الإمام الحسين (عليه السلام) ثورة الذات
أربعة عشر قرناً من الزمان ولا يزال نجد الناس يستمدون من ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) معاني الثورة والاندفاع والتضحية مما يدل على ان هذه الملحمة قد تحولت الى مسيرة، والإمام الحسين (عليه السلام) الى ثورة وفي أي مجال؟ في البدء ثورة على الذات فلا يمكن الانتصار للرسالة دون أن يحقق انتصاراً على ذاته، وهذا هو الهدف الاسمى، فالانتصار لدين الله تعالى شاء الله أن ينصره، وينصر به الآخرين ويجعل منه جسراً لسعادة الآخرين وفلاحهم. ولا ينبغي للثائر الحقيقي أن يستهدف أو البلوغ إلى المراكز، إنما ينبغي عليه أن يعمل للناس للآخرين، ونتيجة العمل من أجل الناس هو العمل لله سبحانه وتعالى وهذه هي حقيقة الثائر الحسيني وفي يوم عاشوراء رفرف النصر على رأس الإمام الحسين (عليه السلام) وخير بين النصر أو الشهادة، كما جاء في بعض الاحاديث، فرفض النصر واختار الشهادة لعلمه بأن شهادته انتصار حقيقي للرسالة.

الإمام الحسين (عليه السلام) وتكاملية العطاء. نستلهم من هذه الذكرى التي تتجدد كل عام انه حينما يريد الانسان أن يهب نفسه لله فلا يجب أن يطلب لنفسه شيئاً مما وهب، لان الافضل أن يهب الكل وإلا فلا يجب عليه أن يسقط من فكره الذاتية، واسقاط الاعتبارات الذاتية هو الهدف الذي من أجله قام الإمام الحسين (عليه السلام) في كربلاء، فلقد أعطى الإمام الحسين (عليه السلام) جميع من حوله الاذن بالبراز، وأول من بارز أمام الإمام الحسين (عليه السلام) ابنه على الاكبر(عليه السلام) وهو أحب أبنائه الى قلبه، فكم كان الإمام الحسين (عليه السلام) يحبه، لانه بقدر التصاق الائمة والمصلحين بمبادئهم ورسالاتهم يلتصقون بالمعاني الانسانية فهم يبلغون القمة في شفقتهم على أبنائهم، لاسيما اذا كان الابن يمثل في ذاته رسالتهم مثل [علي الاكبر ((عليه السلام))] الذي هو أشبه الناس خلقاً وخلقاً برسول الله الذي يقول عنه الله عز وجل: ((وانك لعلى خلق عظيم)). فتتجدد محبة الإمام الحسين (عليه السلام) لابنه الاكبر لانه رمز لرسول الله الذي هو بدوره رمز للاخلاق الفاضلة، ولكن مع كل ذلك يأذن لابنه بالبراز ويقدمه في طليعة أهل بيته وأنصاره (عليه السلام)، ومعنى ذلك ان الإمام الحسين (عليه السلام) وهب كل ما يملك مثالاً آخر على ثورته، انه ضحى بابنه الطفل البالغ من العمر ستة أشهر فلقد رآه يصارع الموت، وهذا الطفل الذي كان يمثل بالنسبة لمثل عمر الإمام الحسين (عليه السلام) أملاً كبيراً، لان الطفل امتداد للانسان، وحب الانسان لطفله إنما هو لابراز شخصيته في المستقبل وتنشئته نشأة صالحة، هذا هو الحب الذي ينبعث ويشتد كلما شعر الإنسان بالخطر. طفل رضيع يذبح على يدي والده (عليه السلام)، وينقل التاريخ بأن للإمام الحسين (عليه السلام) طفلين رضيعين قتلا في كربلاء، الأول كان عمره ستة أشهر، والآخر كان عمره ساعات، هذا عن الجانب المادي بالنسبة لتضحية الإمام الحسين (عليه السلام). وفي الجانب المعنوي أيضاً قدم (عليه السلام) شيء، فبقدر ما كانت كربلاء أليمة ومفجعة ماوراء ها من اتهامات كبيرة نجد أثرها حتى هذا اليوم، وهي كذلك أليمة ومفجعة، فشريح القاضي وما أكثر من أمثاله في واقعنا المعاصر يفتي بوجوب قتل الإمام الحسين (عليه السلام) حتى بلغ الامر أن يقول الإمام الصادق (عليه السلام) عنه: ((ازدلف إليه ثلاثون ألفاً كلهم يتقربون الى الله سبحانه وتعالى بسفك دمه)). هكذا عملت الدعايات المظللة بأدمغة الناس، وبعد أن قتل الإمام الحسين (عليه السلام) وسبي أهل بيته، كان يعتقد الناس بأنهم سبايا الترك أو الديلم، وهذا سرعظمة الإمام الحسين-عليه السلام-إذ أنه قدم نفسه وأهل بيت فداء لدين الله مختاراً. الحسين (عليه السلام) تحول الى ثورة ثار ضد حالة الانهيار ومسيرة التراجع التي بدأت تدب في الامة الاسلامية بشكل سريع خاصة في عصره (عليه السلام). وقبل الخوض في هذا الحديث لابد الحديث عن الفتوحات الاسلامية التي أذهل المراقبين عبر التاريخ، لانها كانت حركة سريعة ومفاجئة وسهلة، والمسلمون حينما عبروا السهول والهضاب والجبال والبحار من كل جهة وفي كل الابعاد. انسياب الماء النازل من الجبل، بدءاً بفتح اليرموك والحيرة في جانبي الجزيرة وانتهاءاً بسقوط الامبراطورية الفارسية، وكذلك اقتطاع أجزاء كبيرة من الامبراطورية البيزنطية في آسيا وافريقيا، أما في زمن الإمام الحسين (عليه السلام) فكانت الفتوحات الاسلامية تتجه الى هند. من الطبيعي ان الذي يقوم بهذه الفتوحات هو الجيش فان القوة المسلحة، والقوة الغازية، والقوة الفاتحة هي التي تكتب أكثر الانتصارات للامة التي مازالت تحمل في قلبها ذكريات ايام الجوع والعطش داخل الجزيرة العربية، بيد ان هذه القوى لابد أن تغتر بنفسها وتفتش عن دور لها في ادارة البلاد وسياسته، مع العلم بأن القوة العسكرية اذا دخلت البلاد أفسدتها لانها تريد أن تحكم فيها بمنطق حكمها (أي منطق السيف والحرب والمعارك الدامية) وهكذا جرت الامور في الامة الاسلامية، وكل حضارة في العالم تمر بهذا الدور، أو هذا المنعطف الحساس، فالحضارة لابد أن تدعم القوات المسلحة باعتبارها الدرع الواقي ضد الاعداء، ولكن ما أن تدعم هذه القوات حتى تتعرض لخطر داهم عليها. ان هذه المعضلة الحضارة كانت موجودة عند كل الحضارات فاذا كانت في الامة بقية ارادة تتجلى في نهضة.. تتجلى في سلطة قوية أو في جماهير أقوياء، اذا كان ذلك موجوداً (النهضة والقيادة والجماهير الاقوياء) فان القوة العسكرية الموجودة على الحدود لا تستطيع أن تنكفأ الى الداخل وتحطم ما حققته في الخارج، وإلا فان هذه القوة التي اكتسبت الانتصارات لهذه الامة هي التي ستهدم كل ما بنته بيدها، والله سبحانه وتعالى يوضح لنا جانباً منها في قصة عاد قال تعالى: ((وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون*واذا بطشتم بطشتم جبارين*فاتقوا الله وأطيعون*واتقوا الذي أمدّكم بما تعلمون*أمدّكم بأنعام وبنين*وجنات وعيون*اني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم)) (129/135/الشعراء). ان هوداً-عليه السلام-أراد أن ينبههم قائلاً:

ان هذه القوة التي تملكونها من الله تعالى وان استخدامكم لهذه القوة في طريق البطش والارهاب والاحساس بالخلود سوف يضركم، وسوف يأخذكم الله بعذاب عظيم بسببها. ان ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) لم تكن بعيدة كل البعد عن هذا المضمون، فلم يرد الإمام الحسين (عليه السلام) أن يخضع للارهاب أو لسلطة القوة، ولم يرد أن يأتي العسكر الذين فتحوا أطراف البلاد للحكم. وبدراسة التاريخ نجد ان النظام الاسلامي (مع قطع النظر عمن كان يسود النظام) أي المؤسسة السياسية في الدولة الاسلامية كانت منتبهة لهذا الخطر فكان كل قائد عسكري يحرز الانتصار يعزل لكي لا يفتتن الناس به، وها نحن أمام ظاهرة جديد من هذا النوع. ان يزيد لكي يعمل على تركيز سلطته اعتمد على القادة العسكريين الذي فتحوا البلاد، فوزع عليهم الاراضي، وأمّا عمر بن سعد فمناه بملك الري ان انتصر على الإمام الحسين (عليه السلام) كما ان معاوية بن أبي سفيان بعث الى مصر عمر بن العاص الذي كان يوماً ما قائداً فاتحاً لمصر، أي حكم القيادة العسكرية ضد إرادة الجماهير، هكذا كان يزيد امتداداً لمعاوية، وابن زياد كان امتداداً لزياد بن أبيه وكان عمر بن سعد امتداداً لسعد بن أبي وقاص الذي كان أحد القادة الذين فتحوا العراق، وعمر بن سعد ابنه، وهو حاكم باسم أبيه. وهناك نتيجة وهي ان الاستقراطية الاجتماعية في النظام الاموي كانت تورث الرتب العسكرية، فمن كان أبوه قائداً فانه يرثه من بعده، وهذا أغرب نوع من الارث، لان هذا ابن القائد الفلاني فينبغي أن يصبح هذا قائداً، وها هو عمر بن سعد ورث أباه قيادة الجيش المعد للغزو والفتح وها هو ابن زياد يهدد أهل الكوفة بجيش الشام، وقد قام قبل شهر واحد من واقعة كربلاء بالضبط بانقلاب عسكري في الكوفة التي هدّدها بحاميات من الجيش الشامي حيث كان يخوفهم به للقضاء على إرادة الجماهير وهذا انقلاب عسكري بكل معانيه، وهذا الانقلاب حوّل القوة العسكرية التي بنيت لفتح البلاد الاخرى الى قوة لقهر إرادة الجماهير، والإمام الحسين (عليه السلام) قاوم هذا التحول من أجل مصلحة الامة الاسلامية ومصلحة تاريخها ونجح في ذلك وأعاد القيادات العسكرية الى ثكناتها، وهذا وجه من العلاقة بين قيام الإمام الحسين (عليه السلام) وبين قيام الانبياء (عليه السلام) كهود وصالح الذين قاوموا الجبارين، ومن الغريب أن أصحاب الإمام الحسين (عليه السلام) يعلمون ان عظمة حركتهم وانها امتداد لحركة الأنبياء (عليه السلام) وان البطش وغرور القوة والعسكرتارية يجب ان تحطم في كربلاء والدليل على معرفتهم بذلك هي بعض أقوال الإمام الحسين-عليه الصلاة والسلام-وأصحابه. جاء حنظلة بن سعد الشامي فوقف بين يدي الإمام الحسين(عليه السلام) يقيه السهام والرماح والسيوف ويتلقاها بوجهه ونحره، وأخذ ينادي ياقوم اني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب.. ويا قوم اني أخاف عليكم يوم التناد يوم تولون مدبرين مالكم من الله من عاصم.. يا قوم اني أخاف مثل يوم الاحزاب، مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلماً للعباد يا قوم لا تقتلوا حسيناً فسيحكم الله بعذاب وقد خاب من افترى. هكذا ينصحهم ويذكرهم بمصير الاقوام السابقة الذين كانوا في ذات الخط.. وهكذا نجد مثل هذه الكلمة تتكرر عند الآخرين من أصحاب الإمام الحسين (عليه السلام) فمثلاً جاء سعيد بن عبد الله الحنفي وتقدم أمام الحسين (عليه السلام) فصار هدفاً لنبالهم حتى سقط على الارض وهو يقول (اللهم العنهم لعن عاد وثمود.. اللهم أبلغ نبيك (ص) عني السلام وأبلغه ما لقيته من الجراح فاني أردت بذلك نصرة ذرية نبيك) ثم استشهد (رضوان الله عليه) فوجد به ثلاثة عشر سهماً سوى ما به من ضرب السيوف وطعن الرماح، فهم يعرفون لماذا يعملون. ومن أهم الصفات التي يبينها الإمام الصادق-عليه السلام-في دعائه لعمه العباس (عليه السلام) في كربلاء انه كان على بصيرة من أمره، فوضوح العمل الذي يقوم به يعطي عملنا قوة وصلابة واستقامة، فنظرة الى أصحاب الحسين (عليه السلام) تعرفنا ما لديهم من أفكار يقول هلال بن نافع منشداً:

أنا الغلام البجلى اليمني
ديني على دين حسين وعلي

ان أقتل اليوم فهذا أملي
فـذاك رأي وألاقي عـملي

انه كان يعمل طول حياته في سبيل الله ليقدم لنفسه في حياته الاخرى المثوبات وكان يقول في معنى شعر ((إنما اقتش عن ذلك الجزاء الذي قدمت له عملاً في هذه الدنيا وهو قتلي هذا اليوم فهذا أملي وهو رأي وألاقي غداً عملي)). وهذا رجل آخر من أصحاب الإمام الحسين (عليه السلام) ويبدوا انه كان من أصحاب البصائر وهو (شوذب) وهو مولى لأبي شاكر، يأتي هذا الرجل الإمام الحسين(عليه السلام) فيقول له:

((يا أبا عبد الله أما والله ما من أحد على وجه الأرض قريب أو بعيد أعز عليّ، وأحب اليّ منك، ولو قدرت على أن أدفع عنك قتل أو الضيم بشيء أعز علي من نفسي ودمي لفعلت)) ثم قال:

((السلام عليك يا أبا عبد الله أشهد اني على هداك وعلى هدى أبيك)) ثم مضى بالسيف نحو القوم وقاتل حتى قتل، وكان بعض أصحاب الإمام الحسين (عليه السلام) في أرجوزاتهم لا ينتسب الى نفسه بل الى امامه، وكان البعض يؤكد على انه يبحث عن الجنة فسعد بن حنظلة التميمي ينزل ساحة الصراع وهو ينشد هذه الابيات قائلاً:

صبراً على الأسياف والأسنة صبراً عليها حتى دخول الجنة

وحـور عين ناعـمات هن
لمـن يريد الفوز لا بالظنة

يا نفس للراحـة فـاجهدن
وفي جـلاب الخير فارغبن

انه كان يعلم جيداً ان دخول الجنة ليس بالاماني إنما يجب أن يصبر على السيوف والاسنة ليدخل الجنة، ومن ضمن أرجوزاتهم يخاطب نفسه:

ارغبي في الراحة ولكن الراحة لا تأتي إلا بالتعب، وأرغبي في طلب الخير فان الجنة خير والجزاء خير. وهناك قصة معروفة ((جرى مزاح بين مسلم بن عوسجة وحبيب بن مظاهر -رضوان الله عليهما- فقال حبيب:

يا مسلم الآن ليس وقتها، نحن في حالة حرب والأعداء يحيطون بنا من كل مكان، فقال له مسلم أتعلم انني لم أكن أحب الهزل في شبابي ولا في كهولتي وأنا شيخ كبير، ولكن اذا أردت الحقيقة، اليوم وقت المزاح اليوم وقت الهزل ان كان هذا هزلاً، فيقول حبيب: كيف ذلك؟!! فيقول له:

لايوجد بيننا وبين الجنة وعناق الحور العين إلا ساعات نقترب منهم ونعالجهم ويعالجوني بالسيوف فنستشهد في سبيل الله، ونذهب الى مقرنا الابدي عند الله سبحانه وتعالى. وما أعظمها من دروس كتبها أصحاب الإمام الحسين (عليه السلام) بدمائهم وعظماء أولئك الذين يستوحون الدروس من مدرسة كربلاء ومن أصحابها. حيث كانت مزدحمة بالتلاميذ عبر التاريخ من كل حدب وصوب، ومن كل فئة، ومن كل لون من ألوان الناس ولكن يجب علينا أن نسجل أنفسنا منذ هذه اللحظة، أو نجدد تسجيلنا في هذه المدرسة، ونسعى من أجل أن نصبح الافراد الممتازين فيها، وذلك أملنا من الله الذي نبتهل اليه سبحانه من أجل تحقيقه.