الخطيب البارع والمنبر الحسيني

ظاهرة نمو المنبر الحسيني، واتخاذه وسيلة لرثاء أبي عبد الله الحسين عليه السلام، جاءت من خلال فعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالبكاء على الحسين (عليه السلام) والحث عليه، ففي مسند أحمد بن حنبل الجزء الثاني ص85 عن علي (عليه السلام) قال: (دخلت على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ذات مرة وعيناه تفيضان، قلت: يا نبي الله أغضبك أحد، ما شأن عينيك تفيضان ؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): بل قام من عندي جبرائيل، فحدثني أن الحسين يُقتل بشط الفرات، قال:

فقال : هل لك أن أشمك من تربته ؟ قال: قلت: نعم. فمد يده، فقبض قبضة من تراب فأعطانيها، فلم أملك عينيَّ أن فاضتا). وانطلق الأئمة (عليه السلام) يدعون إلى ذلك، ويؤكدون على إحيائه بوسائل مختلفة، ومنها الرثاء النثري والرثاء الشعري، أو ربط بعض الحوادث والصور المعبرة عن الحزن والأسى بمصاب الحسين (عليه السلام). كل هذا يعطينا أن الأئمة عليهم السلام يدعون إلى اتخاذ كل الوسائل المباحة للوصول إلى هذه الغاية، ولا شك أن المنبر له هذا الدور الكبير، وبالتالي فهو يحتل مكانة قدسية من خلال ربطه باسم الحسين (عليه السلام). والإمام السجاد (عليه السلام) هو أول من أتخذ المنبر لرثاء الحسين (عليه السلام) حيث بذر البذرة الأولى، عندما خطب من على منبر الشام، وفي مجلس يزيد وأمام الحشود من الناس، حتى ضجوا بالبكاء عند سماعهم لخطبته، حيث قال (عليه السلام) فيما قال:

(أنا ابن المزمل بالدماء، أنا ابن ذبيح كربلاء، أنا ابن من بكى عليه الجن في الظلماء، وناحت عليه الطير في الهواء). ويتضمن المنبر فصولاً أخرى غير الرثاء، والتي أهمها التعريف بأهل الحق وهم أهل البيت (عليهم السلام) ودورهم في الدعوة الإسلامية، كما أنها دعوة للتعبير عما يختلج في النفس من الحزن والأسى، وتعبير عن الولاء العاطفي للحسين (عليه السلام)، وكذلك عن رفض الظلم. بالإضافة إلى ذلك نعرف أن المنبر الحسيني لا بد أن يكون وسيلة من وسائل بيان الحق والدعوة إليه، وبيان الباطل والتحذير منه، ووسيلة لتربية الأجيال على أساس الفكر السليم والسلوك الطاهر، ووسيلة أساسية لبيان أهداف الحسين (عليه السلام) من ثورته وما تحمله من قيم. أخذ هذا المنبر يمر بمراحل عديدة من التطور شكلاً ومضموناً إلى أن وصل إلى ما نراه عليه اليوم. الأمر الذي يدعونا إلى أن ننظر إلى هذه الخطابة نظرةً خاصة متميزة عن غيرها من أنواع الخطابة. لكونها جامعة بين العَبرة والعِبرة، بين الدمعة والفكرة. وننظر إلى دور الخطابة الحسينية في الحفاظ على ثقافة عاشوراء، وهي تنقل أقوى الصلات، عن طريق مزج الفكر والمحبة والبرهان العاطفي الذي تجسد في كربلاء، ومنها البكاء على مظلومية الحسين (عليه السلام). ومن خلالها أيضاً نفهم أهداف الإمام من ثورته، بل يمكن أن نجعل هذا المنبر منطلقاً لإيصال صوت الإسلام إلى كل مكان. وكما يُنقل عن أحد المسيحيين أنه قال:

لو كان عندنا الحسين لجعلنا له على كل شبر من الأرض منبراً. فلا بد أن يكون للمنبر والخطابة موضع اهتمام كبير من قِبَل العلماء والباحثين لصيانته:

أولا:ً من عوامل الضعف، وذلك من قبيل التحذير من ذكر ما لا ينسجم مع طبيعة الثورة الحسينية في أهدافها وفكرها وسلوكيات شخصياتها، حتى لا تكون الخطابة عامل تشويه لها، ولتصل هذه الثورة نقية إلى كل الأجيال.

وثانياً: للأخذ بوسائل تطويرها، حتى تكون بمستوى تطلعات الثورة وتطلعات المستمع، فلا بد من النظر إلى مادة الخطابة، وكذلك منهجيتها وأيضاً إلى مادة الرثاء شعراً ونثراً ومضموناً وصوتاً حتى تكون هي وغيرها وسائل تطويرية تجعل من هذه الخطابة المتميزة محافظة على أصالتها ومواكبة للعصر لتؤدي رسالة الحسين إلى كل جيل.