)(9).
د) المرة الرابعة: سنة 247ه كان قد بلغ المتوكل مرة أخرى مسير الناس من أهل السواد والكوفة إلى كربلاء لزيارة قبر الإمام الحسين عليه السلام وانه قد كثر جمعهم لذلك، وصار لهم سوق كبير فأنفذ قائداً في جمع كثير من الجند وأمر منادياً ينادي ببراءة الذمة ممن زار قبره، ونبش وحرث أرضه وانقطع الناس عن الزيارة، وعمل على تتبع آل أبي طالب والشيعة فقتل منهم جمعاً كثيراً (10) وإن هدم المتوكل لقبر الإمام الحسين عليه السلام في المرة الرابعة صادف في النصف من شعبان حيث كان الناس يتوافدون بكثرة على زيارة كربلاء في مثل هذا الوقت (11).
وقد تولى الهدم في هذه المرة إبراهيم الديزج أيضاً حيث يقول: إن المتوكل امرني بالخروج إلى نينوى إلى قبر الحسين فأمرنا أن نكربه ونطمس أثر القبر، فوافيت الناحية مساءً ومعنا الفعلة ومعهم المساحي والمرود، فتقدمت إلى غلماني وأصحابي أن يأخذوا الفعلة بخراب القبر وحرث أرضه فطرحت نفسي لما نالني من تعب السفر ونمت فذهب بي النوم، فإذا ضوضاء شديدة وأصوات عالية، وجعل الغلمان
ينبهوني، فقمت وأنا ذعر فقلت للغلمان: ما شأنكم؟ قالوا: أعجب شأن؟! قلت: وما ذاك؟ قالوا: إن بموضع القبر قوماً قد حالوا بيننا وبين القبر وهم يرموننا مع ذلك بالنشاب، فقمت معهم لأتبين الأمر، فوجدته كما وصفوا، وكان ذلك في أول الليل من ليالي البيض، فقلت: أرموهم، فرموا فعادت سهامنا إلينا فما سقط سهم منا إلا في صاحبه الذي رمى به فقتله، فاستوحشت لذلك وجزعت وأخذتني الحمّى والقشعريرة ورحلت عن القبر لوقتي، ووطنت نفسي على أن يقتلني المتوكل لما لم أبلغ في القبر جميع ما تقدم إلي به (12).
وانتشر ظلم المتوكل وذاع خبر هدمه قبر سبط الرسول صلى الله عليه وآله بين الناس فتألم المسلمون لذلك وكتب أهل بغداد شتمه على الحيطان، وهجاء الشعراء. ولقد وضع المتوكل يده على أوقاف الحائر وصادر أموال خزينة الحسين عليه السلام ووزعها على جنوده قائلاً: (إن القبر ليس بحاجة إلى الأموال والخزائن) (13) وروي
لما أجري الماء على قبر الحسين نضب بعد أربعين يوماً وانمحى اثر القبر فجاء أعرابي من بني أسد فجعل يأخذه قبضة قبضة ويشمه حتى وقع على قبر الحسين عليه السلام وبكى، وقال بأبي أنت وأمي ما كان أطيبك وأطيب تربتك ميتاً ثم بكى وانشأ يقول:
أرادوا ليخفوا قبره عن وليه فطيب تراب القبر دل على القبر(14)
علماً ان ما جرى على قبر الإمام الحسين عليه السلام جرى على قبر سيدنا ومولانا ابي الفضل العباس عليه السلام.
سنة 269 هـ تعرضت عتبات كربلاء المقدسة للعبث والسرقة من قبل ضبة الاسدي، حيث قال أرباب السِيّر أن ضبة كان أميراً لمدينة عين التمر أغار على كربلاء ونهبها وحمل اهلها أسارى الى قلعة عين التمر فهجم عضد الدولة بجيشه على عين التمر وحاصر قلعتها مدة من الزمن فلم يشعر ضبة إلا والعسكر محاصر قلعته، فلم يفكر إلا بالفرار والنجاة بنفسه وجواده من أعلى سور القلعة، فحطم جواده ونجا بنفسه وولى هارباً، فاستولى عضد الدولة على القلعة المذكورة وآخذ اهلها أسارى الى كربلاء، وارجع اهالي كربلاء الموجودين في أسر ضبة الى مدينتهم(15).
الهوامش
-------------
(1) دائرة المعارف الحسينية ـ تاريخ المراقد ـ ج 1/ آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي: ص269.
(2) تاريخ كربلاء وحائر الحسين/ الدكتورعبد الجواد بن علي الكليدار: ص203.
(3) دراسات حول كربلاء ودورها الحضاري: 628.
(4) بحار الأنوار للمجلسي: 45/ 394: ح2.
(5) مجالي اللطف: 2/ 26.
(6) بحار الأنوار: للمجلسي 45/397 ح5- 45/395/ح3.
(7) تاريخ كربلاء وحائر الحسين عليه السلام/ عبد الجواد بن علي الكليدار: 209.
(8) تاريخ الحركة العلمية في كربلاء/ نور الدين بن محمد الشاهرودي: 16.
(9) مقاتل الطالبيين: علي بن الحسين الأصفهاني: 479.
(10) بحار الأنوار: للمجلسي: 45/ 397 ح5.
(11) تاريخ كربلاء وحائر الحسين: عبد الجواد بن علي الكليدار: 214. (12)بحار الأنوار: للمجلسي: 45/ 395/ ح4.
(13) تاريخ كربلاء وحائر الحسين: عبد الجواد بن علي الكليدار: 163.
(14) ترجمة ريحانة الرسول المستل من تاريخ دمشق لابن عساكر: 275.
(15) الكامل لابن الاثير ج7 ص153.