|
عوامل النهضة الحسينية: أن دعوة أهل الكوفة للإمام الحسين (عليه السلام) للقدوم إليهم وتولي مقاليد أمور البلاد هناك، كانت تشكل العامل التعاوني في نهضته (عليه السلام)، أما طلب الأمويين من الإمام تقديم البيعة ليزيد ابن معاوية فكان يشكل العامل الدفاعي لتلك النهضة، وقلنا أن الحسين (عليه السلام) انبرى لمقارعة السلطة الجائرة التي كادت أن تجر العالم الإسلامي إلى الفساد الشامل، وتحمل (عليه السلام) مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مواجهة تلك السلطة، وكان هذا الأمر هو العامل الهجومي لثورة الإمام (عليه السلام). إن الإمام الحسين (عليه السلام) قد رفع من شأن المبدأ بدمه الزكي ودماء أهل بيته وأصحابه الطاهرين (عليهم السلام) ،إن قضية البيعة كانت متقدمة من حيث الزمان على الدعوة الموجهة من أهل الكوفة، إذ أن الرسول الذي أوصل خبر هلاك معاوية إلى والي الأمويين في المدينة جلب معه في نفس الوقت رسالة أخرى تضمنت طلبا لأخذ البيعة من الحسين بن علي (عليه السلام) ومن أشخاص آخرين، ومن المحتمل أن أهل الكوفة لم يكونوا بعد قد علموا بموت معاوية في هذا الوقت، كما يثبت ذلك التاريخ أيضاً إذ يذكر لنا إن بني أمية طالبوا الحسين (عليه السلام) بالبيعة وأنه امتنع عن تقديم البيعة لهم ومضت على هذا الأمر أيام حتى اضطر الإمام نتيجة لضغوط أن يترك المدينة وأن يبدأ حركته منها في السابع والعشرين في شهر رجب ويصل مكة في الثالث من شهر شعبان فوصلته دعوة أهل الكوفة في الخامس عشر من شهر رمضان المبارك أي تقريباً بعد شهر ونصف من مطالبة بني أمية إياه بالبيعة ليزيد وامتناعه عن الإجابة لذلك الطلب،حيث أن الإمام لبث في مكة أربعين يوماً وبناءاً على ذلك فإن الحسين (عليه السلام) لم يرفض تقديم البيعة بسبب أهل الكوفة له قبل أن يطلب الأمويين منه ذلك ليزيد بل إنه أعلن بكل صراحة بأنه لن يبايع يزيد حتى ولو ضاقت به الأرض كلها. فهذا هو العامل الثاني لنهضة الإمام (عليه السلام).وثالث عامل هذه النهضة هو واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد بدأ الإمام (عليه السلام) حركته من المدينة المنورة وهو يهدف لقيام بهذا المهم، فحتى لو يطلب له مبايعة يزيد ولم يطالبه أهل الكوفة بالقدوم إليهم لمبايعته فإنه كان يرى من واجبه النهوض لأداء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأن الفساد كاد أن يعم العالم الإسلامي آنذاك.ففي القضية الأولى ينحصر الأمر في شخص الإمام (عليه السلام) إذ يحاول الدفاع عن نفسه ويرفض تقديم البيعة، القضية الثانية يبدي الإمام فيها التعاون وفي الثالثة يأخذ الحسين (عليه السلام) موضع الهجوم ويتعرض لحكومة زمانه، فهو إنسان ثائر على السلطة في هذه الحالة، إن كل واحد من العوامل المذكورة كان ينطوي على واجب معين للحسين (عليه السلام) وعندما نقول بأن نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) متعددة الحقائق فإن سبب ذلك هو أن الإمام (عليه السلام) كان واجبه الأول تجاه موضوع البيعة هو الرفض.فالدعوة التي وجهها إليه أهل الكوفة كانت عاملاً مؤقتاً، إذ سرعان ما وصله نبأ مقتل ابن عمه مسلم الذي بعثه رسولاً إلى أهل الكوفة وفي طريقه لاقى الحر بن يزيد الرياحي فانتفي بذلك موضوع دعوة أهل الكوفة، ومن هنا فلا تكليف على الإمام (عليه السلام)، وقد خاطب أهل الكوفة بقوله أنه قدم إليهم تلبيةً للدعوة التي وجهها له كما أكد لهم بأنه سيعود إن هم رفضوه، ولا يدل هذا إنه سيعود لتقديم البيعة ليزيد، لقد خاطب الإمام أهل الكوفة بقوله أنه لو ضاقت به الأرض كلها فإنه لن يبايع يزيد، فهو لالتزامه بأداء واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد وكان (عليه السلام) حين غادر المدينة متخذاً رفض البيعة ليزيد سلاحه للهجوم على السلطة الجائرة في زمانه فقد كتب وصيته لأخيه محمد بن الحنفية وهو يقول فيها: (ما خرجت أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمتي جدي ...). حقيقة النهضة الحسينية قال الإمام الحسين (عليه السلام):{إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي}. أن من الظلم العظيم والتصور الواهي، أن نسبغ على القضية الحسينية ثوباً طائفياً أو إقليميا، أو حتى مجرد حدثاً تاريخياً جرى في حقبة من الزمن ثم تلاشى. فالمنصف والمتمعن بموضوعية لا يرى في مسيرة الحسين (عليه السلام) إلى كر بلاء إلا قضية إسلامية أصيلة تمثل فريضة من فرائض الإسلام ضمن نظامه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحيث جسد فيها الإمام (عليه السلام) الإخلاص والحب والتفاني للرسالة الإلهية، ورسم بدمه الشريف صورة مشرفة ونموذجاً رائعاً لأمتنا اليوم في صراعها مع الباطل. فالقضية الحسينية ستبقى خالدة ومستمرة مع استمرار أي انحراف في خط الرسالة والتي اختلط منهجها جده محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذي خاطب الأمة بأن (حسين مني وأنا من حسين). ومن الغبن أيضاً أن لا نرى في القضية الحسينية إلا جانباً واحداً فقط، الجانب المأساوي الحزين - رغم قدسيته - دون أن ندع جانب الفكر والموقف والقدوة ينطلق ليشكل تفاعلاً منسجماً بين الفكر والعاطفة. فهدف الإمام الحسين (عليه السلام) من واقعة الطف كان إصلاح هذه الأمة والعمل على تغيير الواقع السيئ إلى واقع الإسلام المبارك. العلل التي أنتجت الثورة أو النهضة (العلل الفاعلة) كما أن للظواهر المختلفة حقائق مختلفة فإن كل نهضة أو ثورة بما أنها ظاهرة لها حقيقة خاصة بها تختلف عن حقائق مثيلاتها. ولأجل إدراك شيء معين - يجب التعرف على علله الفاعلة والغائبة، وكذلك الإحاطة بالعلل المادية لذلك الشيء، أي بأجزائه وجزئياته المكونة له وأيضاً معرفة علته الصورية وشكله وخصائصه التي حصل عليها في الكل، وتوضيح ذلك كما يلي: 1- أن نوع النهضة وأهدافها يشكلان العلل الغائية لها. 2- والنشاطات والأعمال المنجزة في النهضة هي عللها المادية. 3- ويكون الشكل الذي أخذته النهضة لنفسها في المجموع العلة الصورية لها.أما نهضة الحسين (عليه السلام) فهل هي وليدة الانفجار النفسي؟ كماء يغلي في قدر مقفل إذا لم يلق البخار المتصاعد منه منفذاً للخروج يؤدي إلى انفجار القدر بتأثير ازدياد درجة الحرارة؟ |
|