|
اتصف عام 61هـ من الهجرة النبوية المباركة، بانعطاف تاريخي في حياة الأمة الإسلامية، باقترانه مع أكبر جريمة عرفها التاريخ، تمثلت بمقتل سيد شباب أهل الجنة، وسبط النبي (ص)
الأصغر، الإمام الحسين بن علي (رض)على يد السلطة الأموية، وسبي أهل بيته من النساء والأطفال مصطحبين برؤوس أحبتهم إلى مركز البلاط الأموي في دمشق.
وأصبح ومنذ ذلك اليوم العاشر من محرم -الدامي والأليم والكئيب- يوماً محفورا في ذاكرة الأجيال المتعاقبة، ويوما ختمه الحسين (رض) باسمه وملحمته الاستشهادية التضحوية الخالدة.
يدأب المسلمون – الشيعة بشكل خاص وسائر المسلمين بشكل عام –
على الاحتفال بهذه النهضة المباركة في مطلع كل عام هجري، ليحيوا ذكرى الدماء الزكية الطاهرة للحسين(رض) وأصحابه وأهل بيته، التي سالت على رمضاء كربلاء، وليجددوا بذلك العهد مع هذه النهضة المباركة.
إن خلود النهضة وديمومتها عبر الزمن، ومقاومتها لعوامل التعرية والتهميش، لدليل معبر ومهم على أهمية القيم والمثل الإحيائية والتنويرية التي تحتضنها للأجيال المتعاقبة.
إن الجانب الإنساني المشرق لهذه النهضة، والمتجلي في كلمات الإمام السبط الحسين بن علي (رض) وما يقرأه المتفحص في أحداثها الجـسام، عطاء يثري الإنسانية المـُغْفِرة المجُدبة في هذا العصر، و يمولها باليافع من ثمار الفكر التنويري التربوي الإصلاحي، ويحصنها مما يحيك لها أئمة العولمة التي تصوب سهامها لجوهر الإنسانية.
إن النهضة التي ترفع شعار "" ما خرجت أشرا ولا بطرا وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي, أريد إن أمر بالمعروف وان انهي عن المنكر"" وكأن مطالبها الإصلاحية غضة طرية في حيويتها في زماننا هذا، مما يشد ويعضد الحاجة الملحة، لإعادة النظر في موقفنا من هذه النهضة المباركة، والدعوة تتسع لكل المفكرين والعلماء الإسلاميين الشيعة منهم والسنة في أن يتخذ كل دوره الثقافي في إعادة دراسة هذه النهضة.
إن العامل المشترك لكلا الفريقين من المثقفين والمفكرين جدا حيوي ومفصلي في هذه البرهة التاريخية الحرجة، لعرض الوجه الإنساني الخالد، لهذه النهضة للمجتمع الإنساني الواسع في شتى أصقاع المعمورة والمستضعفين منهم على وجه الخصوص.
تتمتع النهضة الحسينية بتراث ذي مناهج ومشارب متنوعة وغنية.
فتراث النهضة الحسينية بحاجة إلى إعادة تأصيل ومراجعة على ضوء المتاح من المناهج العلمية، والوسائل البحثية والمدارس الفكرية المعاصرة، ويمكن استعراض هذه المناهج واستعراض ما تحتاجه من التصحيح والتصويب.
1. المنهج التاريخي: رصدت المطولات والموسوعات التاريخية، أحداث هذه النهضة بالدقة والتفصيل كما جاء في تاريخ الطبري وابن أثير ومروج الذهب للمسعودي، وقد أفرد المؤرخون مؤلفات مفصلة أطلقوا عليها (المقتل) كمقتل أبي مخنف الشهير، ومقتل ابن الأثير غيرهم من المؤرخين... وبالرغم من الدور الحيوي، لرصد هذه الكتب لحادثة كربلاء عانى هذا الرصد الكثير من الخلل، وشابه العفوية في التدقيق والتنقيح للرواية التاريخية غير الدقيقة – لاسيما تلك التي تتحدث عن الأحداث الدقيقة والتفصيلية- تحليل النهضة تحليلا دقيقا وأعاق إظهار جوانبها الإنسانية. لمنهج التاريخي بحاجة إلى المزيد من التنقيح والتحقيق باعتباره مادة تاريخية حية ومهمة في معرفة هذه النهضة خصوصا من قبل الأجيال المتأخرة التي يغلب على توجهها المنحى العلمي التحقيقي. وإعادة النظر في الرواية التاريخية ضروري في تنضيب وتجفيف منابع الخطباء الشعبيين الذين يوظفون الرمزية في هذه الأحداث في البكائية والرثائية المجردة دون التحليل العلمي المتوازن لها. 2. المنهج السياسي: يعد المنهج السياسي في دراسة النهضة الحسينية من المناهج الحديثة، حيث توظيف أدوات المفاهيم السياسية في تحليل النهضة الحسينية لإظهار بعددها السياسي في زمنها والأزمان المتعاقبة. إن تبني المناهج العلمية في تأسيس منهج تاريخي أصيل ومتجدد غاية، في الأهمية في تأصيل هذه النهضة لاسيما وجهها الإنساني لتعريفه، لكافة المجتمعات البشرية المتعطشة للموقف الإنساني الأصيل الذي يعكسه السبط الشهيد في نهضته. والدروس والعبر والخطط المنهجية التي أبدعتها هذه النهضة في هذا المضمار، ويعد كتاب المفكر الإسلامي الكبير الراحل الشيخ محمد مهدي شمس الدين (ثورة الحسين) من أهم الكتب التي درست النهضة من هذه الزاوية كما لا يخلو كاتب المفكر الإسلامي الراحل الشيخ مرتضى مطهري(الملحمة الحسينية) من دراسة النهضة الحسينية بهذا المنظار. ويعد هذا المنهج مهما جدا في دراسة العوامل والأسباب السياسية التي تأسست عليها النهضة وتحليل الآثار والنتائج التي حققتها هذه النهضة في هذا الحقل . يعد هذا المنهج من أهم المناهج التي بحاجة إلى المزيد من التطويع والتطبيع في دراسة النهضة الحسينية خصوصا في ضوء النظريات السياسية الغربية المهيمنة على الساحة العالمية وما يحكم هذه النظريات من أصول عقائدية فلسفة ميكافيلية وصليبية. 3. المنهج العقائدي: كان لعلماء الفلسفة والكلام دوراً بارزاً وحاضراً وما زال في تحليل النهضة الحسينية. لعل أهم القضايا التي إثارة هؤلاء الفقهاء والفلاسفة هي خروج الحسين (رض)على حاكم عصره ومدى شريعة ذلك،مثل ما ذهب إليه ابن عربي من تخطئة الإمام الحسين(رض)في خروجه. ومن القضايا المهمة التي عالجها جمله من الكلاميين والفلاسفة قضية تنبأ السبط الشهيد بالقدر المحتوم الذي ينتظره وأصحابه وأهل بيته في كربلاء،ويعد هذا الجانب من النهضة من أهم البحوث الكلامية على ضوء ما تثيره العمليات الاستشهادية من جدل في المحافل العلمية والسياسية. هذا الجانب بحاجة إلى المزيد من التأصيل بالبحث والتقصي في جذور هذا التوجه الاستشهادي في المصادر المتفق عليها في التشريع الإسلامي. 4. المنهج التربوي: نظر الكثير من الباحثين في حقل الأخلاق والتربية وسائر العلوم الإنسية إلى النهضة الحسينية كمصدر مهم في دراسة التحولات الاجتماعية التي عاشتها الأمة الإسلامية في العهد الأول من الدولة الأموية وما صاحب ذلك من تحولات حرجة وحساسة على الفرد والأسرة والمجتمع وما انعكس من علاقة الحاكم بالمحكوم. تعتبر الأهداف التربوية والأخلاقية للنهضة أهدافاً استراتيجية وحيوية هيمنت على أحداث النهضة وحكمت الكثير من القرارات المصيرية التي اتخذها السبط الشهيد في تعاطيه مع الفريق المناوئ لإظهار حجم الانحسار الضخم والخسارة الكبيرة للقيم الأخلاقية في تلك الحقبة التاريخية. أن التأصيل الذي يتطلبه هذا المنهج يمكن في دفع أهل الاختصاص لبلورة أطروحات تطبيقية تستند إلى ما جاءت به النهضة من قيم تربوية وما استندت إليه في دعوتها لإصلاح كيان الأمة التربوي الذي أصيب في مقتله. 5. المنهج الشعبي: يلعب المنهج الشعبي دوراً بارزاً ومؤثراً في توجيه الأوساط الشعبية وصياغة إفهامها في التعاطي مع النهضة الحسينية من أهم المظاهر الرائجة في الوسط الشعبي وما بعرب بـ الخطابة الحسينية أو المنبر الحسيني – لون من ألوان الخطابة التي تعرف بالنهضة وتجميع بين التوجيه التربوي والتثوير العاطفي- يتمتع هذا المنهج بالتأثير العميق في الأوساط الجماهيرية لقدسيته وأصالته في توجيه وتوعية الجماهير على مر التاريخ. واهم تعانيه الخطابة الحسينية هو غلبة خطاب غير ممنهج يشوبه الكثير من العفوية مما قد يومئ إلى كثير من المتتبعين له بأنه طائفياً في منحاه مما يعيق إبلاغ رسالته خارج دائرة المخاطب الشيعي. بالإضافة إلى انعدام الضوابط العلمية والشرعية التي تحدد طبيعة الطرح ومنهجيته في المنبر الحسيني إلا بعض الأعراف العامة . يعاني المنبر الحسيني من غلبة خطباء ذوي تعليم متوسط مما يجعل الخطاب السائد- إلا ما ندر من بعض العلماء الخطباء القلائل-خطاباً قصير النظر, طائفياً في كثير من طرحه ومتشرنقاً في وسطه الثقافي. إن تأصيل المنهج الشعبي المتمثل في المنبر الحسيني ليلعب دوره في نقل الوجه الإنساني للنهضة الحسينية للأوساط الشعبية في كافة المعمورة، يتمثل في أعادة تأسيس جذري للخطيب والخطاب الحسيني بما يلتقي وشروط العصر وتحديثاته. خصوصا تشديد النظر على الجمع بين تعليم الخطيب التقليدي وغير التقليدي من علوم ومعارف الساعة والعمل على إيجاد قنوات رقابة وتصويب تنفيذية لتوجيه الخطابة الحسينية وتأصيلها كي تحقق دورها في تأصيل الجانب الإنساني للنهضة الحسينية. |